الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني في مبيحات الإفطار وموجباته
قوله: فالمرض والسفر مبيحان بالإجماع والنص؛ قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (1). الآية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة"(2) انتهى.
واعلم أن كلام الرافعي قد يوهم الإجماع على جواز الأمرين وليس كذلك.
أما المسافر ففي "الحاوي" عن قوم من الصحابة أنهم أوجبوا الفطر، وقال القاضي الحسين في تعليقه: روي ذلك عن مالك وأحمد والمزني.
وأما المريض فشرطه أنه لا يخشى الهلاك، فإن خشي ذلك فقال الغزالي في "المستصفى" والجرجاني في "التحرير": يجب عليه الأكل.
فإن صام قال الغزالي: فيحتمل أن يقال: لا ينعقد؛ لأنه عاص به فكيف يتعرف بما يقضى به، ويحتمل أن يقال إنما عصى بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة.
(1) سورة البقرة (184).
(2)
أخرجه أبو داود (2408) والترمذي (715) والنسائى (2276) وابن ماجه (1667) وأحمد (19069) وابن خزيمة (2042) والطبرانى في "الكبير"(763) وعبد الرزاق (4478) والبيهقى في "الكبرى"(5273) وعبد بن حميد (431) وابن الجعد (1205) وابن أبى عاصم في "الآحاد والمثانى"(1493) عن أنس بن مالك رجل من كعب.
قال الترمذي: حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد.
والحديث المذكور رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أنس بن مالك القشيري، وحسنه الترمذي.
قوله: وشرط كون المرض مبيحًا أن يجهده الصوم معه ويلحقه ضرر يشق احتماله على عددنا وجوه المضار في التيمم. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" إلا أنه أبدل الواو في ويلحقه بالفاء.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى هذا الضابط أن الضرر المذكور لا يبيح وحده، بل لابد معه من كون الصوم يجهده، أي: يحصل معه ألم كبير بسبب عدم الفطر حتى لو لم يجهده الصوم ولكن وصف له دواء أن يفطر به وإلا حصل له الضرر لم يكن له الفطر، وكذلك بالعكس، وهذا لا يأتي القول به.
وقد اعتبر في "المحرر" أحد الأمرين فقط فقال: ويباح ترك الصوم للمريض الذي يصعب عليه أو يناله به ضرر شديد. هذه عبارته من غير زيادة عليها.
والمذكور فيه هو الصواب، وهو يدل على أن المذكور في الرافعي إنما هو لفظ أولا "الواو".
نعم ذكره في "التهذيب" بعينه إلا الحوالة على التيمم، وهو على هذا التقدير صحيح وحينئذ يكون الضرر بائن الجهد، وأيضا حاله فضم إليه الرافعي ما ضم؛ فحصل الخلل، وتبعه عليه في "الروضة"، فلما تفطن له في "المحرر" أصلحه بصيغة "أو" فتلخص أن الكلام يستقيم إما بحذف الزيادة المذكورة وإما بالتعبير بـ"أو"، وقد سلك الإمام في هذه المسألة طريقة حسنة تبعه عليها الغزالي في البسيط وغيره فقال: اعتبر الأصحاب الصورة الظاهرة، وعندي أنه كل مرض يمنع معه الصوم.
الأمر الثاني: أنه قد سبق في التيمم أن في جوازه لأجل زيادة المرض أو بطء البرء الجواز، وكلام الرافعي هنا يشعر بجريان ذلك الخلاف في الفطر أيضًا، وليس كذلك بل يباح بذلك جزمًا، كذا أوضحه الرافعي في باب التيمم فاعلم ذلك فإن كلام "الروضة" أيضًا هنا يوهم جريانه، وزاد فأسقط منها في باب التيمم استثناءه فتفطن له.
قوله في "أصل الروضة": لو أصبح مقيمًا صائمًا ثم سافر لم يجز له الفطر، وقيل: يجوز. انتهى.
حكى الرافعي طريقين:
أصحهما: القطع بالجواز،
والثانية: على وجهين، وأسقط الطريقة من "الروضة".
قوله: ولو أصبح المسافر صائمًا ثم أقام فوجهان: ظاهر المذهب أنه لا يجوز الفطر.
ثم قال: ولو أصبح المريض صائمًا ثم نوى فقطع كثيرون بأنه لا يجوز، وطرد صاحب المذهب حكاية الوجهين فيه، ولعله الأولى. انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وصرح النووي في "شرح المهذب" بأن الصحيح طرد الخلاف، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة القطع، وقد وافق الشيخ على طريقة الوجهين الجرجاني في كتابيه "التحرير" و"الشافي"، وكذا الشاشي في "الحلية"، وقال في كتابه "المعتمد": لا يجوز الفطر قولًا واحدًا.
قوله: والمسافر إذا أصبح على نية الصوم جاز أن يفطر، روى أنه صلى الله عليه وسلم أفطر بعد العصر بكراع الغميم (1)، وأبدى الشيخ أبو إسحاق والإمام في المسألة احتمالًا. انتهى.
(1) أخرجه مسلم (1114) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
تابعه النووي في "الروضة" على حكاية الوجوب احتمالًا فقط مع أنه وجه ثابت في المذهب حكاه القاضي حسين في باب صوم التطوع من "تعليقه"، ونقله عنه ابن الرفعة، وحكاه أيضًا الدارمي في "الاستذكار" كما نقله عنه النووي في "شرح المهذب"، ونص عليه الشافعي في "البويطي" لكن قال: لا يجوز الفطر إلا أن يثبت حديث الفطر، كذا نقله عنه في "الروضة" من زياداته، ثم قال بعد نقله ذلك: إن الحديث المذكور صحيح، والذي قاله النووي من صحة الحديث هو كذلك؛ فإن مسلمًا قد رواه في صحيحه من حديث جابر.
وما نقله عن "البويطي" صحيح أيضًا قد رأيته فيه كذلك.
وذهل بعضهم فنسب النووي إلى أنه قد غلط على "البويطي" وسبب ذهول هذا القائل أن "البويطي" عقد للصيام بابين.
وهذا النقل مذكور في أحدهما فقط، وإنما عرضت بهذا لئلا يظن صحته وإهماله له.
والكراع بضم الكاف وبالراء والعين المهملتين: جبل أسود.
والغميم: بغين معجمة مفتوحة وميم مكسورة مخففة، وهو واد بين مكة والمدينة بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو قدام عسفان بثمانية أميال. والكراع المذكور يمتد إلى هذا الوادى.
قاله النووي في "تهذيبه".
قوله في المسألة: وإذا قلنا بالمشهور فهل يكره له الإفطار؟ فيه وجهان عن القاضي الحسين. انتهى.
لم يصحح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، وصحح في "شرح المهذب" أنه لا يكره؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله.
واعلم أن الناقل للوجهين عن القاضي هو الشاشي في "المعتمد"، وليس للوجهين ذكر في "تعليقة" القاضي، ولم يحك الوجهين إلا في الجواز كما تقدم نقله عنه.
قوله: كل من ترك النية الواجبة عمدًا أو سهوًا فعليه القضاء.
وكذا كل من أفطر، لكن لو كان إفطاره يوجب الكفارة ففي القضاء خلاف سيأتي ذكره من بعد. انتهى.
واعلم أن الخلاف إنما ذكره بعد هذا في مسألة واحدة وهى الجماع في نهار رمضان، وأما الحامل والمرضع ومنقذ غيره من هلاك إذا أفطروا؛ فإن الكفارة تجب كما سيأتي.
ومع ذلك فقد جزم بوجوب القضاء؛ وكأنه توهم أن ذلك الخلاف عام فوقع بسببه في الغلط هنا، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: وما فات بالإغماء يجب قضاؤه سواء استغرق جميع الشهر أو لم يستغرق جميعه، لأنه نوع مرض يغشى العقل بخلاف الجنون؛ ولهذا يجوز الإغماء على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولا يجوز الجنون عليهم.
ونقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" عن ابن سريج أن الإغماء إذا استغرق أسقط القضاء. انتهى كلامه.
وفيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي أن نقل البغوي والمتولي عن ابن سريج محله في المستغرق لجميع الشهر؛ لأن كلامه -أعني الرافعي- فيه.
وليس كذلك بل المراد استغراق اليوم فاعلمه؛ فقد قال البغوي: قال ابن سريج رحمه الله: الإغماء كالجنون، وإذا استغرق النهار لا يجب
عليه القضاء يستوي الجنون والإغماء في إسقاط القضاء إذا استغرق الوقت. هذا كلامه.
وأما المتولي فقال: إذا أغمي عليه في رمضان وامتد زمان الإغماء فكل يوم استوعب الإغماء جميعه المذهب أنه يلزمه قضاؤه.
ثم قال: وقال ابن سريج: لا يلزمه القضاء؛ لأن الإغماء بمنزلة الجنون في إسقاط قضاء الصلاة، وكذا في قضاء الصوم.
هذا كلام "التتمة" أيضًا.
وقد وقع النووي في "شرح المهذب" في هذا الوهم فنقل عن ابن سريج: أن العبرة بالشهر، وبالغ اعتمادًا على ما في "الروضة" فنسب روايته عنه إلى الجمهور، وليس كذلك.
فهذه مصنفات الأصحاب موجودة وهى ما بين ساكتة أو ناقلة عنه وجوب القضاء ما عدا "التهذيب" و"التتمة".
الثاني: أن الرافعي ذكر قبل هذا الموضع بنحو خمسة أوراق في الكلام على شروط الصوم أن الإغماء قد يكون عن مرض وقد يكون عن جنون؛ وعلى هذا لا يستقيم إطلاق جواز الإغماء على الأنبياء.
الثالث: أن ما أطلقه من جواز ذلك قد نقل القاضي الحسين في هذا الباب تقييده فقال: حكى الداركي أن الإغماء إن يجوز على الأنبياء فساعة وساعتين فأما الشهر والشهران فلا كالجنون.
الرابع: أن ما ذكره من كون الإغماء يغشى العقل ولا يزيله هو شيء تبع فيه الإمام.
وقد قال في "الشرح الصغير" في شروط الصوم أن هذا ليس باصطلاح
مطرد وأن الأصحاب عدوا الكل زوالا.
قوله: أما إذا ارتد ثم جن، أو سكر ثم جن ففي وجوب القضاء وجهان.
ولعل الظاهر الفرق بين إيصاله بالردة وإيصاله بالسكر كما سبق في الصلاة. أي: حتى يجب في المرتد قضاء الجميع ، ولا يجب في السكران إلا قضاء أيام السكر.
قال النووي في "شرح المهذب": هذا الذي أشار الرافعي إلى ترجيحه، وهو الأصح، وفي المسألة كلام آخر سبق ذكره في الصلاة.
ولايجب التتابع في قضاء رمضان لكن يستحب. انتهى.
اعلم أن التتابع يجب بطريق العرض في صورتين وهما: ضيق الوقت، وتعمد الترك.
قوله: والإمساك تشبيها بالصائمين من خواص رمضان فلا إمساك على متعمد بالفطر في نذر أو قضاء. انتهى.
وما قاله في النذر والقضاء وإن كان معروفًا في المذهب إلا أن الشافعي قد نص على خلافه في "البويطي".
قوله في "الروضة": ثم من أمسك تشبهًا ليس في صوم. انتهى.
الصوم نفي العبادة، وحكى النووي في أوائل "شرح المهذب" ثلاثة أوجه: أصحها: أنه يثاب عليه، وليس في صوم شرعي، وقيل: نعم فيهما، وقيل: لا فيهما.
وفي "البحر" وجه رابع: أنه إن تعدى بالفطر لم يثب وإلا أثيب.
والقواعد تقتضي الجزم بحصول الثواب؛ لأنه قائم بواجب وإذا قلنا بأنه صوم شرعي ولم يكن قد أكل فينبغى وجوب النية، قاله ابن أبي الدم.
قوله في "أصل الروضة": ولو أقام المسافر أو بريء المريض فلهما أحوال: أحدها: أن يصبحا صائمين وداما عليه إلى زوال العذر فقد تقدم في الفصل السابق أن المذهب لزوم إتمام الصوم. انتهى.
وتعبيره بالمذهب تبع فيه الرافعي، وهو غير مستقيم من النووي؛ لأنه لم يتقدم له حكاية طريقين في المسافر، بل وجهين: الصحيح منهما عدم جواز الفطر.
وأما المريض فقطع كثيرون بالمنع، وطرد في المذهب الوجهين.
قال: ولعله الأولى.
قوله: الثاني: أن يزول بعدما أفطرا فيستحب لهما الإمساك، فإن أكلا أخفياه؛ لئلا يتعرضا لعقوبة السلطان. انتهى.
لم يتعرضا لبيان الإخفاء واجب أو مستحب؛ وقد جزم البغوي في "التهذيب" بوجوبه وهو مقتضى كلام القاضي حسين في "تعليقه" وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي فقال في أواخر الكلام على كفارة الجماع: لو رأى هلال شوال وحده وجب عليه أن يفطر وأن يخفي إفطاره عن الناس لئلا يتهم.
هذه عبارته، وسقط في بعض النسخ لفظة أن المذكورة ثانيًا فقال ويخفي، فقطعها بذلك عن العطف على الإيجاب وبقي محتملًا.
وتبعه عليها في "الروضة"، وجزم باستحبابه في "شرح المهذب"
قوله: الثالث: أن يصبحا غير ناويين فيزول العذر قبل أن يأكلا.
فإن قلنا في الحال الأول: يجوز الأكل، فهنا أولى، وإلا ففي لزوم
الإمساك وجهان: الأصح لا يلزم. انتهى.
صحح في "شرح المهذب" القطع بعدم الوجوب على خلاف ما يتحصل من كلامه هنا.
قوله: ولهما الجماع بعد زوال العذر إذا لم تكن المرأة صائمة بأن كانت صغيرة أو طهرت من الحيض. انتهى.
والمتجه أن من وجب عليها الإمساك حكمها حكم الصائمة، وأن الكافرة حكمها حكم الصغيرة ومن طهرت من الحيض.
ولا يخفى أن كل من أفطرت بعذر كالمسافرة والمريضة والخائفة على الولد لا تمتنع وظهر أيضًا.
قوله: الثالثة: إذا أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان فيجب عليه إمساك بقية النهار في أصح القولين تشبهًا بالصائمين. انتهى.
لم يتعرض لحكم الإمساك قبل الثبوت، وقد نصت المالكية على استحبابه، والقياس خلافه؛ لأن صومه حرام في تلك الحالة على ما قاله الرافعي والنووي، والتشبيه بالحرام غير مشروع.
قوله في المسألة: قال في "التتمة" القولان فيما إذا ثبت أنه من رمضان قبل الأكل، فإن بان بعده فإن قلنا هناك: لا يجب الإمساك، فهنا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما الوجوب. انتهى.
وما نقله عن "التتمة" من غير اعتراض عليه حاصله أن القولين محلهما قبل الأكل، فأما بعده ففيه الطريقان، وقد علمت أن تعبيره بقوله مفطرا معناه غير صائم، ويدل عليه تقسيمه.
إذا علمت ذلك فقد جزم في "المنهاج" بأن محلهما بعد الأكل فإنه قال: والأظهر أنه يلزم من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان. انتهى.
والذي اقتضاه كلام "المنهاج" وإن تخالفا فهو الصواب؛ فإن الأكثرين على القطع بالوجوب إذا لم يأكل.
هذا حاصل ما في "الكفاية".
على أن كلام "المنهاج" ليس مطابقًا لما في "المحرر" فإن عبارته تقتضى أن القولين عامان للحالتين.
فإن عبر بالمفطر خاصة كما عبر في "الروضة" فقال: وأصح القولين أنه يجب على من أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من التعميم قد صرح به الروياني في "البحر".
وكأن النووي قد توهم أن المراد بالمفطر هو الآكل فصرح به، وهو خطأ في الظاهر صواب في نفس الأمر.
قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا بلغ صبي أو أفاق مجنون أو أسلم كافر في أثناء يوم من رمضان فهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ فيه أوجه: أصحها: لا.
والثاني: نعم.
والثالث: يلزم الكافر دونهما لتقصيره.
والرابع: يلزم الكافر والصبي لتقصيرهما دون المجنون. انتهى كلامه.
وتعليل الوجه الثالث في كلام النووي كالصريح في عدم تقصير الصبي
فيكون تعليل الرابع مناقضًا له.
ولم يعلل الرافعي الصبي بالتقصير وعدمه، بل علل عدم الوجوب عليه بكونه معذورًا؛ لعدم قدرته على إزالة المانع، بخلاف الكافر، وعلل الوجوب بأنه متمكن من الإتيان بالصوم مأمور به.
قوله: أما الصبي فينظر إن بلغ صائمًا فالصحيح أنه يلزمه إتمامه ولا قضاء، ثم قال: وفيه وجه يحكى عن ابن سريج أنه يستحب إتمامه ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض. انتهى.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي لوجه ابن سريج ذكره في "التتمة" أيضًا، وهو يقتضي أن الرافعي يقول بأنه لا تجب نية الفرضية في صوم الصبي إذا أوجبناها على البالغ مع أن الرافعي قد سوى بين البالغ والصبي في الاشتراط بالنسبة إلى الصلاة كما سبق إيضاحه، والقياس التسوية بين صوم الصبي وصلاته إما في الاشتراط أو عدمه.
قوله: وإن أصبح مفطرًا -يعني: الصبح- ففيه وجهان.
وقال في "التهذيب": قولان: أصحهما: لا يلزمه.
ثم قال: وهذا الخلاف مفرع على ظاهر المذهب في أنه إذا بلغ صائمًا لا قضاء عليه، فأما من يوجب القضاء ثم فهاهنا أولى بأن يوجب. انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي ذكره في آخر كلامه قد ذكره صاحب "التتمة" على العكس؛ فإنه ذكر أن الفرق بوجوب الإعادة فيما إذا بلغ صائمًا هو على طريقة من يقول بوجوب الإعادة إذا بلغ مفطرًا.
قال: فأما إذا قلنا: لو بلغ مفطرًا لا تجب الإعادة، فإذا كان صائمًا
أولى. هذا كلامه، وهو يقتضي أن وجوب القضاء فيما إذا كان مفطرًا أصل ووجوب القضاء فيما إذا كان صائمًا فرع وهو عكس ما ذكره الرافعي، وقد ذكر أيضًا عكس ما ذكره الرافعي سليم في "المجرد" فقال: إن قلنا لا يلزمه القضاء إذا بلغ مفطرا فبالأولى إذا بلغ صائمًا، وإن أوجبناه هناك فهاهنا وجهان.
قوله: وأما إذا أفاق المجنون أو أسلم الكافر ففيهما طريقان:
أظهرهما عند الأكثرين: طرد الخلاف أي: السابق في الصبى.
والأظهر من ذلك الخلاف: أنه لا قضاء عليه.
ثم قال ما نصه: والثاني: القطع بالمنع في حق المجنون؛ لأنه لم يكن مأمورًا بالصوم في أول النهار، وبالإيجاب في حق الكافر؛ لأنه متعد بترك الصوم، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب". انتهى كلامه.
وظاهره يقتضي أن البغوي صحح الطريق الثاني القاطع بالمنع في المجنون وبالإيجاب في الكافر.
فأما الشق الثاني من هذه الطريقة وهو الإيجاب في الكافر فصحيح؛ فإن البغوي صحح طريقة القطع به.
وأما الأول فلم يصحح فيه شيئًا، بل قال: فأما المجنون إذا أفاق في خلال النهار هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟
فيه قولان كالصبي، وقيل: لا يجب قولًا واحدا. هذا لفظه، فينبغي تأويل قول الرافعي، وهذا أصح على أنه أشار للشق الثاني خاصة؛ فإنه محتمل لكنه بعيد في الفهم لا يعرف إلا بتوقيف؛ ولهذا وقع فيه النووي فإنه قدم الكافر وأخر المجنون فقال في حكايتة للطريق الثاني: وقيل يقضي
الكافر دون المجنون، وصححه صاحب "التهذيب" هذا لفظه.
قوله: وتجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أتم به لأجل الصوم.
انتهى كلامه. تابعه النووي على هذا الضابط، وترد عليه أمور:
أحدها: إذا طلع عليه الفجر وهو يجامع فاستدام فإن الأصح عند الرافعي والنووي وغيرهما وهو المنصوص وجوب الكفارة مع انتفاء إفساد الصوم في هذه الصورة.
ووجه انتفائه أن الصوم لم ينعقد على الأصح كما تقدم إيضاحه قبيل الكلام على شرائط الصوم، وإذا انتفي الانعقاد انتفى الإفساد.
الأمر الثاني: لو جامع شاكًا في غروب الشمس فإنه حرام قطعا كما جزم به في "الروضة" من زوائده، ومع ذلك فلا كفارة كما جزم به البغوي في "التهذيب" وفيه كلام يأتي في ما إذا ظن أن الشمس قد غربت فجامع.
الثالث: لو أكل ناسيًا فظن بطلان صومه فجامع.
وستعرف ذلك مبسوطًا بعد هذا بأوراق.
الرابع: لو كان به عذر يبيح الوطء من. . . . أو غيره فجامع امرأته وهى صائمة مختارة، فإنه لا كفارة عليه بإفساد صومها كما ذكره بعد ذلك مع أن الحد المذكور يصدق فيه.
نعم لو قيده بصيام نفسه لم يرد عليه شيء.
قوله: وإذا مكنت المرأة طائعة ففي قول: تلزمها الكفارة، والأصح: أنه يختص الزوج بلزوم الكفارة.
وعلى هذا فهل يقع عنهما جميعا وهو يحمل عنها؟ فيه قولان
مستخرجان من كلام الشافعي. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: لم يصرح الرافعي بإطلاق ترجيح واحد منهما لا هنا ولا في "الشرح الصغير"، وقد رجح في "المحرر" وقوعهما عنه خاصة فقال: إنه الأقرب، وصححه النووي في "أصل الروضة" وفي غيرها.
الأمر الثاني: أن القاضي أبا الطيب في "تعليقه" قد صرح بأن القولين منصوصان على خلاف ما دل عليه كلام الرافعي فقال في ذلك قولان:
أحدهما: أن يخرجها جميعها عن نفسه، قاله في اختلاف مالك وأبي حنيفة.
ثم قال: والثاني: يخرجها عن نفسه وزوجته، قاله في كتبه القديمة والجديدة.
هذا لفظ أبي الطيب.
قوله: ويتفرع على القولين صور منها .. إلى آخره.
ثم قال: والثانية: لو كان الزوج مجنونًا إن قلنا بالأول وهو وقوع الكفارة عنه خاصة فلا شئ عليها، وإن قلنا بالثاني فوجهان أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه تلزمها الكفارة؛ لأن التحمل لا يليق بحاله؛ ولهذا لم تجب عليه الكفارة لنفسه.
والثاني أنه تلزمه الكفارة لها، لأن ماله يصلح للتحمل. انتهى.
وما ذكره في المجنون من عدم الوجوب على نفسه إنما يصح الاستدلال به على تقدير أن يكون في صوم صحيح ثم يطأ، ومجرد الجنون يبطل الصوم على المعروف فقدم الوجوب؛ لكون الوطء لم يفسد الصوم.
ولا يستقيم أيضًا الاستدلال به على قولنا: لا يبطل بالجنون؛ لأنه يخرج أيضًا بقولنا في الضابط أثم به، وهذا الإيراد نبه على أصله الغزالي في "البسيط".
قوله: وإن كان نائمًا أو ناسيًا فاستدخلت ذكره أي المجنون. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه جريان الوجهين في أنه يجب عليهما شيء لأجل ذلك أم على ما سبق إيضاحه في المجنون.
وجريان الخلاف في الناسي صحيح الفعل منه، وأما في النائم فلا يصح من جهة المعنى؛ لأنه لم يوجد منه فعل بالكلية ولا من جهة النقل؛ لأن الموجود في كتب المذهب إنما هو الجزم بعدم الوجوب، ولم يخرجه على ذلك أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين مع التتبع والاستيعاب، فقد جزم بعدم الوجوب عليه البندنيجي في "الذخيرة"، والجرجاني في "الشافي" و"التحرير" وصاحب "الشامل" مع جزمهم في المجنون بأنه يتحملها عنها على خلاف ما صححه الرافعي، وجزم به أيضًا أبو علي الطبري في "الإفصاح" ونقل أنه لا خلاف فيه فقال: وأما إذا كان زوجها مغلوبا أو نائمًا فجاءت فأدخلت ذكره في فرجها فلا كفارة على الزوج وجهًا واحدًا؛ لأنه لم يكن من جهته فعل فيخصه. هذا لفظه، ومن "الإفصاح" نقلته، وجزم به أيضًا سليم الرازي في "المجرد"، والشيخ في "المهذب"، والشاشي في "المعتمد"، والطبري صاحب "العدة"، وأبو الفتح سلطان في كتابه "التقاء الختانين"، والعمراني في "البيان" ومجلي في "الذخائر"، وجزم به من الخراسانيين القاضي الحسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" والبغوي في "التهذيب" وغيرهم، هذا مع حكاية الخلاف في المجنون في كلام كثير منهم كالقاضي مجلي وسلطان المقدسي وصاحب "المهذب" والقاضي الحسين وصاحب "البيان"، وصاحب "المعتمد" والطبري صاحب "العدة"، ولم ينقله
ابن الرفعة إلا عن الرافعي لكنه سكت عليه ولم يتفطن لما وقع منه.
قوله: الثالثة: لو كان مسافرًا والزوجة حاضرة فأفطر بالجماع بنية الترخص فلا كفارة.
وكذا إن لم يقصد في أصح الوجهين؛ لأن الإفطار مباح له، فتصير شبهة في درء الكفارة، وهكذا حكم المريض.
والصحيح إذا مرض في أثناء النهار فإن أوجبنا فهو كغيره وحكم التحمل ما سبق، وحيث قلنا لا كفارة فهو كالمجنون. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن التردد في إيجاب الكفارة وتعليل السقوط بالشبهة كالصريح في أن أصحاب الأعذار إنما يباح لهم الفطر بشرط نية الترخص، وبه جزم صاحب "التتمة"، ونقله المحب الطبري في "شرح التنبيه" عن الأصحاب إلا أنه عبر بنية الخروج، وعلله بأنه عبادة أبيح الخروج منها قبل كمالها فوجهته الخروج كالمحصر يريد التحلل.
وعلله أيضًا بعد هذا بتميز الفطر المباح عن غيره.
الأمر الثاني: أن الذي سبق في المجنون أنه لا شيء عليه إن قلنا: إن الكفارة على الواطئ فقط. وكذا إن قلنا عنه وعنها في أصح الوجهين؛ وحينئذ فيكون الصحيح أن لا شيء على المسافر في مسألتنا إذا قلنا عنه وعنها.
وقد تابعه في "الروضة" على ذلك، وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا.
ثم ذكر في "الشرح" المذكور بعد ذلك بأسطر ما يخالفه فقال: أما إذا
قلنا بأنها عنه وعنها فيلزمه أن يكفر عنها بالإعتاق أو بالإطعام في أصح الوجهين، لكنه فرضها فيما إذا قدم مفطرًا ولا أثر له قطعًا.
والصواب هو المذكور ثانيًا في "شرح المهذب"، والفرق بينه وبين المجنون واضح.
قوله: وذكر أصحابنا العراقيون فيما لو قدم المسافر مفطرًا فأخبرته امرأته بفطرها وكانت صائمة أن الكفارة عليها إذا قلنا: الوجوب يلاقيها؛ لأنها غرته وهو معذور.
ويشبه أن يكون هذا تفريعًا على قولنا: لا يتحمل المجنون، وإلا فليس العذر هنا أوضح منه في الجنون. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على هذا البحث ولم يرتضه في "شرح المهذب"، بل فرق بفرق واضح فقال: قلت: الفرق أنه لا تغرير منها في صورة المجنون. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما حاوله الرافعي من حكاية الخلاف قد صرح به الماوردي في "الحاوي"، وزعم في "شرح المهذب" أن ما قاله العراقيون متفق عليه، وفي "الكفاية" أنه لا خلاف فيه، وقد ظهر لك أن الأمر ليس كما قالا.
قوله من زياداته: قال صاحب "المعاياة" فيمن وطئ زوجته ثلاثة أقوال:
أحدها: تلزمه الكفارة دونها.
والثاني: تلزمه كفارة عنهما.
والثالث: تلزم كل واحد كفارة.
ويتحمل الزوج ما دخله التحمل من العتق والإطعام.
انتهى كلامه. وهو يوهم أن تحمل الزوج لما يقبل التحمل لا يأتي في القول الثاني، وليس كذلك؛ فقد صرح الجرجاني في الكتاب المذكور بجريانه أيضًا فيه، وهو أيضًا يؤخذ من تعبيره بقوله: عنهما.
وقد تقدم في هذه المسألة قول آخر أنه يجب على كل واحد في ماله كفارة.
واعلم أن الجرجاني في "المعاياة" لما نقل القول الثاني الذي حكاه عنه النووي صرح بأن الكفارة على هذا القول تتبعض، وفي المسألة وجهان حكاهما الروياني في "البحر".
أحدهما: أنه وجب على كل منهما النصاب ويحمل الزوج ما وجب عليها.
والثاني: أنه يجب على كل منهما كفارة كاملة ثم يتحمل عنها ويتداخلان.
وقد حكى ابن الرفعة الأول عن ابن الصباغ وأنه مقتضى كلام القاضي الحسين، وحكى الثاني عن البندنيجي والمتولي والشيخ أبي حامد حتى صرح الشيخ أبو حامد بأن الكفارة تقع كلها عنه وكلها أيضًا عنها. كذا نقله عنه جماعة منهم صاحب "الذخائر"، ونقله في "الكفاية" عن البندنيجي، وهو مقتضى الوجوب على وجوب كل واحد منهما.
وفي "الكفاية" عن ابن يونس أن بعض المتأخرين قال: الذي يقتضيه المذهب أن الولاء يكون بينهما؛ لأن العتق أجزأ عنهما.
وهذا المتأخر الذي عناه ابن يونس هو صاحب "البيان"؛ فإنه هكذا قال.
ولا شك أن هذه المسألة مفرعة على الخلاف السابق.
قوله أيضًا من "زوائده" نقلًا عن "المعاياة": فإذا وطئ أربع زوجات في يوم لزمه على القول الأول كفارة فقط عن الوطء الأول ولا يلزمه شيء بسبب باقي الوطآت.
ويلزمه على الثاني أربع كفارات: كفارة عن وطئه الأول عنه وثلاث عنهن؛ لأنها لا تتبعض إلا في موضع توحد تحمل الباقي، ويلزمه على الثالث خمس كفارات: كفارتان عنه وعنها بالوطء الأول.
قال: ولو كان له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم فعلى الأول: عليه كفارة واحدة بكل حال.
وعلى الثاني: إن قدم وطء المسلمة فعليه كفارة، وإلا فكفارتان.
وعلى الثالث: كفارتان بكل حال؛ لأنه إن قدم المسلمة لزمه كفارتان عنه وعنها ولم يلزمه للذمية شيء، وإن قدم الذمية لزمه لنفسه كفارة ثم للمسلمة أخرى. هذا كلامه، وفيه نظر، والله أعلم.
انتهى كلام "الروضة"، والنظر الذي أشار إليه متعلق بما ذكره في "التفريع" على القول الثاني وراجع إليه؛ فإن الروياني فرع عليه تعدد الكفارة إذا كانت الموطوءة مسلمة.
وقياس ما سبق في المسافر إذا كان صائمًا فوطئ زوجته أنه لا شئ عليه على الصحيح.
قوله: وإذا قلنا الوجوب يلاقيها وكانت أمة فعليها الصوم؛ لأن العتق لا يجزيء عنها.
قال في "المهذب": إلا إن قلنا العبد يملك بالتمليك، فإن الأمة كالحرة المخيرة. انتهى ملخصًا.
اعترض في "الروضة" على كلام "المهذب" فقال: هذا الذي قاله في "المهذب" غريب، والمعروف أنه لا يجزيء العتق عن الأمة، وقد قال في "المهذب" في باب العبد المأذون: لا يصح إعتاق العبد سواء قلنا: يملك أم لا؛ لأنه يضمن الولاء وليس هو من أهله، والله أعلم.
انتهى كلامه رحمه الله، وهو يقتضي انفراد صاحب "المهذب" به وأنه لا يعرف لغيره، وهو غريب؛ فقد صرح في كتاب الكفارات بحكاية ذلك عن غيره فقال: وإن ملكه سيده عبدًا ليعتقه عنها لم يصح؛ لأنه يستحق الولاء وليس العبد من أهل إثبات الولاء.
وعن صاحب "التقريب" أنه يصح إعتاقه ويثبت له الولاء، وعن القفال يخرج قول أنه يصح إعتاقه عن الكفارة، والولاء موقوف على أنه إن عتق فهو له وإن دام رقه فلسيده. هذا كلامه، وذكر أيضًا في كفارة اليمين نحوه.
وذكر القاضي حسين في البيع في أواخر باب الجراح بالضمان أنه إذا ملكه سيده عبدًا فأعتقه عن نفسه بإذن سيده ففي صحة ذلك قولان؛ فإن صححنا فالولاء للسيد، وذكر الشيخ أبو محمد في أول كتاب الأيمان من "السلسلة" نحوه أيضًا.
قوله تفريعًا على التحمل، وإن اختلف حالهما فإن كان أعلى حالًا منها نظر إن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أو الإطعام فوجهان: أظهرهما: أنه يجزيء الإعتاق عنهما.
ثم قال: وإن كان هو من أهل الصيام وهي من أهل الإطعام، فالذي قاله الأئمة أنه يصوم عن نفسه ويطعم عنها؛ لأن الصوم لا يتحمل به.
وقضية من قال بإجزاء العتق عن الصوم في الصورة السابقة إجزاء الصيام عن الإطعام لأن من فرضه الإطعام لو تحمل المشقة وصام أجزأه، والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن القاضي أبا الطيب قد أجاب عما قاله الرافعي فقال: ليس له أن ينتقل من الإطعام هاهنا إلى الصيام الذي هو أعلى منه؛ لأن الإطعام وجب عليه بسبب غيره، وإنما كان ذلك يجوز لو كان بسببه. هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن هذا الذي ذكره الرافعي بحثًا قد صرح بنقله الفوراني، وأنه حكى في ذلك وجهين للأصحاب، وصحح التحمل على وفق ما بحثه الرافعي، وحكى ذلك عنه صاحب "الذخائر" أيضًا.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي: والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل ليس هو استدلالًا على ما يرومه الرافعي من إجزاء الصيام عن الإطعام؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ولأن الصوم كما يتحمل يتحمل به؛ أي: كما يتحمل بالإعتاق الذي هو أعلى منه فكذلك يتحمل الإعتاق الذي هو أدنى.
وأما مراد الرافعي -والله أعلم- معارضة تعليلهم أن الصوم لا يتحمل به فقال: ما قلتم من أن الصوم لا يتحمل به يلزمكم أن لا يتحمل أيضًا وقد قالوا: إنه يتحمل بالإعتاق.
واعلم أنه قد بقي من الأقسام قسم لم يذكره الرافعي ولا النووي في "الروضة" وهو ما إذا كانت من أهل الإعتاق وهو من أهل الإطعام، وقد ذكره النووي في "شرح المهذب" فقال: يطعم ويلزمه الإعتاق عنها. وكذلك
ذكره سليم الرازي في "المجرد".
قوله: إذا ظن أن الصبح لم يطلع فجامع ثم بان خلافه فحكم الإفطار قد سبق ولا كفارة لعدم الإثم.
قال الإمام: ومن أوجب الكفارة على الناسي يقول مثله هنا لتقصيره في البحث. انتهى.
وهذا التعبير عما قاله الإمام يوهم أن ذلك بحث منه لا نقل للأصحاب، وقد اغتر به النووي في "شرح المهذب" فصرح بذلك فقال: فلا كفارة، قطع به المصنف والأصحاب إلا إمام الحرمين فإنه قال في آخره: وليس الأمر كذلك بل نقله عن الأصحاب فقال: ثم إذا ألزمنا الناسي الكفارة عند الحكم بإفطاره فتلك الصورة أولى، وهذا لم أقله احتمالًا بل ذهب إليه طوائف من أصحابنا. هذا لفظ الإمام، فصرح بنقل الخلاف وبالأولوية أيضًا.
قوله: ولو ظن أن الشمس قد غربت فجامع ثم بان خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة أيضًا؛ لأنها تسقط بالشبهة.
وهذا ينبغي أن يكون مفرعًا على جواز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكفارة وفاء بالضابط المذكور. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن البغوي في "التهذيب" لم يفرض هذه المسألة فيما إذا ظن الوقت؛ بل فرضها فيما إذا شك فيه فقال بخلاف ما لو أكل شاكًا في غروب الشمس فبان أنها لم تغرب يجب القضاء؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار وتحريم الأكل.
ثم قال: وحيث قلنا يجب القضاء فإن كان قد جامع قضى ولا كفارة عليه في الموضعين؛ لأن كفارة الجماع تسقط بالشبهة. هذا لفظه.
ذكر ذلك في أثناء فصل أوله قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} (1) الآية. وإذا كانت صورة المسألة فيما إذا شك فلا يجيء البحث الذي بحثه الرافعي لأن الشاك يحرم عليه الأكل قطعًا كما جزم به الرافعي وصرح به أيضًا في "الروضة" من "زياداته" بل كلام البغوي صريح في إبطاله حيث حكم بعدم الوجوب عند تحريم الأكل لأجل الشبهة وعند جوازه أولى.
الأمر الثاني: أن الإلزام بالضابط المذكور إنما يصح عند من ذكره وارتضاه، وأما من لم يذكره بالكلية أو ذكره ولم يرتضيه فلا يلزمه القول بمقتضاه؛ لأنه قد لا يقول به. إذا علمت ذلك فالبغوي لم يذكر هذا الضابط بالكلية، وإنما ذكره الغزالي، والغزالي لم يذكر هذه المسألة فلم يتوجه الإلزام به على أحد.
الأمر الثالث: أن ما تقدم في المسألة التي قبل هذه المسألة عن كلام الإمام تجري في هذه الصورة بطريق الأولى فاعلمه؛ فإن جزم الرافعي بهذه دون تلك قد يوهم خلافه.
قوله: ولو أكل الصائم ناسيًا فظن بطلان صومه فجامع فهل يفطر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيًا وتكلم عامدًا لا تبطل صلاته.
وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه.
وعلى هذا فلا كفارة؛ لأنه وطء وهو يعتقد أنه غير صائم.
(1) البقرة: (187).
وعن القاضي أنه يحتمل وجوبها؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوطء.
انتهى كلامه. وهذا النقل عن القاضي قد تابعه عليه النووي وهو يقتضي أنهما لم يقفا في المسألة على خلاف وأنه ليس فيها إلا هذا الاحتمال.
وليس كذلك ففيها خلاف قديم رأيته في كلام الإمام محمد بن يحيى في كتاب الصيام من "تعليقه" في الخلاف منقولًا عن الحليمي فقال: ووجبت الكفارة في وجه أورده الحليمي من أصحابنا في "المنهاج". هذه عبارته.
واعلم أن سبب التعليل الذي ذكره القاضي -وهو أبو الطيب- أن الإمساك واجب.
وإذا علمت ذلك ظهر لك إيراد هذه الصورة على الضابط المذكور قبل هذا بأوراق في وجوب الكفارة وهو قولهم أنها تجب بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به لأجل الصوم.
ووجه التقييد الأخير أن الصوم لما كان واجبًا وأوجبنا الإمساك لأجله؛ لكونه يشبهه كان تأثيمه لأجل الصوم وهو وجوب الإمساك على ما في ظنه وإن كان صائمًا حقيقة.
وبهذا التقدير جميعه يظهر أن صورة المسألة في ما إذا علم وجوب الإمساك، فإن ظن عدم وجوبه أيضًا فلا كفارة قطعًا.
قوله: وهل يلزمه مع الكفارة قضاء اليوم الذي أفسده بالجماع؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يجب.
والثاني: لا.
والثالث: إن كفر بالصيام لم يلزم وإلا لزم.
ثم قال بعد ذلك: قال الإمام: ولا خلاف أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمله الزوج، فإن الكفارة إذا كانت صومًا لا يتحمل فما ظنك بالقضاء. انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال لا يثبت للإمام ما يحاوله؛ لأنا إذا قلنا بالوجوب عليها وكانت من أهل الصوم وهو من أهل العتق، فإنه يحمل عنها الصوم بإعتاقه كما قاله الرافعي في موضعه وقد تقدم ذكره.
وإن كانا معًا من أهل الصيام ففي الاكتفاء بصومه عن صومها وجهان حكاهما القاضي الحسين في "تعليقه".
قوله في "الروضة": لو كان من لزمته الكفارة فقيرًا فهل له صرفها إلى أهله وأولاده؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لحديث الأعرابي المشهور. وأصحهما: لا كسائر الكفارات.
وأما رقبة الأعرابي فلم تدفع إلى أهله عن الكفارة. انتهى.
واعلم أن الإذن للأعرابي في إطعامه لأهله رواه الشيخان (1)، وذكر الرافعي له ثلاثة تأويلات منقولة عن نصه في "الأم" فقال في الثالث منها: إنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم تطوع بالتكفير عنه وشرع له صرفه إلى الأهل والعيال؛ فتكون فائدة الخبر أنه يجوز للغير التطوع بالكفارة عن الغير بإذنه وأنه يجوز للمتطوع صرفه إلى أهل المكفر عنه وعياله.
هذا كلام الرافعي فيما نقله عن نصه في "الأم"، وهذا الثالث قد أسقطه النووي من "الروضة" مع أنه تؤخذ منه هذه المسألة الحسنة التي ذكرها في كلامه؛ وهي إعطاؤها لأهل الذي يكفر عنه.
(1) أخرجه البخارى (1834) ومسلم (1111) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.
وقد صرح بجوازه الشيخ أبو علي السنجي في "شرح التلخيص" نقلًا عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: يجوز للرجل أن يكفر عن ولده الصغير في الموضع الذي يلزمه ويصرفها إليه عند حاجته ليأكل كفارة نفسه كما كفر صلى الله عليه وسلم عن الأعرابي ودفع إليه كفارته ليأكل هو وأهله.
هذا لفظ الشيخ أبي علي، ومن "شرح التخليص" نقلته، وكذا نقله القاضي حسين في "تعليقه" عن أصحابنا.
قوله: قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لله تعالى على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يجب لأسباب مباشرة من العبد كزكاة الفطر؛ فإذا عجز وقت الدخول لم تثبت في ذمته.
والثاني: ما يجب بأسباب مباشرة على جهة البدل كجزاء الصيد؛ فإذا عجز وقت وجوبه يثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة.
والثالث: ما يجب بذلك لكن لا على جهة البدل ككفارة الجماع واليمين والقتل والظهار ففيها قولان:
أظهرهما: تثبت في الذمة عند العجز. انتهى.
واعلم أن ما وجب في الحج لا عن إتلاف بل عن استمتاع لكفارة اللباس والطيب ونحوهما حكمها حكم ما وجب على جهة البدل على الصحيح؛ كذا ذكر في "شرح المهذب" فاعلمه فإن فيه وقفة، وكلامه هنا يوهم خلافه.
قوله: إن الجمهور حكوا الخلاف في استقرار كفارة الجماع قولين، وإنما أطلق صاحب "الكتاب" فيها وجهين تقليدًا للإمام. انتهى.
وهو يوهم انفراد الإمام بحكاية الوجهين، وليس كذلك، فقد جزم بحكاية الوجهين في المسألة جماعة آخرون قدماء أجلاء منهم أبو علي الطبري في "الإفصاح" والقاضي الحسين في "تعليقه".
قوله: والفدية مد من طعام لكل يوم من أيام رمضان يصرف إلى الفقراء، وكل مد منهما بمثابة كفارة تامة؛ فيجوز صرف عدد منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحد منها إلى مسكين.
ثم قال: ويجب بثلاث طرق منها: التأخير .. إلى آخره.
لم يصرح هو ولا النووي بأنه هل يجوز أن يعطي الفقير أقل من مد، وقد صرح به القاضي الحسين في "تعليقه" هنا وجزم بالمنع فقال: إذا لزمه مد التأخير ليس له أن يدفعه إلى مسكين. هذا لفظه.
وذكر في "الروضة" من "زوائده" في باب الدماء في الكلام على التصدق بالإطعام بدلًا عن الذبح فرعًا يتعلق بما نحن فيه فقال: قال صاحب "البحر": أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة.
ثم قال: فإن فرق الطعام فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل يجوز الزيادة على مد والنقص منه. والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر.
هذا كلامه، فيحتاج إلى الفرق بين منع إعطاء الكفارة الواحدة هنا -وهى المد- إلى جمع، وبين الجواز في غيرها، فإن قيل: لأن المد في غاية القلة وهو كفاية الشخص غالبًا فلم يوزع؟
قلنا: ينتقض بما نقلناه الآن عن "الروضة" في باب الدماء، بل المنع هناك أولى؛ لأنه لا ضرورة فيه لحصول الإعطاء إلى ثلاثة أشخاص مد، بخلاف
فدية الصوم.
قوله: إحداهما: إذا فاته صوم وتمكن من فعله ومات قبل القضاء فالجديد: أنه يطعم من يزكيه لكل يوم مد، روي ذلك عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا.
والقديم: أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، لقوله عليه الصلاة والسلام:"من مات وعليه صوم صام عنه وليه"(1).
فعلى القديم لو أمر الولي أجنبيًا فصام عنه بأجرة أو بغيرها جاز كالحج، ولو استقل به الأجنبي جاز على الأصح. انتهى.
وظاهر كلامه يشعر بأن المراد بالاستقلال أن يكون بغير إذن الولي لكن شرطه أن لا يكون الذي يصوم عنه قد أذن له؛ فسيأتي في كتاب الوصايا أن الذي وجب عليه الصوم إذا أوصى لأجنبي أن يصوم عنه صح صومه وإن لم يأذن له الولي، وهو واضح.
واعلم أمرين:
أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" قد صرح بأنه يأثم، وتبعه عليه في "المنهاج" ولم يصرح به الرافعي.
ولا يؤخذ ذلك من وجوب التدارك؛ ألا ترى أن الحج المتروك عمدًا لا يقضي فيه الميت على رأي جماعة ومع ذلك يفعل عنه.
الأمر الثاني: أن النووي قد صرح في "شرح مسلم" بأن الأصح أن الولي يصوم عن الميت، وذكر في "الروضة" وكثير من كتبه نحوه.
والحديث الأول قال الترمذي: الصحيح وقفه على ابن عمر؛ ولهذا قال
(1) أخرجه البخارى (1851) ومسلم (1147) من حديث عائشة -رضى الله عنها-.
في "الروضة": إنه ضعيف، والثاني ثابت في الصحيحين.
قوله: والمعتبر على قولنا: أن الولي يصوم هل هو الولاية على ما ورد في لفظ الخبر أو مطلق القرابة أو تشترط العصوبة أو الإرث؟ توقف الإمام فيه وقال: لا نقل عندي في ذلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث. انتهى.
زاد النووي على ذلك فقال: المختار أن المراد مطلق القرابة.
قال: وفي "صحيح مسلم"(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لامرأة أن تصوم عن أمها. وهذا يبطل احتمال العصوبة انتهى.
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنهما لم يظفرا في المسألة بنقل، المسألة قد صرح بها جماعات كثيرة منهم: القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والماوردي في "الحاوي"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر".
فأما القاضي فجزم باعتبار القريب كما رجحه النووي فقال: فإذا قلنا: يجب أن يصام عنه، فمن شاء من أقاربه صام عنه. هذا لفظه، وقال ابن الصلاح: إنه الأقرب، وصاحب "الذخائر": إنه الأظهر.
وجزم الماوردي باعتبار الإرث، كما رجحه الرافعي فقال في أواخر كتاب الوصايا: وكان الشافعي في القديم يجوز النيابة في صوم الفرض إذا ناب عنه وارثه، وفي نيابة الأجنبي عنه وجهان. هذا لفظه.
وذكر البغوي نحوه أيضًا فقال: هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان. هذا لفظه.
(1) حديث (1148) من حديث ابن عباس -رضى الله عنهما-.
ونقله الروياني في "البحر" عن بعض أصحابنا واقتصر عليه، وقال: لا فرق بين المستغرق وبين وارث شيء، وصححه ابن أبي الصيف في "نكته".
وذكر النووي في "شرح مسلم" ما يوهم أن هذه الاحتمالات وجوه فقال: المراد بالولي: القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل: العصبة، والصحيح الأول. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. هذا لفظه.
قوله: ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه، ولا تسقط عنه الفدية.
ونقل البويطي أن الشافعي - رضى الله عنه - قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه. وفي رواية: يطعم عنه.
قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن التخريج المذكور يحتمل أن يكون راجعًا إلى الأمرين المتقدمين وهما فعل الاعتكاف وإخراج الطعام بدلًا عنه وأن يرجع إلى الأخير وهو الإطعام.
وقد بين الرافعي في كتاب الوصايا المراد وجعله راجعًا إليهما، وذكر ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: ولك أن تعلم قوله وأما الصلاة عنه قضاء لما فاته فلا تنفعه.
قالوا: وليخرج من الصوم أشير إليه، وقد ذكرناه الصوم. هذا كلامه فظهر بما قاله، وقد راجحت "التهذيب" فوجدته قد عبر بلفظ:(هذا) أي: اسم الإشارة للقرب كما عبر الرافعي؛ فيكون التخريج في الإطعام خاصة
كما فهم النووي.
واعلم أن صاحب "التهذيب" قد ذكر في آخر كتاب أن الأصحاب اختلفوا في جواز الصلاة عن الميت وفي حج التطوع إذا أوصى. انتهى.
فإذا جازت الصلاة بالوصية فالقياس جوازها للولي على وفق التخريج السابق فقد ادعى النووي في "شرح المهذب" و"شرح مسلم" الإجماع على أنه لا يصلي عنه.
الأمر الثاني: أن الخلاف في التكفير عن الصلاة خلاف قديم فقد رأيته مذكورًا في "فتاوى" القفال فقال: مسألة: إذا مات وعليه صلاة قال بعض أصحابنا: يتصدق عن كل صلاة مد. هذه عبارته.
وحكاية الرافعي ذلك احتمالًا عن البغوي عجيب؛ فإنه كثير النقل عن الفتاوي المذكورة، وهو من البغوي أعجب؛ فإن القفال شيخ شيخه.
قوله: الحال الثاني: أن يكون موته قبل التمكن من القضاء بأن لا يزال مريضًا أو مسافرًا من أول شوال حتى يموت: فلا شئ في تركته ولا على ورثته كما لو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في آخر المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز" أنه لا فرق في القولين في أنه هل يصام عنه أو يفدي، وبين أن يكون قد ترك الأداء بعذر أو بغير عذر، ونقله في "الروضة" إلى أول الفصل.
وإذا علمت ذلك فما ذكره هاهنا من كونه لا شيء في تركته إنما محله
إذا فات بعذر. وتمثيل الرافعي بالمريض والمسافر يدل عليه.
فإن فات بغير عذر فيأثم ويتدارك عنه بالفدية، كذا صرح به الرافعي في كتاب النذر في الكلام على نذر صوم الدهر وجعله أصلًا وقاس عليه حكمًا آخر.
الأمر الثاني: أن تقييده ذلك بأول شوال لم أره إلا في هذا الكتاب، وتبعه عليه في "الروضة"، حتى إن "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبهما لا ذكر له فيها، وهو الصواب، بل يكفي حصول ذلك قبل الفجر من اليوم الثاني من شوال؛ فإن ما قبل ذلك لا يصح فيه الصوم، بل لو طرأ الحيض أو النفاس أو المرض قبل غروب الشمس من اليوم الثاني لم يحصل التمكن أيضًا.
ولو لزمه يوم فسافر مثلًا بعد الفجر من اليوم الثاني واستمر السفر إلى رمضان ففي وجوب الفدية احتمالان حكاهما الروياني عن والده، وقال: الأصح عندي عدم الوجوب واعرف.
الأمر الثالث: أنه قد ذكر قبل هذا الكلام من غير فاصل أن صوم الكفارة والنذر حكمهما حكم صوم رمضان، ثم ذكر عقبه هذا الكلام وهو اشتراط التمكن؛ فدل ذلك على اشتراط ذلك أيضًا فيهما، لكنه قد نقل في آخر كتاب النذر عن القفال من غير مخالفة له أنه لا يشترط التمكن في الصوم المنذور.
واعلم أنه قد سبق في الزكاة أن التأخير بعد الحول لأجل انتظار القريب والجائز جائز، ويجب به الضمان في الأصح فلم لا جعلنا المسافر هاهنا متمكنًا لاسيما إذا استحببنا له الصوم بأن كان لا يضره؟
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: ولا يصح الصيام عن أحد في حياته
بلا خلاف سواء كان عاجزًا أم غيره. انتهى لفظه.
والذي ذكره النووي هاهنا من المنع بلا خلاف قد خالفه في موضعين من "الروضة" فقال في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما ينفع الميت: ولو مرض بحيث لا يرجى برؤه ففي الصوم عنه وجهان. انتهى.
ولم يرجح شيئًا منهما.
وقال في كتاب النذور: ولو نذر صوم الدهر فأفطر يومًا فلا سبيل لقضائه.
ثم قال: فإن كان لعذر مرض أو سفر فلا فدية وإن تعدى لزمه، قال الإمام: وهل يجوز أن يصوم عن المفطر المتعدي وليه في حياته تفريعًا على أنه يصوم عن الميت وليه؟ الظاهر جوازه لتعذر القضاء.
وفيه احتمال من جهة أنه قد يطرأ ما يبيح له ترك الصوم فيقضى. انتهى كلامه.
فهذه ثلاثة مواضع متعارضة؛ لأنه قد ذكر هنا أنه لا خلاف في المنع وفي النذر نقلًا عن الإمام أنه يجوز وأقره، وفي الوصية وجهين من غير ترجيح.
وقد وقع الموضع الأول والثالث في "شرح المهذب" كما في "الروضة"، واقتصر في "شرح مسلم" على الموضع الأول وهو البطلان بلا خلاف.
واعلم أن الرافعي قد ذكر أيضًا المنع هنا، وإنما ذكرها النووي في "الروضة" من زياداته لنفي الخلاف فيها كما زعم، وحينئذ فيكون معارضًا لما نقله في النذر.
قوله: وليس المراد من القول القديم أنه يلزم الولى أن يصوم، بل المراد أنه يجوز له ذلك إن أراده، هكذا أورده في "التهذيب"، وحكاه الإمام عن الشيخ أبي محمد وهو كالمتردد. انتهى كلامه.
وهذا النقل المذكور يعارضه كلام القاضي أبي الطيب؛ فإنه جزم في "تعليقه" بأن المراد منه الوجوب، وقد ظن النووي أن هذا النقل متفق عليه فجزم به في "الروضة" ولم يعزه إلى أحد، وزاد على ذلك في "شرح المهذب" فقال: إنه لا خلاف فيه.
قوله: المسألة الثانية: الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم أو تلحقه به مشقة شديدة لا صوم عليه، ولكن تلزمه الفدية في أصح القولين، والقولان جاريان في المريض الذي لا يرجى برؤه.
ثم قال: وحكم صوم الكفارة والنذر حكم صوم رمضان. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن مقتضى إطلاق الرافعي أنه لا فرق في هذين القولين بين أن يتقدم وجوب الكفارة والنذر على سن الشيخوخة والمرض أو يكون مقارنًا لها.
وقد سبقه إلى حكاية القولين في حالة التقدم الشاشي في "المعتمد" فإنه قال بعد ذكره القولين في وجوب الفدية على الشيخ والمريض ما نصه: وهذا حكم صوم النذر والقضاء عند العجز إذا كان قد سبق وجوبه في حقه. هذا لفظه، وسيأتي عقب هذا في انعقاد النذر في حالة المقارنة وجهين، وأن الصحيح منهما عدم الانعقاد؛ فحكاية الخلاف وجهين وتصحيح الانعقاد يمنعان أو يبعدان إرادة هذه الصورة.
لكن صرح البغوي في "التهذيب" أن الفدية تجب في حالة التقدم قولًا واحدًا، وأن القولين محلهما في المقارن، وذكر في "التتمة" نحوه إلا أنه لم يصرح بدعوى الاتفاق، بل حكى القولين في المقارن وجزم في المتقدم بالوجوب، وفي عبارة القاضي الحسين بعد الفراغ من هذه المسألة بفرعين إشعار بذلك.
ولا شك أن القولين في صوم رمضان يجريان في المقارن، وفي جريانهما في المتقدم إذا آخره بعد التمكن منه نظر، والقياس فيه القطع بوجوب الفدية ويكون كالميت.
الأمر الثاني: أن الإطعام في أكثر الكفارات ثابت بطريق الأصالة، فكيف يأتي فيها ما ذكره الرافعي من الخلاف في الانتقال، وأنه على سبيل البدلية؟
نعم كفارة القتل لا إطعام فيها في أصح القولين فيمكن أن يأتي القولان في الانتقال بدلًا، وقد استثنى الطبري شارح "التنبيه" كفارة الحلق ونحوه على المحرم، فإنها تفدى بمدين، وتصويره بما إذا مات معسرًا وأراد الأجنبي التكفير عنه واضح، إلا أن وجوب المدين فيه نظر، والقياس مد واحد.
وكذلك إذا فرعنا على أن الاعتبار بحالة الوجوب، وكان إذ ذاك معسرًا، وأما إذا كان موسرًا فاختار الولي الصوم، لينتقل عنه إلى بدله فيحتمل ما ذكرناه أيضًا، ويحتمل ما ذكره، وهو قريب من الكلام الآتى في الحج في ما إذا حلق شعره أو قلم ظفرًا، فراجعه.
الثالث: أن النووي قد أسقط هذه المسألة من "الروضة" من هذا الموضع وذكر صورة المسألة وحكمها قبل ذلك في الكلام على الميت -يعني إذا مات- وقد لزمه صوم كفارة أو نذر، فحكمه حكم رمضان، ولم يتعرض الرافعي هناك لهذه المسألة بالكلية، وحاصله أنها التبست عليه تلك المسألة، فنقلها إلى محلها.
قوله: ولو نذر، الشيخ الهم في حال العجز صومًا ففي انعقاده وجهان. انتهى.
والأصح عدم الانعقاد، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي "الروضة" من زياداته.
والهم: بكسر الهاء.
قوله: وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ، فلو كان معسرًا هل تلزمه إذا قدر؟ فيه قولان كما ذكرنا في الكفارة. انتهى.
هذه العبارة أخذها الرافعي-رحمه الله من البغوي وتابعه في "الروضة" عليها وذكر مثلها في "شرح المهذب"، ثم قال فيه عقب ذلك: والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة حياته فهى كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر كالفطرة؛ لأنه عجز حال التكليف بالفدية وليست في مقابلة حياته ونحوها.
وقطع القاضي أبو الطيب في "المجرد" بأنه إذا أيسر بعد الإفطار لزمته الفدية، فإن لم يفد حتى مات لزم إخراجها من تركته. هذا كلامه في "شرح المهذب".
وتوجيه الوجوب أنها بسبب من جهته -وهو الفطر- بخلاف الفطرة.
وجزم القاضي الحسين في "تعليقه" بأنه لا تجب على وفق ما رجحه النووي، ثم قال: ويحتمل أن يقال: تجب بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحالة الوجوب أو بحالة الأداء، وفيه خلاف. هذا كلام القاضي.
والظاهر أن البغوي أخذ ما تقدم ذكره عنه من هذا الكلام.
قوله: وقد قدر الشيخ بعد ما أفطر على الصوم، نقل صاحب "التهذيب" أنه لا يلزمه القضاء، لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم بل بالفدية، ثم قال من عند نفسه: إذا قدر قبل أن يفدي عليه أن يصوم، وإن قدر بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالمغصوب إذا حج عنه ثم برئ.
واعلم أن صاحب "التتمة" في آخرين نقلوا خلافًا في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم بالفداء ابتداء؟ فلصاحب "التهذيب" أن يمنع التعليل السابق.
انتهى ملخصًا. فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله صاحب "التهذيب" من عدم الوجوب قد جزم به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" والخوارزمي في "الكافي"، ونقل الدارمي فيه وجهين، واقتصر في "شرح المهذب" على كلام البغوي والدارمي.
الأمر الثاني: في الأصح من الخلاف المحكي في أنه مخاطب بالفدية ابتداء أم لا؛ فإن مسألتنا التي نحن فيها هى نتيجة.
وقد اختلفوا فيه فقال في "شرح المهذب": الأصح الأول، وهو الخطاب بالفدية، وقال ابن الرفعة: الصحيح الثاني، وهو الخطاب أولًا بالصوم.
وفي "الروضة": وإذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا وقضتا.
وهل تلزمهما الفدية؟ فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: تجب.
والثاني: تستحب.
والثالث: تجب على المرضع دون الحامل.
ثم قال: فعلى الأظهر لا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد على الصحيح، وبه قطع في "التهذيب". انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة الوجهين قد ناقضه في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع، فقال ما نصه: فيه طريقان أصحهما لا، وبه قطع البغوي، والثاني: فيه وجهان، حكاه الرافعي. هذا لفظه، وكلامه يقتضي أنه لم يقف على الوجهين إلا في كلام الرافعي مع أنهما مصرح بهما في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين.
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أن الوجهين جاريان في المرضع والحامل، وقد صرح بذلك في "التتمة" فقال: إذا كانت حبلى بولدين أو ترضع ولدين فهل تلزمها فدية واحدة أو فديتان؟ في المسألة وجهان. هذا لفظه.
وكلام ابن الرفعة يوهم اختصاص الوجهان بالمرضع. وهو غريب؛ فإنه قد نقل أيضًا هذا الموضع عن "التتمة".
قوله: ولو كانت المرضع مستأجرة فقال في "التتمة": لها الفطر.
وقال الغزالي في "الفتاوى": ليس لها ذلك، قال: ولا خيار لأهل الصبي أيضًا. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح قول صاحب "التتمة" فقد جزم به أيضًا القفال والقاضي الحسين في فتاويهما، وصححه النووي في "شرح المهذب" وزيادات "الروضة"، وزاد فنقل عن القاضي أن الإفطار يجب إن أضر الصوم بالرضيع.
قوله: الأمر الثاني: أن الغزالي بعد أن ذكر أنه لا خيار، وعلله بأن وجود الصوم وتأثيره في اللبن ظاهر معلوم استثنى الجاهل فقال: فإن فرض دعوى جهل به ممن يتصور أن يلتبس عليه ذلك فلا يبعد الخيار.
قوله في المسألة من زياداته: وفدية الفطر على من تجب؟
قال القاضي: يحتمل وجهين بناء على ما لو استأجر المتمتع فعلى من يجب دمه؟ فيه وجهان. انتهى كلامه.
قال في "شرح المهذب" بعد حكايته لهذا الكلام ولعل الأصح أنها عليها
بخلاف دم التمتع فإنه على المستأجر في الأصح؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع فإنه من تمام الحج الواجب عليه.
قوله: ولو كانت المرضع أو الحامل مسافرة أو مريضة فأفطرت على قصد الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص ففي لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا أفطر بالجماع. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، ولا شك أن هذه المسألة لها أربعة أقسام:
أحدها: أن تفطرا بنية الترخص بالسفر أو المرض فقط.
والثاني: بنية الخوف على الولد فقط.
والثالث: بنيتهما جميعًا.
والرابع: أن لا تقصدا شيئًا.
إذا عملت ذلك فقول الرافعي: (وإن لم تقصدا الترخص) يحتمل أن يريد أنهما لم تقصداه أصلًا؛ وحينئذ فيكون ساكتًا هنا عن الثاني والثالث.
فإن قلت: فما حكمهما؟ قلت: يتجه أن يجزم في الثاني -وهو قصد الخوف على الولد- بالوجوب، وإنما سكت عنه هاهنا لأنه يؤخذ من صدر المسألة.
ويجزم في الثالث -وهو قصد الأمرين- بعدمه تغليبًا للمسقط عملًا بالأصل.
ويحتمل أن يريد أنهما لم تقصدا الترخص بما ذكر.
وعلى هذا فتدخل الأقسام الثلاثة في كلامه حتى يجري فيها الوجهان، والاحتمال الأول أظهر، والحكم الذي ذكرته فيه أقيس.
قوله: إحداهما إذا أفطر بعد الجماع عمدًا في رمضان ففي وجوب الفدية، وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها واجبة على المرضع والحامل مع قيام العذر فغير المعذور أولى.
وأظهرهما: لا؛ لأنه لم يرد فيه توقيف وحيث تجب الفدية إنما تجب جائزة وهى لا تخير ما تفدي ولا يليق بعظم حرمته. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن النووي في الروضة قد تبع الرافعي على حكاية الوجهين، ثم حكى في "شرح المهذب" في ذلك طريقتين: إحداهما: هذه.
والثانية: قاطعة بعدم الوجوب، وصححها فقال: وهل تلزمه الفدية وهى مد من طعام؟
فيه طريقان: أصحهما -وبه قطع العراقيون-: لا تلزمه.
والثاني: حكاه الخراسانيون فيه وجهان: أصحهما عند جمهورهم: لا تلزمه. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر المسألة قبل هذا في الكلام على المجامع في نهار رمضان وحكى فيها ثلاثة أوجه غير هذا الوجه.
أصحها: أنه لا يجب عليه شيء.
والثاني: تجب كفارة الجماع.
والثالث: تجب بالأكل والشرب خاصة كفارة فوق كفارة الحامل ودون كفارة الجماع.
وإذا ضممت ما سبق إلى ما حكاه هنا تلخص في المسألة أربعة أوجه.
الأمر الثالث: أن التعليل الذي ذكره الرافعي ينتقض بأمور كيمين
الغموس وكفارة القتل العدوان ونحوهما.
قوله: الثانية: لو رأى مشرفًا على الهلاك بغرق أو غيره وكان في تخليصه الإفطار فله ذلك ويقضي، وفي الفدية وجهان: أظهرهما الوجوب، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على المرضع والحامل.
ثم قال: وأشار مشيرون إلى تخريج الخلاف هاهنا مع التفريع على وجوب الفدية، ثم فرقوا بأن الإفطار ثم لإحياء نفس عاجزة عن الصوم خلقة فأشبه إفطار الشيخ الهرم، وهاهنا الغريق غير عاجز عن الصوم. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بقوله: فله ذلك، تعبير ناقص موهم، والصواب أن يقول: لزمه.
وقد نبه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
الأمر الثاني: أن تصوير الرافعي بالغريق يقتضي أنه لو كان الإفطار لتخليص قال: لم تجب الفدية، وبه صرح القفال في "فتاويه" وعلله بأنه لم يرتفق بهذا الإفطار إلا شخص واحد فلم يكن كالحامل والمرضع.
والفرق الذي ذكره الرافعي أيضًا في آخر الكلام يقتضي أن محل الوجهين فيما إذا كان الغريق آدميًا، فإن كان بهيمة لم يجب شئ جزمًا.
ولم يتعرض في "الروضة" لهذا الفرق، وقد تعرض في "التتمة" لمسألة البهيمة وقال: إنه يجب الإفطار لتخليصها، ولكن لم يتعرض لوجوب الكفارة، ذكر ذلك في باب الاعتكاف في الكلام على ما إذا دعي لأداء شهادة.
قوله: من عليه قضاء رمضان وأخره حتى حصل رمضان السنة الثانية
نظر إن كان مسافرًا أو مريضًا فلا شئ عليه بالتأخير، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى، وإن لم يكن فعليه مع القضاء عن كل يوم مد. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوجوب في السفر ونحوه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الفوات بعذر أو غير عذر، وقد صرح بذلك في "التتمة" هنا، وكذلك سليم الرازي في "المجرد" في باب صوم التطوع، وبالغ فقال: الأشبه جواز الخروج بذلك منه، أي: من الصوم الذي تعدى بتركه.
لكن نقل الرافعي بعد ذلك في صوم التطوع عن البغوي، أنه يحرم عليه تأخيره بعذر السفر، وإذا كان التأخير حرامًا كان التأخير بغير عذر أولى؛ فيلزم وجوب الفدية.
واعلم أن الرافعي لو قال: إن كان معذورًا كالسفر والمرض، لكان أعم أو تدخل فيه الحامل والمرضع وغيرهما.
قوله: ولو أخر القضاء حتى مضى رمضانان فصاعدًا ففي تكرار الفدية وجهان:
أحدهما: لا تتكرر؛ لأنها وجبت في السنة الأولى؛ لأنه أخرج القضاء عن وقته وهو ما بين الرمضانين، وهذا لا يتكرر.
والثاني: نعم، قال في "النهاية": وهو الأصح. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يكن قد أخرج الفدية، فإن أخرجها تكررت جزمًا، كذا صرح به البغوي في "التهذيب" فقال: فإن فدى ولم يقض حتى مضى رمضان آخر فعليه القضاء والفدية ثانيًا، فإن لم
يفد ولم يقض حتى مضى رمضانان هل تتداخل الفديتان؟ فيه وجهان:
أحدهما: تتداخل كالحدود.
والثاني: لا تتداخل، لأنها من الحقوق المالية.
هذا لفظه. وذكر مثله أيضًا الخوارزمي في "الكافي".
الأمر الثاني: أن النووي أيضًا، في "الروضة" نقل تصحيح التكرر عن الإمام فقط، وكذا في "شرح المهذب" أيضًا وزاد فيه فقال: إن الذي صححه الإمام هو الأصح، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" و"المحرر" ووافقه عليه في "المنهاج"، وكأنهما لما لم يجدا التصحيح إلا للإمام أطلقاه.
وقد صحح عدم التكرر جماعات منهم الماوردي في "الحاوي" فقال: إنه الأصح، والشيخ أبو حامد، والبندنيجي في تعليقهما، وسليم في "المحرر"، وعبر هؤلاء الثلاثة بقولهم: المذهب، زاد سليم فقال: إن التكرار ليس بشئ.
ومنهم الروياني في "البحر" فقال في آخر المسألة: إنه الأظهر.
قوله: فإذا لم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء جميع الفائت فهل تلزمه في الحال عما لا يسع الوقت أم لا تلزمه إلا بعد مجئ رمضان؟ فيه وجهان مشبهان بما إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز غدًا فانصب قبل الغد يحنث في الحال أم بعد مجيء الغد؟ . انتهى لفظه.
وعبارة "الروضة": فيه وجهان كالوجهين فيمن حلف ليأكلن الرغيف غدًا فتلف قبل الغد.
وهذه العبارة أكثر إشعارًا بالمساواة بينها من عبارة الرافعي.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الصحيح في الانصباب بنفسه عدم الحنث ونظيره هاهنا إذا لم يزل العذر إلا ذلك الوقت.
ولا شك أن الفدية لا تجب عليه في هذه الحالة فيجب فرض المسألة فيما إذا كان التمكن سابقًا وحينئذ فيشبه ما إذا صب هو الماء فإنه يحنث، وفي وقت حنثه الوجهان.
واعلم أن الرافعي لما ذكر مسألة الرغيف سوى بين إتلافه عمدًا وتلفه، وقال: فيها قولان أو وجهان، فالذي أورده ابن كج أنه لا يحنث، والخلاف كالخلاف فيما لو حلف ليصعدن السماء غدًا، وقد سبق. انتهى.
ومسالة الصعود ذكرها الرافعي في أول النوع الثاني من أنواع المحلوف عليه وهو الأكل والشرب، فقال: فيها وجهان ويشبه أن يرجع الحنث في الغد. انتهى.
فتقرر بهذا العمل كله أنه لا يحنث في مسألة الرغيف إلا في الغد، وحينئذ فيكون الراجح أن الأمداد لا تجب إلا بدخول رمضان، فإذا مات قبله فقد مات قبل الدخول فلا يجب بسببه شيء كما صرح به النووي من "زياداته" في مسألة الرغيف، وكذلك غيره أيضًا، وهو واضح لكنه ذكر قبل ذلك بقليل ما يدل على خلافه، فقال: ولو كان عليه عشرة أيام فمات ولم يبق من شعبان إلا خمسة أيام أخرج من تركته خمسة عشر مدًا؛ عشرة لأصل الصوم وخمسة للتأخير؛ لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قضاء خمسة. انتهى.
وهذا صريح في أن الأيام التي تحققنا فواتها توجب الأمداد التي تجب لفواتها من حين الفوات، ولا يتوقف ذلك على دخول رمضان.
واعلم أن هذه المسألة لها نظائر، منها: إذا طول الجمعة حتى تحقق في الثانية أن الوقت يخرج، قال في "البحر" في كتاب الجمعة: عندي أنها
تصير ظهرًا الآن.
ومنها: إذا أحرم العبد بحجة وعلم أنه يصير حرًا قبل الوقوف، قال في "البحر" في الجمعة أيضًا: لا ينقلب حجه فرضًا إلا يوم عرفة، قال: لأن ابتداء الفرض لا يصح قبل الحرية، والإحرام بالظهر يصح الآن.
ورأيت في "السلسلة" للشيخ أبي محمد أنه إذا أحرم العبد والصبي فهل وقع إحرامهما نفلًا أو موقوفًا على البلوغ والعتق؟ فإن حصل كان فرضًا وإلا وقع نفلًا؟ قال: فيه وجهان.
ومنها إذا انقطع المسلم فيه المحل فهل يثبت الخيار من حين الانقطاع أم لا يثبت إلا بعد المحل؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ومنها: إذا تفاصلا على أن من أصاب مثلًا ستة من عشرة استحق فاصاب أحدهما وأخطأ الآخر في خمسة، فهل نوجب الجعل من ذلك الوقت أم بعد الفراغ؟ على وجهين: أصحهما: الثاني أيضًا؛ لأن لكل منهما غرضًا في الرمي ومشاهدته من صاحبه التعليم.
قوله من "زوائده": وإذا أراد الشيخ الهم إخراج الفدية قبل دخول رمضان لم يجز. انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في تعجيل الزكاة موافقًا للمذكور هنا، وذكر مثله أيضًا في الحامل والمرضع.
قوله أيضًا من زوائده: قال الإمام الزيادي: ويجوز للحامل تقديم الفدية على الفطر ولا تقدم إلا فدية يوم واحد. انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها أيضًا الرافعي في كفارة اليمين فقال: الحامل والمرضع إذا شرعتا في الصوم ثم أرادتا الإفطار فأخرجتا الفدية قبل الإفطار ففي إجزائها وجهان: أظهرهما: الإجزاء؛ وعلى هذا ففي جواز تعجيل
الفدية لسائر الأيام وجهان بناء على الخلاف في تعجيل الزكاة لعامين. هذا كلامه.
قوله: من شرع في صوم تطوع لم يلزمه الإتمام، ولا قضاء عليه لو خرج من صومه؛ لما روي عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا خبأنا لك حيسًا، قال: أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه. (1).
انتهى. ثم ذكر حديثًا آخر وفيه السؤر.
فأما الحيس: فهو بفتح الحاء وبالسين المهملتين بينهما ياء بنقطتين من تحت، وهو تمر يخلط بسمن وأقط، وأصل الحيس الخلط فلذلك سمي هذا به.
وقربيه: بالقاف والباء الموحدة: أي: ادنه مني لأشرب منه.
والسؤر: بالهمز هو البقية، وقد تقدم في الطهارة.
والحديث رواه الدارقطني والبيهقي، وقالا: إسناده صحيح، ولكن لفظه: أنه دخل على عائشة ذات يوم فقال: أعندك شئ؟ قلت: نعم. قال: إذًا أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم.
قوله: وأما صوم الكفارة فما لزمه منه بسبب محرم فهو كالقضاء الذي على الفور. انتهى.
هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع ووقع فيها اختلاف في كلامه وكلام النووي، وسأذكر المسألة إن شاء الله تعالى مبسوطة في كتاب الظهار في الباب المعقود للكفارات.
(1) تقدم.
قوله: وهذا كله مبني على انقسام القضاء إلى ما هو على الفور وإلى ما هو على التراخى؛ فالأول: ما تعدى فيه بالإفطار، والثاني: ما لم يتعد فيه. . . . إلى آخره.
اعلم أن هذا الضابط يرد عليه قضاء يوم الشك؛ فإن حاصل المنقول فيه يقتضي أنه على الفور على الصحيح؛ فقد قال في التتمة: ينبني على أنه هل يلزمه التشبه بالصائمين في بقية نهاره أم لا؟ ؛ فإن قلنا: لا يلزمه، فقد جعلناه كالمعذور فلا يلزم أن يقضي على الفور، وإن قلنا: يلزمه التشبه فقد ألحقناه بمن أفطر بغير عذر فيلزمه أن يبادر إلى القضاء. هذا كلامه.
ونقله النووي في "شرح المهذب" عنه وعن غيره أيضًا، ولم ينقل ما يخالفه.
واقتصر ابن الرفعة على نقله عنه، ولكنه قال: فيه نظر.
واعلم أنا نستفيد من هذا الذي قاله المتولي وغيره وجوب القضاء على من نسى النية على الفور؛ لأن الإمساك واجب عليه كما جزم به الرافعي.
ولكن في "شرح المهذب" أن قضاءه على التراخي بلا خلاف.
قال: وكذلك من أكل على ظن الليل.
واعلم أن الصلاة الفائتة بعذر فيها وجه أن قضاءها على الفور، صرح به الرافعي ولم يحكوه هنا في الصوم بل صرح في "شرح المهذب" بأنه لا خلاف فيها فيحتاج إلى الفرق.
قوله في صوم التطوع: فأما الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا عرفة كيلا يضعفوا عن الدعاء.
وأطلق كثير من الأئمة كونه مكروهًا؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة (1). انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في الروضة. وفيه أمور:
أحدها: أنه لا يعرف منه رجحان الكراهة أو خلاف الأولى، والصحيح أنه خلاف الأولى، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، وذكر نحوه في "شرح المهذب" فإنه قال في أثناء الكلام ما نصه؛ إنما هو خلاف الأفضل كما قاله الشافعي والجمهور. هذا لفظه بعد أن ذكر كلامًا آخرًا يدل عليه.
الأمر الثاني: أن مقتضى ما ذكره الرافعي من الحديث والمعنى أنه خاص بالحجيج الذين في عرفة، وقد أوضحه النووي في "نكت التنبيه" فقال: قول الشيخ: إلا أن يكون حاجًا بعرفة احتراز مما إذا كان محرمًا ولم يصل عرفة بعد ويعلم أنه لا يصلها في يوم عرفة بل يصلها بعد غروب الشمس فإنه لا يعرفه ويصح وقوفه ليلًا فلا يكره في هذه الصورة الصوم بل يستحب. هذا لفظه.
الأمر الثالث: أن الشافعي في "الإملاء" لما تكلم على استحباب فطره للحاج نص على استحباب ذلك للمسافر أيضًا فقال في باب صيام عرفة: وكذلك أحب للمسافر أن يترك صومه، هذا نصه بحروفه، ومن "الإملاء"
(1) أخرجه أبو داود (2440) وابن ماجه (1732) وابن خزيمة (2101) والحاكم (1587) والطبراني في "الأوسط"(2556) وأحمد (8018) والطحاوي في "شرح المعاني"(3017) من حديث أبي هريرة وقال الحاكم: صحيح.
وقال ابن خزيمة: صحيح.
وقال الشيخ أحمد شاكر: صحيح.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط"(2327) من حديث عائشة رضي الله عنها.
نقلته، ونقله الشيخ أبو حامد أيضًا في "تعليقه" عنه، وهي مسألة حسنة يؤخذ منها الرد على ما نقلناه الآن عن "نكت النووي"، ونقل الرافعي قبل ذلك عن "التتمة" ولم يخالفه أنه إذا سافر في رمضان سفر حج أو غزو وكان يخاف الضعف لو صام فإن الأولى له الفطر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمر الناس بالفطر عام الفتح وقال تقووا لعدوكم (1).
والحديث الذي ذكره الرافعي في المسألة رواه أبو داود.
قوله: ومنه يوم عاشوراء؛ روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عاشوراء يكفر سنة"(2).
ويوم عاشوراء هو العاشر من المحرم، ويستحب أن يصوم معه تاسوعاء وهو التاسع منه؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إن عشت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع"(3)، وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس رضي الله عنه:
أحدهما: الاحتياط؛ فربما يقع في الهلال غلط فيظن العاشر التاسع.
والثاني: مخالفة اليهود؛ فإنهم لا يصومون إلا يومًا واحدًا؛ فعلى هذا لو لم يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحادي عشر. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه إنما فسر عاشوراء باليوم العاشر؛ لأن ابن عباس -رضي
(1) أخرجه مالك (651) وأبو داود (2365) وأحمد (15944) والحاكم (1579) والشافعي (760) والبيهقي في "الكبرى"(7939) عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: صححه الحاكم وابن عبد البر.
قلت: وصححه أيضًا الألباني.
(2)
أخرجه مسلم (1162) وأبو داود (2425) وأحمد (22588) والنسائي في "الكبرى"(2796) والحميدي (429) وابن أبي الصقر في "مشيخته" وخيثمة في "حديث خيثمة"(ص/ 198) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(3)
أخرجه مسلم (1134) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
الله عنهما- يرى أن عاشوراء هو التاسع، ثبت ذلك عنه في "صحيح مسلم" قال: لأنه مأخوذ من إظماء الإبل فإن العرب تسمي الخامس من أيام الورد ربعًا -بكسر الراء-، وكذلك تسمي باقي الأيام على هذه النسبة فيكون العاشر تسعًا -بكسر التاء.
الأمر الثاني: أن الراجح من المعنيين هو الثاني وهو المخالفة؛ كذا رجحه النووي في "شرح مسلم" فقال: السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا.
وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى. هذا لفظه.
وحينئذ فيكون الراجح استحباب صوم الحادي عشر إذا لم يصم التاسع. على أن الشيخ أبا حامد قد صرح في "تعليقه" باستحباب صوم الثلاثة، ونقله عن نصه في الإملاء فقال: نحن نقول: إنه يصوم يوم عاشوراء لفضيلته ويصوم يوم التاسع والحادي عشر لمخالفة اليهود، وكذلك قال الشافعي في "الإملاء": أستحب أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر. هذا لفظه.
وذكره غيره أيضًا، ونص عليه أيضًا في "الأم"، وعبارة الشافعي في "الإملاء": ويجب أن يصام قبله يوم ولو زيد فصام بعده يومًا كان أحب إلى. هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الإملاء" نقلته والحديثان رواهما مسلم.
والمراد بقوله: "لأصومن التاسع" أي: منضمًا إلى العاشر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود"(1) رواه البيهقي.
(1) أخرجه الترمذي (7839) والبيهقي في "الشعب"(3788) وفي "الكبرى"(8187) وفي "فضائل الاوقات"(242) من حديث ابن عباس موقوفًا.
قال الترمذي: حديث ابن عباس حسن صحيح.
وقال الألباني: صحيح.
قوله: ومنه ستة أيام من شوال يستحب صومها لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله"(1). انتهى.
واعلم أنه إنما كان هذا المقدار محصلًا لصيام الدهر؛ لأن الحسنة لما كانت بعشرة أمثالها كان مبلغ ما حصل له من الحسنات في صوم الشهر والأيام الستة عدد أيام السنة، وقد جاء هذا مفسرًا في حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين قدر صيام سنة".
وفي لفظ: "جعل الله الحسنة بعشر"، ثم ذكر الحديث أخرجه النسائى.
قال الشيخ زكي الدين في "حواشي السنن": إن إسناده حسن.
فإن قيل: إذا كان معنى الحديث ما ذكرتم فهو لا يختص برمضان وست من شوال، بل من صام هذا العدد من أي زمن أراد كان حكمه كذلك.
فالجواب: أن معنى الخبر فكأنما صام الدهر فرضًا، هكذا نقل ابن الرفعة الجواب عن بعضهم، وهو جيد؛ فإن ثواب الواجب يزيد على ثواب النفل فيكون رمضان كعشرة أشهر فرضًا لا نفلًا.
ثم إن الله تعالى من كرمه أراد تكميل السنة كذلك فجعله لمن بادر إلى صيام ستة من الشهر الذي يلي رمضان.
(1) أخرجه النسائي في "الكبرى"(2860) وابن خزيمة (2115) والخطيب في "التاريخ"(2/ 362) والدارمي (1755) والبيهقي في "الشعب"(3736) وفي "الكبرى"(8216) من حديث ثوبان بسند صحيح.
قوله: والأيام البيض؛ وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر: روي أنه صلى الله عليه وسلم أوصى أبا ذر بصيامها.
قال في "الروضة" من زوائده: هذا هو المعروف، ولنا وجه غريب حكاه الصيمري والماوردي والبغوي وصاحب "البيان": أن الثاني عشر بدل الخامس عشر، والاحتياط صومها والله أعلم.
وذكر النووي مثله في "لغات التنبيه" وعبر بالصواب عوضًا عن الاحتياط.
وكذلك في "شرح المهذب" إلا أنه لم يتعرض لجمعها لا بلفظ الاحتياط ولا بلفظ الصواب.
إذا علمت هذا فقوله في هذا الوجه أن الماوردي حكاه، غلط؛ فإنه لم يحك الخلاف عندنا بل حكاه عن الناس؛ فإنه قال في رابع فصل من كتاب الصيام: اختلف الناس في شهر رمضان هل كان ابتداء فرض الصيام أو ناسخًا لصوم يقوم على مذهبين، ثم قال: ولهم في الأيام البيض مذهبان:
أحدهما: أنها الثاني عشر وما يليه.
والثاني: أنها الثالث عشر وما يليه. هذا لفظه.
ثم قال أيضًا في باب صيام عرفة: اختلف الناس فيها -أي: أيام البيض- هل كانت فرضًا ثم تستحب.
ثم قال: واختلفوا في زمانها فقال بعضهم: الثاني عشر وما يليه، وقال آخرون: الثالث عشر وما يليه. هذه عبارته.
وأما نقله ذلك عن البغوي فمردود أيضًا فإنه في "التهذيب" جازم بالمقالة المشهورة فقال: يستحب صيام أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر
والخامس عشر. هذا لفظه.
وأما نقله ذلك عن "البيان" فصحيح، إلا أنه نقله عن الصيمري فقال: وقال الصيمري: وقيل: هي الثاني عشر. . . . إلى آخره.
والنووي لم ينقل عن الصيمري من كلامه بل تقليدا لصاحب "البيان".
والحديث المذكور رواه النسائي، وابن حبان وصححه.
قوله: ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده"(1).
وكذا إفراد يوم السبت، فإنه يوم اليهود، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم"(2). انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن تعليل الرافعي كراهة السبت لكونه يوم اليهود يقتضي كراهة الأحد أيضًا فإنه يوم النصارى.
وقد صرح بكراهته ابن يونس صاحب التعجيز في مختصر "التنبيه" المسمى "بالتنبيه".
ونقل البيهقي في كتاب "المعرفة" عن الشافعي أن كراهة إفراد الجمعة مقيدة بمضعفة الصوم عن القيام بالوظائف المطلوبة فيه، أما غيره فلا يكره له
(1) أخرجه البخاري (1884) ومسلم (1144) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه الترمذي (744) وابن ماجه (1726) وأحمد (17722) والدارمي (1749) وابن خزيمة (2163) وابن حبان (3615) والحاكم (1592) والبيهقي في "الكبرى"(8276) والنسائي في "الكبرى"(2759) وأبو نعيم في "الحلية"(5/ 218) والطبراني في "مسند الشاميين"(434) وعبد ابن حميد (508).
قال الترمذي: حسن.
وصححه الحاكم وابن خزيمة والألباني.
ذلك، وذكر مثله ابن الصباغ في "الشامل"، وقال الماوردي وصاحب "البيان": إنه مذهب الشافعي.
الأمر الثاني: أنه أطلق الكراهة ولم يفصل بين أن يوافق عادة أن لا.
وقد ذكر هذا التفصيل في "شرح المهذب" إلا أنه فسر العادة بأن يكون قد نذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم غائبه أبدًا فوافق يوم الجمعة.
لكن الكلام في صوم يوم الجمعة نفلًا، والمثال الذي ذكره إنما يقع الصوم فيه فرضًا؛ فالصواب أن يمثل بما إذا كانت عادته صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة فإنه يكون مفطرًا قبله وبعده قطعًا.
نعم يستقيم المثال إن كان النهي شاملًا للفرض والنفل حتى يكره إفراده بالقضاء، وفيه نظر.
والحديث الدال على السبت يدل على خلافه.
الأمر الثالث: أن مقتضى كلام الرافعي أنه لا يكره صومهما معًا؛ ويؤيده أن المجموع لم يعظمه طائفة منهما.
وفي "النسائي" و"صحيح ابن حبان" و"المستدرك" للحاكم: أنه عليه الصلاة والسلام كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد وكان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم"(1)؛ فيحتمل أن يكون المراد المجموع كما ذكرناه.
الرابع: ذكر في "البحر" أنه لا يكره إفراد عيد من أعياد الكفار بالصوم كالنيروز والمهرجان.
(1) أخرجه النسائي في "الكبرى"(2776) وابن خزيمة (2167) والحاكم (1953) والطبراني في "الكبير"(23/ 283) حديث (616) و (964) وفي "الأوسط"(3857) والبيهقي في "الكبرى"(8280) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. صححه الحاكم وابن خزيمة والألباني.
الخامس: إذا أراد الاعتكاف في يوم من هذه الأيام التي يكره إفرادها بالصوم فهل يستحب له الصوم أم يكون باقيًا على الكراهة؟ توقف فيه النووي في "النكت" التي ذكرها على "التنبيه".
والحديث الأول رواه الشيخان، والحديث الثاني رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: إنه حديث حسن، وقال الحاكم في المستدرك: إنه على شرط الشيخين، ونقل أبو داود عن مالك أنه قال: إن هذا الحديث كذب.
قوله: وقال الغزالي: صوم الدهر مسنون، وأطلق صاحب "التهذيب" في آخرين القول بكراهته؛ واحتجوا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو:"لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر"(1) وبما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام الدهر (2)، وفصل الأكثرون فقالوا: إن كان يخاف منه ضررًا أو يفوت به حقا فيكره وإلا فلا، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه في الوجه الثالث لا يؤخذ منه استحباب الصوم إذا لم يخف ضررا ولم يفوت به حقا وإنما يؤخذ منه عدم الكراهة، وكذلك تعبير "الروضة""وشرح المهذب" أيضا.
وقد صرح بالاستحباب في "المحرر" و"المنهاج".
الأمر الثاني: في البحث عن المراد بالحق هنا، هل الواجب أو كل مطلوب فيحتمل أن يكون المراد المطلوبات كلها وهو المتجه؛ وتدل عليه كراهة قيام كل الليل لهذا المعنى كما سبق في موضعه.
(1) أخرجه البخاري (1878) ومسلم (1159) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه مسلم (1162) من حديث أبى قتادة رضي الله عنه.
ويحتمل التخصيص بالواجب ولكن الواجب تفويته حرام، فيكون الاقتصار على الكراهة محله إذا كان الموجود الخوف دون العلم والظن أو في تفويت واجب مستقبل وتفويت الحق هنا، وفي "الروضة" و"المحرر" مجزوم به وليس على الخوف، وفي "المنهاج" عطفه عليه وهو الصواب.
وحديث النهي عن صوم الدهر رواه مسلم.
قوله: ولو نذر صوم الدهر لزم وكانت الأعياد وأيام التشريق مستثناة منه، وكذا شهر رمضان وقضاؤه إذا فرض ففات بعذر أو غير عذر وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء؟ حكى أبو القاسم الكرخي فيه وجهين، والذي أجاب به صاحب "التهذيب": أنه لا فدية. انتهى. تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أنه ينبغي استثناء قضاء النذر وبعده، وقد صرح بذلك ابن الصباغ في "الشامل".
قوله: ولو لزمه صوم كفارة صام عنها وفدى عن النذر. انتهى.
وهذا الكلام ظاهر في أن المسألة مصورة بما إذا لزمته الكفارة بعد النذر، والأمر كذلك؛ فإنها إذا كانت عليه حالة النذر كانت مستثناة حتى لا تجب الفدية عن الأيام التي صرفها إليها، وقد صرح بذلك الرافعي في كتاب النذر.
قوله: ولو أفطر يومًا من الدهر فلا سبيل إلى قضائه ولا فدية وإن كان بعذر، وإلا فتجب الفدية. انتهى كلامه.
هذه المسألة قد بسطها رحمه الله في كتاب النذر فلتطلب منه.
قوله من زياداته: وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وأفضلها المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة شعبان.
وقال صاحب "البحر": رجب أفضل من المحرم، وليس كما قال.
انتهى كلامه. وما نقله النووي عن صاحب "البحر" هنا وقد نقله عنه في "شرح المهذب" أيضا وهو غلط على "البحر"؛ فإن فيه الجزم بالمقالة المشهورة وهي المقالة الأولى الذاهبة إلى تفضيل المحرم على رجب فقال في أواخر كتاب الصيام في باب صوم عرفة ما نصه: قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب، هذا لفظه من غير نقل شئ آخر يوافقه ولا يخالفه.
ثم ذكر بعده أن شعبان يلي رجبًا في الفضيلة، ولم يتعرض لباقي الأشهر الحرم.
وسكت -أعني: الروياني- في "الحلية" عن المسألة، ورأيت في "البلغة" للجرجاني الجزم بأن أفضلها ذو الحجة فقال: ذو الحجة أفضلها. هذه عبارته.
وذكر المذكور مثله في "التحرير" أيضًا وزاد أن العشر الأول أفضله. رأيت في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" لمحمد بن نصر المروزي نقلًا بسنده إلى كعب نحوه أيضًا من غير مخالفة، وجزم في "الإحياء" بنحوه وعلله بأن فيه الحج والأيام المعلومات والمعدودات، وفي كتاب "فضائل الأوقات" للبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا:"سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة"(1)، والمنقول عندنا أن أفضل الشهور على الإطلاق هو شهر رمضان، كذا جزم به الشيخ عز الدين في أوائل
(1) أخرجه البيهقي في "الشعب"(3637) و (3755) وفي "فضائل الأوقات"(167) وقال: إسناده ضعيف.
وضعفه الألباني رحمه الله.
"القواعد".
قوله أيضًا في الزوائد: قال أصحابنا: لا يجوز للمرأة صوم تطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه. انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في "مبسوطه" في كتاب النفقات.