الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الصيام
قوله: ويجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما باستكمال شعبان، أو برؤية الهلال؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال:"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"(1). [انتهى](2).
وما نقله من إكمال العدة ثلاثين ليست في رواية ابن عمر، والذي رواه:"فإن غم عليكم فاقدروا له".
قوله: وإن شهد واحد فقولان: أحدهما: أن الرؤية لا تثبت.
وهى رواية البويطي؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا إلا أن يشهد شاهدان"(3).
وأصحهما وهو الذي نص عليه في كتبه وقطع به بعضهم: أنها تثبت؛ لما روي عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال فقال: "تشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم. قال: "وأن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم. قال: "فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا"(4).
(1) أخرجه البخارى (1808) ومسلم (1080).
(2)
سقط من أ، ب.
(3)
أخرجه البخارى (1810) ومسلم (1081) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه أبو داود (2340) والترمذي (691) والنسائي (2113) وابن ماجة (1652) والدارمي (1692) وابن خزيمة (1923) وابن حبان (3466) والحاكم (1543) والدارقطنى (2/ 158) وأبو =
وعن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس"(1).
انتهى ملخصًا.
وما صححه الرافعي وغيره من قبول قول الواحد خلاف مذهب الشافعي فإن المجتهد إذا كان له قولان وعلم المتأخر منهما كان مذهبه هو المتأخر، وقد نص في "الأم" على أن اشتراط الاثنين متأخر عن هذا فقال في أول كتاب الصيام الصغير ما نصه: قال الشافعي رحمه الله: وبهذا نقول، فإن لم ترى العامة هلال رمضان ورآه رجل عدل أن أقبله للأثر والاحتياط.
قال الشافعي (2) رحمه الله: أخبرنا الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين عليه السلام أن رجلًا شهد عند على رؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان.
قال الشافعي رحمه الله بعد: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان.
= يعلى (2529) وابن أبى شيبة (2/ 320) والبيهقى في "الكبرى"(7762) وابن الجارود في "المنتقى"(379) من حديث ابن عباس -رضى الله عنهما-.
قال الترمذي: روى مرسلًا.
وقال النسائي: إنه أولى بالصواب وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة. عن عكرمة.
وقال أبو داود: رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلًا.
وقال الألبانى: ضعيف.
(1)
أخرجه أبو داود (2342) والدارمي (1691) وابن حبان (3447) والبيهقى في "الكبرى"(7767) بسند صحيح.
(2)
أخرجه الشافعى (467) والدارقطني (2/ 170) والبيهقي في "الكبرى"(7770). قال الحافظ: فيه انقطاع.
هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
واعلم أن من جملة الفوائد المهمة الجليلة التي اشتمل عليها [مقدمة](1) هذا الكتاب وسبق هناك إيضاحه أن "الأم" رواية البويطي عن الشافعي وأن البويطي مات قبل ترتيبها فرتبها الربيع واستدرك فيها أشياء فصرح فيها باسمه تارة فيقول: قال الربيع، وتارة لا يصرح به اعتمادًا على القرينة. ومنه هذا الموضع.
والحديث الأول: ما عدا الاستثناء -رواه الشيخان عن اختلاف في بعض الألفاظ وهو إلى لفظ البخاري أقرب، وأما الاستثناء فضعيف، ويغني عنه ما رواه حسين بن الحارث قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية، فإن لم نره فشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما. رواه أبو داود، والدارقطني والبيهقي. وقالا: هذا إسناد صحيح متصل.
وينسك: بضم السين وكسرها من النسك وهو العبادة.
وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، صححه ابن حبان والحاكم، وقال النسائي: والأولى بالصواب أنه مرسل.
وأما حديث ابن عمر فرواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الدارقطنى: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب، وهو ثقة، كذا نقله في "شرح المهذب" وأقره، وما ادعاه من التفرد ليس كذلك؛ فقد تابعه هارون بن سعيد الأيلي فرواه عن ابن وهب، كما أخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
قوله: فإن قبلنا الواحد فهو شهادة في أصح الوجهين، وقيل:
(1) سقط من أ.
رواية، ثم قال: وهل يشترط لفظ الشهادة؟ قال الشيخ أبو علي وغيره: هو على الوجهين، ومنهم من قدر اشتراطه متفقًا عليه. انتهى.
لم يبين هنا ما صيغة هذه الشهادة فهل يقال يشهد بطلوع الهلال ونحوه لا بالرؤية؛ لكونها من فعله أو تصح الشهادة وإن كانت بالرؤية، وقد تعرض هو لذلك في صلاة العيدين في الكلام على لفظ "الوجيز"، وذكر ما حاصله أن الشهادة بصيغة الرواية صحيحة فقال ما نصه: فنقول: لو شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان [إننا](1) رأينا الهلال البارحة، وكان ذلك قبل الزوال، وقد بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة أفطروا. انتهى لفظه.
ورأيت في "شرح الفروع" للقفال المروزي الجزم بمثله أيضًا فقال في هذا الباب: إذا كانت السماء مصحية فشهد شاهدان: إننا رأينا الهلال ليلة الثلاثين قبلنا قولهما وأفطرنا. هذا لفظه.
ورأيت في "أدب الشهود" لابن سراقة ما هو أصرح منه فقال: يقول: أشهد أيها القاضي أني رأيته. هذه عبارته، ذكر ذلك في باب تأدية الشهادة.
وخالف ابن أبي الدم فقال: إن الشهادة برؤيته لا تقبل؛ لأنها شهادة على فعل نفسه.
وقد اشتهرت هذه المقالة على الألسنة غير مستحضرين لخلافها؛ فلذلك صرحت بهذه النقول.
قوله: وهل يقبل قول الصبي المميز الموثوق به إذا جعلناه رواية؟ قال الإمام: فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصبيان، وجزم في
(1) في حـ: أنا.
"التهذيب" بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته، وهو المشهور. انتهى كلامه.
وحاصله: أن في المسألة طريقين:
المشهور: طريقة القطع،
والثاني: التخريج على الخلاف.
وقد صرح النووي بذلك في "الروضة".
إذا علمت ذلك فالمذكور هنا قد خالفه الرافعي في "الشرح الصغير" فجزم بطريقة الوجهين.
ثم إنه أيضًا يشكل على سائر الإخبارات، فقد حكى الرافعي وجهين في قبول إخباره بنجاسة الماء وبالمرض المخوف وبجهة القبلة وغيرها، ولم يحك طريقة قاطعة بالمنع فضلا عن تصحيحها فأي فرق بين ما يجئ فيه وبين هذه الأبواب.
نعم إن أشار الرافعي بقوله وهو المشهور إلى عدم القبول لا إلى الجزم به استقام وتوجه على "الروضة" اعتراضان، لكنه بعيد جدًا.
وفي المسألة أمور أخرى سبق ذكرها في باب الاجتهاد في المياه فراجعها.
قوله: وإذا أخبر موثوق به بالرؤية فهل يجب الصوم مطلقا أم يتخرج على هذا الخلاف؟ .. إلى آخره.
فيه كلام يتعين الوقوف عليه مذكور في الكلام على النية.
قوله في "أصل الروضة": واتفقوا على أنه لا يقبل قول الفاسق على القولين جميعًا.
اعلم أن في قبول إخبار الفاسق بجهة القبلة وجهين مذكورين في الرافعي فإما أن نقول بجريانهما هاهنا، وإما أن نلزمه أن يفرق، بل سبق في
التيمم أن في قبوله خبر الكافر بالمرض المخوف وجهين أيضًا.
ولم يصرح الرافعي هنا بالقطع بعدم القبول وإنما جزم به.
قوله أيضًا في "أصل الروضة": ولكن إن اعتبرنا العدد اشترطنا العدالة الباطنة. انتهى.
لم يبين المراد هنا بالعدالة الباطنة وهو أمر مهم ضروري، وقد بينه الرافعي عقب هذا الكلام فقال: وهى التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين. هذا لفظه. والعجب من حذف النووي له.
قوله: وإن لم يعتبر العدد ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان [جاريان](1) في رواية المستور.
قال الإمام: وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، وهو بعيد.
نعم قد تقول: يأمر القاضي بالصوم بظاهر العدالة كى لا يفوت الصوم ثم يبحث بعد ذلك. انتهى كلام الرافعي.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح من هذين الوجهين هو القبول، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: الأصح قبول رواية المستور، والأصح قبول قوله هنا والصيام به، وبه قطع صاحب "الإبانة"، و"العدة"، والمتولي. هذا كلامه، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا.
وتصحيح القبول متجه على القول بأنه رواية، وأما على القول بالشهادة فبعيد.
(1) سقط من أ.
الأمر الثاني: أن نقل الرافعي عن الإمام يقتضي أن البحث لابد منه. وليس كذلك بل المذكور في "النهاية" ما حاصله أنهم إن صاموا ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال فلابد من البحث وإلا ففيه تردد؛ فإنه قال عقب ما نقله الرافعي ما نصه: ولا يبعد أن يقال: إذا أمر استمروا ولم يبحث.
نعم إذا استكملنا العدة ثلاثين فلم يروا هلال شوال فلابد الآن من البحث عن العدالة فتأملوا ترشدوا. انتهى كلامه.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد أسقط ما نقله الرافعي عن الإمام فلم يذكره بالكلية، وجزم الغزالي في "البسيط" بأنه ينبغي للإمام أن يأمر وبأن يبحث أيضًا، ولم يفصل.
قوله في "أصل الروضة": ولو صمنا بقول عدلين ولم نر الهلال بعد ثلاثين فإن كانت السماء مغيمة أفطرنا قطعًا، وإن لم تكن مغيمة أفطرنا أيضا على المذهب الذي قطع به الجماهير. انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من قطع الجمهور قد خالفه في "شرح المهذب" مخالفة عجيبة فحكى أن الأشهر طريقة الخلاف فقال: وإن كانت مصحية فطريقان أحدهما: نفطر قولًا واحدًا، وبه قطع كثيرون.
وأشهرهما -وبه قطع المصنف وكثيرون: فيه وجهان: الصحيح- وقول جمهور أصحابنا المتقدمين: نفطر.
قوله: فالأصح القطع بثبوت الهلال بالشهادة على الشهادة كالزكاة وإتلاف بوارى المسجد؛ فعلى هذا إذا فرعنا على الصحيح وهو عدم العدد، فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية ففي الاكتفاء بواحد وجهان: أصحهما في "التهذيب": لا يكفي؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه.
وإن قلنا: طريقه طريق الشهادة فهل يكفي واحد أم لابد من
اثنين؟ فيه وجهان؛ المذكور في "التهذيب" منهما هو الثاني. انتهى ملخصا.
تابعه في "الروضة" على ذلك. فأما المسألة الأولى: فالأصح فيها هو الاكتفاء بالواحد؛ فقد قال ابن الرفعة في "الكفاية": إنه المشهور.
وذكر النووي في "شرح المهذب" نحوه؛ فإنه قال بعد ذكره ما ذكره هاهنا من غير زيادة عليه، وقال الشيخ أبو علي، وإمام الحرمين: الأصح الاكتفاء بواحد عن واحد، وبها قطع الدارمي. هذا كلامه.
وهذا الخلاف كالخلاف السابق في قبول رواية الصبي.
والبغوي بنى على قاعدة واحدة في الموضعين.
وأما في المسألة الثانية فالأصح فيها ما قاله البغوي، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالأصح.
والبواري: بالباء الموحدة والراء المهملة والياء المشددة المثناة من تحت: نوع ينسج من القصب كالحصير.
قوله: وما يقتضيه حساب المنجم لا يوجب الصوم عليه ولا على غيره.
قال القاضي الروياني: وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به في أصح الوجهين. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والذي صححه الروياني هو الصحيح، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير".
قال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": ومعرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلة، وهو غير [المعرفة](1) بالحساب على ما أشعر به كلام الغزالي
(1) في أ: المعروف.
في الدرس؛ فالحساب أمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في دركه الجمهور ممن يراقب النجوم. هذا كلامه.
وقد سبق في كتاب الصلاة فيما إذا علم المنجم دخول وقتها بالحساب كلام آخر فلينظر مع هذا.
قوله: وأما الجواز فقد قال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حسابه لا في الصوم ولا في الإفطار.
وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف إلى غيره. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في هذه المسألة هو الجواز في حق الحاسب والمنجم، والمنع في حق غيرهما، كذا صححه النووي في "شرح المهذب".
وسنذكر لفظه مع زيادة أخرى في الكلام على جزم [النية](1)، لكن نقل ابن الصلاح أن الجمهور على المنع في حق أنفسهما أيضًا.
الثاني: أن هذا الذي نقله عن بعض المسودات المجهولة، وتابعه عليه النووي هو مذكور في عدة من الأصول المشهورة منها "الشامل" لابن الصباغ وكذلك ["التهذيب"](2) و"التعليق" للشيخ أبي حامد حتى جعله بمنزلة الشهادة في حقه وحق غيره.
قوله: واعلم أن صاحب "التهذيب" ذكر تفريعًا على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به الطلاق والعتق المعلقين بهلال رمضان، ولا نحكم بحلول الدين المؤجل إليه.
(1) سقط من أ، ب.
(2)
سقط من جـ.
ولو قال قائل: هلا ثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج الفرق. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب"، وما نقله الرافعي عن البغوي ذكر مثله الخوارزمى، وفي ما ذكره الرافعي أمور:
أحدها: أن الطلاق والعتق المعلقين إنما لا يحكم بوقوعهما إذا سبق التعليق على الشهادة، فأما إذا وقعت الشهادة أولًا وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق المذكور فقال: إن كان قد ثبت رمضان فعبدي حر أو فأنت طالق فإن الطلاق والعتق يقعان، وذلك لأن الرافعي في الباب الثاني من كتاب الشهادات نقل عن ابن سريج والجمهور هذا التفصيل فيما إذا علق العتق أو الطلاق على الغصب، فثبت بشهادة رجل وامرأتين.
ثم قال: وقياسه أن يكون الحكم هكذا إذا علق برمضان فشهد به واحد. انتهى.
واعلم أن ابن سريج قد نص على هذا التفصيل الذي ذكرناه في "التعليق" بالغصب فتابعه عليه الأصحاب.
وقد نص -أعني: ابن سريج- على التفصيل المذكور في التعليق برمضان أيضًا هكذا، حكاه عنه القاضي الحسين في هذا الباب من "تعليقه".
وكلام الرافعي يقتضي أنه لم يجده منقولًا؛ ولهذا أثبته قياسًا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد أشار بقوله: كما سبق نظيره: [أي](1) فيما إذا صمنا بقول الواحد ثلاثين ولم نر هلال شوال فإنا نفطر على الأصح وإن كان شوال لا يثبت بالواحد، ومثله النسب والميراث فإنهما لا يثبتان بشهادة النساء إلا عند شهادتهن بالولادة فإنهما يثبتان تبعًا وضمنا.
(1) سقط من جـ.
وقد ذكر الرافعي في كتاب الشهادات أن في الموضع السابق ذكره قريبًا فرقًا بين ثبوت النسب والميراث، وبين عدم حلول الدين وعدم وقوع الطلاق والعتاق بما حاصله أن النسب ونحوه لازم للمشهود به، والطلاق والعتاق والحلول ليس بلازم لاستهلال الشهر، وقد ذكرت لفظه هناك.
الأمر الثالث: [(1) أن عدم حلول الدين ونحوه محله إذا لم يتعلق ذلك بالشاهد، فإن تعلق به ثبت بلا شك؛ لاعترافه بذلك.
قوله: وإذا رؤي الهلال في بلد ولم ير في أخرى فإن تقاربتا تعدى الحكم إليها، وإن تباعدتا فلا في أظهر الوجهين؛ لما روي عن كريب قال: رأينا الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة. قال: أنت رأيت الهلال؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية.
فقال: لكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه.
قلت: أو لا يكتفى برؤية معاوية؟
فقال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. (2) انتهى.
والحديث المذكور رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وكريب: بكاف مضمومة على التصغير، وفي آخره باء موحدة، وهو مولى ابن عباس.
واعلم أن الذي صححه الرافعي قد سبقه إليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق والغزالي والشاشي، لكن ذهب إلى الوجوب القاضي أبو
(1) بداية سقط كبير من ج.
(2)
أخرجه مسلم (1087) وأبو داود (2332) والترمذي (693) وابن خزيمة (1916) والدارقطني (2/ 171) والبيهقي في "الكبرى"(7994).
الطيب، والروياني وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جمع من أصحابنا، ونقله ابن المنذر عن أكبر الفقهاء، ونقله البغوي عن الشافعي.
قوله: وضبط العراقيون والصيدلانى وغيرهم البعد باختلاف المطالع، وضبطه الغزالي وصاحب "التهذيب" بمسافة القصر، وتحدى الإمام وادعى أنه لا قائل بالأول قال: وقد يوجد ذلك مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاورتها لها.
ومنهم من ضبطه -يعني: البعد- باختلاف الإقليم. انتهى ملخصًا.
وفيه أمور:
أحدها: أنه ليس فيه تصريح بترجيح، وقد صرح بترجيح الثاني وهو مسافة القصر في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وكذلك في "المحرر" فقال: إنه أشهر الوجهين.
واختلف تصحيح النووي فقال من زياداته في "الروضة" و"المنهاج": الأصح أن العبرة باختلاف المطالع، وذكر نحوه في "شرح المهذب"، ثم صحح عكسه في "شرح مسلم" في الباب الثالث من أبواب الصيام فقال ما نصه: والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة كما يقوله أبو حنيفة، وكأنه ظفر به بعد ذلك فألحقه ذاهلًا عما سبق فقدم في "الروضة" هذا الوجه فذكره مع المسألة.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد نقل في الظهار في آخر الخصلة الثانية أنه إذا صام رمضان عن فرض رمضان وعن الكفارة أجزأه عنهما عند ابن خربويه.
قال: والمعروف أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
إذا علمت ذلك فإن أراد الرافعي بالتعرض لكونه من رمضان خلوص
الصوم له وحده، وهو الظاهر لم يستقم نفي الخلاف لمقالة ابن خربويه.
وإن أراد التعرض له سواء كان مع غيره أو وجه كان أفحش في الاعتراض؛ لكونه خلاف المشهور.
الثالث: أن يعتبر العد أيضًا من الواجبات لا من الكمال فكان ينبغى أن يقول: فأما قصد صوم العد والتعرض .. إلى آخره.
قوله: وأما الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى ففيها الخلاف المذكور في الصلاة. انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" و"المحرر"؛ ومقتضاه أن الأصح وجوب التعرض للفرضية؛ لأنه الأصح في الصلاة.
وقد تابعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" عليه وعبر بعبارته، وخالف في "شرح المهذب" فقال ما نصه: والأصح عند البغوي اشتراطها، والأصح عند البندنيجي وصاحب "الشامل" والأكثرين عدم الاشتراط وهو الأصح، بخلاف الصلاة.
والفرق أن صوم رمضان من البالغ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر من البالغ قد تكون نفلًا في حق من صلاها ثانيا. هذا كلامه.
وإذا علمت ذلك علمت أن الفتوى على خلاف ما يقتضيه كلام الشرحين و"الروضة" وفروعهما ترجيحًا بكلام الأكثرين.
قوله: وأما رمضان هذه السنة فقد حكى الإمام، والغزالي وجهًا أنه لابد منه، ويغرب منه وجهان حكاهما البغوي في أنه هل يجب أن يقول: من فرض هذا الشهر أو يكفي أن يقول: من فرض رمضان؟ وقال: الأصح الوجوب، وزيفه الإمام بأنه إذا حصر الأداء بالليالى فقد حصر التعرض للوقت المعين.
وقد يزيف أيضًا بأن التعرض لليوم المعين لابد منه وذلك يغنى عن كونه من هذا الشهر وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك. انتهى.
ورمضان المذكور في أول هذا الكلام مضاف إلى ما بعده وهو اسم الإشارة.
إذا علمت ذلك ففي كلامه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يصرح هنا بتصحيح في التقييد بالسنة ونحوها، وقد صحح في "الشرح الصغير" و"المحرر" أنه لا يشترط، وعبر فيهما بالظاهر، وصححه النووي أيضًا في "أصل الروضة" وغيرها من كتبه، وقد تلخص مما ذكره هو والرافعي أنه لا يشترط ذكر الأداء ولا كونه من السنة ونحوها كالشهر، بل يكفيه أن ينوى صوم الغد عن فرض رمضان، وفيه كلام سأذكره.
الثاني: أن ما ذكره أولًا في تزييف الوجوب بدخوله في الأداء صحيح لكن الأداء لا يجب أيضًا عنده.
وما ذكره ثانيًا في تزييفه من أن التعرض لليوم المعين -وهو الغد- يستلزم السنة والشهر ذهول عجيب؛ فإن من نوى صوم الغد من هذه السنة عن فرض رمضان يصح أن يقال له: صيامك لليوم المذكور هل هو عن فرض هذه السنة أو عن سنة أخرى؟ إذ هنا أمران؛ اليوم الذي يصومه واليوم الذي يصوم عنه؛ فالحاصل أن ذكر هذه السنة في قلب الناوي إنما ذكروه آخرًا ليعود إلى المؤدي عنه لا المؤدي به.
الثالث: أن البغوي قد عبر بقوله: فيقول: نويت أن أصوم غدًا من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غدًا من الفرض أو من فرض رمضان فالأصح أنه لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر، وقيل: يجوز؛
لأن هذا الشهر لا يقبل غير فرضه.
هذه عبارة "التهذيب".
وقد علمت منها أن الوجه المرجوح عنده لا يوجب تقييد الفرض برمضان، بل لو قال من الفرض صح على خلاف المذكور في الرافعي و"الروضة".
وقد حذف في "الروضة" ما نقله عنه الرافعي من تصحيح البطلان في هذا التصوير، وأوهم كلامه تبعًا للرافعي أنها صورة واحدة، وليس تصحيح البغوي هذا لأجل التعرض للأداء؛ فإن الصحيح -عنده كما ذكره في الصلاة- عدم اشتراطه.
قوله: والتعيين واجب في صوم الفرض.
ثم قال: وأما صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة"، على إطلاق صحة التطوع بالنية المطلقة، لكنه قد تقدم في صفة الصلاة أن النفل إن كان راتبًا أو كان له سبب فلابد من تعيين النية فيه، وقياسه اشتراط التعيين أيضًا في الصوم الراتب كصوم عرفة، والذي له سبب كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام كما قلنا باشتراطه في الصلاة لاسيما وقد صرح الرافعي بإلحاق الصوم بها كما تقدم، وقد تعرض النووي في "شرح المهذب" لهذا البحث فقال: ينبغي وجوب ذلك، إلا أنه فرض الإشكال في النفل المؤقت ولم يتعرض لما له سبب.
قوله: الرابع: التبييت: وهو شرط في صوم الفرض. انتهى.
وتعبيره بالفرض تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، ويرد عليه صيام الصبي في رمضان فإنه نفل ومع ذلك لا يصح إلا بنية من الليل كما قاله الروياني والنووي، وكذلك ابن أبي الدم، وحكى الوجهين في أنه هل يقع نفلًا
موصوفًا بصفة الرمضانية أو غير موصوف بها ولا إدخال للصبي، عبر الشيخ في "التنبيه" بقوله: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل فنص على رمضان بخصوصه، وقيل غيره بكونه واجبًا، وهو من محاسن كلامه، وهذا الاعتراض يأتي في المسألة السابقة أيضًا.
قوله في "الروضة": ولا تبطل النية بالأكل والجماع بعدها على المذهب، وحكى عن أبى إسحاق بطلانها، وأنكر ابن الصباغ نسبته إليه. وقال الإمام: رجع أبو إسحاق عن هذا عام حج وأشهد على نفسه.
فإن ثبت أحد هذين فلا خلاف في المسألة. انتهى ملخصًا.
وفيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كونه قائلا برجوع أبي إسحاق ليس كما نقله عنه، بل إنما حكاه الإمام في "النهاية" عن غيره حكاية مضعف له؛ فإن عبارته: وقيل: إنه رجع.
والسبب في حصول هذا الوهم في "الروضة" أن الرافعي عبر عن قول الإمام، وقيل بقوله وحكى الإمام، وهى عبارة مجملة.
ثم عبر النووي عن قول الرافعي، وحكى بقوله، وقال غير مراجع لما في "النهاية".
نعم قول الرافعي فإن ثبت يشير إلى المراد بقوله وحكى فإن الإمام لو جزم لم يحسن أن يقابل.
الأمر الثاني: أن الرجوع ثابت؛ فقد جزم به الفوراني في "الإبانة"، ورأيت في نسخة من "المقنع" للمحاملي أن الداركي قال: سمعت ابن القطان يقول: سمعت أبا سعيد القفال يقول: إن أبا إسحاق رجع عن هذا.
قال ابن القطان: فحججت فقلت لأبي إسحاق: حكى لى أبو سعيد
القفال عنك أنك رجعت فقال: بلى كنت أذهب إليه ثم رجعت عنه. هذا كلامه.
الثالث: أنه لا يلزم من ثبوت أحد هذين نفي الخلاف في المسألة، بل لابد مع ذلك أن لا ينقل الوجه إلا عنه؛ ولهذا عبر الرافعي بقوله: فإن لم ينقل الوجه إلا عنه وثبت أحد الكلامين فلا خلاف، وفي المسألة إجماع سابق، ويثبت خلاف أبي إسحاق ثم رجوعه، فإنه يتخرج على الاتفاق بعد الاختلاف هل هو إجماع رافع للخلاف السابق أم لا؟
ومذهب الشافعي أنه لا يكون كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول"، وقد نقل الإصطخري أن مقالة أبي إسحاق مخالفة لإجماع المسلمين.
الرابع: لما تقرر أن الخلاف في هذه المسألة باطل مردود عبر في "الروضة" بالمذهب؛ إشارة إلى تصحيح طريقة القطع، لكنه ذكر عقبه أنه إذا نوى ثم نام لا يجب تجديد النية على الصحيح؛ فتعبيره بالصحيح جزم منه بإثبات الخلاف مع أن البطلان عند الأصحاب هنا أضعف من الأكل ونحوه؛ لأن النوم غير مناف.
قوله: ويصح النفل بنية قبل الزوال، وفيما بعده قولان:
أحدهما: يصح؛ تسوية بين أجزاء النهار كما سوينا بين أجزاء الليل في محلية نية الفرض.
والأصح: عدم الصحة.
وفرقوا بأن الناوي قبل الزوال مدرك لمعظم العبادة فجعل الأقل تبعًا له، بخلاف ما بعده.
قال الإمام: وإذا حسب النهار من شروق الشمس فالزوال منتصفه فتكون النية المتقدمة عليه مدركة للمعظم؛ لأن النهار الشرعي محسوب
من طلوع الفجر فيتقدم منتصفه على الزوال. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلام الإمام من البطلان عند من يعلل بالمعظم كالرافعي وغيره صحيح.
وقد حذفه من "الروضة" بالكلية.
وأما ما أشار إليه من تخريجه على أول النهار، وتسليم الصحة عند من قال أوله طلوع الشمس فظاهر الفساد؛ فإن الكلام على جعل المعنى المعتبر هو اقتران النية بمعظم العبادة وأولها من طلوع الفجر بلا نزاع سواء سميناه نهارًا أو يومًا.
وقد نقل الإمام مع هذا تردد الشيخ أبي محمد في الصحة لفوات اقترانها بالمعظم، ثم قال: ولعل من اعتبر الزوال إنما اعتبره؛ لأنه مضبوط بنية.
الثاني: أن المحلية في كلامه بياء مشدودة ومعناه كونه محلًا، والشروق هو الطلوع؛ يقال: شرقت الشمس شروقًا أي: طلعت وأشرقت إشراقًا أي: أصاب.
قوله في "الروضة": فرع: ينبغي أن تكون النية جازمة؛ فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غدًا إن كان من رمضان فله حالان: أحدهما: أن لا يعتقده من رمضان فينظر إن ردد نيته فقال: أصوم غدا عن رمضان إن كان منه، وإلا فأنا مفطر، أو أنا متطوع: لم يقع صومه عن رمضان إذا بان منه؛ لأنه صام شاكًا.
وقال المزني: يقع عنه.
وإن لم يردد نيته بل جزم بالصوم عن رمضان فلا يصح صومه؛ لأنه إذا لم يعتقد كونه من رمضان لم يتأت له الجزم بصوم رمضان حقيقة بل
الحاصل حديث نفس، وقيل: يصح. انتهى كلامه.
وقد تحصل من تقسيمه المذكور في أول هذا الكلام أنه إذا نوى صوم الغد إن كان من رمضان لا ترديد فيه، بل إن زاد عليه فقال: وإلا فأنا مفطر أو فأنا متطوع كان ترديدًا، وإلا فلا؛ فلزم من كونه ليس بترديد سكوته عما إذا لم يأت بالشرط بالكلية، بل إيهامه الصحة في التصوير المذكور في الحالة المذكورة وهى ليلة الثلاثين من شعبان.
وذلك كله باطل نقلًا وعقلًا.
وهذا الخلل نشأ من تعبيره في أول الكلام بقوله إن كان من رمضان، وهو زيادة لم يذكرها الرافعي.
قوله: فإن اعتقد كون الغد من رمضان واستند عقده إلى ما شرطنا كما إذا اعتمد على قول من يثق به من حر أو عبد أو امرأة أو صبية ذوى رشد ونوى صومه عن رمضان أجزأه إذا بان أنه منه. انتهى كلامه.
فيه أمور.
أحدها: أن ما ذكره في هذه الأمثلة من صحة الصوم قد ذكر بعد ذلك في الشرط الرابع من شروط الصحة ما يناقضه مناقضة عجيبة فقال: وأما يوم الشك فلا يصح صومه عن رمضان ولا يجوز أن يصوم فيه التطوع الذي لا سبب له، فإن فعله لم يصح في أصح الوجهين.
ثم قال: ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في الألسن أنه رؤي ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قال ولم يقبل الواحد، أو قاله عدد من النساء أو العبيد أو الفساق وظن صدقهم.
وأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك.
وفي وجه لابن طاهر: يوم الشك ما تردد بين الحائرين من غير ترجيح،
فإن شهد عبد أو صبي أو امرأة ترجح أحد الجانبين؛ فليس بشك. انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا الاختلاف الغريب كيف قطع أولًا بصحة الصوم عن رمضان إذا أخبره من يظن صدقه من حر أو عبد أو امرأة أو صبيان، وذكر ثانيًا أنه لا يصح بإخبار هؤلاء، بل ولا بإخبار العدل الواحد.
وذلك غريب جدًا، ولا ينفع في الجمع بينهما ذكره الاعتقاد أولًا، فإن إرادة معناه عند أهل المعقول مستبعد هنا قطعا، فإن إخبار العدل الواحد غايته أنه يفيد الظن.
ومما يستتبع هذا الاختلاف أنه قد قال في أول الباب: قال ابن الصباغ: والإمام إذا أخبر موثوق به بالرؤية لزم قوله إن قلنا: إنه رواية وإن لم يذكره عند القاضي.
وقالت طائفة: يجب، ولم يفرعوه على شيء، ومن هؤلاء ابن عبدان والغزالي في "الإحياء" وصاحب "التهذيب"، واتفقوا على عدمه في الفاسق. انتهى كلامه. وذكر البندنيجي أيضًا مثله.
واستفدنا منه أن القائلين بالوجوب أكثر عددًا من القائلين بخلافه؛ فصار متناقضًا من ثلاثة أوجه؛ ففي موضع: يجب، وفي موضع: يجوز، وفي موضع: يمتنع.
وقد وقعت المواضع الثلاثة في "الروضة" و"شرح المهذب"، والموضعان الأولان في "الشرح الصغير"، وكذلك في "المحرر" لكن بالإيماء لا بالتصريح.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر في موضعين من "شرح المهذب" أن الصبي الواحد يكفي على عكس ما اقتضاه كلامه في "الروضة" وغيرها.
والفتوى على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه، وما
ذكره الرافعي هنا في صوم يوم الشك يأتي الكلام عليه مبسوطًا في موضعه.
الأمر الثالث: أن المراد بالرشد هو الاختبار بالصدق ولا يبعد اعتبار اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، ويدل عليه تعبير بعضهم بالموثوق به، والظاهر أن الرشد قيد في الصبيان ويحتمل عوده إلى البواقي.
قوله في الكلام على ما إذا استند اعتقاده إلى شرطنا: فإن قال في نيته -والحالة هذه-: أصوم عن رمضان فإن لم يكن من رمضان، أو تطوع فقال الإمام: ظاهر النص أنه لا يصح صومه إذا بان رمضان للتردد.
وقيل: يصح لاستناده إلى أصله. انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من رجحان عدم الصحة قد خالفه في "المحرر" فجزم بالصحة، وهو الذي اقتصر عليه الرافعي في أواخر الكلام على المسألة نقلًا عن "الوجيز"، وهو المتجه؛ فإن النية معنى قائم بالقلب لا يشترط فيه التلفظ.
ولا شك أن التردد في هذه الحالة حاصل في القلب ذكره أم لم يذكره، وقصده للصوم إنما هو على تقدير كونه من رمضان فصار كالتردد الواقع في القلب بعد حكم الحاكم.
قوله: ويدخل في قسم انتقاد الاعتقاد إلى ما شرطنا بناء الأمر على الحساب حيث جوزنا على التفصيل الذي سبق. انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الإجزاء على القول بالجواز قد تابعه عليه النووي في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" في هذا الموضع وصححه في الشرح المذكور في الكلام على ثبوت رمضان عكس ما جزم به هاهنا فقال في الكلام على المنجم والحاسب ما نصه: فيه خمسة أوجه:
أصحها: لا يلزمهما ولا غيرهما بذلك -يعني بالتنجيم والحساب-
ولكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
والثاني: يجوز لهما ويجزئهما.
والثالث: يجوز للحاسب ويجزئه، ولا يجوز للمنجم.
والرابع: يجوز لهما ويجوز أيضًا لغيرهما تقليدهما.
والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم. انتهى كلامه، ونظير المسألة ما إذا عرف المنجم دخول وقت الصلاة بالحساب، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في كتاب الصلاة، وما ذكره النووي من عدم الإجزاء مع القول بالجواز بعيد مخالف لكلامهم؛ ولهذا اقتصر ابن الرفعة على الإجزاء نقلًا عن جماعة.
قوله: فرعان: أحدهما: لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم لم ينتقل.
وهل يبطل صومه أم يبقى نفلًا؟ فيه وجهان، كذا لو رفض نية الفرض عن الصوم الذي هو فيه. انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام يقتضي الجزم ببطلان صوم الفرض إذا كان فيه وإنما الخلاف في أنه هل يبطل أم ينقلب نفلًا؟ ، وهذا لا يستقيم مع ما قاله في أول صفة الصلاة من أن نية الخروج من الصوم لا تبطله على الصحيح.
ثم إن الرافعي قد نقله بعدها عن "التهذيب" وليس هو في "التهذيب" كذلك فإنه قال: لو نوى الصائم الخروج عن الصوم أو قال: أبطلت الصوم وترك النية هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يبطل كالصلاة.
والثاني: لا يبطل.
ثم قال: فإن قلنا: يبطل، فإن كان هذا في خلال الصوم قضاء أو منذورًا فرفض نية الفرضية هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان.
وكذلك لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم آخر لا ينتقل إليه.
هل يبطل ما هو فيه؟ فيه وجهان. فإن قلنا: يبطل الصوم، فإن كان في غير رمضان هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان. انتهى كلام "التهذيب".
والبغوي رحمه الله -فرع الوجهين في انقلابه نفلًا على الوجه القائل ببطلان الصوم -وهو كلام صحيح- فحذف الرافعي المفرع عليه وجعلها مسألة مستقلة فوقع في الغلط، وحذف أيضًا تخصيص الوجهين بما عدا رمضان.
وقد تفطن النووي للأمرين فقال عقب الكلام الذي تقدم: قلت: الأصح بقاؤه على ما كان عليه.
واعلم أن انقلابه نفلًا على أحد الوجهين إنما يصح في غير رمضان، وإلا فرمضان لا ينقلب نفلًا عندنا ممن هو من أهل الفرض بحال، والله أعلم. هذا كلامه.
إلا أنه لم يصحح واحدًا من الوجهين.
وأيضًا فما ذكره من تخصيص الوجه بغير رمضان لا يستقيم إلا على تقدير الاتفاق على عدم صيروة رمضان نفلًا.
وليس كذلك فقد حكى الرافعي بعد هذا قبل الكلام على إيجاب الكفارة على المجامع أن أبا إسحاق ذهب إلى أن من أصبح غير ناو في رمضان فنوى التطوع قبل الزوال صح صومه.
ثم حكى عن إمام الحرمين أن قياس هذا الوجه أنه يجوز للمسافر التطوع به.
قوله في "أصل الروضة": فرع: لو قال: إذا جاء فلان خرجت من
صومي فهل يخرج عند مجيئه؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يخرج، فهل يخرج في الحال؟ وجهان، والمذهب: لا يبطل في الحالين كما سبق بيانه في صفة الصلاة.
انتهى كلامه، وفيه أمور:
أحدها: أن ما جزم به من حكاية الوجهين: في المسألة الأولى قد ضعفه في صفة الصلاة من "الروضة"، وصحح طريقة القطع بعدم البطلان فقال: لو تردد الصائم في الخروج من صومه أو علقه على دخول شخص ونحوه لم يبطل على المذهب الذي قطع به الجماهير وقيل: وجهان. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالمذهب بعد حكاية الوجهين لا يستقيم؛ فإن المذهب عنده من الطريقين، ولم يتعرض لهما هاهنا، وكأنه أخذ الترجيح من صفة الصلاة ذاهلًا عن صدر المسألة.
الأمر الثالث: أن المسألة الثانية وهى حكاية الخلاف في البطلان عند مجيئه لم يسبق لها ذكر في صفة الصلاة بالكلية لا من كلامه ولا من كلام الرافعي، وليس في كلام الرافعي هنا ما يقتضي تقدم ذكره، فإنه قال: الثاني لو قال: إذا جاء فلان خرجت من صومي فهل هو خارج عن الصوم عند مجيئه؟ فيه وجهان.
إن قلنا: نعم فهل يخرج في الحال؟ فيه وجهان، وكل ذلك كما في الصلاة، أورده في "التهذيب" وغيره. هذا لفظ الرافعي.
ومراده بالتشبيه بالصلاة إنما هو في جريان الخلاف لا في الصحيح.
وهذا الترتيب الذي نقله الرافعي عن البغوي، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو ذكر الخلاف عند مجيء زيد.
فإن أبطلناه فهل يبطل في الحال؟ فيه خلاف، وقد ذكره -أعني البغوي- في هذا الباب، وذكر أيضًا -أعنى: البغوي- هذه المسألة بعينها في كتاب الصلاة ورتب الخلاف بالعكس فإنه حكى في البطلان خلافًا ثم قال: فإن قلنا: لا يبطل، فهل يبطل إذا وجدت الصفة؟ فيه خلاف وعليه اقتصر في "شرح المهذب" هنا.