المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المسألة 83: أحكام المستثنى الذي أدواته أفعال خالصة 1، والذي أدواته - النحو الوافي - جـ ٢

[عباس حسن]

الفصل: ‌ ‌المسألة 83: أحكام المستثنى الذي أدواته أفعال خالصة 1، والذي أدواته

‌المسألة 83:

أحكام المستثنى الذي أدواته أفعال خالصة 1، والذي أدواته تصلح أن تكون أفعالًا وحروفًا1

أ– فأما الأدوات التي هي أفعال خالصة، فتنحصر في فعلين ناسخين 2 جامدين؛ هما:"ليس" و"لا يكون"، بشرط وجود "لا" النافية قبل هذا الفعل المضارع، الذي للغائب، دون غيرها من أدوات النفي، ولا يصلح من أفعال "الكون" أداة للاستثناء إلا هذا المضارع الجامد، الدال على الغائب المنفي بالأداة:"لا"؛ مثل: زرعت الحقول ليس حقلًا، أو: زرعت الحقول لا يكون 3 حقلًا، ومثل: ما تركت الكتب ليس كتابًا، أو لا يكون كتابًا

وحكم المستثنى بهما وجوب النصب باعتباره خبرًا لهما؛ لأنهما فعلان ناسخان جامدان، من أخوات:"كان" 4 كما سبق أما الاسم فضمير مستتر وجوبًا

1 و 1 المراد بالأفعال الخالصة هنا: الكلمات التي لا تستعمل إلا فعلًا، وإذا كانت أداة الاستثناء فعلًا خالصًا، أو غير خالص وجب أن يكون جامدًا، وأن يكون الكلام تامًا متصلًا؛ موجبًا أو غير موجب؛ فلا تصلح الفعلية للاستثناء المنقطع، ولا المفرغ كما سيجيء هنا وقد نص "الصبان، والخضري" على هذا عند الكلام على الاستثناء بالأدوات الفعلية، وكذلك صاحب "المفصل" ص 77 ج 2، وسبقت الإشارة له في رقم 1 من هامش ص 317.

2 أحكامها الخاصة بالنسخ مدونة في باب "النواسخ" ج 1 م 42.

3 الفعل هنا مضارع زمنه للحال، أو للاستقبال؛ فيبدو غريبًا متناقضًا مع الفعل الماضي قبله في هذا المثال أو ما يشبهه، وقد قالوا: إن المراد: لا تعد ولا تحسب حقلًا؛ فلا منافاة بين زمن المضارع والماضي على هذا التفسير، ومثل هذا يقال في الفعل:"ليس" إذا سبقته الماضي الصريح، مع أن "ليس" لنفي المعنى في الزمن الحالي، أو يقال: إنه لنفي المعنى في الزمن الحالي عند عدم قرينة تعينه للماضي الخالص كالتي هنا أو تعينه للمستقبل؛ على الوجه المبين في مكانه المناسب ج 1 ص 441 م 42 باب "كان" وأخواتها.

4 إذا كان المستثنى ضميرًا منصوبًا وجب فصله؛ نحو: الرجل قام القوم ليس إياه، أو لا يكون إياه، لما تقدم في ج 1 م 20 ص 247 باب: الضمير من أن "ليس ولا يكون" فعلين للاستثناء، ناسخين أيضًا؛ فلا يجوز:"ليسه ولا يكونه" كما لا يجوز: "إلاه"، فكما لا يقع الضمير المتصل بعد "إلا" لا يقع بعد ما هو بمعناها، لكن انظر رقم 5 من هامش ص 358.

ص: 353

تقديره: هو؛ يعود على "بعض" مفهوم من "كل" يرشد إليه السياق، ويدل عليه المقام ضمنًا1؛ فمعنى "زرعت الحقول ليس حقلًا": ليس هو من المزروع؛ أي: ليس بعض الحقول المزروعة حقلًا، فالمزروع "كل" استثنى 2بعضه.

وإذا كانت أداة الاستثناء فعلًا خالصًا وجب أن يكون الاستثناء تامًا متصلًا، موجبًا أو غير موجب؛ فلا بد في هذا النوع من الاستثناء أن يجمع أمرين؛ وهما:"التمام والاتصال" كما في الأمثلة المذكورة

وتعرب الجملة المشتملة على الناسخ واسمه وخبره في محل نصب حالًا 3، أو تعتبر جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب، ولا علاقة لها بما قبلها من الناحية الإعرابية فقط؛ أما من الناحية المعنوية فبينهما ارتباط4.

ب– وأما الأدوات التي تكون أفعالًا تارة، وحروفًا تارة أخرى فهي ثلاثة: عدا – خلا – حاشًا وفي الأخيرة لغات5 أشهرها: حاشا – حشا – حاش

" ومعنى كل أداة من هذه الأدوات الفعلية: "جاوز"، ويتعين عند استعمالها أفعالًا أن يكون الاستثناء بها تامًا متصلًا، موجبًا أو غير موجب؛ كالشأن في جميع أدوات الاستثناء إذا كانت أفعالًا؛ فإنها لا تصلح للمفرغ، ولا المنقطع.

1– فإن تقدمت على كل منها "ما" المصدرية وجب اعتبارها أفعالًا ماضية خالصة، ولا تكون هنا إلا ماضية جامدة؛ "فهي جامدة في حالة استعمالها أدوات استثناء"، مثل: أحب الأدباء ما عدا الخداع وأقرأ الصحف ما خلا

1 الكلام على مرجع الضمير في ج 1 ص 181 م 19.

2 إذا لم يكن في الكلام فعل ملفوظ أو مشتق يشبهه في الإرشاد إلى ما يرجع إليه الضمير، أمكن تصيده من فحوى العبارة؛ ففي مثل: القوم إخوتك ليس عليًا يكون التقدير: ليس هو عليًا؛ أي: ليس المنتسب إليك بالإخوة عليًا.

3 ولا تجيء "قد" المشروطة عند كثير من النحاة في الجملة الماضوية المثبتة الواقعة حالًا؛ لأن هذا الشرط في غير الجمل الماضوية التي أفعالها جامدة، ومنها الأفعال الواقعة في الاستثناء، مثل: ليس خلا – عدا – حاشا – كما سيجيء في آخر رقم 2 من هامش ص 399 لهذا لا يصح مجيء "قد" هنا.

4 يصح إعراب آخر على اعتبار مخالف لما سبق، والبيان يجيء في الزيادة والتفصيل ص 358.

5 ولهذا أنواع تجيء في ص 360.

ص: 354

التافهة، وأشاهد تمثيل المسرحيات ما حاشا السوقية، غير أن تقدم "ما" المصدرية على "حاشا" قليل؛ حتى قيل: إنه ممنوع، ويحسن الأخذ بهذا الرأي.

وحكم المستثنى في الصور السالفة التي تتقدم فيها "ما" المصدرية وجوب النصب، باعتباره مفعولًا به لفعل الاستثناء المذكور في الجملة، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره:"هو" يعود على "بعض"، مفهوم من "كل" يدل عليه المقام كما سبق أما المصدر المؤول من "ما" المصدرية، والجملة الفعلية التي بعدها1؛ فهو في محل نصب حال2 مؤولة بالمشتق، أو ظرف زمان، والتقدير على الأول: أحب الأدباء مجاوزين الخداع

مجاوزة التافهة

مجاوزة السوقية.

والتقدير على الثاني: وقت مجاوزتهم الخداع

وقت مجاوزتها التافهة

وقت مجاوزتها السوقية3

وكلا التقديرين حسن، ولا يكاد يختلف في الدلالة على الآخر.

2– أما إذا لم تتقدم "ما" المصدرية على الكلمات الثلاث السابقة، فيجوز اعتبارها أفعالًا ماضية جامدة تنصب المستثنى، مفعولًا لها، وفاعلها ضمير مستتر وجوبًا تقدير:"هو" كما سلف والجملة في محل نصب حال، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

ويجوز اعتبار الكلمات الثلاث حروف جر أصلية، والمستثنى مجرور بها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما أو بما يشبه، أو أنهما ليسا في حاجة إلى تعلق. على اعتبار الثلاثة حروف جر شبيهة بالزائد4،

1 فعل الاستثناء جامد لا يدخل بنفسه في صياغة المصدر المنبسك؛ وإنما يدخل الفعل الذي بمعناه؛ وهو جاوز، هذا، والحرف المصدري لا يدخل على فعل جامد إلا على هذه الأفعال؛ لأنها مستثناة من القاعدة السالفة، أو؛ لأنها متصرفة في أصلها وقد أشرنا لهذا في جـ 1 م 29.

2 الحال هنا جائزة، بالرغم من أن الحال لا تكون مصدرًا مؤولًا، لاشتماله على ضمير يجعلها معرفة، ولكنها هنا معرفة مؤولة بالنكرة، أي: مجاوزين مثلًا "كما سيجيء في: "هـ" من ص 371 ورقم 5 من هامشها".

3 طريقة صوغ للمصدر المؤول من "ما" وصلتها وكل ما يتصل بها مدونة في جـ 1 ص 296 م 29 آخر باب الموصول.

4 كما سيجيء في ص 452 ولا داعي للأخذ بهذا الرأي؛ لأنه معقد، وحجة صحابة واهية.

ص: 355

"وحروف الجر الشبيه بالزائد لا يحتاج إلى تعليق"، ففي الأمثلة السابقة يجوز: أحب الأدباء عدا الخداع، أو: الخداع، وأقرأ الصحف خلا التافهة، أو التافهة، وأشاهد تمثيل المسرحيات حاشًا السوقية أو السوقية، فكلمات:"الخداع، التافهة، السوقية" يجوز في كل منها النصب، فيكون مستثنى مفعولًا به، والعامل فعلًا ماضيًا جامدًا، ويجوز فيها الجر والعامل حرف جر1

وقد وردت أمثلة مسموعة وقعت فيها "ما" قبل الكلمات الثلاث: "خلا – عدا – حاشا"، ووقع فيها المستثنى مجرورًا؛ وهي أمثلة شاذة لا يصح

1 "ملاحظة": قالوا: إنما يجوز الأمران النصب والجر بعد تلك الأفعال الثلاثة في غير الحالة التي يكون المستثنى بها ياء المتكلم، فإن كان المستثنى بها ضميرًا للمتكلم "الياء"، ولم توجد "ما" المصدرية تعين اعتبار الأداة حرف جر إن لم يوجد قبل ياء المتكلم نون الوقاية؛ نحو: أطال الخطباء، حاشاي، أو: عداي، أو خلاي، والمستثنى مبني على الفتح في محل جر، ولا يصح هذا اعتبار الأداة، فعلًا ينصب المستثنى "الياء" إذ لو كانت الأداة فعلًا لوجب على المشهور الإتيان بنون الوقاية قبل ضمير المتكلم "الياء" تطبيقًا لما سبق في باب الضمير، ج 1 ص 192 م 21، بخلاف ما لو قلنا: حاشاني، أو عداني، أو خلاني؛ حيث يجب اعتبار الأداة فعلًا محضًا، والياء مفعول به، بسبب وجود نون الرقابة التي تلزم آخر الفعل عند اتصاله بياء المتكلم؛ طبقًا للرأي الغالب.

هذا كلامهم، وهو مدفوع بان نون الوقاية إنما تجيء في آخر الفعل عند اتصاله بباء المتكلم لتقيه، وتحفظه من الكسر الذي يجيء في آخره لمناسبة الياء التي تلحق بآخره، ولما كانت هذه الأدوات لا يلحقها الكسر عند اتصالها بالياء امتنع الداعي لمجيء نون الوقاية مجيئًا حتميًا، وصار الاستغناء عنها جائزًا؛ فيصح أن يقال: حاشاي، أو عداي، أو خلاي

وفي هذه الصور يصح اعتبار الأداة فعلًا أو حرفًا، لعدم وجود ما يعينها لأحدهما دون الآخر.

نعم، لو قلنا: حاشاني، أو عداني، أو: خلاني

لكان وجود نون الوقاية وجودها هنا جائز لا واجب، كما أسلفنا مرجحًا قويًا لاعتبار الأداة فعلًا، لكثرة هذه النون في الأفعال

وقلتها في الحروف؛ مثل: مني وعني

وفيما سبق من أدوات الاستثناء التي تكون أفعالًا فقط، أو: التي تصلح لأن تكون أفعالًا، وحروفًا يقول ابن مالك، وقد خلطها:

واستثن ناصبًا "بليس وخلا"

"وبعدا"، "وسيكون" بعد:"لا"

أي: استثن بالأدوات التي ذكرها، "وهي: ليس – خلا – عدا – يكون؛ بشرط وقوع "يكون" بعد "لا" النافية، ناصبًا المستثنى بها، وفي هذه الحالة التي تنصب فيها المستثنى يتعين أن تكون أفعالًا خالصة، ثم أردف قائلًا:

واجرر بسابقي "يكون" إن ترد

وبعد: "ما" انصب، وانجرار قد يرد

=

ص: 356

القياس عليها، وقد أولها النحاة ليصححوها؛ فقالوا: إن "ما" التي وقعت قبلها ليست مصدرية، ولكنها زائدة.

ولا خير في هذا التأويل؛ لأن العربي الذي نطبق بتلك الأمثلة لا يعرف "ما" المصدرية، ولا الزائدة، ولا شيئًا من هذه المصطلحات النحوية التي ظهرت أيام تدوين العلوم، وجمعها، وتأليفها ولا شأن له بها، هذا إلى أن التأويل السابق كشأن كثير من نظائره قد يخضع لغة قبيلة، ولهجتها لأخرى تخالفها من غير علم أصحابها، وهذا غير سائغ؛ كما أشرنا مرارًا.

= يقول: جر المستثنى بالأداتين السابقتين على "يكون"، إن شئت؛ وهما:"خلا وعدا"، وإن شئت فانصبه بعدها ويكون النصب واجبًا حين تسبقهما "ما"، ولم يذكر نوع "ما" قبلهما على اعتبارها زائدة، وأوضح بعد ذلك أنهما في حالة جرهما المستثنى يعتبران حرفي جر، وأنهما في حالة نصبه يعتبران فعلين:

وحيث جرًا فهما حرفان

كما هما إن نصبا فعلان

ويلاحظ أنه أدخل "الفاء" على جملة: "هما حرفان" تنزيلًا للظرف: "حيث" منزلة الشرط على الوجه الذي شرحناه في موضعه المناسب ص 274 "و" و287 وهاشمها، أو على اعتبار:"حيث" شرطية بغير اتصالها "بما" الزائدة، تبعًا لرأي الكوفيين.

أما الظرف: "حيث" فمتعلق بعامل معنوي، هو: الإسناد أي: بالنسبة الواقعة بين ركني جملة تطبيقًا لما دونوه من أن شبه الجملة يتعلق بما في الجملة من فعل أو غيره مما يصح التعلق به، فإن لم يوجد ما يصلح فقد يتعلق بالنسبة "الإسناد"، وذلك كالنسبة المأخوذة من قول ابن مالك:"فهما حرفان" فالظرف "حيث" متعلق بالنسبة، أي تثبت حرفيتهما حيث جرا

وسيجيء إشارة لهذا في باب حروف الجر عند الكلام على التعلق في رقم 2 من هامش ص 441 كما سيجيء في ج 4 م 157 ص 351 إشارة لإجراء الظرف مجرى الشرط ثم بين أن الأداة: "حاشا" شبيهة بالأداة: "خلا" في كل أحكامها، لكن لا تجيء:"ما" قيل: "حاشًا"، وأن فيها لغات أشهرها "حاش"، "حشا" حيث يقول:

وكخلا: حاشا، ولا تصحب "ما"

وقيل: "حاش"، و"حشا"؛ فاحفظهما

ص: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

زيادة وتفصيل:

أ– هل تقع الجملة المكونة من فعل الاستثناء وفاعله نعتًا؟

ننقل هنا رأيين مفيدين، وإن كان بينهما نوع تعارض

أولهما: ما جاء في الهمع 1 ونصه2:

"من أدوات الاستثناء: "ليس"، "ولا يكون" وهذه هو الناقصة، وليست أخرى ارتجلت للاستثناء وينصبان المستثنى على أنه خبر لهما، والاسم ضمير مستتر. لازم الاستار كما تقدم هنا3، وكذلك في مبحث الضمير4 نحو: قام القوم ليس محمدًا؛ وخرج الناس لا يكون عليًا، ولفظ: "لا" قيد في كلمة: "يكون" فلو نفيت بما، أو: لم، أو: لما، أو: لن

لم تقع في الاستثناء، ومن شواهد "ليس" قول الشاعر:

عددت قومي كعديد الطيس

إذا ذهب القوم الكرام ليسي5

وقوله عليه السلام: "يطبع المؤمن على كل خلق، وليس الخيانة والكذب".

"وقد يوصف بـ"ليس، ولا يكون"، حيث يصح الاستثناء، بأن يكون أي: المستثنى منه نكرة منفية6، قال ابن مالك: أو معرفًا بلام الجنس، نحو: ما جاءني أحد ليس محمدًا، وما جاءني رجل لا يكون بشرًا، وجاءني القوم ليسوا إخوتك، قال أبو حيان: ولا أعلم في ذلك خلافًا، إلا أن المنقول هو اختصاصه بالنكرة، دون المعرف بلام الجنس.

"ولا يجوز في النكرة المؤنثة: نحو: أتتني امرأة لا تكون فلانة، إذ لا يصح الاستثناء منها، ولا في المعرفة؛ نحو جاء القوم ليسوا إخوتك، بل يكونان في موضع نصب على الحال".

1 ج 1 ص 233.

2 مع بعض تيسير في بضع كلمات.

3 في ص 353.

4 ج 1 م 18 ص 207.

5 قد وقع المستثنى هنا ضميرًا متصلًا يخالف الأكثر الذي سبق حكمه في رقم 4 من هامش 353.

6 ولا بد أن تكون أعم من المستثنى؛ ليمكن استثناؤه منها كما هو معلوم.

ص: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

"وإذا وصف بهما رفعا ضمير الموصوف المطابق له؛ فيبرز1؛ نحو: ما جاءتني امرأة ليست أو لا تكون فلانة، وما جاءني رجال ليسوا زيدًا، أو نساء لسن الهندات.

"قال السيرافي: أجازوا الوصف "بليس، ولا يكون"؛ لأنهما نص في نفي المعنى عن الثاني، وهذا معنى الاستثناء، وليس ذلك في "عدا وخلا"، إلا بالتضمن، فلم يوصف بهما؛ لأنهما ليسا موضعي جحد؛ فلا يقال: ما أتتني امرأة عدت هندًا، أو: خلت دعدًا. ا. هـ، همع بتيسير بعض الألفاظ.

ثانيهما: ما جاء في المفصل 2 ونصه:

"قد يكون: ليس، ولا يكون" وصفين لما قبلهما من النكرات، تقول: أتتني امرأة لا تكون هندًا، فموضع "لا تكون" رفع؛ بأنه وصف لامرأة، وكذلك تقول في النصب والجر: رأيت امرأة ليست هندًا، ولا تكون هندًا، ومررت بامرأة ليست هندًا، ولا تكون هندًا.

"ولا يوصف""بخلا وعدا" كما وصف بـ"ليس، ولا يكون"، فلا تقول: أتتني امرأة خلت هندًا، وعدت جملًا، وذلك أن "ليس ولا يكون" لفظهما جحد، فخالف ما بعدهما ما قبلهما؛ فجريا في ذلك مجرى "غير"، فوصف بهما كما يوصف "بغير"، وأما "خلا وعدا" فليس كذلك، وإنما يستثنى بهما على التأويل، لا؛ لأنهما جحد، ولما كان معناهما المجاوزة والخروج عن الشيء فهم منهما مفارقة الأول، فاستثنى بهما لهذا المعنى، ولم يوصف بهما؛ لأن لفظهما ليس جحدًا؛ فليس جاريًا مجرى "غير". ا. هـ.

ويلاحظ: أن صاحب "المفصل" لم يقيد وقوعهما نعتًا بالموضع الذي يصلحان فيه للاستثناء، كما قيده صاحب الهمع، وأن الأمثلة التي ذكرها صاحب المفصل صالحة للنعت هي التي نصب صاحب الهمع على عدم صلاحها نعتًا. فكيف ذلك؟.

لا مفر من إعراب الجملة الفعلية في هذه الأمثلة نعتًا خالصًا لا يصلح للاستثناء؛ لأن النكرة التي قبل الفعلين ليست عامة؛ فلا تصلح "مستثنى منه" يتسع لإخراج المستثنى، فالجملة نعت محض –كالشأن في كل الجمل الواقعة بعد

1 إلا عند ابن مالك كما سبق.

2 جـ 2 ص 78.

ص: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

النكرات المحضة، وبهذا يتلاقى الرأيان ويتفقان.

ب– ليست: "حاشًا" مقصورة على الاستثناء؛ وإنما هي ثلاثة أنواع:

أولها: الاستثنائية؛ وهي فعل ماض جامد، وقد سبق ما يختص بها1.

وثانيها: أن تكون فعلًا ماضيًا متعديًا متصرفًا؛ بمعنى "استثنى"، مثل:"حاشيت مال غيري أن تمتد له يدي حين نتخير موضوعات الكلام نحاشي الموضوعات الضارة إذا دعوت لحفل فحاش من لا يحسن أدب الاجتماع"2.

ثالثها: أن تكون للتنزيه وحده3 أي: للدلالة على تنزيه ما بعدها من العيب 4 وهي اسم مرادف لكلمة: "تنزيه" التي هي مصدر: نزه، وتنصب "حاشا" هنا على اعتبارها مصدرًا قائمًا مقام فعل من معناه، محذوف وجوبًا، ويغني هذا المصدر عن النطق بفعله المحذوف 5؛ نحو: حاشًا لله، أي: تنزيهًا لله أن يقترب منه السوء، فكلمة:"حاشًا" – بالتنوين – مفعول مطلق، منصوب بالفعل المحذوف وجوبًا، الذي من معناه، وبتقديره:"أنزه"، والجار والمجرور متعلقان بها، ويصح أن يقال فيها: حاش لله، بغير تنوين؛ فتكون "حاش" مفعولًا مطلقًا، ولكنه مضاف، واللام بعده زائدة 6، وكلمة "الله" مضاف

1 في ص 354.

2 إذا كانت فعلًا ماضيًا متصرفًا كهذا النوع، فإن ألفها الأخيرة تكتب ياء، هكذا:"حاشى"، بخلافها في النوعين الآخرين؛ فتكتب ألفًا.

3 أي: التنزيه الخالص الذي لا يشوبه معنى آخر؛ كالاستثناء أو غيره، ذلك أن "حاشا" الاستثنائية والمتصرفة لا تخلوان من تنزيه؛ ولكنه مختلط بمعنى آخر.

4 وهذا يشمل ما يكثر الآن حين يريدون تنزيه شخص من العيب، فيبتدئون بتنزيه الله تعالى: ثم ينزهون من أرادوا، يريدون أن الله منزه عن ألا يطهر ذلك الشخص من العيب.

5 سبق في باب المفعول المطلق تفصيل لكلام على المصدر القائم بدلًا من التلفظ بفعله ص 219، وفي ص 234 إشارة إليها.

6 كزيادتها في قوله تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} ، ولهذا قال بعض النحاة: إن "حاش" اسم فعل بمعنى: برئ، أو تنزه، فتكون اسم فعل ماض مبني على الفتح واللام بعدها زائدة و"الله" مجرور باللام الزائدة في محل رفع، فاعل اسم الفعل.

ص: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إليه مجرور، كما يصح أن يقال فيها: حاش الله، بغير اللام الزائدة بين المضاف والمضاف إليه.

ج– هل يحذف المستثنى؟ وهل تحذف أداة الاستثناء؟.

أما حذف الأداة فالأصح أنها لا تحذف، وأما حذف المستثنى فيجوز بشروط ثلاثة: فهم المعنى، وأن تكون الأداة هي:"إلا" أو: "غير" وأن تسبقهما كلمة: "ليس"1، نحو: قبضت عشرة ليس إلا، أو: ليس غير، أي ليس المقبوض إلا العشرة، وليس المقبوض غير العشرة

ومن القليل أن يحذف المستثنى بعد: "لا يكون"، بشرط فهم المعنى أيضًا، نحو: قبضت عشرة، لا يكون

أي لا يكون غيرها

لا يكون المقبوض غيرها.

د– من أدوات الاستثناء "لما" بمعنى "إلا"، وقد وردت في أمثلة مسموعة إما في كلام منفي؛ مثل قوله تعالى:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} 2، وإما في كلام مثبت ولكنه مقصور على بضعة أساليب سماعية؛ أشهرها: نشدتك الله لما فعلت كذا، وعمرك الله لما فعلت كذا.

وإذا كانت للاستثناء وجب إدخالها على الجملة الاسمية، أو على الماضي لفظًا لا معنى كالمثالين السالفين3 إذا المعنى فيهما "إلا أن تفعل كذا"، ويستحسن كثير من النحاة الاقتصار على المسموع

هـ- يذكر بعض النحاة في آخر باب الاستثناء تفصيل الكلام على

1 أجاز بعضهم أن يكون النافي هو: "لا" إذا كانت أداة الاستثناء هي: "غير"؛ كما سيجيء في الجزء الثالث باب الإضافة عند الكلام على: "غير".

2 "إن" حرف نفي، مثلها في قوله تعالى: {

وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} ، أو غير هذا من أنواع الإعراب المختلفة في الآية ونظائرها مما سبق تفصيله في ج 1 م 55 ص 676 في موضع تخفيف "النون" من "إن"، وأخواتها المختومة بالنون المشددة.

3 نص على هذا "الأشموني" في الجزء الرابع باب الجوازم؛ عند الكلام على "لما" الجازمة، انظر ما يتصل بالمسألة ويوضحها في:"أ" من الزيادة، ص 327".

ص: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

"لا سيما" من ناحة تركيبها، ومعناها، وعلاقاتها بالاستثناء، وضبط الاسم الذي بعدها، وإعرابهما

ويذكرها فريق آخر من باب الموصول، بحجة أن "ما" المتصلة بها تكون موصولة

وقد آثرنا ذكرها في باب الموصول 1؛ لأنه أسبق، وصلتها به أقوى.

ونزيد هنا أن بعض الرواة نقل لها أخوات مسموعة، منها: لا مثل ما

لا سوى ما 2

فهذان يشاركان: "لا سيما" في معناها وفي أحكامها الإعرابية التي فصلناها فيما سبق3.

ومنها: "لا تر ما

"، و"لو تر ما"2

، وهما بمعناها كما قلنا في الوضع المشار إليه، ولكنهما يخالفانها في الإعراب؛ فهذان فعلان لا بد من رفع الاسم بعدهما؛ ولا يمكن اعتبار "ما" زائدة مع جر الاسم بعدها بالإضافة؛ لأن الأفعال لا تضاف، والأحسن أن تكون "ما" موصولة وهي مفعول للفعل:"تر" وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت، والاسم بعدها مرفوع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة.

وإنما كان الفعل مجزومًا بعد "لا"؛ لأنها للنهي، والتقدير في "قام القوم لا تر ما علي": لا تبصر "أيها المخاطب الشخص" الذي هو علي، فإنه في القيام أولى منهم، أو تكون "لا" للنفي، وحذفت الألف من آخر الفعل سماعًا، وشذوذًا.

وكذلك بعد "لو" سماعًا، والتقدير: لو تبصر الذي هو علي لرأيته أولى بالقيام.

والجدير بنا أن نقتصر في استعمالنا، على:"ولا سيما" لشيوعها، ووضوحها قديمًا حديثًا.

1 جـ 1 ص 366 م 29.

2 و 2 أشرنا لهذه في ص 62، وفي رقم 2 من هامش ص 347، أما البيان الكامل، ففي جـ 1 م 28 ص 366.

3 جـ 1 ص 366 م 28.

ص: 362