الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم رفع رأسه واكتفى الإمام بالتسميع
ــ
فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه) وفي (أبي داود): لما نزل قوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم} (الواقعة: 96) فقال عليه الصلاة والسلام: (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى: 1) قال: (اجعلوها في سجودكم) وسبحان اسم مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره سبحت ربي ولا يستعمل غالبًا إلا مضافًا إلى المفعول به كما هو الظاهر هنا وقيل: ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل إذ المعنى تنزيه الله تعالى ولما كان الركوع تواضعًا وتذللاً ناسب أن يجعل مقابله العظمة لله ولما كان السجود غاية التسفل ناسب أن يجعل مقابله العلو لله تعالى وهو القهر والاقتدار لا العلو في المكان تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال الحلبي: وينبغي أن يكون واجبًا لأن المواظبة الظاهرة من حاله عليه الصلاة والسلام والأمر به متظافرين عليه فيسجد لتركه ساهيًا ويعاد لو عامدًا وأجاب في (البحر) بأن عدم تعليمه للأعرابي صارف عنه وقد صرح غر واحد بأن الأمر للندب وعليه فقولهم: لو تركه ونقص عن الثلاث كره أي: تنزيهًا واختلف في معنى الأدنى على. أقوال: ثالثها أدنى كمال السنة ويندب الأعلى بعد أن ينصرف عن وتر خمس أو سبع أو تسع إلا أن الإمام يقتصر على الأدنى وقيل: يزيد رابعة ليتمكن المقتدي من/ الثلاث فلو رفع رأسه قبلها فالأصح وجوب متابعته بخلاف ما لو سلم قبل تمام تشهده حيث لا يتابعه لوجوبه كذا قالوا ومقتضاه أنه لو سلم وهو في أدعية التشهد يتابعه والناس عنه غافلون.
فرع
أطال الإمام الركوع أو السجود لإدراك الجائي قال الإمام: أخشى عليه أمرًا عظيمًا وقال أبو مطيع: لا بأس بذلك ليدرك الركعة ويؤجر وقيل: إن عرف الجائي كره وإلا لا وهو تأويل المروي ولا خلاف أنه لو ثقل على القوم لا يفعل وهذا إذا أراد به حق القوم فإن أراد به التقرب إلى الله تعالى لم يكره وفاقًا كذا في (البزازية)، (ثم رفع رأسه من الركوع واكتفى الإمام بالتسميع) يعني قوله: سمع الله لمن حمده أي: قبل من حمده فهو دعاء بقبول الحمد وضمن سمع استحباب ولذا عدي باللام وإلا فأصله التعدي بنفسه بنحو {يسمعون الصيحة بالحق} (ق: 43) ويحتمل أن يكون دعاء
والمؤتم والمنفرد بالتحميد ثم كبر ووضع ركبتيه ثم يديه ثم وجهه بين كفيه بعكس النهوض وسجد بأنفه وجبهته وكره بأحدهما
ــ
من الإمام للمأمومين واكتفى الإمام به لحديث الشيخين: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد) قسم بينهما والقسمة تنافي الشركة وهذا عند الإمام وقلما يجمع بينهما وهو رواية عنه اختارها الطحاوي، إلا أنه يأتي بالتحميد في نفسه كما في (الهداية) أي: سرًا.
(والمؤتم والمنفرد بالتحميد) أي: بقوله: اللهم ربنا ولك الحمد وهو أفضلها لأنه يجمع الدعاء والاعتراف إذ المعنى يا الله يا ربنا استجب لنا ولك الحمد على هدايتك ويليه حذف الواو ويليه حذف اللهم فقط ويليه المعروف قيل: أما اكتفاء المؤتم فبالإجماع أي: بين الإمام وصاحبيه على الظاهر وإلا فعن الإمام أنه يجمع أيضًا ذكره الأقطع وأما المنفرد فعلى ظاهر الرواية كما في (الخانية) وفي (الخلاصة): إنه الصحيح وعليه أكثر المشايخ كما في (المبسوط) وقيل: يجمع قال الشهيد: وعليه الاعتماد وفي (الهداية)(والمجمع): إنه الأصح فيأتي بالتسميع حالة الرفع وبالتحميد حالة الاستواء كما مر ولو فاته حال الرفع لم يأت به حال الاستواء قال التمرتاشي: وقيل: يأتي به مع التحميد وبقي رواية ثالثة هو أنه يأتي بالتسميع لا غير قال في (البحر): وينبغي أن يعول عليها ولم أر من صححها. وأقول: قد رأيت ذلك ولله الحمد ففي (السراج) عن شيخ الإسلام إنها الأصح وقال الرازي: ينبغي على قول الإمام أن يقتصر المنفرد عليه لأنه إمام في حق نفسه.
(ثم كبر ووضع ركبتيه) أولاً (ثم يديه) هذا لم يكن متخففًا فإن كان وضع اليدين أولاً لأنه القدر الممكن أي: من غير عسر (ثم وجهه بين كفيه) مقدمًا بين كفيه ثم جبهته (بعكس النهوض) أي: القيام لأنه الثابت من فعله عليه الصلاة والسلام (وسجد بأنفه) أي: عليه قدمه على الجبهة لأن في الاقتصار عليه خلافًا كذا في (المعراج) وقال غيره: لقربه من الأرض إذا سجد وهو أولى (وجبهته) وهو اسم لما اكتنفه الجبينان وأفاد أن السجود على غيرهما لا يصح وقد مر تعريفه.
(وكره) السجود (بأحدهما) فقط أما كراهة الاقتصار على الأنف أي: على ما صلب منه فقول الإمام: وروى عنه أنه لا يجوز وبه قالا وعليه الفتوى قيل: مبنى الخلاف على أنهما عضو واحد عنده، وعضوان عندهما وأجمعوا على عدم جوازه على ما لان
أو بكور عمامته
ــ
منه وهذا الترجيح لا يوافقه رواية ولا القوى من (الدراية) لأن المأمور به إنما هو السجود، وهو يتحقق بالأنف فتوقف أجزائه على وجه آخر معه زيادة بخبر الواحد، وغاية ما تقتضيه المواظبة معه الوجوب ولا يبعد أن يقول به الإمام، ويحمل الكراهة المروية عنه على التحريم وأما الرواية فظاهره هذا، ولو حمل قولهما لا يجوز الاقتصار إلا من عذر على وجوب الجمع كان أحسن إذ به يرتفع الخلاف بناء أن الكراهة عنده للتحريم كما مر، ولم يخرجا عن الأصول إذ يلزمهما الزيادة بخبر الواحد هذا حاصل ما في (الفتح) وأما كراهة الاقتصار على الجبهة فيتبع المصنف فيه صاحب (الخلاصة) و (المفيد) والمذكور في (البدائع) و (التحفة) و (التجنيس) عدمها.
وأقول: لو حملت الكراهة في رأي من أثبتها على التنزيه ومن نفاها على التحريم لارتفع التنافي وعبارته في (السراج): المستحب أن يضعهما واعلم أن ظاهر (الشرح) يفيد أن وضع أكثرها شرط إذ قد نقل عن نصير أنه سئل عن من وضع جبهته على حجر صغير فقال: إن وضع الأكثر جاز وإلا لا فقيل له: إن وضعه قدر الأنف منها ينبغي أن يجوز على قوله فأجاب بأنه عضو كامل قال في (البحر): وفيه بحث إذ السجود يصدق بوضع بعض الجبهة ولا دليل على اشتراط الأكثر نعم هو واجب للمواظبة واستدل بما في (المجتبي) سجد/ على طرف من أطراف جبهته جاز ثم نقل ما عن نصير فدل على ضعفه وفي (المعراج): وضع جميع أطراف الجبهة ليس بشرط بالإجماع فإذا اقتصر على بعض الجبهة جاز وإن قل كذا ذكر أبو جعفر.
(أو) سجد (بكور عمامته) بفتح الكاف أي: دورها حيث يكره أيضًا لكن تنزيهًا لما فيه من ترك كمال التعظيم ولابد من كونه على الجبهة أما لو كان على الرأس ولم تصب الأرض جبهته ولا أنفه لم يصح وكثيرًا ما يتساهل فيه العوام كذا في (شرح المنية) ودل كلامه على جواز السجود على الحائل غير أنه إن كان منفصلاً كالحشيش والقطن فما دام يجد حجم الأرض يجوز، لا إن لم يجد حجمها وإن كان متصلاً كالكف فالأصح الجواز، وكذا في الفخذ من عذر على المختار لا دونه. قال في (الفتح): والذي ينبغي ترجيح الفساد على الكف والفخذ ولا يعلم خلاف في عدم الجواز في الركبة قال في (البحر): وكأنه لأن السجود يقع على حرف الركبة وهو لا يأخذ قدر الواجب من الجبهة وأقول: إن عني بالواجب الفرض نافاه ما اختاره من أنه لو وجد بوضع بعضها وإن قل، وإن عني به ما هو المصطلح عليه اقتضى أنه يصح مع الإثم لا أنه لا يصح، وغير خاف أن هذه المسألة مؤيدة بما مر عن نصير والأصح عدم جوازه على الكم المبسوط على النجاسة وقول المرغيناني: الصحيح
وأبدى ضبعيه وجافى بطنه عن فخذيه ووجه أصابع رجليه نحو القبلة وسجد فيه ثلاثًا والمرأة تنخفض وتلزق بطنها بفخذيها ثم رفع رأسه مكبرًا
ــ
الجواز ليس بشيء ولا كلام على جوازه على فاضل ثوبه غير أنه إن لم يكن لدفع الأذى كره هذا وأما السجود على ظهر مصل للضيق فإن اتحدت الصلاتان وكان المسجود عليه ساجدًا على الأرض جاز وإلا لا.
(وأبدى) أي: فرج وقيل: أظهر وقول العيني أنه بالهمز وهم (ضبعيه) بسكون الموحدة لا غير كما في (المغرب) لكن حكى شيخ الإسلام الضم أيضًا أي: عضديه وقيل: وسطهما وباطنهما ولعل المراد هنا الثاني لحديث الشيخين كان عليه الصلاة والسلام (إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه).
(وجافى) أي: باعد (بطنه عن فخذيه) لحديث أبي داود كان عليه الصلاة والسلام (إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) والحكمة فيه إظهار كل عضو بنفسه وأنه غير معتمد على غيره في أداء الخدمة قال في (الهداية): وتبعه الشارح وقيل: إن كان في صف لا يجافي كيلا يؤذي جاره واعترضه في (البحر) بأن الإيذاء لا يحصل من مجرد المجافاة فما في (المجتبى) من أنه لا يبدي ضبعيه أولى انتهى إلا أن الظاهر بينهما تلازمًا عاديًا (ووجه أصابع رجليه نحو القبلة) لأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك أخرجه البحاري من رواية أبي حميد وصرح في (التجنيس) بكراهة تركه (وسبح فيه ثلاثًا) لما سبق.
(والمرأة تنخفض) أي: تضم نفسها فلا تبدي ضبعيها (وتلصق بطنها بفخذيها) لأنه استر لها وقدمنا أن الأمة في هذا كالحرة (ثم يرفع رأسه) من السجدة الأولى (مكبرًا) واختلف في مقدار الشرط منه فقيل: هو أن يكون إلى القعود أقرب وهو الأصح وقيل: أن لا يشكل على الناظر أنه رافع ورجحه في (البدائع) وقيل: هو ما ينطلق عليه اسم الرفع ورجحه في (المحيط) قال في (الدراية): وهذا قريب من الأول انتهى.
ولا يخفى قرب الثاني منه أيضًا وروى الحسن رابعة هي مقدار ما تمر الرمح بينه وبين الأرض وظاهر (الكافي) في رجوعها إلى الثالثة والذي ينبغي التعويل عليه
وجلس مطمئنًا وكبر وسجد مطمئنًا وكبر للنهوض بلا اعتماد وقعود والثانية كالأولى إلا أنه ليثني ولا يتعوذ ......
ــ
هي الأولى (وجلس) بين السجدتين (مطمئنًا) اقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام وتقدم أنه سنة وفي (شرح المنية): الأصح وجوبه بناء على اختياره السابق وليس فيه دعاء مسنون وما ورد فيه محمول على النفل وقد قال الثاني: سألت الإمام أيقول إذا رفع رأسه من الركوع والسجود اللهم اغفر لي قال: يقول ربنا لك الحمد وسكت ولقد أحسن في الجواب إذ لم ينه على الاستغفار (وكبر) أيضًا (وسجد) ثانية حال كونه (مطمئنًا وكبر) بعد ذلك (للنهوض) أي: القيام إلى الثانية وفي ذكر النهوض دون القيام إيماء إلى أنه لا يأتي بما ينافيه ولم يكتف بذلك بل نفاه بقوله: (بلا اعتماد وقعود) على الأرض وبلا تعوذ بين السجدتين مبالغة في التحريض عليه وبيانًا لمحل الخلاف واتباعًا للمأمور أعني ما أخرجه الترمذي كان عليه الصلاة والسلام (ينهض في الصلاة على صدور قدميه) والعمل عليه عند أهل العلم وفي أبي داود (نهي عن أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض للصلاة) وما روي من أنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك محمول على حالة الكبر كذا في (الهداية).
قال في (البحر): ويرد عليه أن هذا المحمل يحتاج إلى دليل وقد قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فكذا/ والله أعلم. قال الحلواني: إن الخلاف في الأفضلية حتى لو جلس فلا بأس به عندنا وأقول: لا تنافي بين ما في (الهداية) وما قاله الحلواني بوجه إذ المدعى طلب النهوض وتركه يوجب خلاف الأولى وهو مرجع لا بأس به في أغلب استعماله ولا ينافيه ما في (المعراج) من أن جلسة الاستراحة مكروهة عندنا إذ المراد بها التنزيه وكذا قول الطحاوي: لا بأس به بأن يعتمد على الأرض شيخًا كان أو شابًا وهو قول عامة العلماء فقوله في (البحر) الأوجه أن يكون سنة فيكره تركه ممنوع.
والركعة (الثانية كالأولى) في جميع ما مر (إلا أنه لا يثني) بضم المضارعة من أثنى ولا يجوز (الفتح) لأن من ثنى عطف وليس مرادًا (ولا يتعوذ) لأنهما لم يشرعا
ولا يرفع يديه إلا في فقعس صمعج وإذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى وجلس عليها ونصب يمناه ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه
ــ
إلا مرة واحدة وهذا لأن التعوذ لدفع الوسوسة فلا يتكرر ما اتحد المجلس كما لو تعوذ وقرأه وبهذا اندفع قول الحلبي: ينبغي أن يتعوذ في الثانية على قولهما لما أنه سنة القراءة وهي تعاد في كل ركعة.
(ولا يرفع يديه) على وجه السنة (إلا في) سبع مواطن يجمعها حروف (فقعس صمعج) لخبر (لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن) وعددها كما هنا أي: بقاع ولذا حذف التاء وقد أحسن ابن الفصيح إذ نظمها في بيت على الترتيب فقال:
فتح قنوت عيد استلم الصفاء .... مع مروة عرفات الجمرات
وهي سبع بناء على أن الصفا والمروة واحد نظرًا إلى السعي إلا أن صفته مختلفة ففي الثلاثة الأول كالتحريمة وفي الاستلام والرمي حذاء منكبيه غير أنه يجعل باطنهما نحو الحجر في الأول وفي الثاني نحو الكعبة في ظاهر الرواية وفيما عدا ذلك كالداعي وأورد على الحصر رفع اليدين في الاستسقاء للدعاء وأجيب بأنه مبني على السنن الأصلية والرفع في الدعاء من الزوائد أو أنه مستحب فقط كما في (المعراج) وبالثاني جزم في (القنية) حيث قال: المستجب أنه يرفع يديه عند الدعاء نحو إبطيه باسطًا كفيه ويكون بينهما فرجة وإن قلت، ولا يضع إحدى يديه على الأرض فإن كان به عذر أو برد فأشار بالمسبحة قام مقام كفيه ومسح اليدين على الوجه عقيبه سنة وقيل: ليس بشيء والأول أصح انتهى. والرفع في غير هذه المواضع مكروه فلو فعله في الصلاة قيل: فسدت والمختار لا (وإذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى) فجعلها بين إليتيه (وجلس عليها ونصب يمناه ووجه أصابعه) في المنصوبة (نحو القبلة) هذا وصف عائشة رضي الله عنها قعوده عليه الصلاة والسلام فكان سنة في مطلق الصلاة فما في (المجتبى) هذا في الفرض وفي النفل يجلس كيف يشاء كالمريض بعد أن الكلام في السنة ممنوع.
(ووضع يديه على فخذيه) كل يد على فخذها (وبسط أصابعه) لحديث مسلم عن ابن عمر مرفوعًا أنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك وينبغي أن يكون أطراف
وهي تتورك وقرأ تشهد ابن مسعود رضي الله عنه
ــ
الأصابع على حرف الركبة لا متباعدة عنها كذا في (الفتح) وقال الطحاوي: يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه كما في الركوع لرواية ابن عمر ذلك في (الخلاصة) ولا يأخذ الركبة هو الأصح وفيه إيماء إلى ترجيح الكيفية الأولى.
قال في (البدائع): لأن الأصابع عليها تكون موجهة إلى القبلة لا على الثانية انتهى. لكنه إنما يتم أن لو عطفت الأصابع على الركبة كذا في (البحر) ولا يخفى أن وضع اليدين عليها يستلزمه، وفي إطلاق اليسط إيماء إلى أنه لا يشير بالسبابة عند الشهادتين عاقدًا الخنصر والتي تليها محلقًا الوسطى والإبهام وهذا قول كثير من المشايخ وعليه الفتوى كما في عامة الفتاوى وجزم في (منية المفتي) بكراهته ورده في (فتح القدير) بأنه خلاف الرواية و (الدراية) ففي مسلم كان عليه الصلاة والسلام (يشير بإصبعه التي تلي الإبهام) قال محمد: ونحن نصنع بصنعه عليه الصلاة والسلام وهو قول الإمام وفي (المجتبى): لما اتفقت الروايات وعلم من أصحابنا جميعًا في كونها سنة وكذا عن الكوفيين والمدنيين وكثرت الأخبار والآثار كان العمل بها أولى وفي (التحفة): الإشارة مستحبة وهي الأصح قاله العيني.
ثم قال الحلواني: يقيم الإصبع عند النفي ويضعه عند الإثبات ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات (وهي تتورك) لأنه أستر لها (وقرأ بعد ذلك تشهد ابن مسعود) المعروف في الكتب الستة، وهي التحيات لله أي: العبادات القولية والصلوات أي: البدنية والطيبات أي: المالية فكلها لله تعالى لا لغيره قيل: إنه عليه الصلاة والسلام حياه به ليلة الإسراء بهذا فأكرمه الله تعالى بثلاث مقابلة، وهي قوله: السلام عليك أيها النبي، وهو إما بمعنى الأمان من الآفات ورحمة الله أي إحسانه، وبركاته بمعنى: زيادة/ الخيرات فأحب عليه الصلاة والسلام إعطاء سهم من هذه الكرامة لإخوانه وصالحي المؤمنين فقال: السلام علينا معاشر الأنبياء والملائكة وعلى عباد الله الصالحين من الإنس والجن وفي (الدراية) عن زين الأئمة (أن جبريل عليه الصلاة والسلام أمره أن يحيي ربه بهذه التحية ثم أجابه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) وصفه بالعبودية لأنه أشرف صفات المخلوقين إذ هي الرضا بما يفعل الرب، ولذا لم تسقط في العقبى وقدمها على الرسالة ردًا لقول اليهود
وفيما بعد الأوليين اكتفى بالفاتحة
ــ
والنصارى في عزير والمسيح وحكى الرافعي الشافعي رحمه الله أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في تشهده (وأني رسول الله) وفي (المعراج) عن (النظم) لابد أن يقصد في ألفاظ التشهد معناها التي وضعت له كأن يحيي الله تعالى ويسلم على نبيه وعلى نفسه وعلى أولياء الله تعالى أي: أنه يقصد الإنشاء بهذه الألفاظ لا الإخبار وهذا ظاهر في أن الضمير في علينا يعود على الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة قالهما النووي واستحسنه السروجي وهو أولى مما في (السراج) من أنه حكاية عن سلام الله تعالى عليه لا ابتداء السلام من المصلي. واعلم أنه قد مر أن التشهد واجب لكن بقي هل هو خصوص من تشهد ابن مسعود أو ما هو أعم منه قال في (البحر): الظاهر أن خصوصه واجب كما في (السراج) ويكره أن يزيد في هذا التشهد حرفًا أو ينقص منه أو يبتدأ بحرف قبل آخر بناء على أنها تحريمية وأقول: عبارة بعضهم بعد سرد وجوه ترجيحات تشهد ابن مسعود فكان الأخذ به أولى قال الشارح: في وجوه الترجيحات له: أنه عليه الصلاة والسلام أمره أن يعلمه الناس فيما رواه أحمد والأمر للوجوب فلا ينزل عن الاستحباب وهذا صريح في نفي الوجوب وعليه فالكراهة السابقة تنزيهية ولا كلام أن الواجب منه إلى قوله: عبده ورسوله فإن زاد عليه في الأولى بأن قال: اللهم صل على محمد فإن ساهيًا قيل: أو عامدًا سجد للسهو لتأخير القيام عن محله وقيل: لابد أن يقول: وعلى آل محمد والأول أصح.
(وفيما بعد الأوليين) أي: من الفريضة إذ الكلام فيها ولما سيأتي قال الشارح وهذا أحسن من قول القدوري وفي الأخيرين لشموله المغرب (اكتفى بالفاتحة) هذا ظاهر في وجوبها وهو رواية الحسن عن الإمام ورجحه ابن الهمام قال العيني: وهو الصحيح لكن ظاهر الرواية أنها سنة فيهما وعليه فالمعنى اكتفى بالقراءة المسنونة بالفاتحة، ولو سبح لم يكن مسيئًا لأن القراءة فيهما شرعت على سبيل الذكر حتى قالوا: إنه ينويه دون القراءة ولذا تعينت الفاتحة وشرع الإخفاء فيهما ولو سكت عمدًا أساء ولا سهو عليه في الصحيح من الروايات كذا في (الدراية) ولذا رجحه في (الذخيرة) و (المجتبى) قال في (الخانية): وعليه الاعتماد إلا أن ظاهر ما في (الذخيرة)
والقعود الثاني كالأول وتشهد وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم
ــ
و (البدائع) أنه لا يكون مسيئًا بالسكوت وأن القراءة أفضل فقط وعلى ذلك جرى الشارح ولم أر ما لو قرأ سورة غير الفاتحة وينبغي على ما في (الدراية) أن المقروء وإن ذكرًا أو تنزيهًا لا يكون مسيئًا وإلا كان قراءة سورة أبي لهب وهل يزيد عليها؟ قال في (البحر): الظاهر أنه يباح له ذلك لما في مسلم كان عليه الصلاة والسلام (يقرأ في الظهر قدر حمس عشرة آية) ولذا قال فخر الإسلام: إن السورة مشروعة في الأخريين نفلاً وفي (الذخيرة) أنه المختار وفي (المحيط) وهو الأصح وعلى ما في (الاختيار) من كراهة الزيادة على التنزيه إذ الاكتفاء بالفاتحة أولى كذا في (البحر).
وأقول: لا يخفى ما بين دعوى الإباحة وأن الترك أولى من التنافي إذ المباح ما استوى طرفاه والمندوب ما ترجح فعله على تركه. (والقعود الثاني كالأول وتشهد) في الثانية أيضًا (وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم) ولو مسبوقًا كما رجحه في (المبسوط) لكن رجح قاضي خان أنه يترسل في التشهد، قال في (البحر): وينبغي الإفتاء به انتهى.
ولعله لأنه يقضي آخر صلاته في حق التشهد وهذا ليس آخرًا فأنى يأتي بالصلاة والدعاء وسئل محمد عن كيفيتها فقال: يقول: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأخرجه البيهقي بلفظ الأمر وزاد (وارحم محمدًا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم) ومن ثم كان الأصح عدم كراهة الترحم قال في (البحر): والخلاف فيما إن كان ضمن صلاته أما الابتداء فمكروه اتفاقًا كما أفاده ابن حجر وأقول: عبارة الشارح في آخر الكتاب تقتضي أن الخلاف/ في الكل وذلك أنه قال: اختلفوا في الترحم على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول: اللهم ارحم محمدًا قال بعضهم: لا يجوز لأنه ليس فيه ما يدل على التعظيم كالصلاة.
وقال بعضهم يجوز: لأنه عليه الصلاة والسلام كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله تعالى واختاره السرخسي لوروده في الأثر ولا عتب على من اتبع وقال أبو جعفر وأنا أقول: وارحم محمدًا للتوارث به في بلاد المسملين واستدل بعضهم على ذلك بتفسير الصلاة بالرحمة واللفظان إذا استويا في الدلالة صح قيام أحدهما مقام الآخر ولذا أقر عليه الصلاة والسلام الأعرابي على قول: اللهم ارحمني ومحمدًا وخص إبراهيم إما لقوله: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} (البقرة: 129) أو لأن المطلوب منها صلاة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يتخذ بها خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً وعلى الثاني فالتشبيه ظاهر وجزم كثير بأنه راجع إلى الأول وأن قوله: وعلى آل محمد استئناف وصل مضمر وقيل: المسؤول المشاركة في أصل الصلاة لا في قدرها، وقيل: المطلوب مقابلة الجملة بالجملة فإن في آل إبراهيم خلائق من الأنبياء لا تعد وليس في آل محمد نبي فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجمل التي فيها خلائق من الأنبياء قاله النووي في (شرح مسلم) وروى ابن صبرة عن محمد بن زياد في العالمين وهي في (مسلم) وغيره، وبهذا اندفع ما في (منية المصلي) من أنه لا يقولها. اعلم أنه لا خلاف أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أمر بها في السنة الثانية من الهجرة وقيل: في ليلة الإسراء حكاهما السخاوي في (القول البديع) ثم هي فرض في العمر مرة عملاً بالأمر وعلى هذا لو صلى في أول بلوغه صلاة أجزأته الصلاة في تشهده عن الفرض ووقعت فرضًا ولم أر من نبه على هذا وقد مر نظيره في الابتداء بغسل اليدين، واجبة كلما سمع اسمه من نفسه أو من غيره لا في ضمن صلاة عليه فيما اختاره الطحاوي وصححه في (التحفة) وغيرها فيتكرر الوجوب بتكررها ولو اتحد المجلس على الأصح كما في (المجتبى).
إلا أنه في التلاوة من (الكافي) رجح الاكتفاء بمرة وأن الزائد مندوب ولا نعلم خلافًا في وجوب التنزيه عند سماع اسمه تعالى وأنه يكفيه مع التكرار ثناء واحد وفي (المجتبى) الصلاة تقضي بخلاف التنزيه فإنه لا يصير دينًا بالترك والفرق أن كل وقت محل للأداء فلا يكون محلاً للقضاء قال في (الفتح): وهذا الفرق ليس بظاهر انتهى. ولعل وجهه أنه وإن كان كل وقت محلاً إلا أن محليته في تفريغ ذمته بالقضاء أولى منه بغيره واختار الكرخي الاستحباب كلما ذكر قال السرخسي: وهو المختار للفتوى وجعله في (شرح المجمع) قول عامة العلماء والله الموفق.
تنبيه: ينبغي أن يخص من قول الطحاوي بوجوب الصلاة كلما سمع اسمه عليه الصلاة والسلام التشهد الأول فإنه يشتمل على ذكر اسمه عليه الصلاة والسلام وتكره الصلاة في هذه الحالة تحريمًا على ما مر فضلاً عن الوجوب ويلزم على قوله: أن الصلاة في قعود التشهد الثاني واجبة ولا ينافيه ما مر من أن الواجب إلى قوله: عبده ورسوله لأن ذلك من حيث التشهد وهذا من حيث الصلاة ولم أر من نبه على ذلك وها هنا فوائد الأولى قال في (المجتبى) معزيًا إلى (خزانة الأكمل): هذا في حق الأمة أما هو فلا يجب عليه أن يصلي على نفسه انتهى. بناء على أن {يا أيها الذين آمنوا} لا تتناول الرسول بخلاف {يا أيها الناس} {يا عبادي} كما عرف في الأصول: الثانية: كثر السؤال عن الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون الصلاة فأجاب
ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة
ــ
الفاكهي بأن الصلاة مؤكدة بأن وكذا بإعلامه أن الله يصلي عليه وملائكته ولا كذلك السلام فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثم ما يقوم مقامه وأجاب ابن حجر بأن الصلاة لما قدمت في اللفظ فكان للتقديم مزية في الاهتمام حسن تأكيد السلام المتأخر في الذكر لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره. الثالثة: لم أضيفت الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام، وأجاب ابن حجر أيضًا بأنه يحتمل أن السلام من التحية والانقياد فأمر به المؤمنون لصحتها منهم والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام كذا في القول (البديع) للسخاوي.
(ودعا) لنفسه ولأبويه المؤمنين والمؤمنات أما الدعاء للكافرين بالمغفرة فلا يجوز بل ادعى القرافي المالكي البهنسي أنه كفر وأن الدعاء بقولهم: اللهم اغفر للمؤمنين جميع/ ذنوبهم حرام فقد دلت الأحاديث على أنه لابد من دخول طائفة من المسلمين النار ونقله الأسنوي أيضًا عن الشيخ عز اليدين بن عبد السلام شيخ القرافي وأقرهما عليه ورده ابن أمير حاج. واعلم أنه ذكر في قواعده أن من الحرام أيضًا أن يسأل الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد وأن يسأله المستحيلات العادية كنزول المائدة إلا أن يكون نبيًا أو وليًا وأن يسأل الاستغناء عن التنفس ليسلم من الاختناق ومن ذلك أن يسأله العافية من المرض مدى الدهر وأن يقول: اللهم أعطنا خير الدنيا وخير الآخرة واصرف عنا شر الدنيا وشر الآخرة إلا أن يقصد به الخصوص إذ لابد أن يدركه بعض الشر ولو سكرات الموت ومن ذلك أن يسأل الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه كأن يقول: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا مع أنه عليه الصلاة والسلام قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأن يقول: اللهم اجعلني أول من تنشق عنه الأرض ومن ذلك اللهم قدر الخير وأن يدعوه بألفاظ الأعجمية لاشتمالها على ما ينافي جلال الله تعالى ومنه الدعاء على غير الظالم وبقوله: اللهم اسقه خمرًا أو أعنه على .... انتهى ملخصًا.
وفيه ما هو مناقش فيه والله الموفق بمنه (بما) أي: باللفظ الذي (يشبه ألفاظ القرآن) لفظًا ومعنى بكونه فيه نحو: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) وليس منه لأنه إنما أراد به الدعاء لا القراءة (والسنة) بالنصب عطفًا على ألفاظ القرآن أي: بما يشبه السنة
لا كلام الناس وسلم
ــ
والجر عطفًا على القرآن أي: ألفاظ السنة نحو ما في (مسلم): (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) لا يدعو بما يشبه كلام الناس قال في (الدراية): فسره أصحابنا بما لا يستحيل سؤاله من غير الله تعالى كأعطني كذا وزوجني امرأة وبما (لا) يشبه (كلام الناس) بما يستحيل سؤاله منهم، كقوله: اللهم اغفر لي كذا في (الأيضًاح).
وقال الفضلي: ما لا يوجد في القرآن يفسد سواء استحال سؤاله أو لا كذا في (الخبازية) انتهى. وفي (الكافي) نحو ما في (الأيضًاح) وفي (الخلاصة): والحاصل أنه إن سأل ما يستحيل من الخلق لا تفسد إذا كان في القرآن وكان مأثورًا وفي (الجامع الصغير) لم يشترط كونه في القرآن وكونه مأثورًا بل قال: إن كان لا يستحيل سؤاله من الخلق تفسد وإن كان يستحيل لا تفسد انتهى. وقد عملت أن هذا التقيد اختيار الفضلي والمذهب الإطلاق وعلى هذا فما في (الذخيرة) لو قال: اغفر لزيد ولعمرو تفسد لأنه ليس في القرآن مبني على ذلك الاختيار وكذا ما في (الظهيرية).
لو قال: اغفر لعمي ولخالي تفسد اتفاقًا وبذلك صرح في (الخلاصة) حيث قال: أو قال: اغفر لعمي أو لخالي تفسد اختيار الفضلي ودعوى الاتفاق إما مؤولة باتفاق المشايخ القائلين بهذا الاختيار أو ممنوعة بدليل ما في (المجتبى) وفي أقربائي أو أعمامي اختلاف المشايخ وإلا فلا فرق يظهر بين اغفر لعمي ولأخي وارزقني بقلاً وقثاء (ومن بقلها وقثائها) حيث فسدت في الأول لا الثاني، لأن الثاني في القرآن دون الأول ومقتضى المذهب عدم الفساد فيما يستحيل والفساد فيما لا يستحيل، وجعل في (الهداية) ارزقني من الثاني لما أن الرزق يطلق مجازًا على المخلوق ولو زاد فلانة فالأصح الفساد بخلاف ارزقني الحج فإن الأصح عدمه كارزقني رؤيتك وهذا التخريج ينبغي اعتماده قال الشارح: ومحل الفساد ما إذا لم يقعد قدر التشهد فإن قعد بعد تمت صلاته قالوا: وينبغي له أن يدعوه بما يحفظ لا بما يحضر تحرزًا عن المفسد.
(وسلم) أي: قال السلام عليكم ورحمة الله ولا يقول وبركاته كما في (المحيط) قال النووي: لأنه لم يثبت فيه شيء فكان بدعة لكن في (الحاوي) القدسي أنه مروي وأفاد العلامة الحلبي أن الراوي له أبو داود من حديث وائل بن حجر والسنة
مع الإمام كالتحريمة عن يمينه ويساره ناويًا القوم والحفظة
ــ
فيه خفض الثانية عن الأولى وخصها في (منية المصلي) بالإمام قال: ومن المشايخ من قال: يخفض الأولى أيضًا (مع الإمام) نبه على أنه تسليم مقارنًا لتسليم الإمام وهو أصح الروايتين (كالتحريمة) أي: كما أنه يحرم مقارنًا لتحريمة الإمام باتفاق الروايات ولذا جعلها مشتبهًا به وقالا: بعده قيل: الخلاف في الجواز وقيل: في الأولوية وهو الصحيح (عن يمينه) مرة (و) عن (يساره) أخرى فلو عكس سلم عن يمينه فقط ولو سها عن اليسار أتى به ما لم يخرج من المسجد وفي (السراج) أو يتكلم والصحيح أنه إن استدبر القبلة لا يأتي به كذا في (القنية) ولو تلقاء وجهه سلم عن يساره وثبت في السنة أنه عليه/ الصلاة والسلام كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر (ناويًا) حال من فاعل سلم لأن السلام على هؤلاء قربة فيحتاج إلى النية (القوم) فيه إيماء إلى أنه لا ينوي النساء لكراهة حضورهن حضرن أم لا وما في (البحر) أن المدار في النية وعدمها على حضورهن وعدمه لا يتم إلا على قول من علل العدم بالعدم وأراد بالقوم الذين معه في الصلاة لما في (مسلم): (إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله).
قال النووي: أراد به الجنس من الحاضرين عن يمينه ويساره ويلحق به من كان ورائه وأمامه دلالة لأن المقصود به التودد وأما ما قالوا من أنه لما اشتغل بمناجاة ربه صار بمنزلة الغائب وعند التحل بمنزلة من قدم من سفر فلا يفيد الاقتصار على من معه في الصلاة بل يعم كل من حضر مع أن الصحيح الذي عليه الأكثر اختصاصه بمن معه في الصلاة للخطاب وقول الحاكم أن ينوي جميع المؤمنين والمؤمنات ولو من الجن قال السرخسي: هذا عندنا في سلام التشهد لعدم الخطاب به فما في (الخلاصة) من أنه ينوي من كان معه في المسجد ضعيف كذا في (البحر) وأقول: يمكن تخريج ما في (الخلاصة) على الراجح ولفظه وينوي من كان معه في المسجد هو الصحيح فعلى هذا لا ينوي النساء في زماننا انتهى إذ المعنى من معه في الصلاة كائنًا في المسجد بدليل ما بعده وهذا أولى من الجزم بضعفه.
(والحفظة) جمع حافظ سموا بذلك إما لحفظهم أعماله فهم الكرام الكاتبون
والإمام في الجانب الأيمن أو الأيسر أو فيهما لو محاذيًا
ــ
أو ذاته من الجن وأسباب المخاطب منهم جميع من معه وعليه فلا ينوي عددًا محصور لاختلاف الأخبار في عددهم وينبغي أن يظهر أثر الخلاف في الصبي فعلى الأول لا ينوي الحفظة وينويهم على الثاني.
تتمة: قال عياض: الجمهور على أن المراد بالملائكة في قوله عليه الصلاة والسلام: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) الكرام الكاتبون، قال القرطبي: والأظهر أنهم غيرهم واختلف في محل جلوسهما فقيل الفم وأن اللسان القلم والريق المداد لخبر (نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملائكة الحافظين) وقيل: تحت الشعر على الخنك وقيل: على اليمين والشمال كما هو ظاهر النص قيل: ويفارقه كاتب السيئات عند الغائط والجماع وفي الصلاة ثم اختلف فيما يكتبانه فقيل: ما فيه أجر ووزر روي ذلك عن محمد كما في (الاختيار) واستدل على ذلك في (الكشاف) بقوله عليه الصلاة والسلام: (كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرًا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب السيئات دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر).
وقيل: كل شيء حتى أنينه في المرض واختلف في وقت محو المباح والذي عليه الأكثر وهو قول المحققين أنه يوم القيامة والأصح أن كيفية الكتابة والمكتوب فيه مما استأثر الله تعالى بعلمه. فائدة في (تفسير العلامة أحمد الكارزوني) المعروف بالأخوين الأصح أن الكافر أيضًا تكتب أعماله إلا أن كاتب اليمين كالشاهد على كاتب اليسار انتهى.
(والإمام) عطف على القوم (في الجانب الأيمن أو الأيسر) إن كان (أو) ناويًا له (فيهما) أي: في التسليمتين (لو محاذيًا) كذا رواه الحسن عن الإمام لأنه ذو حظ من الجانبين ونوى الإمام بالتسليميتين أيضًا القوم والحفظة وقصره العيني على القوم ولا وجه له يظهر وقوله في (البحر): إن قوله ناويًا القوم والحفظة يعم الإمام والمأموم سهو إذ قوله حينئذ ونوى الإمام تكرار تخص نعم قد قيل: إنه لا ينوي القوم استغناء بإشارته إليهم بالسلام والأصح أنه يويهم وعلم من كلامه أن المنفرد ينوي الحفظة لا غير
وجهر بقراءة الفجر وأوليي العشاءين ولو قضاء والجمعة والعيدين ويسر في غيرها كمتنفل بالنهار وخير المنفرد فيما يجهر
ــ
وقدم القوم على الملائكة هنا وفي (الجامع) وعكس ذلك في (المبسوط)، وكلاهما واحد إذ الواو لا تفيد ترتيبًا كذا في (الشرح) وأيضًا النية عمل القلب وهي تنتظم الكل بلا ترتيب لكن قال فخر الإسلام: للبداءة أثر في الاهتمام ولذا قال أصحابنا في الوصايا بالنوافل: إنه يبدأ بما بدأ به الميت فما في (الجامع) الذي هو آخر المصنفين دال على أن مؤمني البشر أفضل من الملائكة.
قال في (المحيط): وهذا أي: تفضيل الجملة على الجماعة قول بعض أهل السنة والمختار عندنا أن خواص بني آدم وهم الأنبياء والمرسلون أفضل من جملة/ الملائكة وعوام بني آدم وهم الأتقياء أفضل من عوام الملائكة وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم والمراد الأتقياء من الشرك بدليل ما في (الروضة) أجمعت الأمة على أن الأنبياء أفضل الخليقة وأن نبينا عليه الصلاة والسلام أفضلهم وأن أفضل الخلائق بعد الأنبياء الملائكة الأربعة وحملة العرش والروحانيون، وأن الصحابة والتابعين والشهداء والصالحين أفضل من سائر الملائكة واختلفوا بعد ذلك.
قال الإمام: سائر الناس أفضل من سائر الملائكة وقالا: سائر الملائكة أفضل والله أعلم. وجهر أي: الإمام لقوله بعد: وخير المنفرد لكن بحسب الجماعة فإن زاد عليه أساء قال في (الخلاصة) ولو اقتدى بعدما قرأ الفاتحة أو بعضها يعني سرًا أعادها (وجهرا بقراءة صلاة الفجر وأوليي العشاءين) أي المغرب والعشاء (ولو) كان المصلي (قضاء) لما أنه يحكي الأداء.
(و) يجهر أيضًا بقراءة (الجمعة والعيدين) والتراويح والوتر في رمضان للتوارث (ويسر) بالقراءة (في غيرها) من أخيرتي العشاء وثالث المغرب وصلاة النهار (كمتنفل) أي: كما يسر المتنفل (بالنهار) بلا خلاف (وخير المنفرد فيما يجهر) فيه بين الجهر والإخفاء أداء كان أو قضاء هو الأصح ورجح في (الهداية) أنه يخافت في القضاء حتمًا، قيد بالمنفرد لأن الإمام لا يخير فيما يجهر كما لا يخير فيما يسر فيه على الأصح.
وفي (مختصر عصام) أنه يخير وجعله في (العناية) ظاهر الرواية استدلالاً بعدم وجوب السهو عليه لو جهر ساهيًا وفيه نظر لأنه إنما وجب على الإمام لعظم جنايته بارتكابه الجهر والإسماع بخلاف المنفرد كذا في (الشرح)، قال في (الفتح): وفيه نظر ظاهر لأنا لا ننكر أن واجبًا قد يكون آكد من واجب لكن لم ينط سجود السهو إلا
كمتنفل بالليل ولو ترك السورة في أولى العشاء قرأها في الأخريين
ــ
بترك الواجب لا بآكد الواجبات فحيث كانت المخافتة واجبة على المنفرد ينبغي أن يجب بتركها سجود السهو (كمتنفل) أي: كما خير المتنفل المنفرد (بالليل) بين الجهر والإخفاء والجهر أفضل ما لم يؤذ نائمًا ونحوه والتقييد بالمنفرد لابد منه لوجوب الجهر في التراويح على الإمام وكان المصنف استغنى عن التقييد لكون الكلام فيه، ولم أر من عرج على هذا من شراح هذا الكتاب قيد بالقراءة لأن الأذكار التي لا يقصد بها الإعلام لا يجهر فيها بل يسر كالتشهد والتأمين والتسبيحات ومنه القنوت في اختيار صاحب (الهداية).
وقال غيره يجهر به هذا واختلف في حد الجهر والإخفاء فاختار الكرخي أنه إسماع نفسه والمخافتة تصحيح الحروف قالوا: وإلى ذلك أشار محمد في (الأصل) عند إعطاء حكم تخيير المنفرد في الجهرية حيث قال: إن شاء قرأ في نفسه وإن شاء جهر فأسمع نفسه قال في (البدائع): وهذا أصح وأقيس وصرح محمد في (الآثار) بأنه إذا حرك شفتيه بالاستثناء فقد استثنى، وهو قول أبي حنيفة واختار الهندواني ونسبه في (الذخيرة) إلى الحلواني أن الجهر إسماع غيره والمخافتة إسماع نفسه زاد في (المجتبى) أو من يقربه وعليه أكثر المشايخ وهو الأصح وإذا علمت هذا فما في (الخلاصة) لو قرأ في المخافتة بحيث سمع رجل أو رجلان لا يكون جهرًا والجهر أن يسمع الكل مشكل وجعله في (المعراج) قول الفضلي وكأنه اختيار له ويتخرج على الخلاف كل ما يتعلق بالنظق كالطلاق والعتاق والاستثناء وتسمية الذبائح وسجود التلاوة والبيع وقيل: الصحيح في البيع أنه لابد أن يسمع المشتري كذا في (الفتح). أقول: ينبغي أن يكون كذلك في كل ما يتوقف تمامه على القبول ولو غير مبادلة كالنكاح.
(ولو ترك) المصلي قراءة (السورة في أولى العشاءين) مثلاً عمدًا كان أو سهوًا وخصهما وإن كان الظهر كذلك لقوله بعد جهرًا (قرأها في الأخيرين) تبع (الجامع الصغير) بالإخبار الجاري من المجتهد مجرى إخبار الشارع الذي هو آكد من الأمر دلالة على الوجوب وهو الأصح كما في (غاية البيان) وصرح في (الأصل) بالاستحباب قال في (الفتح): ولا يخفى أنه أصرح فيجب التعويل عليه في (الدراية)، وكون الإخبار آكد رده في (البحر) بأنه في إخبار الشرع لا في غيره ولا يخفى أن أمر المجتهد ناشيء عن أمر الشارع فكذا إخباره، نعم، قال في (الحواشي السعدية): إنما
مع الفاتحة جهرًا ولو ترك الفاتحة لا وفرض القراءة آية
ــ
يكون دليلاً إذا كان مستعملاً في الأمر الإيجابي وهو ممنوع لم لا يجوز أن يكون المراد الاستحبابي وتكون القرينة عليه ما في الأصل كما أريد بما مر من قوله: افترش رجله اليسرى ووضع يديه على فخذيه. وأمثال ذلك (مع الفاتحة) فيه إيماء إلى أنها واجبة أيضًا وقيل: لا يجب كذا في (البحر) وينبغي ترجيحه وإلى أنه يقدم الفاتحة وقيل: السورة لالتحاقها بالأوليين والأول أشبه ولو نسي الفاتحة فقرأ السورة قرأ الفاتحة ثم السورة وعن الثاني يركع/ والأول اظهر (جهرًا) هذا ظاهر الرواية عن الإمام وهو الصحيح وغير رواية إنما يجهر بالسورة فقط قال التمرتاشي: وهو الصحيح وصرح شيخ الإسلام بأنه الظاهر من الجواب ولا يكون جمعًا للالتحاق وهذا عندهما وقال الثاني: لا يقضيها.
(ولو ترك) قراءة (الفاتحة) في الأوليين (لا) يقرأها في الآخرين والفرق أن قراءة الفاتحة شرعت على وجه يترتب عليها السورة فلو قضاها في الأخريين ترتبت الفاتحة على السورة وهو خلاف الموضوع بخلاف ما إذا ترك سورة لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع.
(وفرض القراءة) في الصلاة (آية) وهي لغة العلامة إما على صدق من أتى بها أو على انقطاع ما بعدها وما قبلها عنها وعرفًا كما قال الجعبري قرآن مركب من جمل ولو تقديرًا ذو مبدأ أو مقطع مندرج في سورة، قال في (البحر): وفي بعض (حواشي الكشاف) أنها طائفة من القرآن مترجمة أقلها ستة أحرف ويرد عليه {لم يلد} .
وأقول: قد قيل: بأن الآية هي وما بعدها سورة، ثم قيل: إن آي الإخلاص أربع وقيل: خمس فيجوز أن يكون ما في (الحواشي) بناء على الأول وفي (شرح المصابيح) لزين العرب إنها تقال لكل جملة دالة على حكم من أحكامه تعالى ولكل كلام منفصل عما قبله وبعده بفصل توقيفي آية وكونها توقيفية هو الأصح قال الزمخشري ولذا عدو {ألم} و {المص} آية دون {ألم} و {الر} ثم كون الفرض ما ذكر هو ظاهر الرواية وعن الإمام أنه ما ينطلق عليه اسم القرآن ولم يشبه قصد خطاب أحد قال القدوري: وهو الصحيح من مذهب الإمام وعنه أنه ثلاث آيات قصار أو آية طويلة وبه قالا وهو أحوط كذا في (الأسرار) وقيل: الخلاف مبني على أن الحقيقة المستعملة
وسنتها في السفر الفاتحة وأي سورة شاء
ــ
عنده أولى من المجاز المتعارف وعندهما بالعكس قال في (الدراية): وفيه تأمل ووجهه أنه منع ما دون الآية بناء على عدم كونه قارئًا عرفًا وأجاز الآية لأنه يعد بها قارئًا عرفًا فالحق أن مبنى الخلاف في قيام العرف في عده قارئًا بالقصيرة نعم ذلك مبناه على رواية (القدوري) كذا في (الفتح).
وأثر الخلاف يظهر فيمن لا يحسن إلا آية واحدة يلزمه التكرار عندهما ثلاثًا لا عنده، أما المحسن ثلاثًا لو كرر واحدة ثلاثًا ففي (المجتبى) أنه لا يتأدى به الفرض عندهما وحكى في (الخلاصة) اختلاف المشايخ على قولهما ثم إطلاق المصنف يفيد عدم الفرق بين ما هي كلمات نحو (فقتل كيف قدر) وكلمتين نحو (ثم نظر) أو كلمه اسمًا أو حرفًا نحو (مد هامتان) (ص) (ق) (ن) إذ هي آيات عند بعض القراء وفي الثالث خلاف السرخسي والأصح أنه لا يجوز لأنه يسمى عادًا قال في (البحر): وهو مسلم في نحو صاد لعدم انطباق تعريف الآية عليه أما (مد هامتان) فالمذكور في (البدائع) وغيرها الجواز على قول الإمام من غير ذكر خلاف وأقول: هذا ظاهر في أنه فهم المنع في (مدهامتان) على قوله لعدم كونها آية وهو ممنوع بل لأنه لابد من قدر زائد على ذلك وهو كونه قارئًا عرفًا كما يفصح عن ذلك تعليله لكن في (التجنيس) ذكر السرخسي أن الأشبه الجواز في (ص) و (ن) و (مد هامتان) بالأولى والأول أولى وكون (ص) حرف غلط بل الحرف مسمى ذلك وليس المقروء وهو الاسم صار كلمة كذا في (الفتح).
وفي (الحواشي السعدية): لعله باعتبار الكتابة هو صورة الحرف ولو اقتصر على نصف آية طويلة فإن العامة على الجواز لأن بعض هذه الآيات تزيد على ثلاث آيات قصار وهذا يومئ إلى أن النصف ليس قيدًا.
تنبيه: قد عرف بما ذكرنا أن حفظ قدر ما يجوز به الصلاة من القرآن فرض عين والفاتحة وسورة واجب وأما حفظ جميع القرآن ففرض كفاية كذا في (المضمرات) وأما المسنون سفرًا وحضرًا فسيأتي والمكروه نقص شيء من الواجب قال في (الفتح): وحيث كانت هذه الأقسام ثابتة في نفس الأمر فما قيل: لو قرأ البقرة ونحوها وقع الكل فرضًا كإطالة الركوع والسجود مشكل إذ لو كان كذلك لم يتحقق قدر القراءة إلا فرضًا فأين باقي الأقسام انتهى وجوابه أن هذه الأقسام بالنظر إلى ما قبل الإيقاع.
(وسنتها في السفر) قراءة (الفاتحة وأي سورة شاء) لخبر أبي داود وغيره أنه عليه
وفي الحضر طوال المفصل
ــ
الصلاة والسلام (قرأ في الفجر في السفر بالمعوذتين) وإذا كان السفر قد أثر في شطر الصلاة فتأثيره في تخفيف القراءة أولى ولو قال المصنف بعد الفاتحة أي سورة شاء لكان أولى إذ كلامه بظاهره يفيد/ أن قراءة الفاتحة سنة وليس بالواقع هذا إذا كان على عجلة وفرار فإذا كان في أمنة وقرار قرأ في الفجر بنحو سورة البروج وانشقت لإمكان مراعاة السنة مع التخفيف كذا في (الهداية) وعليه جرى الشارح وغيره فقال في (منية المصلي): والظهر كالفجر وفي العصر والعشاء دون ذلك ورده في (البحر) بأنه لا أصل له يعتمد عليه في الرواية و (الدراية) أما الأول فلأن إطلاق المتون تبعًا (للجامع الصغير) يعم حالة القرار أيضًا وأما الثاني فلأنه إذا كان على أمن صار كالمقيم فينبغي أن يراعي السنة والسفر وإن كان مؤثرًا في التخفيف لكن التحديد بقدر سورة البروج لابد له من دليل ولم ينقل وكونه عليه الصلاة والسلام قرأ في السفر شيئًا لا يدل على سنيته إلا لو واظب عليه ولم يوجد انتهى.
وأقول: القراءة من المفصل سنة والمقدار الخاص منه أخرى وقد أمكن مراعاة الأولى فأي مانع من الإتيان بهما. وهكذا ينبغي أن يفهم قول (الهداية) لإمكان مراعاة السنة مع التخفيف ويدل على ذلك قول شراحها (بالنهاية) وغيرها فإن قلت: إذا كان في أمنة وقرار كان هو والمقيم سواء في أنه لا مشقة عليه في مراعاة سنة القراءة بالتطويل والمقيم يقرأ في الفجر بأربعين إلى ستين. قلت: قيام السفر أوجب التخفيف والحكم يدور مع العلة لا مع الحكم ألا ترى أنه يجوز له الفطر وإن كان في أمنة وقرار وبهذا علم أن ذكر نحو البروج والانشقاق ليس لعدد آياتهما بل لأنهما من طوال المفصل فاندفع به قوله: إن التحديد بسورة البروج لا دليل عليه ودعوى أن السنة لا تثبت إلا بالمواظبة إن أريد مطلقها منعناه أو المؤكدة فبعد تسليمه ليس مما الكلام فيه وإقرار شراح (الهداية) على ما فيها وجزم الشارح به وغيره دليل على تقييد ذلك الإطلاق.
(وفي الحضر) أي: الإقامة في حق الإمام وكذلك المنفرد كما في (القنية) و (المجتبى)، والناس عنه غافلون (طوال) بكسر الطاء وضمها وقال ابن مالك: بالكسر لا غير جمع طويل وبالضم الرجل الطويل وبالفتح المرأة (المفصل) سمي به لكثرة فصوله واختلف في أوله والأكثر على أنه من القتال كذا في (القنية) وقيل: من
لو فجرًا أو ظهرًا وأوساطه لو عصرًا وعشاء وقصاره لو مغربًا وتطال أولى الفجر فقط
ــ
قاف وقال الحلواني وغيره: من الحجرات وهذا الذي عليه أصحابنا كذا في (البحر) إلى البروج فأوساط إلى (لم يكن) فقصار. وقيل: إلى عبس فأوساط إلى الضحى فقصار إلى آخره، ولا يخفى دخول الغاية في المغيا هنا (لو) كان الذي يصليه (فجرًا أو ظهرًا) هذا مخالف لما في (منية المصلي) أن الظهر كالعصر لكن الأكثر على ما عليه المصنف (وأوساطه) جمع وسط محرك السين (لو) كان الذي يصليه (عصرًا وعشاء وقصاره) بكسر القاف جمع قصيرة ككريمة وكرام (لو) كان الذي يصليه (مغربًا) هكذا ورد كتاب عمر إلى أبي موسى وسكت عن قدر المقرر.
وفي (الجامع الصغير) يقرأ في الفجر في الركعتين سورة الفاتحة وقدر أربعين أو خمسين واقتصر في (الأصل) على الأربعين وفي (المجرد) ما بين الستين إلى المائة والكل ثابت من فعله عليه الصلاة والسلام فقيل: ما في (المجرد) محمول على الراغبين وما في (الأصل) على الكسالى والضعفاء أو ما في (الجامع) على الأوساط ورده في (الفتح) بأنه لا يجوز حمل فعله عليه الصلاة والسلام مع أصحابه على ذلك إذ لم يكونوا كسالى. أقول: يجوز أن يراد بالكسالى الضعفاء ولا ينكر أنه عليه الصلاة والسلام كان في أصحابه في بعض الأحيان الضعفاء فجاز أنه كان يراعي حالهم إذا صلوا معه وقيل: ينظر إلى طول الليالي وقصرها وكثرة الأشغال وقلتها وقيل: يقرأ في الآيات القصار مائة وفي الأوساط خمسين وفي الطوال أربعين ويقرأ في العصر والعشاء خمسة عشر في الركعتين في ظاهر الرواية كذا في (شرح الجامع) لقاضي خان وجزم به في (الخلاصة) وفي (المحيط) وغيره يقرأ عشرين وفي المغرب خمس آيات في كل ركعة قال في (الفتح): وهذا وما قبله أولى ما يحمل عليه اختلاف فعله عليه الصلاة والسلام وكأنه إنما كان أولى فقط لما عملت وإلا فيقتضي عدم جواز الأول أن لا يكون الثاني والثالث أولى فقط.
(وتطال أولى) صلاة (الفجر) على الثانية بقدر الثلث كما في (الكافي) وفي (الخلاصة) بقدر النصف هذا في الإمام أما المنفرد فيقرأ ما شاء وفي (المجرد) والأفضل أن يفصل كالإمام وأفاد بقوله: (فقط) أن أولى غيره لا تطال ولمام تطال ولمام جاز أن يكون الفجر مثالاً أردفه بقوله فقط دفعًا لهذا الوهم وتنصيصًا على محل الخلاف وذلك أنهما قالا: بأن غيره لا تطال أولاه قال محمد: تطال في كل الصلوات وقوله أحب كما في (الخلاصة) وفي (المعراج) وعليه الفتوى لا فرق في ذلك بين الجمعة والعيدين وغيرهما/.
وقيل: يسوي في الجمعة والعيدين إجماعًا تبدأ بالأولى لأن إطالة الثانية بثلاث
ولم يتعين شيء من القرآن لصلاة
ــ
آيات لا بأقل مكروه إجماعًا قال في (البحر): ويشكل عليه ما أخرجه الشيخان إِن عليه الصلاة والسلام (كان يقرأ في الأولى الجمعة والعيدين بالأعلى وفي الثانية بالغاشية) وهي أطول من الأولى بأكثر من ثلاث آيات وأجاب بأن الكلام في غير ما وردت به السنة انتهى وفي (القنية) قرأ في الأولى من المغرب بالعصر وفي الثانية بالهمزة لم يكره ثم ومن يكره لأن الأولى ثلاث آيات والثانية تسع وتكره الزيادة الكثيرة وما روى أنه عليه الصلاة والسلام (قرأ في الأولى من الجمعة بالأعلى وفي الثانية بالغاشية) تزاد الثانية سبعًا لكن السبع في السمو والطوال يسير دون القصار لأن فيها ضعف الأصل والسبع ثمة ضعف أقل من نصفه وأشار إلى أن الكلام في الفرائض أما النوافل والسنن فلا يكره إطالة الثانية فيها على الأولى كذا اختاره أبو اليسر وجرى عليه في (خزانة الفتاوى).
لكن جزم في (المحيط) وغيره بالكراهة ولا يخفى أن التسوية أولى (ولم يتعين شيء من القرآن لصلاة) بحيث لا يصح بغيره خلافًا للشافعي في تعينه الفاتحة كذا في الشرح واستثنى العيني الفاتحة مدعيًا أن ذكر خلاف الشافعي في هذا المقام غير موجه لما أنها متعينة إجماعًا إنما الخلاف في جهة التعيين فعنده الفريضة وعندنا الوجوب ولا يخفى أن المتبادر من تعيين شيء لشيء أداه اختصاصه به بحيث لا يصح بغيره فما في الشرح أوجه وإذا لم يعين الشارع عليه شيئًا تيسيرًا كره أن يعين كالسجدة والإنسان لفجر الجمعة لما فيه من هجر الباقي وإيهام التفضيل كذا في (الهداية).
وقيده الإسبيجابي وغيره بما إذا رآه حتمًا لا يجوز غيره أو يكره أما لو كان للتيسير عليه أو تبركًا بالمأثور فلا يكره بشرط أن يقرأ غيرهما أحيانًا كيلا يظن أن غيرهما لا يجوز قال في (الفتح): ولا تحرير في هذه العبارة بعد العلم بأن الكلام في المداومة والحق أنها مطلقًا مكروهة سواء رآه حتمًا يكره غيره أو لا إذ دليل الكراهة وهو إيهام التفضيل لم يفصل ومقتضى الدليل عدم المداومة لا المداومة على العدم كما يفعله حنفية العصر بل يستحب قراءة ذلك أحيانًا ولذا قالوا: السنة أن يقرأ في ركعتي الفجر بالكافرون والإخلاص وظاهر هذا إفاده المواظبة إذ الإيهام متفق بالنسبة
ولا يقرأ المؤتم بل يستمع وينصت وإن قرأ آية الترغيب أو الترهيب
ــ
إلى المصلي نفسه قال في (البحر): وهذا مبني على أن العلة إيهام التعيين أما على ما علل به المشايخ من هجر الباقي فلا فرق في كراهة المداومة بين المنفرد والإمام والسنة والفرض وأقول: قد علل المشائخ بهما كما قدمناه عن (الهداية) والظاهر أنهما علة واحدة لا علتان وبهذا يتجه ما في (الفتح)(ولا يقرأ المؤتم) أي: لا يحل له ذلك مطلقًا قال في (الخلاصة): واختلف المشايخ في الكراهة في السوية فقيل لا يكره وإليه مال أبو حفص الكبير وقيل هذا قول محمد وعندهما يكره والأصح الكراهة كما في (الذخيرة).
قال في (الفتح): والحق أن قول محمد كقولهما إذ عبارته في كتبه مصرحة بالتجافي عن خلافه ففي كتاب (الآثار) قال محمد لا ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات التي يجهر فيها أو يسر بذلك جاءت عامة الأخبار وهو قول أبي حنيفة فما في (الهداية) يستحسن أي قراءة الفاتحة في السرية احتياطًا فيما يروى عن محمد ويكره عندهما ضعيف (بل يستمع) قراءة الإمام إذا جهر بالقراءة (وينصت) إذا أسر لقوله تعالى:} فاستمعوا له وأنصتوا {(الأعراف: 204) إذ الخطاب للمقتدي في قول أكثر المفسرين ولما كان عدم قراءة المؤتم لا يلزم منهما الاستماع لجواز أن أردفه بقوله بل يستمع. اعلم أن وجوب الاستماع لا يخص المقتدي ولا كون القارىء إمامًا بل في كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقًا، قال في (الخلاصة): رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهرًا والناس نيام يأثم وهذا صريح في إطلاق الوجوب ولأن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب كذا في (فتح القدير) وفي (البيضاوي) ظاهر الآية يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقًا.
(وإن قرأ) الإمام (آية الترغيب) في ثواب الله (أو) آية (الترهيب) من عقابه هذا أولى من قول بعضهم في الجنة أو النار ذلك لأن الله تعالى وعده بالرحمة إذا استمع ووعده حتم وإجابة دعاء المتشاغل بخير مجزوم به وكذا الإمام لا يشتغل بغير قراءة القرآن سواء أم في الفرض أو النفل أما المنفرد ففي الفرض/ كذلك وفي النفل يسأل
أو خطب أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم والنائي كالقريب.
ــ
الجنة ويتعوذ من النار عند ذكرهما ويتفكر في آية المثل وقد ذكروا فيه حديث حذيفة وأنه صلى معه عليه الصلاة والسلام فما مر بآية فيها ذكر الجنة إلا سأل فيها وما مر بآية فيها ذكر النار إلا تعوذ، وهذا يقتضي أن الإمام يفعله في النافلة وهم صرحوا بالمنع إلا أنهم عللوا بالتطويل على المقتدي فعلى هذا لو أم من يطلب منه طلب ذلك فعله يعني في التراويح والكسوف وإلا فالتجمع في النافلة مكروه في غيرهما وخطب وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم نبه بذلك على وجوب الاستماع في الثانية أيضًا قيل إلا إذا قرأ آية الأمر بالصلاة فيصلي في نفسه أى سرًا إنما إن إطلاقه يقتضي عدمه قال في (الفتح): وهو الأشبه ودل كلامه أنه لو كتب حالة الخطبة كره أيضًا وهو الأصح كما في (السراج) والحاصل أنه لا يأتي بما يفوت به الاستماع فلا يشمت عاطسًا ولا يرد سلامًا. واعلم أن ظاهر تركيبه يعطي أن خطب معطوف على قرأ وهو فاسد معنى لاقتضائه وجوب الإنصات قبل الخطبة لأن المعنى حينئذ يجب عليهما الإنصات فيها وإن قرأ آية الترغيب أو الترهيب أو خطب وأيضًا يقتضي أن الخطبة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الصلاة وليس مرادًا وأجاب العيني بأن فاعل قرأ هو الإمام وخطب هو الخطيب وهو في حالة الخطبة غير الإمام فيكون من عطف الجمل ولا يلزم ما ذكر وأجاب ملا خسرو بأن المؤتم بمعنى من شأنه أن يأتم.
وقوله (أو خطب) عطف على قرأ المحذوف والمعنى لا يقرأ المؤتم إذا قرأ إمامه بل يستمع وينصت وإن قرأ آية ترغيب أو ترهيب فلا يقرأ المؤتم إذا خطب إمامه (أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم) بل يستمع وينصت وإن قرأ آية ترغيب أو ترهيب وأجاب في (البحر) بأن الضمير في قرأ وخطب وصلى راجع إلى الإمام استعمل في حقيقته ومجازه فبالنسبة إلى قرأ حقيقة وبالنسبة إلى خطب وصلى مجاز باعتبار ما يؤول إليه ويجوز الجمع بينهما عند كثير من العلماء انتهى وأنت خبير بأن ما قاله العيني إنما يتم على التجوز في المؤتم ويلزم على ما قاله خسرو التجوز في الإمام أيضًا وتقييد منع المؤتم عن القراءة بما إذا خطب مع أنه ممنوع بمجرد خروجه للخطبة وكأنه رحمه الله لم يطلع على ما أسلفناه (والنائي) أي: البعيد عن الخبر بحيث لا يسمع الخطبة (كالقريب) منه على المختار فيجب عليه الإنصات وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب الجمعة انتهى.
خاتمة في مسائل القراءة: قرأ سورة في ركعتين فالأصح أنه لا يكره لكن لا ينبغي أن يفعل ولو فعل لا بأس به
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا لو قرأ وسط سورة أو آخرها في الأولى وفي الثانية كذلك من أخرى فلا بأس به إلا أنه لا يفعله
وفي (القنية): قرأ خاتمة السورة في ركعتين مكروه اتفاقًا وفي نسخة الحلواني قال بعضهم يكره وفي (الفتاوي): القراءة في ركعتين من آخر السورة أفضل أم سورة بتمامها العبرة للأكثر وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة واحدة لا آخر سورتين فإنه مكروه عند الأكثر ولا بأس بأن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية كما روي ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام كذا في (الشرح) وجزم في (القنية) بالكراهة والظاهر أنها تنزيهية ولفظ لا بأس لا ينافيها ويحمل فعله عليه الصلاة والسلام على بيان الجواز هذا إذا لم يضطر فإن اضطر بأن قرأ في الأولى قل أعوذ برب الناس أعادها في الثانية إن لم يختم القرآن في ركعة فإن فصل قرأ في الثانية من البقرة كذا في (المجتبى) ولا ينبغي أن يجمع بين سورتين في ركعة فإن فعل فلا بأس وحكي في (القنية) قولين في الكراهة وعدمها والانتقال من أي سورة إلى أخرى أو من هذه السورة إلى غيرها وبينهما آيات مكروه وكذا الجمع بين سورتين بينهما سور أو سورة في ركعة أما في ركعتين فإن كان بينهما سورتان لا يكره أو سورة قيل يكره وقيل لا يكره ولو قرأ في الأولى سورة وفي الثانية ما فوقها كره فإن جرى ذلك على لسانه فتذكر قطع وابتدأ وقيل يتمها كذا في (القنية) ثم قال قرأ في الأولى الكافرون وابتدأ في الثاني} ألم تر كيف {(الفيل: 1) أو} تبت {(المسد: 1) ثم ذكر يتم هذا في الفرائض أما في النوافل فلا يكره شيء من ذلك كذا في (الخلاصة) والله الموفق بمنه وكرمه.