الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة 62:
الْقَوْل
معناه، متى ينصب مفعولا واحداً؟ ومتى ينصب مفعولين؟
يعرض النحاة فى هذا الباب للقول ومشتقاته، لتشابهٍ بينه وبين "الظن" فى بعض المعاني والأحكام. وصفوة كلامهم: أن "القوْل" متعدد المعاني، وأنّ الذى يتصل منها بموضوعنا مَعْنيان؛ أحدهما:"التلفظ المحض، ومجرد النطق"
والآخر: "الظن".
(1)
فإن كان معناه: "التلفظ المحض، ومجرد النطق" فإنه ينصب مفعولاً
به واحداً، تكون دلالته المعنوية مقصودة غير مهملة (1) ، سواء أكان الذى جرى به
التلفظ، ووقع عليه القول -كلمة مفردة (2) ، أم جملة. فمثال المفردة ما جاء على
لسان حكيم: (تسألني عن العظَمة الحقة، فأقول:"الكرامةَ"، وعن رأس
الرذائل، فأقول:"الكذبَ") فمعنى "أقول" هنا: "أنطقُ، وأتلفظُ".
والكلمة التى وقع عليها القول (أى: التي قيلت)، هى:"الكرامة"-
"الكذب". وكلتاهما مفعول به منصوب مباشرة.
ومن الأمثلة للكلمة المفردة أيضاً: سألت والدي عن مكان نقضى فيه وم
العُطلة، فقال:"الريفَ". وعن شىء نعمله هناك، فقال:"التنقلَ"،
فمعنى قال: "تلفظَ ونَطق"، والكلمة التي وقع عليها القول هي:"الريفَ" -"التنقلَ" وتعرب كل واحدة منهما مفعولاً به منصوباً مباشرة. ومثل هذا قول الشاعر:
جَدَّ الرحيل، وحَثَّني صحْبي
…
قالوا: "الضباحَ"؛ فطيَّروا لُبِّي (3)
(1) المراد من أنها مقصودة غير مهملة: ألا تكون مجرد تصويت لا اعتبار فيه للمعنى مطلقاً ولا التفات للمدلول على الوجه المشار إليه في رقم 7 من هامش الصفحة الآتية.
(2)
أي: ليست جملة، ولا شبه جملة.
(3)
وقول الآخر:
بلدٌ يكاد يقول جِيـ
…
نَ تزروه: "أهلا وسهلا"
ومن أمثلة الجملة بنوعيها (1) : (قلتُ: الشعرُ غذاءُ العاطفة (2)
…
-
(أقول: تصفو النفسُ بسماع الغناء الرفيع) - (قال شوقي: "آيةُ هذا الزمانِ الصحفُ")
-ويقولُ: "تسيرُ" مَسِيرَ الضحا فى البلاد "
…
) .
ومثل:
(يقولون: "طالَ الليل") ، والليلُ لم يُطلْ
…
ولكنّ من يشكو من الهمّ يسهرُ
فمعنى "القول" في هذه الأمثلة كسَابقه. وبعده جملة اسمية، أو فعلية، يزاد على إعرابها: أنها في محل نصب (3) سدّت مسدّ المفعول به للقول، وليست مفعولاً به (4) مباشرة. بخلاف الكلمة المفردة، فإنها هي المفعول به مباشرة -كما تقدم- سواء أكان الناطق بالكلمة قد نطقها ابتداء؛ دون أن يسمعها من غيره فيرددها بعده؛ كالتي في المثال الأول (5) . أم كان نطقه تالياً لنطق آخر، وترديداً لما سمعه؛ كثرة النحاة (6) . ولو كان النطق بها ترديداً ومحاكاة لنطق سابق؛ لأن الحكاية في هذا الباب لا تكون عندهم للكلمة المفردة (7) .
(1) وقعت الجملة الاسمية والفعلية بعد القول في البيت التالي:
قالوا: نراك بلا سُقْم. فقلت لهم: السُّقْم في القلب. ليس السّقْم في البدن.
(2)
ومن الجملة الاسمية أيضاً قوله تعالى: (قلْ: متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى) .
(3)
وهذا هو الأعم الأغلب في محلها -انظر "ا" من ص53-.
(4)
لأن أصل المفعول به لا يكون جملة، فهي تسد مسد، ولا تكون مفعولاً به أصيلاً.
(5 و5) من "ا".
(6)
انظر "ا" من ص53.
(7)
إلا إذا كانت الكلمة المفردة لا تدل على جملة، ولا تعبر عنها، ولا عن مفرد؛ وإنما يراد نص لفظها المنطوق من قبل (دون نظر لمعناه مطلقاً، ولا لمدلول؛ فالمراد هو ترديد الكلمة ترديداً صوتياً مجرداً. (انظر ما يوضح هذا في رقم 1 من هامش الصفحة السابقة) . فيجب حكايته ورعايته إعرابه بضبطه المنطوق السابق، نحو:"قال على بابٌ"، إذا تكلم بكلمة:"باب" مرفوعة، ومثل كلمة "نعمْ" في قول الشاعر:
إذا قلت في شيء "نَعمْ" فأتمَّهُ
…
فإنَّ "نعَمْ" دينٌ على الحُرّ واجب
هذا، ولا يخرج الكلمة عن وصفها بالإفراد أن يكون في المقصود منها: الجملة أو الجمل؛ أي: أن تكون في ظاهرها لفظة مفردة يراد بها مضمون جملة أو جمل، مثل:(سمعت المؤذن يصيح: "الله أكبر"، لقد قال: كلمة رائعة) . فالكلمة هنا مفردة في معنى الجملة؛ لأنها تقوم مقامها في المضمون. ومثل: كنت في ندوة أدبية؛ فسمعت من يقول حديثاً، وأصغيت لشاعر يقول قصيدة، والخطيب يقول خطبة، فكل كلمة من الكلمات الثلاث:(حديثاً - قصيدة - خطبة) مفردة في ظاهرها، ولكنها في مقام جمل=
أما الجملة التى تسُدّ- في الأغلب (1) - مسدّ مفعول "القول" والتى محلها
النصب فيسمونها: "مَحْكيَّةً بالقول" بشرط أن تكون قد جرَتْ من قبل على لسان، ثم أعادها المتكلم، وردّ ما سبق أن جرى على لسانه أو على لسان غيره. فلابد في الجملة التي تسمى:"مَحْكِيَّة" أن تكون قد ذُكرَتْ مرة سابقة قبل حكايتها بالقول. وإلا فلا يصح تسميتها: "مَحْكِيَّة" على الصحيح. والأغلب أنها في الحالتين في محل نصب، سادة مسدّ المفعول به.
وتشتهر بين المعرْبين بأنها: "مقُول القول"(2) ؛ أي: الجملة التي جرى بها القول، وهي المرادة منه.
***
(ب) وإن كان معنى "القول" -ومشتقاته هو: "الظنّ"(أي: الرجحان (3) -) فإنه ينصب مفعولين مثله -بالشرط التي سنعرفها- ويجرى عليه ما يجري على "الظن"(4)(بمعنى الرجحان) من التعليق، والإلغاء، وسائر الأحكام السابقة الخاصة بالأفعال القلبية؛ فهو والظن سواء. إلا في اختلاف
=كثرة؛ لأن الحديث الذي في الندوة لا يكون إلا جملة متعددة، وكذلك القصيدة، والخطبة؛ فالكلمة هنا مفردة ولكنها في معنى الجملة، كما يقول النحاة.
وقد يراد بالكلمة المفردة، لا نصها؛ وإنما الرمز والكناية إلى لفظة أخرى؛ مثل: قلت "كلمة".
أريد: لفظة معينة نطقت بها قبل نطقي الآن؛ مثل لفظة: عصفور، أو بلبل، أو خديجة، أو كتاب، أو غير ذلك مما أشير إليه، ولا أريد إعادة النطق به لداع يمنعني.
فالكلمة المفردة التي لا تحكي، ثلاثة أنواع هنا: كلمة مفردة لا يراد التمسك بنصها الحرفي بضبطه الأول المنطوق، وكلمة مفردة في لفظها ولكنها في معنى الجملة، وكلمة هي رمز لأخرى مفردة. والثلاثة مفعول به مباشرة للقول-.
ثم انظر "ا" من ص53؛ لأهميتها.
(1 و1) وقد تكون فاعلاً أو نائب فاعل، طبقاً للبيان الذي في ص66 وفي3 هامش ص113.
(2)
وهذا التعبير أحسن؛ إذ يصدق على الجملة التي سبق النطق بها والتي لم يسبق، فهو تعبير عام يشمل الحالتين وقد اجتمعتا في قول جميل:
بثينة قالت -يا جميل- أَرَبْتَنِي
…
فقلت: كلانا -يا بُثَيْنُ- مُريب
أما التعبير هنا بكلمة: "المحكية" فيؤدي إلى أن يشمل ما سبق النطق به، وما لم يسبق، مع أن الشائع قصر "الحكاية" على الذي يعاد، إلا عند إرادة المجاز.
(3)
سبق معنى الرجحان في رقم (4) من هامش ص5.
(4)
ولهذا تفتح همزة "أن" الواقعة بعد "القول" الذي معناه "الظن"؛ لأن القول بهذا المعنى ينصب مفعولين؛ فيكون المصدر المؤول من "أن" مع معموليها سادّاً مسدّ المفعولين. (كما سبق في ج1 في موضع الكسر ص488 م51، ولما تقدم هنا في رقم5 من هامش ص43 ويجيء في رقم 5 من هامش ص52) .
الحروف الهجائية. ومن الأمثلة: أتقول السماءَ صحْواً (1) فى الغد-؟ أتقولان
الكتابَ نفيسًا إنْ تَمّ إعداده؟ - أتقولون السفرَ المنتظَر مفيداً؟
…
فلا بد من مفعولين منصوبين بعده (2) - إلا عند التعليق أو الإلغاء (3) - فإن لم يتحقق له المفعولان المنصوبان لم يكن معناه "الظن" وإنما يكون معناه: "التلفظ المحض، ومجرد النطق"، وفي هذه الصورة يكون من النوع الأول "ا" الذي ينصب مفعولاً به واحداً، ولا ينصب مفعولين؛ فمدلوله إن كان كلمة مفردة وقع عليها القول وجب اعتبارها مفعوله المنصوب مباشرة؛ مثل: أتقول: الجَوَّ؟؛ أي: أتنطق بكلمة: "الجَوّ" وإن كان مدلوله جملة اسمية أو فعلية فهي في محل نصب تسدّ مسدّ ذلك المفعول به الواحد، مثل: أتقول: الحروبُ خادمةٌ للعلوم؟ -أتقول: السَّلمُ الطويلة داءٌ؟ -. ومثل: أتقول: قد يجمع الله الشتيتين بعد اليأس من التلاقي؟ -أنقول: لا يضيع العُرف (4) بين الله والناس؟ فمعنى "تقول" في هذه الجمل هو: تنطق، ومعنى "القول" في كل ما تقدم هو "النطق" لا الظن، والجملة بعده في الأمثلة المذكور:"مَقُولُ القول" ولا تُسمى محْكية بالقول إلا إذا سبق النطق بها قبل هذه المرة -كما أوضحما-.
وملخص ما تقدم: أن القول المستوفي للشروط (5) إذا وقع له مفعولان منصوبان به كان بمعنى: "الظن" حتماً، وتجري عليه أحكام "الظن" ولا وجود للحكاية هنا أو غيرها، -على الأرجح-. وإذا وقع له كلمة واحدة (هي التي قيلت) كان معناه:"مجرد النطق"، ونَصَبها مفعولاً به واحداً، ولا تسمى هذه الكلمة محكية (6) ، مع أنها هي مفعوله المباشر. وكذلك إذا وقع له جملة اسمية أو فعلية كان معناه مجرد النطق أيضاً، ولكنه ينصب مفعولاً به واحداً نصباً غير مباشر؛ لأن الجملة التي بعده تكون في محل نصب؛ فتسدّ مسدّ المفعول به، وتسمى:
(1) لا غيم ولا مطر فيها.
(2)
ويجوز أن يحل محل المفعول به الثاني جملة، أو شبه جملة، (كما أسلفنا في أحكام الأفعال القلبية -"ا" ص24- ومنها: القول بمعنى الظن) . وتكون الجملة في محلة نصب.
(3)
أو: عند قيام قرينة تدل على حذفهما، أو حذف أحدهما -كما سيجيء في ص56 م63.
(4)
المعروف والخير.
(5)
وهي موضحة في الصفحة الآتية.
(6)
إلا في الصورة التي تقدمت في رقم 7 من هامش ص47.
"مًقُول القول" دائماً، ولا تسمى "محكية بالقول" إلا إذا سبق النطق بها.
فالقول بمعنى "الظن" لا حكاية معه -كما عرفنا- إذا وقع له مفعولاه المنصوبان. فإذا تغير ضبطهما وصارا مرفوعين أصاله (1) فإن معناه وعمله يتغيران تبعاً لذلك؛ إذ يصير معناه: النطق المجرد، ويقتصر عمله على نصب مفعول واحد فتكون الجملة الجديد اسمية في محل نصب، تسدّ مسدّ مفعوله.
***
شروط القول بمعنى الظن:
يشترط النحاة ما يأتي لإجراء القول مجرى الظن معنى وعملاً، طبقاً لما استنبطوه من أفصح اللغات العربية، وأكثرها شيوعاً:
(1)
أن يكون فعلاً مضارعاً.
(2)
وأن يكون للمخاطب بأنواعه المختلفة (2) .
(3)
وأن يكون مسبوقاً باستفهام (3) .
(4)
وألا يَفصل بين الاستفهام والمضارع فاصل. لكنْ يجوز الفصل بالظرف، أو بالجار (4) مع مجروره، أو بمعمول آخر للفعل، أو بمعمول معموله (5) .
وكثير من النحاة لا يشترط عدم الفصل، ورأيه قوي، والأخذ به أيسر.
(5)
ألا يتعدى بلام الجر، وإلا وجب الرفع على الحكاية (6)، نحو: أتقول للوالد فضلُك مشكورٌ؟.
فمثال المستوفي للشروط الخمسة: أتقول المنافقَ أخطرَ من العدو؟
أتقول الاستحمامَ ضارّاً بعد الأكل مباشرة؟.
(1) أي: بغير سبب إلغاء العامل.
(2)
المفرد وغير المفرد، والمذكر والمؤنث
…
(3)
سواء أكانت أداة الاستفهام اسماً أم حرفاً، وسواء أكان المستفهم عنه الفعل أم بعض معمولاته
…
(4)
بشرط ألا يكون الجار هو اللام المعدية للمضارع، كما سيأتي في الشرط الخامس.
(5)
لا مانع من الفصل بأكثر من واحد مما ذكر.
(6)
ويكون القول بمعنى النطق، والجملة بعده في محل النصب سادة مسد مفعوله.
ومثال الفصل بالظرف: أفوق السحاب - تقول الطائرَ مرتفعاً؟.
وقوك الشاعر:
أبَعْدَ بُعْدٍ تقول الدارَ جامعةً
…
شملي بهم، أم تقول البعدَ محتوماً
وبالجار مع مجروره: -أفي أعماق البحر- تقول الغواصةَ مقيمةً؟.
وبمعمول الفعل مباشرة: -أواثقاً- تقول الكيمياءَ دِعامةَ الصناعة؟ ومن هذا أن يفصل أحد المفعولين بين الاستفهام والفعل المضارع، كقول الشاعر:
أجُهَّالا تقول: بَنِي لُؤَيّ
…
لعمر أبيك أم متجاهلينا
والأصل: أتقول بني لؤي جهالا
…
وبمعمول معموله: -أللأمن- تقول: العدلَ ناشراً. والأصل: ناشراً للأمن.
فإذا اختل شرط من الشروط السابقة لم يكن "القول" بمعنى: "الظن" فلا يكون بمعنى: "النطق والتلفظ"؛ فينصب مفعولاً به واحداً لا محالة.
أما إذا استوفى شروطه مجتمعة فيجوز أن يكون كالظن معنى وعملا، على التفصيل الذي شرحناه. ويجوز -مع استيفائه تلك الشروط كاملة- أن يكون بمعنى:"النطق والتلفظ" فينصب مفعولاً به واحداً فقط، وعندئذ يتعين أن يكون الاسمان بعده مرفوعين حتماً -كما سلف- ويتعين إعرابهما مبتدأ وخبراً في محل نصب، لتسد جملتُهما مسد المفعول به. فالأمران جائزان عند استيفائه الشروط (1) .
ولكن لكل منهما معنى وإعراب يخالف الآخر. والمتكلم يختار منهما ما يناسب المراد. فيصح: أتقول: الطائرَ مرتفعاً؟ كما يصح: أتقول: الطائرُ مرتفعٌ؟ ينصب الاسمين معاً، أو برفعهما على الاعتبارين السالفين المختلفين (1) ؛ طبقاً للمعنى المقصود.
وهناك رأي آخر مستمَدّ من لغة قبيلة عربية اسمها: سُلَيْمٌ، وملخصه:
(1 و1) فليس استيفاؤه الشروط موجباً تنزيله منزلة "الظن". وإنما يجيز ذلك فقط. أما إجراؤه مجرى الظن فيوجب أولاً تحقيق الشروط كلها
…
أن القول -ومشتقاته- إذا كان معناه: "الظن" فإنه ينصب مفعولين مثله.
وتجري عليه بقية أحكام "الظن" بغير اشتراط شيء من تلك الشروط الخمسة أو غيرها، فالشرط الوحيد عندهم أن يكون معناه:"الظن"(1) فإن لم يتحقق هذا الشرط يكن معناه -في الغالب- "النطق المجرد والتلفظ"، وينصب مفعولاً به واحداً، ولهذا يجب رفع الاسمين بعده، واعتبار جملتها الاسمية في محل نصب تسدّ مسدّ مفعوله.
(1) ويروي بعض النحاة: أن "سُلما" لا يشترطون أن يكون معناه "الظن" فعندهم القول قد ينصب مفعولين دائماً. وفي هذا الرأي ضعف. وقد أشرنا (في رقم 4 من هامش ص48) إلى وجوب فتح همزة "أن" الواقعة بعد "القول" إةذا كان معناه الظن، لأنه يحتاج إلى مفعولين؛ فيكون المصدر المؤول من "أن" مع معموليها في محل نصب سادّاً مسدّ المفعولين، ونشير هنا إلى أن الرأي السالف يساير لغة سليم وغيرها ما دام القول بمعنى الظن؛ لحاجته إلى ما بعده، فتفقد "إن" الصدارة في جملتها؛ فتفتح همزتها وجوباً.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
(1)
تضطرب أقوال النحاة فى اللفظ المحْكيّ بالقول، أيكون مفرداً وجلمة؛ أم يقتصر على الجملة فقط؟ أيكون ترديداً ومحاكاة لنطق سابق به، أم يكون ابتداء كما يكون ترديداً ومحاكاة؟ أيكون حكاية للقول بمعنى النطق والتلفظ فقط، أم يكون حكاية له بهذا المعنى، وبمعنى الظن أيضاً؟
…
إلى غير ذلك من صنوف التفريع؛ والخلف، والاضطراب الذي يخفي الحقيقة، ويُغَشَّى على وضوحها، ويكدّ الذهن في استخلاصها. وقد تخيرنا أصفى الآراء فيها، وقدمناه فيما سبق (1) . وللحكاية تفصيلات وأحكام أخرى في بابها الخاص، وأشرنا في الجزء الأول (2) إلى بعض أحكامها.
(ب) الأصل (3) في الجملة المحكية بالقول أن يذكر لفظها نصّاً كما سُمع من غير تغيير، وكما جرى على لسان الناطق بها أول مرى. لكن يجوز أن تحكَى بمعناها، لا بألفاظها (4) فإذا نطق الناطق الأول، وقال حكمةً؛ هي: الأممُ الأخلاقُ "جاز لمن يحكيها بعده أن يرددها بنصها الحرفي، وبضطبها وترتيبها، فيرددها بالعبارة التالية: قال الحكيم: الأممُ الأخلاقُ". وجاز أن يرددها بمعناه مع مراعاة الدقة في المعنى؛ كما يأتي: قال الحكيم: الأمم ليست شيئاً إلا الأخلاق". أو: الأمم بأخلاقها". أو: ما الأمم إلا أخلاقها"
…
وعلى هذا لو سمعنا شخصاً يقول: البرد قارس". لجاز في الحكاية أن نذكر النصّ بحروفه وضبطه وترتيبه: قال فلان: البرد قارس"، أو بمعناه: قال فلان: البرد شديد"
…
وإذا قالت فاطمة أنا كاتبة" -مثلاً- وقلتَ: لزينب أنت شاعرة"؛ فلك في الحكاية أن تذكر النصّ: (قالت فاطمة "أنا كاتبة"، وقلت لزينب "أنت شاعرة") ، مراعاة لنَصّ اللفظ المحليّ فيهما، ولك أن تذكر المعنى:(قالت فاطمة "هي كاتبة"، وقلت لزينب "هي شاعرة"، أو: إنها شاعرة") مراعاة لذلك المعنى
(1) في ص46 وما بعدها.
(2)
م2 ص31.
(3)
ومراعاته أحسن.
(4)
إن لم يكن هناك ما يقتضي التمسك بالنص الحرفي لداع ديني، أو علمي، أو قضائي، أو نحو ذلك
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى حالة الحكاية؛ حيث تكون فيها فاطمة وزينب غائبتين وقت الكلام (1) .
فالحكاية بالمعنى لا تقتضى المحافظة على اسمية الجملة، أو فعليتها، أو نصّ
كلماتها، أو إعراب بعض كلماتها إعراباً معيناً؛ وإنما تقتضى المحافظة على
سلامة المعنى، ودقته، وصحة الألفاظ، وصياغة التركيب، فيكفي فى الجملة
المحكية أن تكون صحيحة في مطابقة المعنى الأصلي، وسليمة من الخطأ اللفظي.
فإن كانت الجملة المحكية مشتملة فى أصلها على خطأ لغويّ أو نحويّ وجب
حكايتها بالمعنى للتخلص مما فيها من خطأ. إلا إن كان المراد إظهار هذا الخطأ،
وإبرازه لسبب مقصود؛ وعندئذ يجب حكايتها بما اشتملت عليه.
(ج) هل يُلحق "بالقول" الذى معناه النطق والتلفظ، ما يؤدى معناه
من كلمات أخرى؛ مثل:. ناديت، دعوت، أوحيت، قرأت - أوصيت -
نصحت
…
وغيرها من كل ما يراد به: "النطق المجرد، والتلفظ المحض" فتنصب مفعولاً به أو مفعولين (2) ، على التفصيل الذي سبق؟.
الأنسب الأخذ بالرأي القائل: إنها تُلحق به في نصب المفعول والمفعولين، ما دامت واضحة الدلالة على معناه. ومن الأمثلة قوله تعالى:(ونادَوْا يا مالكُ: لِيَقْضِ علينا ربك)، وقوله تعالى: ( {فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} بَكَسر الهمزة في قراءة الكسر. وقوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}
…
ولا داعي للتأويل في هذه الآيات وغيرها بتقدير "قوْل"
…
إذ لا حاجة للتقدير مع الدلالة الواضحة، وعدم فساد المعنى أو التركيب
…
أما إذا اقتضى المقام التقدير فلا مانع منه لسبب قوي، ومن ذلك قوله تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}
…
أيْ: فيقال لهم: أكفرتم؟ فهنا القول
(1) لأن ذكر اسميهما دليل -في الغالب- على غيابهما وقت حكاية الكلام، ولولا غيابهما لاتجه إليهما الخطاب:"قلت لك"-
…
بدلاً من "قلت لفاطمة.. وقلت لزينب
…
". (راجع حاشية الصبان ج2 آخر باب "ظن" وكذلك الخضري -وغيره- في هذا الوضع) .
(2)
طبقاً للرأي الذي يفيد أن سُليماً -كما نقل بعض النحاة- تنصب بالقول مفعولين مطلقاً، (أي: ولو لم يكن بمعنى: الظن.، كما سبق في رقم 1 من هامش ص52) .
محذوف (1) ولا بد من تقديره لصحة المعنى والأسلوب.
(1) هذا موضح من كل واضع حذفه جوازاً، لوجود كلام قبله يدل عليه وعلى مكانه، وهو قوله
تعالى: (يوم تبيض وجوه
…
إلخ) . ومثله قراءة من قرأ قوله تعالى فى سورة الشعراء:
( {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ}
…
بالتاءين - لا بالياء فالتاء، وهذه قراءة أخرى -قال ابن جني في كتابه:"المحتسب - ج2 ص127- عن هذه قال القراءة ما نصه: ("هو عندنا على إضماء القول فيه. وإيضاحه: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} . وقد كثر حذف القول عندهم، من ذلك قول الله تعالى:{وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} ،
…
سلام عليكم
…
". أي: يقولون سلامٌ "عليكم") "اهـ".
هذا، ومما سبق يظهر أن ابن جني من أصحاب الرأي الذي لا يلحق بالقول الذي معناه النطق والتلفظ ما يؤدي معناه؛ مثل: ناديت
…