الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة 76:
حذف عامل المصدر:
إقامة المصدر المؤكد نائبًا عن عامله في بعض المواضع.
أ– يجوز حذف عامل، المصدر المبين للنوع أو للعدد بشرط وجود دليل1 مقالي، أو حالي يدل على المحذوف، فمثال حذف عامل النوعي لدليل مقالي، أن يقال: هل جلس الزائر عندك؟ فيجاب: جلوسًا طويلًا؛ أي: جلس جلوسًا طويلًا، ومثال حذفه لدليل حالي أن ترى صيادًا أصاب فريسته؛ فتقول: إصابة سريعة؛ أي: أصاب إصابة سريعة، ومن هذا قولهم للمتهيئ للسفر:"سفرًا حميدًا، ورجوعًا سعيدًا"، أي: تسافر سفرًا حميدًا، وترجع رجوعًا سعيدًا.
ومثال حذف عامل العددي لدليل مقالي: هل رجعت إلى بيتك اليوم؟ فيجاب: رجعتين، أي: رجعت رجعتين، ولدليل حالي أن ترى خيل السباق وهي تدور: في الملعب؛ فتقول: دورتين؛ أي: دارت دورتين
…
وهكذا.
والمصدر في الحالات السالفة منصوب بعامله المحذوف جوازًا، وليس نائبًا عنه.
ب– أما المصدر المؤكد لعامله فالأصل عدم حذف عامله؛ لما عرفنا2 من أن هذا المصدر مسوق لتأكيد معنى عامله في النفس، وتقويته، ولتقرير المراد منه، - أي: لإزالة الشك عنه – ولبيان أن معناه حقيقي لا مجازي – وهذه هي دواعي المجيء بالمصدر المؤكد، ومن أجلها لا يصح تثنيته، ولا جمعه، ولا أن يرفع فاعلًا أو ينصب مفعولًا، ولا أن يتقدم على عامله، ولا أن يحذف عامله3
…
لأن هذا الحذف مناف لتلك الدواعي، معارض للغرض من الإتيان بالمصدر المؤكد4.
1 في رقم 1 من هامش ص 56 أن الدليل "ويسمى: القرينة أيضًا" قد يكون مقاليًا، أي: مرجعه إلى القول والكلام – وقد يكون حاليًا، لا شأن له بالقول أو الكلام؛ وإنما الشأن فيه للمشاهدة، أو نحوها مما يحيط بالشخص، ويجعله يفهم أمرًا مستنبطًا مما حوله، دون أن يسمع لفظًا مطلقًا.
2 في ص 211 و"أ" من ص 207.
3 سبقت أحكامه في ص 211.
4 فيما سبق يقول ابن مالك:
وحذف عامل المؤكد امتنع
…
ومن سواه لدليل متسع-6
يريد: أن هناك للحذف في غير المؤكد، عند وجود دليل على المحذوف.
لكن العرب التزموا حذف عامله باطراد في بعض مواضع معينة، وأنابوا عنه المصدر المؤكد؛ فعل محله، وعميل عمله في رفع الفاعل، ونصب المفعول، وأغنى عن التلفظ بالعامل، وعن النطق بصيغته؛ وصار ذكر العامل ممنوعًا معه؛ لأن المصدر بدل عنه، وعوض عن لفظه ومعناه1؛ ولا يجتمع العوض والمعوض عنه2.
ولما كان العرب قد التزموا الحذف "والإنابة – معًا - باطراد في تلك المواضع، لم يكن بد من أن نحاكيهم، ونلتزم طريقتهم الحتمية في حذف العامل في تلك المواضع، وفي إنابة المصدر المؤكد عنه، ولهذا قال النحاة:
إن عامل المصدر المؤكد لا يحذف جوازًا –في الصحيح– وإنما يحذف وجوبًا في المواضع التي التزم فيها العرب حذفه لحكمه مقصودة، مع إقامة المصدر المؤكد مقامه، والأمران متلازمان.
ومع أن العامل محذوف وجوبًا، فإنه هو الذي ينصب المصدر النائب عنه "أي: أن المصدر نائب عن عامله المحذوف، ومنصوب به معًا".
أما المواضع التي ينوب فيها هذا المصدر عن عامله3 المحذوف وجوبًا، فبعضها خاص بالأساليب الإنشائية الطلبية، وبعض آخر خاص بالأساليب الإنشائية غير الطلبية، أو بالأساليب الخبرية المحضة4.
1 هذا المصدر النائب أساسه المبالغة، فهو أبلغ وأقوى في تأدية المعنى من عامله.
2 سبقت الإشارة "في رقم 4 من هامش ص 209، وفي رقم 1 من هامش ص 225 إشارة أيضًا" إلى أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن عامله قسمًا مستقلًا بذاته يزاد على الأقسام الثلاثة المشهورة، والسبب أن كثيرًا من المصادر النائبة عن عاملها المحذوف قد يكون مؤكدًا لعامله، والأصل في المؤكد ألا يعمل، وألا يحذف عامله
…
و
…
مع أن المؤكد هنا يعمل ويحذف عامله، فيقع التعارض والتناقص بين حكم المؤكد هنا وحكمه في ناحية أخرى، ولا سبيل للتغلب على هذا التعارض والتناقض إلا بالتأويل والتقدير؛ وهذا معيب أو باعتبار المؤكد هنا، والمحذوف عامله وجوبًا، قسمًا مستقلًا، ولا ضرر في هذا بل فيه تغلب على الصعوبة السالفة.
3 بعض المصادر المؤكدة قد تنوب عن عوامل مهملة، أو ليست من لفظها؛ فتكون مقصورة على السماع، كما يجيء في ص 223 مثل: ويح، ويل
…
وسيجيء الكلام عنها في الزيادة، ص 230.
4 سبق في جـ1 ص374 م27 إيضاح للجملة الخبرية، والجملة الإنشائية. وملخصه: أن الجملة الخبرية هي التي يكون معناها صالحا للحكم عليه بأن صدق أو كذب، من غير نظر لقائلها من ناحية أنه معروف بهذ أو بذاك، مثل: نزل المطر أمس، فهي جملة صالحة، لأن توصف بأنها - في حد ذاتها - صادقة أو كاذبة
…
والجملة الإنشائية هي التي يطلب بها إما حصول شيء، أو عدم حصوله، وإما إقراره والموافقة عليه، أو عدم إقراره، فلا دخل للصدق أو الكذب فيها. =
1– فيراد بالأساليب الإنشائية الطلبية هنا: ما يكون فيها المصدر المؤكد النائب دالًا على أمر، أو نهي أو دعاء، أو توبيخ والكثير أن يكون التوبيخ مقرونًا بالاستفهام1؛ فمثال الأمر أن تقول للحاضرين عند دخول زعيم: قيامًا، بمعنى: قوموا، وأن تقول لهم بعد دخوله واستقراره: جلوسًا، بمعنى: اجلسوا: فكلمة: "قيامًا" مصدر "أو: مفعول مطلق" منصوب
بفعل الأمر المحذوف وجوبًا. والمصدر نائب عنه في الدلالة على معناه، وفي تحمل ضميره المستتر الذي كان فاعلًا2 له؛ فصار بعد حذف فعله فاعلًا للمصدر النائب، ومثل هذا يقال في:"جلوسًا" وأشباههما، والأصل قبل حذف العامل وجوبًا: قوموا قيامًا – أجلسوا جلوسًا 3
…
ومثال النهي أن تقول لجارك وقت سماع محاضرة، أو خطبة
…
سكوتًا، لا تكلمًا؛ أي: اسكت، لا تتكلم، فكلمة:"سكوتًا" مصدر – أو مفعول مطلق – منصوب بفعل الأمر المحذوف وجوبًا، والذي ينوب عنه هذا المصدر في أداء معناه، وفاعل المصدر النائب مستتر وجوبًا تقديره: أنت؛ وقد انتقل إليه هذا الفاعل بعد حذف فعل الأمر على الوجه السالف2، وكلمة:"لا" ناهية،
= وهي قسمان: إنشائية طلبية، أي: يراد بها طلب حصول الشيء أو عدم حصوله، وتشمل الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتمني، والعرض، والتحضيض
…
، كما هو مدون في المصادر الخاصة بالبلاغة، وإنشائية غير طلبية وهي التي يريد بها المتكلم: إعلان شيء والتسليم به، وتقرير مدلوله، من غير أن يصحب هذا الإعلان والتسليم طلب أمر آخر، كما سيجيء في ص 223، وتشمل جملة التعجب –في الرأي الشائع– وجملة المدح والذم بنعم وبئس ونظائرهما، وجملة القسم نفسه، لا جملة جوابه
…
، وصيغ العقود التي يراد إقرارها؛ مثل: بعت؛ وهبت
…
إلى غير هذا مما في المرجع السابق.
1 انظر رقم 4 من هامش الصفحة الآتية.
2 و 2 ذلك أن فعل الأمر المحذوف وحده، له فاعل لم يحذف، فلما ناب المصدر عن فعل الأمر المحذوف وحده انتقل فاعله إلى المصدر النائب، وصار فاعلًا له بعد أن كان فاعلًا لفعل الأمر المحذوف؛ فالمصدر متحمل لضمير عامله، وقيل: إن المصدر ناب عن الفعل المحذوف ومن فاعله معًا؛ فلا يحتاج لفاعل.... وقيل
…
و
…
والرأي الأول أحسن؛ لأنه يساير القواعد النحوية العامة، والثاني أخف وأيسر. ولا تأثير لاختلافهما في الاستعمال الكلامي والكتابي.
3 ومثل قول الشاعر:
أكابرنا عطفًا علينا فإننا
…
بنا ظمأ برح، وأنتم مناهل
يريد: يا أكابرنا، أعطفوا علينا
…
، والبرح: الشديد: المناهل: جمع منهل، وهو مورد الماء العذب الصافي.
و"تكلما": مصدر منصوب بالمضارع المحذوف، المجزوم بلا الناهية1، ونائب عنه في تأدية معناه، وفاعل المصدر ضمير مستتر فيه، تقديره: أنت، وهذا الضمير انتقل للمصدر النائب من المضارع المحذوف -كما تقدم.
ومثال الدعاء بنوعيه2 قول زعيم: "ربنا إنا قادمون على معركة فاصلة مع طاغية جبار؛ فنصرًا عبادك المخلصين، وهلاكًا وسحقًا للباغي الأثيم"، أي: فانصر –بارب– عبادك المخلصين، وأهلك واسحق الباغي الأثيم
…
ومنه "سقيًا" و"رعيًا" 3 لك، "وجدعًا وليًا" لأعدائك، وإعراب المصادر في هذه الأمثلة كإعرابها في نظائرها السابقة.
ومثال الاستفهام التوبيخي4: أبخلًا وأنت واسع الغنى؟ أسفاهة وأنت
1 والأصل قبل الحذف فيهما: اسكت سكوتًا، لا تتكلم تكلمًا، ولا يكون حذف المضارع المجزوم "بلا" الناهية واجبًا إلا في هذه الصورة – كما سيجيء هذا في موضعه من باب:"الجوازم"، ج 4 م 153 عند الكلام على "لا الناهية".
2 الخير والشر.
3 يوجب أكثر النحاة حذف العامل هنا؛ مراعاة للسماع، ويكون التقدير:"اسق يا رب، ارع يا رب، الدعاء لك أيها المخاطب"، فالجار والمجرور في الصورتين خبر لمحذوف؛ تقديره: الدعاء –مثلًا– ولا يصح أن يكون الجار والمجرور متعلقين بالمصدر قبلهما؛ لئلا يفسد المعنى؛ إذ يكون: اسق يا رب لك – ارع يا رب لك وهذا فاسد؛ لأن السقي ليس مطلوبًا لله، وكذلك الرعي. من أجل هذا قالوا بحق في مثل: سقيا لك – إن الكلام جملتان وليس جملة واحدة.
على أن لهذا البحث تفصيلات واسعة وتفريعات دقيقة؛ لا غنى عن الإلمام بها لتعدد أحكامها بتعدد استعمالاتها – وقد سجلناها في ج 1 ص 372 م 39.
ويجيز فريق من النحاة عدم التقيد بوجوب حذف العامل في مثل هذه الصورة المسموعة، ورأيه سائغ، والأول هو الأفصح والأقوى - كما سيجيء ي "ح" من ص 232.
4 قد يكون التوبيخ للمتكلم، بأن يوجه صيغة التوبيخ مشتملة على الخطاب يريد بها نفسه، بقرينة، كقول القائل لنفسه: أتركا للعمل وأنا فقير؟ وقد يكون التوبيخ للمخاطب، نحو: أسرقة وأنت غني؟ وقد يكون للغائب: نحو: أخوفًا وهو جندي؟ وقد يكون التوبيخ مسبوقًا بأداة استفهام، إما مذكورة صراحة، أو ملحوظة في حكم المذكورة، وإما غير مذكورة ولا ملحوظة، فمثال المذكورة وما في حكمها قول الشاعر:
أذلا إذا شب العدا نار حربهم؟
…
وزهوًا إذا ما يجنحون إلى السلم؟
والأصل: أتذل ذلًا؟ وتزهو زهوًا"، فالأول مسبوق بهمزة الاستفهام المذكورة، والثاني مسبوق بها ملاحظة وتقديرًا، ومثال غير المذكورة وغير المقدرة قول الشاعر:
خمولًا، وإهمالا، وغيرك مولع
…
بتثبيت أسباب السيادة والمجد
أي: تخمل خمولًا، وتهمل إهمالًا
…
مثقف؟ أي: أتبخل بخلًا
…
. أتسفه سفاهة.... وإعراب المصدر هنا كسابقه.
ونيابة المصدر عن عامله المحذوف في الأساليب الإنشائية الطلبية –قياسية– بشرط أن يكون العامل المحذوف فعلًا من لفظ المصدر ومادته، وأن يكون المصدر مفردًا منكرًا، وإلا كان سماعيًا؛ مثل: ويحه، ويله1
…
– كما تقدم 2.
2– ويراد – هنا – بالأساليب الإنشائية غير الطلبية: المصادر الدالة على معنى يريد المتكلم إعلانه وإقراره، والتسليم به، من غير طلب شيء3، أو عدم إقراره، كما سبق4، والكثير من هذه المصادر مسمع عن العرب جار مجرى الأمثال، والأمثال لا تغير؛ كقولهم عند تذكر النعمة:"حمدًا، وشكرًا، لا كفرًا"؛ أي: أحمد الله وأشكره – ولا أكفر به، وكانوا يردون الكلمات الثلاث مجتمعة لهذا الغرض وهو إنشاء المدح، والشكر، وإعلان عدم الكفر، ووجوب حذف العامل متوقف على اجتماعها؛ مراعاة للمأثور؛ وإلا لم يكن الحذف واجبًا.
وكقولهم عند تذكر الشدة: "صبرًا، لا جزعًا"، بمعنى "أصبر5،
1 المصادر الدالة على الطلب لا تصلح أن تكون نعتًا، ولا منعوتًا - كما سيجيء في باب النعت – ج 3 م 114 ص 445.
2 في رقم 3 من هامش ص 220.
3 المقصود في الأساليب الآتية: الإنشاء غير الطلبي – وقد شرحناه في رقم 4 من هامش ص 220 – ولكنهم جعلوها من قسم الخبر نظرًا لصورة العامل ولفظه، ويرى بعض النحاة أنها أساليب خبرية لفظًا ومعنى، وهذا رأي حسن، لوضوحه، والمسألة رهن، بالاصطلاح.
4 في رقم 4 من هامش ص 220.
5 أما كلمة: صبرًا في مثل قول الشاعر:
فصبرًا في مجال الصوت صبرًا
…
فما نيل الخلود بمستطاع
فتصح أن تكون مصدرًا نائبًا عن الفعل المضارع: "أصبر" يكون هذا المصدر من نوع الإنشاء غير الطلبي، وتصح أن تكون مصدرا نائبًا عن فعل الأمر – أي عن:"أصبر" – فيكون المصدر من نوع الإنشاء الطلبي الذي سبق بيانه.
لا أجزع، يريد إنشاء هذا المعنى، وعند ظهور ما يعجب:"عجبًا" بمعنى أعجب، وعند الحث على أمر:"افعل وكرامة"، أي: وأكرمك، وعند إظهار الموافقة والامتثال:"سمعًا وطاعة"، بمعنى: أسمع وأطيع.
والمصادر في كل ما سبق – أو: المفعول المطلق – منصوب بالعامل المحذوف وجوبًا، وهو الذي ناب عنه المصدر في أداء المعنى، وفي تحمل الضمير الفاعل، وتقديره للمتكلم: أنا.
ونيابة هذا النوع من المصادر عن عامله تكاد تكون مقصورة على الألفاظ المحددة الواردة سماعًا عن العرب، ويرى بعض المحققين جواز القياس عليها في كل مصدر يشيع استعماله في معنى معين، ويشتهر تداوله فيه، وله فعل من لفظه، من غير اقتصار على ألفاظ المصادر المسموعة، وهذا رأي عملي مفيد1.
3-
ويراد بالأساليب الخبرية المحضة أنواع، كلها قياسي، بشرط أن يكون العامل المحذوف وجوبًا فعلًا من لفظ المصدر ومادته.
منها: الأسلوب المشتمل على مصدر يوضح أمرًا مبهمًا مجملًا، تتضمنه جملة قبل هذا المصدر، ويفصل عاقبتها؛ أي: يبين الغاية منها، "فالشروط ثلاثة في المصدر: تفصيله عاقبه، وأنها عاقبة أمر مبهم تتضمنه جملة، وهذه الجملة قبله" مثل:"إن أساء إليك الصديق فاسلك مسلك العقلاء؛ فإما عتابًا كريمًا، وإما صفحًا جميلًا2"؛ فسلوك مسلك العقلاء أمر مبهم، مجمل، لا يعرف المقصود منه؛ فهو مضمون جملة محتاجة إلى إيضاح، وتفصيل، وإبانة عن المراد، فجاء بعدها الإيضاح والتفصيل البيان من المصدرين:"عتابًا" و"صفحًا" المسبوقين بالحرف الدال على التفصيل؛ وهو: "إما".
وهما منصوبان بالفعلين المحذوفين وجوبًا، وقد ناب كل مصدر عن فعله في بيان معناه، والتقدير: فإما أن تعتب عتابًا كريمًا، وإما أن تصفح صفحًا جميلًا.
1 لأنه يساير الأصول اللغوية العامة، ولا تضار اللغة باتباعه، وقد أشرنا لهذا في "ج" من ص 232.
2 وتغني "أو" عن "إما" الثانية؛ كقول الشاعر:
وقد شفني ألا يزال يروعني
…
خيالك إما طارقًا أو معاديًا
ومثله: "إذا تعبت من القراءة فاتركها لأشياء أخرى؛ فإما مشيًا في الحدائق، وإما استماعًا للإذاعة، وإما عملًا يدويًا مناسبًا"، فالمصادر "مشيًا" – "استماعًا" – "عملًا"
…
موضحه ومفصله لأمر غامض مجمل في جملة قبلها، يحتاج لبيان، هو:"الترك لأشياء أخرى" فعامل كل منها محذوف وجوبًا، والتقدير: تمشي مشيًا – تستمع استماعًا – تعمل عملًا
…
فهي مصادر منصوبة بفعلها المحذوف الذي نابت عنه في تأدية معناه
…
وانتقل إليه الفاعل بعد حذف العامل؛ فصار فاعلًا مستترًا للمصدر النائب، والتقدير:"أنت"، ومثل قول الشاعر:
لأجهدن؛ فإما درء واقعة
…
تخشى، وإما بلوغ السؤل والأمل
والتقدير: فإما أدرأ درء واقعة، وإما أبلغ بلوغ السؤال
…
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مكررًا أو محصورًا، ومعناه مستمرًا إلى وقت الكلام، وعامل المصدر واقعًا في خبر مبتدأ اسم ذات1، فمثال المكرر: المطر سحا سحا – الخيل الفارهة2 صهيلًا 3 صهيلًا، وقول الشاعر:
أنا جدًا جدًا ولهوك يزدا
…
د إذا ما إلى اتفاق سبيل
1 الشروط أربعة: أن يكون المصدر مكررًا أو محصورًا، وأن يكون عامله خبرًا لمبتدأ، أو ما أصله المبتدأ، وأن يكون هذا المبتدأ اسم عين؛ "أي: اسم ذات مجسمة"، فلا يراد به أمر معنوي "عقلي" كالعلم – الفهم – النيل - البراعة
…
، وأن يكون معنى المصدر مستمرًا إلى زمن الحال؛ لا منقطعًا ولا مستقبلًا محضًا، فإن فقد شرط من الشروط لم يكن الحذف واجبًا، وإنما يكون جائزًا - في رأي.
ويقوم مقام التكرار والحصر لسالفين بشرط استيفاء باقي الشروط – دخول الهمزة على المبتدأ نحو: أأنت طيرانًا، والعف على المصدر؛ نحو أنت طيرانًا وعومًا.
ويلاحظ هنا ما سبق أن أشرنا إليه "في ب من ص 219" من أن حذف عامل المؤكد ممنوع –على الصحيح– إلا حين يكون المصدر نائبًا عن فعله في المواضع التي ينوب فيها عنه، "ومنها هذه الصورة التي ينوب فيها وجوبًا عند استيفاء الشروط، وجوازًا –في رأي– عند فقد شرط أو أكثر"، وأن الأحسن اعتبار المصدر النائب عن عامله قسمًا رابعًا مستقلًا بنفسه؛ لأنه قد يؤكد عامله المحذوف، والأصل في المؤكد ألا يحذف عامله، فلدفع هذا التعارض يعتبر قسمًا مستقلًا؛ كي لا يدخل في قسم المؤكد غير النائب، فيقع تعارض واضح بين حكم المؤكد، وهو يقتضي عدم حذف عامله، وحكم هذه الأنواع التي يكون فيها المصدر نائبًا عن عامله ومؤكدًا له، مع أن هذا العامل محذوف "كما أشرنا في رقم 4 من هامش ص 209، وفي رقم 2 من هامش ص 220.
2 النشيطة القوية.
3 الصهيل: صوت الخيل.
ومثال المحصور: "ما الأسد مع فريسته إلا فتكا – ما النمر عند لقاء الفيل إلا غدرًا"؛ التقدير: يسح سحًا سحًا – تسهل صهيلًا صهيلًا – أجد جدًا جدًا – إلا يفتك فتكًا – إلا يغدر غدرًا – فهذه المصادر وأشباهها؛ تقتضي – بسب التكرار، أو الحصر – حذف فعلها، وهي منصوبة بفعلها المحذوف وجوبًا، ونائبة عنه في بيان معناه، ومتحملة لضميره المستتر الذي صار فاعلًا لها، وتقديره:"هو"، أو:"هي" على حسب نوع الضمير المستتر.
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مؤكدا لنفسه، بأن يكون واقعا بعد جملة مضمونها كمضمونه، ومعناها الحقيقي -لا المجازي1- كمعناه، ولا تحتمل مرادا غير ما يراد منه، فهي نص في معناه2 الحقيقي، نحو:"أنت تعرف لوالديك فضلهما يقينا"، أي: توقن يقينا، فجملة:"تعرف لوالديك فضلهما" هي في المعنى: "اليقين" المذكور بعدها؛ لأن الأمر الذي توقنه هذا هو: الاعتراف بفضل والديك، والاعتراف بفضل والديك هو الأمر الذي توقنه، فكلاهما مساو للآخر من حيث المضمون.
ومثلها: سرتني رؤيتك حقا، بمعنى: أحق حقا، أي: أقرر حقا، فالمراد من: سرتني رؤيتك، هو المراد من:"حقا"، إذ السرور بالرؤية هو:"الحق" هنا، والحق هنا هو: السرور بالرؤية"، فمضمون الجملة هو مضمون المصدر، والعكس صحيح.
فكلمة: "يقينا"، و"حقا" وأشباههما من المصادر المؤكدة لنفسها، منصوبة بالفعل المحذوف وجوبا، النائبة عن في الدلالة على معناه، أما فاعله فقد صار بعد حذف الفعل فاعلا للمصدر، وهذا الفاعل ضمير مستتر تقديره في المثالين: أنا.
ولا يصح في هذا النوع3 من الأساليب تقديم المصدر على الجملة التي يؤكد معناها، ولا التوسط بين جزأيها.
1 لأن المجازي قد يراد منه ما لا يراد من المعنى الحقيقي للمصدر، فقد يراد في الأمثلة الآتية السخرية أو التهكم
…
2 ولذلك سمي المؤكد لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة الجملة التي تتضمن معناه نصًا؛ فكأنه نفس الجملة التي أعيدت؛ وكأنها ذاته.
3 من هذا النوع: لا أفعل الأمر ألبتة، فكلمة:"ألبتة"، مصدر حذف عامله وجوبا.
والتاء فيه ليست للتأنيث، وإنما هي للوحدة، ومعنى "البت" القطع، أي: أقطع في هذا الأمر القطعة الواحدة، لا ثانية لها، فلا أتردد، ثم أجزم بعد التردد، وقد تكون "أل" هنا للعهد، أي: القطعة المعهودة بيننا؛ وهي التي لا أتردد معها. فألبتة: تفيد استمرار النفي الذي قبلها، ولو لم توجد لكان انقطاعه محتملًا.
والأفصح ملازمة: "أل" لكلمة: "ألبتة" في الاستعمال السالف، وأن تكون همزتها للقطع.
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر مؤكدا لغيره، بأن يكون المصدر واقعا بعد جملة معناها ليس نصا في أمر واحد يقتصر عليه، ولا يحتمل غيره، وإنما يحتمل عدة معان مختلفة، منها المعنى الذي يدل على المصدر عليه قبل مجيئه، فإذا جاء بعدها منع عنها الاحتمال، وأزال التوهم، وصار المعنى نصا في شيء واحد، نحو: هذا بيتي قطعا أي: أقطع برأيي قطعا، فلولا مجيء المصدر:"قطعا" لجاز فهم المعنى على أوجه متعددة بعضها حقيقي، والآخر مجازي......، أقربها: أنه بيتي حقا، أو: أنه ليس بيتي حقيقة، ولكنه بمنزلة بيتي، لكثرة ترددي عليه، أو: ليس بيتي ولكنه يضم أكثر أهلي
…
أو:
…
، فمجيء المصدر بعد الجملة قد أزال أوجه الاحتمال والشك، والمجاز، وجعل معناها نصا في أمر واحد1 بعد أن لم يكن نصا.
وهو منصوب بعامله المحذوف وجوبا، وقد ناب عنه بعد حذفه لتأدية معناه. وفاعل المصدر ضمير مستتر فيه، تقديره: أنا، انتقل إليه بعد حذف ذلك العامل ولا يصح -أيضا- في هذا النوع من الأساليب تقديم المصدر "المؤكد" لغيره على تلك الجملة، ولا التوسط بين جزأيها.
ومنها: الأسلوب الذي يكون فيه المصدر دالا على التشبيه بعد جملة مشتملة -إجمالا- على معناه وعلى فاعله المعنوي2، وليس فيا ما يصلح عاملا غير المحذوف3
1 ولهذا سمي المؤكد لغيره، أي: للجملة التي قبله، والتي لا تتضمن معناه نصًا؛ لأنه أثر فيها، وجعل معناها نصًا، فصار به مؤكدًا قويًا، لا ضعف فيه ولا احتمال، وقد كان ذلك المعنى ضعيفًا قبل مجيء المصدر.
2 يراد به الفاعل اللغوي –لا النحوي– وذلك من فعل الشيء حقيقة، ولو لم تنطبق عليه الشروط النحوية للفاعل، كالمغني في المثال الآتي
…
، فهل فاعل معنى للغناء والتصويت، كذلك:"الشجاع" هو فاعل الزئير معنى، لا نحويًا.
3 جملة الشروط في الحقيقة سبعة: كونه مصدرًا – مشعرًا بأن معناه مما يحدث ويطرأ، وليس أمرًا ثابتًا دائمًا أو كالدائم "أي: أنه ليس من السجايا الثابتة، ولا الأمور الفطرية الملازمة، كالذكاء – الطول – السمنة، فلا يكون مما نحن فيه: لفلان ذكاء ذكاء العبقري: بنصب كلمة: "ذكاء" الثانية؛ لأنها من السجايا – كونه دالًا على التشبيه – بعد جملة – هذه الجملة مشتملة على فاعله المعنوي، وعلى معناه – ليس فيها ما يصلح للعمل.
قال الخضري في هذا المكان: "هذه الشروط لوجوب حذف الناصب إذا نصب، ويجوز معها رفعه؛ بدلًا مما قبله، أو: صفة له؛ بتقدير: "مثل" أو خبرًا لمحذوف، وهل النصب حينئذ أرجح، أو هما سواء؟ قولان
…
ا. هـ.
نحو: "للمعنى صوت صوت البلبل"، أي: للمغني صوت، يصوت صوت البلبل، بمعنى: صوتا يشبهه، ومنه:"للشجاع المقاتل زئير زئير الأسد"، أي: يزأر زئير الأسد، أي: زئيرا يشبه زئيره، ومنه:"للمهموم أنين، أنين الجريح"، أي: يئن أنين الجريح، "أنينا شبيها بأنين الجريح"
…
وهكذا، والمصدر منصوب في هذه الأمثلة على الوجه الذي شرحناه1.
1 عرض ابن مالك –بإيجاز– لمواضع حذف عامل المصدر وجوبًا، فقال:
والحذف حتم مع آت بدلًا
…
من فعله: كندلًا اللذ كاندلا
أي: الحذف واجب في عامل المصدر الآتي بدلًا وعوضًا عن فعله، ومغنيًا عن التلفظ به؛ مثل: المصدر: "ندلًا" ومعناه: "خطفًا"؛ وهو بمعنى "اندل" في الدلالة على طلب الندل، أي: الخطف، فالمصدر "ندلًا" منصوب بعامله المحذوف "اندل"، ونائب عنه في تأدية معناه، ومتحمل لضميره الفاعل الذي تقديره: أنت، "واللذ: الذي".
ثم قال:
وما لتفصيل: كإما منا
…
عامله يحذف حيث عنا
"عنا، أصله: عن، بمعنى: عرض، والألف لوزن الشعر، ويسمونها: ألف الإطلاق؛ لأن الصوت ينطلق من غير حبس، ويمتد؛ فيجيء بها".
يريد: أن عامل المصدر بحذف حيث عرض هذا العامل بشرط أن يدل المصدر على تفصيل أمر مبهم مجمل قبله، وساق لهذا بعض آية تصلح للتمثيل؛ هي قوله تعالى يخاطب المسلمين، في أمر أسرى الكفار المهزومين:{فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} .
الوثاق – القيد، ومعنى شدة: إحكام ربطه وتمكينه، وموضع الشاهد هو:"منا، وفداء" – التقدير: تمنون منا بإطلاق الأسرى أحرارًا بغير مقابل، أو يفدون أنفسهم فداء، أي: يدفعون الفدية – وهي: التعويض المال أو غيره – في نظير إطلاق سراحهم، ثم قال:
كذا مكرر، وذو حصر، ورد
…
نائب فعل لاسم عين استند
أي: يحذف عامل المصدر وجوبًا إذا وقع المصدر نائبا عن فعل محذوف استند لمبتدأ اسم عين. =
هذا، وقد اشترطنا أن تكون الجملة السابقة مشتملة على معناه، فهل يشترط أن تكون مشتملة على لفظه أيضًا؟.
الجواب: لا؛ فإنها قد تشتمل على لفظه كالأمثلة السابقة، وربما لا تشتمل؛ مثل قول القائل يصف النخيل:"رأيت شجرًا محتجبًا في الفضاء، ارتفاع المآذن"، فكلمة:"ارتفاع" مصدر منصوب بعامل محذوف وجوبًا، تقديره: يرتفع ارتفاع المآذن، وإنما حذف وجوبًا لتحقق الشروط، التي منها؛ وقوع المصدر بعد جملة مشتملة على معناه، وإن كانت غير مشتملة على لفظه؛ لأن معنى:"رأيت شجرًا محتجبًا في الفضاء" – هو رأيت شجرًا مرتفعًا، ومثله: رأيت رجلًا يزحم الباب، ضخامة الجمل، أي: يضخم ضخامة الجمل.
أي: كان مسندًا هو وفاعله، والمسند إليه مبتدأ، دال على اسم عين "أي: على ذات"، وقد شرحناه، ثم انتقل إلى = المؤكد لنفسه أو لغيره:
ومنه ما يدعونه مؤكدًا
…
لنفسه، أو غيره، فالمبتدا
نحو: له علي ألف عرفا
…
والثان كابني أنت حقًا صرفا
يريد بالمبتدأ: النوع الأول، وهو المؤكد لنفسه، "عرفًا"، أي: اعترافًا، وهو المصدر المؤكد لنفسه، والأصل اعترف اعترافًا، فحذف الفعل وجوبًا وناب عنه مصدره، و"صرفًا"، أي: خالصًا، وهي نعت لكلمة:"حقًا" أي: حقًا خالصًا لا شبهة فيه، و"حقًا" هي المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبًا، ثم قال:
كذاك ذو التشبيه بعد جمله
…
كلي بكًا، بكاء ذات عضله
يريد: المصدر المقصود به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعله المعنوي – كما أوضحنا في الشرح –، ومثل له بمثال هو:"لي بكا بكاء ذات عضلة"، أي: لي بكًا، أبكي بكاء ذات عضلة؛ "فبكاء" هي المصدر الدال على التشبيه، وعامله محذوف وجوبًا
…
ولا يصح أن يكون عامله المصدر الذي قبله، وهو كلمة:"بكًا" المقصورة؛ لأن المصدر لا يعمل هنا؛ لأنه ليس نائبًا عن فعله، ولا مؤولًا بالحرف المصدري، وهذان هما الموضوعان اللذان يعمل في كل منهما المصدر الصريح.
و"العضلة" الداهية، و"بكاء ذات عضلة"، أي بكاء من أصابتها داهية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ– كررنا أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن عامله قسمًا مستقلًا بنفسه، ينضم إلى الأقسام الأخرى الشائعة، وأوضحنا1 سبب استقلاله، أما عامله المحذوف فلا بد أن يكون في جميع المواضع القياسية فعلًا مشتركًا معه في المادة اللفظية، وفي حروف صيغتها، كالأمثلة الكثيرة التي مرت، وأما الأمثلة السماعية، فمنها الخالي من هذا الاشتراك اللفظي؛ مثل: ويح – ويل – ويس - ويب
…
وأمثالها من الألفاظ التي كانت بحسب أصلها كنايات عن العذاب والهلاك، وتقال عند الشتم والتوبيخ، ثم كثر استعمالها حتى صارت كالتعجب؛ يقولها الإنسان لمن يحب ومن يكره، ثم غلب استعمال:"ويس" و"ويح" في الترحم وإظهار الشفقة، كما غلب استعمال:"ويل" و"ويب" في العذاب.
وإذا نصبت الألفاظ الأربعة – وأشباهها – كانت مفعولات مطلقة لعامل مهمل2،
1 في رقم 4 من هامش ص 209، و 2 من هامش ص 220، ورقم 1 من ص 225.
2 أي: لفعل من لفظها؛ كان يستعمله العرب قديمًا، ثم تركوا استعماله اختيار؛ فصار مهملًا مستغنى عنه؛ شأن كل شيء مهمل، لكن أيجوز استعمال اللفظ الذي أهمله العرب – سواء أكان فعلًا أم غير فعل؟.
الرأي السديد أنه لا مانع من استعماله ما دام معروفًا بنصه وصيغته، ومما يؤيد استعمال الفعل المهمل، ما جاء في المزهر:"ج 2 ص 30 باب: ذكر نوادر من التأليف" ونصه: "قال ابن درستويه في شرح: "الفصيح" إنما أهمل استعمال "ودع، ووذر" – واللذين مضارعهما: يدع ويذر – لأن في أولهما واوًا، وهو حرف مستثقل؛ فاستغني عنهما بما خلا منه، وهو "ترك"، قال: واستعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب، وهو الأصل، بل هو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام لقلة اعتياده؛ لأن الشعر أقل استعمالًا من الكلام". ا. هـ.
فإن لم يكن معروف الصيغة نصًا، وكان المعروف مصدرًا أو مشتقًا، فقد انطبق عليه رأي بعض اللغويين – كابن جني – وهو يقضي بصحة استعماله، وبإباحة تكملة مادته اللغوية الناقصة بما يجعلها على غرار نظائرها، فالمصدر تشتق منه فروع تساير الفروع التي تشتق من نظيره في الدلالة العامة، وفي الوزن
…
، والمشتق – كاسم الفاعل – وغيره – تكمل له الأنواع، والفروع، ومصدره بما يساير نظائره في كل ذلك، وقد ارتضى مجمع اللغة بالقاهرة هذا المذهب، وسار عليه في بعض قراراته.
وفيما يلي كلام ابن جني:
قال في كتابه الخصائص "ج1 ص362 باب: في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ما نصه: =
أو لفعل من معناها؛ فالأصل: "رحمه الله ويحًا وويسًا بمعنى: رحمة الله رحمة" - أو: "رحمة الله ويحه وويسه، بمعنى رحمه الله رحمته
…
" وكذا: "أهلكه الله ويلًا، وويبًا، أو أهلكه الله ويله، وويبه؛ بمعنى أهلكه الله إهلاكًا، وأهلكه الله إهلاكه"، فالفعل مقدر في الأمثلة بما ذكرناه، أو بما يشبهه أداء المعنى من غير تقيد بنص الأفعال السالفة التي قدرناها.
وقيل: إن الكلمات السالفة: "ويح – ويس – ويل – ويب
…
" عند نصبها تكون منصوبة على أنها مفعول به؛ وليست مفعولًا مطلقًا؛ فالأصل مثل: ألزمه الله ويحه، أو ويله
…
أو
…
، وهذا رأي حسن لوضوحه ويسره، وإن كان الأول هو الشائع، ومثله: بله الأكف "في حالة الكسر" بمعنى: ترك الأكف، أي: اترك ترك الأكف
…
ب– من المصادر المسموعة التي ليس لها فعل من لفظها، ما يستعمل مضافًا وغير مضاف، كالكلمات الخمسة السابقة، فإن كانت مضافة فالأحسن نصبها على اعتبارها مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، أو مفعولًا به، كما شرحنا. والنصف هو الأعلى، ولم يعرف –سماعًا– في كلمة:"بله" المضافة سواه، أما الكلمات الأربع التي قبلها، فيجوز فيها الرفع على اعتبارها مبتدأ خبره محذوف،
= "حكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال: درهمت الخبازي، أي: صارت كالدرهم؛ فاشتق من الدرهم، وهو اسم عجمي، وحكى أبو زيد – رجل مدرهم، قالوا ولم يقولوا منه درهم؛ إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل في الكف، ولهذا أشباه". ا. هـ.
ثم قال بعد ذلك في ص 367 من الفصل نفسه ما نصه:
"ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع؛ فإذا أخذ إنسان على مثلهم، وأم مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا، ولا أن يرويه رواية
…
".
وفي ص 127 – باب تعارض السماع والقياس – ما نصه:
"إذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع، قال لي أبو علي في الشام: إذا صحت الصفة "المشتق" فالفعل في الكف. وإذا كان هذا حكم الصفة "المشتق" كان في المصدر أجدر؛ لأن المصدر أشد ملابسة للفعل من الصفة
…
"، ثم ضرب أمثلة تحتاج إلى حسن تفهم وأناة
…
وله فصل آخر جليل الشأن، عظيم النفع، عنوانه: فصل في اللغة المأخوذة قياسًا "ج 1 ص 439" – يؤيد ما سبق – وستذكر هنا في آخر الجزء – هذا الفصل كاملًا؛ لأهميته، ونفيس مضمونه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو خبرا والمبتدأ محذوف، وتقدير الخبر المحذوف: ويحه مطلوب – مثلًا – ويله مطلوب – مثلًا – وهكذا الباقي
…
وتقدير المبتدأ المحذوف: المطلوب ويحه
…
المطلوب ويله
…
وهكذا
…
فإذا كانت الكلمات الأربع مقرونة "بأل"، فالأحسن الرفع على الابتداء – وهو
الشائع؛ نحو: الويح للحليف، والويل للعدو، ولا مانع أن تكون خبرًا؛ نحو: المطلوب الويح – المطلوب الويل، ويجوز النصب على أنها مفعول مطلق للفعل المحذوف، أو مفعول به لفعل محذوف أيضًا.
وإن كانت تلك الكلمات خالية من "أل ومن الإضافة" جاز النصب والرفع على السواء؛ كقولهم: "الوعد دين، فويل لمن وعد ثم أخلف" – "ويحًا للضعيف المظلوم"، بالنصب أو الرفع في كل واحدة من الكلمتين.
وملخص الحكم: أن الرفع والنصب جائزان في كل حالات الألفاظ الأربعة غير أن أحد الأمرين قد يكون أفضل من الآخر أحيانًا، طبقًا للبيان السالف1.
جـ– أشرنا2 إلى أن فريقًا من النحاة يجيز عدم التقييد بالسماع، وعدم وجوب حذف العامل في المصادر المسموعة بالنصب على المصدرية لنيابتها من عاملها، مثل:"سقيًا" و"رعيًا"
…
كما يجيز في التي ليست مضافة،
1 ويجوز في حالتي الرفع والنصب المذكورتين أن يكون الاسم المفعول لهما مجرورًا باللام؛ نحو: ويح للمحسنين، وويل للظالمين
…
أو: ويحًا وويلًا، ومن هذا قول جرير:
كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها
…
فويل لتيم من سرابيلها الخضر
ومن الرفع قولهم: "ويل للشجي من الخلي"، وتفصيل الكلام على ذا المثل العربي من حيث معناه، وتشديد يائه، وتخفيفها
…
مدون في مكانه الأنسب – باب: "الصفة المشبهة"، ج 3 ص 274 – ومعه مثل آخر هو:"ما أهون على النائم القرير سهر المسهد المكروب".
أما كلمة: "تعسًا"
…
و"بعدًا" – و"تبا"، فأفصح الاستعمالات فيها النصب مع جر معمولها باللام، فيقال: تعسًا للخائن، وبعدًا له "أي: هلاكًا" وتبا له – "راجع كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن ج 1 ص 290"؛ وهناك استعمالات أخرى جائزة.
2 في رقم 3 من هامش ص 222.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا مقرونة بأل، أن تضاف، وأن تقترن بأل؛ فتجري عليها الأحكام السالفة في كل حالة، وهذا هو الأنسب اليوم؛ ليسره مع صحته وإن كان الأول هو الأقوى.
د– هناك مصادر أخرى مسموعة بالنصب، وعاملها محذوف وجوبًا، وهي نائبة عنه1.
1-
منها: ما هو مسموع بصيغة التثنية مع الإضافة؛ مثل: "لبيك وسعديك"، لمن يناديك أو يدعوك لأمر، والأصل: ألبى لبيك، وأسعد سعديك؛ بمعنى: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأساعدك مساعدة بعد مساعدة، أي: كلما دعوتني وأمرتني أجبتك، وساعدتك.، المسموع في الأساليب الواردة استعمال:"سعديك" بعد "لبيك"، واتباع هذه الطريقة الواردة أفضل، لكن يجوز استعمال "سعديك" بدون "لبيك" إن دعت حكمة بلاغية، أما "لبيك"، فالمسموع فيها الاستعمالان.
ومثل: حنانيك في قولهم: "حنانيك، بعض الشر أهون من بعض" بمعنى: حن علي حنانيك؛ "أي: تحنن واعطف" حنانًا بعد حنان، ومرة بعد أخرى – فهي هنا كلمة:"استعطاف".
ومثل: دواليك، في نحو: تقرأ بعض الكتاب، ثم ترده إلي، فأقرأ بعضه، وأرده إليك، فتقرأ وترد
…
وهكذا دواليك
…
بمعنى أداول دواليك، أي: أجعل الأمر متداولا ومتنقلا بيني وبينك، مرة بعد مرة.
ومثل: هذا ذيك، في نحو: هذا ذيك في غصون الشجر، أي: تهذ هذا ذيك، بمعنى: تقطع مرة بعد مرة، ومثل: حجازيك، في نحو: حجازيك عن إيذاء اليتامى: أي: تحجز حجازيك، بمعنى: تمنع مرة بعد أخرى.
ومثل: حذاريك، في نحو: حذاريك الخائن، أي: احذر حذاريك بمعنى: احذر الخائن، حذرا بعد حذر
…
1 كثير من هذه المصادر متفرق في النصوص الأدبية القديمة وفي المراجع اللغوية، وقد جمع طائفة كبيرة منها شارح المفصل جـ1 ص109 وما بعدها، وكذلك صاحب الهمع، جـ1 ص188 وما بعدها.
وسيجئ تفصيل الكلام عليها من جهة إضافتها في أول الجزء الثالث م94 ص65.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمصادر السالفة كلها منصوبة، وعاملها محذوف وجوبًا وهي نائبة عنه، وكلها غير متصرف – في الأغلب -، أي: أنها ملازمة في الأكثر حالة واحدة سمعت بها، وهي حالة النصب والتثنية مع الإضافة إلى كاف الخطاب – التي هي ضمير مضاف إليه – وقد ورد بعضها بغير التثنية، أو بغير الإضافة مطلقًا، أو: بالإضافة مع غير كاف الخطاب، أو: له عامل مذكور
…
لكن لا داعي لمحاكاة هذه الأمثلة القليلة؛ فلا خير في محاكاتها، وترك الأكثر الأغلب.
بقي أن نسأل: ما معنى التثنية في الأمثلة السابقة وأشباهها؟ أهي تثنية حقيقية يصير بها الواحد اثنين ليس غير، فيكون معنى:"لبيك"، و"سعديك" و"حنانيك"
…
تلبية موصولة بأخرى واحدة، ومساعدة موصولة بمساعدة واحدة، وحنانًا موصلًا بمثله واحد؟ أيكون هذا الاقتصار المعنوي على اثنين هو المراد، أم يكون المراد هو مجرد التكثير الذي يشمل اثنين، وما زاد عليهما؟
رأيان قويان
…
، ولا داعي للاقتصار على أحدهما دون الآخر؛ لأن بعض المناسبات والمواقف المختلفة قد يصلح له هذا ولا يصلح له ذاك، وبعض آخر يخالفه؛ فالأمر موقوف على ما يقتضيه المقام.
2-
ومنها ما هو مفرد منصوب ملازم للإضافة –إلا في ضرورة الشعر– مثل: "سبحان1 الله" أي: براءة من السوء، ومثله: معاذ2 الله؛ أي: عياذًا بالله، واستعانة به، ومثل ريحان الله؛ أي: استرزاق الله، ولا يعرف لهذا فعل من لفظه؛ فيقدر من معناه؛ أي: أسترزقه، والكثير استعماله بعد سبحان الله، والثلاثة السالفة غير متصرفة، ومثلها: حاش 3الله؛ بمعنى تنزيه الله.
1 "سبحان" اسم مصدر؛ فهو في حكم المصدر "وقد سبقت الإشارة إليه في: ص 114 م 68"، ومن استعماله غير مضاف لضرورة الشعر قول الأعشى:
أقول لما جاءني فخره
…
سبحان من علقمة الفاخر
2 سبقت الإشارة الموضحة إليه في ص 114 م 68.
3 تفصيل الكلام عليها وعلى لغاتها وأوجه إعرابها موضح في باب "الاستثناء" ص 354، وفي "ب" من ص 360 عند بيان أنواع:"حاشا".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3-
أمثلة أخرى أكثرها ملازم النصب بغير تثنية ولا إضافة؛ مثل: "سلامًا" من الأعداء، بمعنى: براءة منهم، لا صلة بيننا وبينهم، بخلاف "سلام" بمعنى:"تحية"؛ فإنه متصرف.
ومثل: "حجرًا" في نحو قولك لمن يسألك: أتصاحب المنافق؟ فتجيب: "حجرًا"، أي: أحجر حجرًا؛ بمعنى أمنع نفسي، وأبعده عني، وأبرأ منه1
…
ومثل قولك لمن يطالب إنجاز أمره: "سأفعله، وكرامة ومسرة – أو: نعمة، أو: ونعام عين – وهذه مضافة" أي: سأفعله وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، وأنعم نفسك نعمة، وأنعم نعام عين، أي: إنعام عين
…
بمعنى أمتعك تمتع عين.
4-
أمثلة أخرى تختلف عن كل ما سبق في أنها ليست مصادر، ولكنها أسماء منصوبة تدل على أعيان، أي: على أشياء مجسمة محسوسة: "ذوات"، كقولهم في الدعاء على من يكرهونه:"تربًا2 وجندلًا 3"، والأحسن أن تكون هذه الكلمات وأشباهها مفعولًا به لفعل محذوف، والتقدير: ألزمه الله تربًا وجندلًا. أو: لقي تربًا وجندلًا، أو: أصاب، أو: أصاب، أو: صادف
…
أو: نحو هذه الأفعال المناسبة لمعنى الدعاء المطلوب
…
1 في الجزء الأول من تفسير القرطبي ص 78 ما نصه:
"العرب تقول عند الأمر تنكره: "حجرًا له" – بضم الحاء – وسكون الجيم – أي: دفعًا له، وهو استعاذة من الأمر". ا. هـ.
وجاء في بعض كتب التفسير الأخرى ما نصه "الحجر – بالكسر وبفتح – الحرام، وأصله: المنع". ا. هـ، وفي كتب اللغة ما يأتي:
جاء في الأساس: "هذا حجر عليك": حرام، "والحاء هناك مضبوطة بالحركات الثلاث، ضبط قلم، "أي بالشكل".
وفي القاموس ما نصه: "الحجر – مثلثه – المنع فصرح بتثليث الحاء".
2 ترابًا.
3 صخرًا.