الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة المسافر
من جاوز بيوت مصره مريدًا
ــ
باب صلاة المسافر
السفر عارض مكتسب كالتلاوة، إلا أنها عارض هو عبادة في نفسه إلا بعارض، والسفر عارض مباح إلا بعارض فأخر، وهذه الإضافة من إضافة الشيء إلى شرطه، أو محله، ويجمع على أسفار، سمي بذلك لأنه يسفر، أي: يكشف عن أخلاق الرجال وسافر بمعنى سفر، وهو لغة: قطع المسافة مطلقًا، وليس كل قطع به تتغير الأحكام بل هو خاص، وهو ما سيأتي.
(من جاوز بيوت مصره) من الجانب الذي خرج منه، وإن لم يجاوزها من الجانب الآخر كما في (الأصل)، ويدخل في بيوت المصر ربضه، وهو ما حول المدينة من بيوت ومساكن.
وأما القرية المتصلة بالربض فظاهر كلامه أنه لا يشترط مجاوزتها، وصحح الشارح بقرب المصر لا. يقصر وإلا قصر، والمختار أنه يقصر فيهما؛ لأنه جاوز الربض، ومتى جاوز الربض فقد جاوز البلد، وكلامه يعطي عدم اشتراط مجاوزة الفناء فكان ينبغي اشتراطه؛ لأنهم لما جوزوا الجمعة والعيدين فيه فقد ألحقوه بالمصر، وأجاب في (الدراية): بأنه إنما ألحق بالمصر فيما هو من حوائج أهله المقيدين لا مطلقًا، وفي (الخانية): إن كان بينه وبين المصر أقل من غلوة ولم يكن بينهما مزرعة اشترطت مجاوزته، وإلا فلا.
(مريدًا) أي: قاصدًا نبه بذلك على أنه لو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع المسافة لا يترخص، وعلى هذا قالوا: لو خرج الأمير في طلب العدو بجيش ولم يعلم أين يدركهم لا يقصر في الذهاب، وإن طالت المدة، أما في الرجوع، فإن كانت مدة سفر قصر، ولو أسلم حربي، فلما علم به أهل داره هرب منهم مسيرة ثلاثة أيام لم يصر مسافرًا، وإن لم يعلموا به أو علموا، ولم يخشهم فهو على إقامته، ثم الإرادة إنما تكون من الأهل، فلو خرج صبي ونصراني قاصدين مسيرة سفر فلما سافرا بعض الطريق بلغ الصبي وأسلم النصراني والباقي أقل من ثلاثة قصر النصراني دون الصبي بناء على اعتبار نيته في المختار كما في (الخلاصة).
وفي (التجنيس): لو افتتح الصلاة في السفينة حال إقامته في طرف البحر فنقلها
سيرًا وسطًا ثلاثة أيام في بر، أو بحر، أو جبل، قصر الفرض الرباعي
ــ
الريح وهو في السفينة ونوى السفر يتم صلاة المقيم عند أبي يوسف خلافًا لمحمد. (سيرًا وسطًا ثلاثة أيام). قال الشارح: وسطًا صفة لمصدر محذوف العامل فيه السير المذكور، لأنه مقدر بأن والفعل تقديره مريدًا؛ أن يسير سيرًا وسطًا في ثلاثة أيام، ومراد التقدير لا أن يسير فيها سيرًا وسطًا، ولا أن يريد بذلك السير، انتهى. أو دعاه إلى ذلك أنه ليس في الكلام ما يعمل في ثلاثة؛ إذ لا يصح أن يكون العامل مريدًا؛ لأنه/ حينئذ يكون مفعولاً به، والمعنى إنما هو على الظرفية ولا سيرًا لأن المصدر إذا وصف لا يعمل فتعين ما قال، لكن قال العيني: إن هذا التكلف مستغنى عنه بأن يكون سيرًا مفعول مريدًا ووسطًا، وثلاثة أيام صفتان له، أي: كائنًا في ثلاثة أيام، لأنه لا ترخص إلا إذا أراد السير الوسط المقدر بثلاثة أيام، وأراد بالوسط سير الإبل، ومشي الأقدام، وكون الرياح معتدلة في البحر، حتى لو أسرع يريده فقطع ما يقطع بالسير المعتاد في ثلاثة في أقل منها قصر، والتقدير بثلاثة أيام هو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعامة مشايخنا قدره بالفراسخ، ثم اختلفوا فقيل: يعتبر أحد عشر فرسخًا، وقيل: خمسة عشر، والفتوى على ثمانية عشر، كذا في (الدراية)، فهو على التقدير بالأيام، فيعتبر كونها من أقصر أيام السنة، ولم يقل ولياليها كما في (الجامع الصغير)؛ لأن ذكر الأيام يستتبع ما بإزائها من الليالي.
وقوله في (الينابيع): المراد بالأيام النهار؛ لأن الليل للاستراحة، فلا يعتبر لا يريد به أنه لا يعتبر قصده كما قد توهم، بل لا يعتبر السير فيه، وقد أفصح عن ذلك ما في (المحيط) وغيره من أن المسافر لا بد له من النزول لاستراحة نفسه ودابته فلا يشترط أن يسافر من الفجر إلى الفجر، لأن الدابة لا تطيق ذلك فالآدمي أولى، فالتحقت مدة الاستراحة بمدة السفر ضرورة؛ إذ لو لم يشترط قصدها لما احتيج إلى إلحاقها، واختلف في اشتراط استغراق النهار بالسير، والأصح عدمه حتى لو بكر في اليوم الأول ومشى إلى الزوال، ثم في الثاني والثالث كذلك قصر وهذا أيضًا يؤيد ما قلنا، فتدبر.
(في بر أو بحر أو جبل) واقعًا ذلك السير في ما ذكر، وفصله إيماء إلى أن الثلاثة أيام تعتبر في كلٍّ على حدة، فيعتبر في البحر أيضًا ثلاثة أيام معتدلة الأرباح، وكذا في الجبل ثلاثة أيام أيضًا.
(قصر لفرض الرباعي) هذا أعني تسميته قصرًا مجاز لما أن فرض المسافر ركعتان حتى لا يجوز له الإتمام، ولو قال: صلى الفرض الرباعي ركعتين لكان أولى، قيد بالفرض لأنه لا قصر في الوتر والسنن، كذا في (البحر). وهذا يومئ إلى أن
فلو أتم وقعد في الثانية صح وإلا لا حتى يدخل مصره، أو ينوي إقامة نصف شهر ببلد أو قرية لا بمكه ومنى .......
ــ
المراد الاعتقادي، ذلك أن تقول: أراد به العملي ويخرج بالرباعي الثلاثي، ولو وترًا والثنائي، واختلف فيما هو الأولى في السنن فقيل: الإتيان بها، وقيل: عدمه والمختار: أنه يأتي بها إن كان على أمن وقرار، لا على عجلة وفرار، كذا في (التجنيس)، ولو جعلت شقي هذا القول محمل القولين لارتفع الخلاف.
(فلو أتم) بأن صلى أربعًا (وقعد) قدر التشهد (في) الركعة (الثانية صح) فرضه، والزائد نفل كالفجر، لكنه مسيء لتأخير السلام (وإلا) أي: وإن لم يقعد هذا المقدار (لا)، أي: لا يصح فرضه؛ لأنه خلط الفرض بالنفل قبل إكماله؛ إذ بقي عليه القعدة الأخيرة، وأفاد أنه لو ترك القراءة في الأوليين أو في أحدهما فالحكم كذلك لما مر.
قال الشارح: هذا إذا لم ينو الإقامة، فإن نواها بعد ما قام إلى الثالثة صح فرضه لانقلابه أربعًا بنيته، ومراده ما إذا لم يقيدها بالسجدة فإن قيدها بها لم تصح، وقالوا: لو قام وركع ثم نواها أعاد القيام والركوع؛ لأن الفعل بنية التطوع لا ينوب عن الفرض. (حتى يدخل مصره) غاية القصر، وصرح الشارح بكونه غاية لقوله: وإلا لا، واقتصر العيني على الأولى وتبعه في (البحر) وهو الظاهر.
لأن قوله: فلو أتم تفريع على قوله: قصر فالأولى كون الغاية للمفرع عليه لأنه الأصل أطلقه فعم ما إذا نوى الإقامة فيه أو لا، وما إذا كان في الصلاة كما إذا أحدث فدخله للماء أو لا إلا اللاحق فإنه خلف الإمام حكمًا.
(أو) حتى (ينوي الإقامة) حقيقة (نصف شهر ببلد أو قرية) بعد دخوله فيهما أو حكمًا لما في (المحيط)، ولو وصل الحاج إلى الشام وعلم أن القافلة إنما تخرج بعد خمسة عشر يومًا، وقد عزم أن لا يخرج إلا معهم لا يقصر، لأنه كناوي الإقامة هذا إذا استحكم سفره بأن سار ثلاثة أيام، أما لو أقل أتم بمجرد عزمه على العود ولو في المفازة، وقياسه أن لا يحل فطره لأنه يقبل النقض قبل استحكامه؛ إذ لم يتم علة فكانت نقضًا للعارض لا ابتداء علة للإتمام.
قال في (الفتح): ولو قيل: العلة مفارقة البيوت قاصدًا مسيرة ثلاثة أيام لا استكمال سفره ثلاثة أيام بدليل ثبوت حكم السفر بمجرد ذلك فقد تمت العلة بحكم السفر، فيثبت حكمه ما لم يثبت علة حكم الإقامة لما احتاج إلى الجواب، ولما ضاق الأمر على صاحب (البحر) قال: الذي يظهر أنه لابد في دخوله المصر مطلقًا وأنت خبير بأن إبطال الدليل المعين لا يستلزم إبطال المدلول. (لا) يتم إذا نوى الإقامة (بمكة ومنى) ونحوهما من مكانين كل منهما أصل بنفسه؛ لأنها لو
وقصر إن نوى أقل منه، أو لم ينو وبقي سنين، أو نوى عسكر ذلك بأرض الحرب، وإن حاصروا مصر أو حاصروا أهل البغي في دارنا في غيره بخلاف أهل الأخبية، ولو اقتدى مسافر بمقيم في الوقت صح، وأتم
ــ
جازت في مكانين لجازت في أماكن، وحينئذ فلا يتحقق سفرًا إلا إذا نوى أن يقيم بأحدهما/ ليلاً، فإنه يصير مقيمًا بدخوله فيه بخلاف ما إذا كان أحدهما تبعًا للآخر، كالقرية إذا قربت من المصر بحيث تجب الجمعة على ساكنها، لأنها في حكم المصر وقد استفيد من كلامه أن شرائط نية الإقامة خمسة: ترك السير، والمدة، وصلاحية الموضع، واتحاده، وسيأتي الخامس وهو: الاستقلال، ومن رام بيانها في كلامه لا ينبغي له النظر في هذا الكتاب. (وقصر) المسافر (إن نوى أقل منه) أي: من نصف الشهر (أو لم ينو) شيئًا، بل أضمر الخروج في غد أو بعده، وهذا تصريح بمفهوم ما سبق، وكان حذفه بالكتاب أليق.
(أو نوى) عطف على إن نوى (عسكر ذلك) أي: إقامة نصف شهر (بأرض الحرب) سواء كانت الشوكة لهم أو لا، لأن حالهم يناقض عزيمتهم لترددهم بين الفرار والقرار حتى لو غلبو على المدينة واتخذوها وطنًا أتموا كما في (التجنيس). وقيد بالعسكر لأن الداخل دارهم بأمان لو نوى الإقامة نصف شهر أتم.
(وإن) كانوا (حاصروا مصرًا) من أمصار أهل الحرب (أو حاصروا) عطف على إن نوى أيضًا أو حاصر المسلمون (أهل البغي) وهو قوم مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام (في دارنا) أي: دار الإسلام (في غيره) أي: في غير المصر، قيد به لأنها في المصر أتموا بخلاف أهل الأخبية، حيث يصح منهم نية الإقامة، وإن كانوا في المفازة في الأصح، قال في (المحيط): وعليه الفتوى لأن الإقامة أصل فلا تبطل إلا بالانتقال من مرعى إلا مرعى، إلا إذا ارتحلوا عن موضع الصيف قاصدين لمكان الشتاء وبينهما مسيرة سفر، حيث يقصرون إن نووا سفرًا، قيد بهم لا غيرهم من المسافرين، لو نوى الإقامة معهم لا يصير مقيمًا عند الإمام وهو الصحيح، وعن الثاني روايتان.
وأهل الأخبية هم الأعراب والترك والكرد الذين يسكنون المفاوز جمع خباء، وهو بيت من وبر أو صوف، كذا في (غاية البيان) زاد في (ضياء الحلوم): فإن كان من شعر فليس بخباء وقصره في (المغرب) على الصوف فقول العيني: وهو بيت الشعر فيه نظر نعم لا فرق في ساكن المفازة بين أن يكون بيته من صوف أو غيره.
(وإن اقتدى مسافر بمقيم في الوقت) سواء اقتدى به في جزء من صلاته أو كلها (صح) اقتداؤه (وأتم) صلاة المقيمين بقي الوقت أو خرج قبل إتمامها لتغير فرضيته
وبعده لا وبعكسه صح فيهما
ــ
بالتبعية لاتصال المغير بالسبب، وهو الوقت ولو أفسده صلى ركعتين لزوال المغير بخلاف ما لو اقتدى به متنفلاً حيث يصلي أربعًا إذا أفسده، لأنه التزم صلاة الإمام، وأشار بقوله: أتم إلى أن الكلام في الرباعي أما غيره فلا تتقيد صحته بالوقت فظاهر أن معنى اقتدى نوى الاقتداء به، فلا يرد عليه ما لو سبق الإمام المسافر الحدث فاستخلف مقيمًا حيث لا يتم، وإن صار مقتديًا به لأن المؤتم لما كان خليفة كان المسافر كأنه الإمام وبهذا اندفع ما في (البحر) من استثناء هذه المسألة من كلامه، وإذا لزمه الإتمام صارت القعدة الأولى واجبة في حقه أيضًا حتى لو تركها الإمام ولو عامدًا، وتابعه المسافر لا تفسد صلاته على ما عليه الفتوى، وقيل: تفسد، كذا في (السراج)، ولا وجه له يظهر.
(وبعده) أي: بعد خروج الوقت. (لا) أي: لا يصح اقتداؤه لعدم تغيره لانقضاء السبب فكأن اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة إن كان الاقتداء أول الصلاة أو القراءة، إن كان في الأخريين زاد الشارح: أو التحريمة، وعزاه في (السراج) إلى (الحواشي)، وعلله بأن تحريمة المأموم اشتملت على الفرض لا غير، وإنما زيد ليدخل فيه ما لو اقتدى به في القعدة الأخيرة، فإنه لا يصح اقتداءه لأن تحريمته اشتملت على نفلية القعدة الأولى والقراءة بخلاف الإمام وهذا معنى ما في (السراج). وقوله في (البحر): إنه ليس بظاهر وبه يظهر عدم الصحة فيما إذا لم يقرأ في الأوليين واقتدى به في الأخريين كما هو مقتضى الإطلاق، وفي (البدائع): فيه روايتان، ووجه الفساد في (المحيط): بأنه إذا قرئ فيهما قضاء التحقت القراءة بمحلها فخلتا عن القراءة.
وأقول: هذا مبني على تعيين الأوليين لها، ويمكن أن يكون وجه الفساد بناء على أنها في ركعتين غير معينين فيصير اقتداء المفترض بالمتنفل في حق التحريمة، وبهذا يترجح رواية الفساد، وأما رواية الصحة فلا يخلو من احتياجها إلى تأمل ووجهها، واعلم أن عدم الصحة مقيد بكونها فائتة في حق الإمام والمأموم، فلو كانت فائتة في حق الإمام مؤداة في حق المأموم صحت كما لو اقتدى حنفي في الظهر بشافعي بعد المثل، وقبل المثلين كما في (السراج)، وينبغي الاقتصار على المأموم.
(وبعكسه) وهو اقتداء المقيم بالمسافر. (صح فيهما) أي: في الوقت وبعده لقوة حال الإمام، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام أم أهل مكة وهو مسافر ثم قال:(أتموا صلاتكم/ فإنا قوم سفر)، جمع مسافر كركب جمع راكب، ومن ثم قالوا: يندب للإمام المسافر أن يقول ذلك بعد السلام الثاني على الأصح لجواز أن يكون
ويبطل الوطن الأصلي بمثله لا السفر، ووطن الإقامة بمثله والسفر والأصلي
ــ
خلفه من يجهل حاله، ولا يتيسر عليه السؤال عنه قبل ذهابه، فيحكم بفساد صلاته وصلاة الإمام لظن إقامته وسلامه الركعتين، وهذا محمل ما في (الفتاوى) لو اقتدى بإمام لا يدري أمسافر هو أم مقيم؟ لا يصح لأن العلم بحال الإمام شرط الأداء بجماعة لما في (المبسوط) لو صلى بالقوم الظهر ركعتين في قرية وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم، فصلاتهم فاسدة مقيمين كانوا أم مسافرين، لأن الظاهر من حال من هو في موضع الإقامه أنه مقيم والبناء على الظاهر واجب، حتى يتبين خلافه، فإن أخبرهم أنه مسافر جازت صلاتهم، وإنما كان مندوبًا فقط لأنه لم يتعين معرفًا، فإنه ينبغي أن يتموا ثم يسألوه، ولو قام المقتدي المقيم قبل سلام الإمام فنوى الإمام الإقامة، إن كان بعد ما قيد ركعته بسجدة لا يتابعه، فلو تابعه فسدت، وإن قبله رفض ما أتى به وتابعه، فإن لم يفعل وسجد فسدت كذا في (الفتح)، وقيده في (الخلاصة) و (الخانية) بما إذا نوى تحقيق الإقامة، أما إذا لم يرد ذلك بل ليتم صلاة المقيم لا يصير مقيمًا، وفي (القنية): اقتدى بمسافر فترك القعدة الأولى مع إمامه فسدت، فالقعدتان فرض في حقه، وقيل: لا تفسد وهى نفل.
(ويبطل الوطن الأصلي) وهو مولد الإنسان أو البلدة التي تأهل بها، ومن قصده التعيش لا الارتحال، ولو تزوج المسافر في بلد قيل: يصير مقيمًا، وقيل: لا. (بمثله) قيد بذلك، لأنه لو انتقل منه قاصدًا غيره ثم بدا له أن يتوطن في مكان آخر فهو بالأول أتم، لأنه لم يتوطن بغيره، ولو نقل أهله ومتاعه وله دور في البلد لا تبقى وطنًا له وقيل: تبقى كذا في (المحيط) وغيره. (لا بالسفر) أي: لا يبطل بالسفر لأنه دونه والشيء إنما يبطل بما هو مثله أو فوقه ولا بوطن الغقامه، ولو صرح به لعلم السفر بالأولى.
ويبطل (وطن الإقامة) وهو الموضع الذي نوى المسافر فيه أن يقيم خمسة عشر يومًا (بمثله) وبإنشاء (السفر و) الوطن (الأصلي) لأنه فوقه وتقديم السفر ليس بشرط لثبوت الأصلي بالإجماع، وهل هو شرط لثبوت وطن الإقامة؟ فيه روايتان، عن محمد في رواية لا يشترط كما هو ظاهر الرواية، وفي أخرى يشترط، وقد استفيد من كلامه الوطن نوعان: زاد بعضهم وطن السكنى، وحذفه لأن المحققين على أنه لا فائدة له، وهو الصحيح، وقول الشارح: عامتهم على أنه يفيد ويتصور تلك الفائدة فيمن يخرج إلى قرية لحاجة ولم يقصد سفرًا ونوى أن يقيم بها أقل من نصف شهر يتم، فلو خرج منها لا لسفر ثم بدا له أن يسافر قبل أن يدخل مصره، وقبل أن يقيم يومًا وليلة في موضع آخر قصر، ولو عاد ومر بتلك القرية أتم لأنه لم يوجد ما يبطله مما هو
وفائتة السفر، والحضر تقضى ركعتين، وأربعًا والمعتبر فيه آخر الوقت،
ــ
فوقه أو مثله ممنوع بل يقصر لأنه مسافر، وقد مر أن وطن الإقامة يبطل بالسفر فوطن السكن أولى.
(وفائتة) في (السفر والحضر تقضى ركعتين)، لو فاتت في السفر، (وأربعًا) لو في الحضر، لأن القضاء يحكي الأداء بخلاف فائتة الصحة والمرض حيث يعتبر فيهما حالة القضاء، والفرق أن المرض لا تأثير له في أصل الصلاة بل في وصفها بخلاف السفر، وقد صارت بالفوات دينًا فلا يتغير. (والمعتبر فيه) أي: في ذلك الحكم (آخر الوقت) وهو قدر ما يسع التحريمة، وهذا وإن كان معلومًا من لفظ الفائتة، إلا أنه أفاد بهذا ما أصله أهل الأصول، وهو أن المعتبر في الأهلية في لزوم القضاء وعدمه آخر الوقت، فلو بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون أو طهرت حائض أو نفساء في آخره وجبت عليهم، وإن أداها الصبي في أوله، ولو عرض الحيض ونحوه في آخره سقطت، لأن المعتبر في السببية عند عدم الأداء هو آخر الوقت، كذا في (الهداية). واعترض عليه بأنه ميل إلى المذهب المرجوح من تقرر السببية على الجزء الأخير، وإن خرج الوقت والراجح أنه بالخروج يضاف إلى كله، ولذا لا يجوز قضاء عصر الأمس الذي أسلم فيه في آخر الوقت من اليوم الثاني فيه.
قال في (العناية) وأقول: الاعتراض ليس بوارد لأن المصنف قال: القضاء بحسب الأداء، يعني كل من وجب عليه أربع قضى أربعًا ومن وجب عليه ركعتان قضى ركعتين، ثم بين أن المعتبر في السببية للأداء هو الجزء الأخير من الوقت وهذا لا نزاع فيه وبه يتم مراد المصنف، وإما أن السببية تنتقل بعد الفوت إلى كل الوقت يظهر أثره في عدم جواز قضاء العصر الفائت في اليوم الثاني وقت الاحمرار فشيء آخر لا مدخل له في مراد المصنف، قال في (الحواشي السعدية): وفيه بحث/ فإنه لم لا ينتقل أيضًا هذا إلى كل الوقت ليظهر أثره في مقيم سافر في آخر الوقت فيتم صلاته أربعًا لكونه مقيمًا في أكثره.
وأقول: قد قرر في (الفتح) وغيره ما يدفع هذا البحث حيث قال: إنما اعتبر في السببية في حق المكلف آخر الوقت لأنه، وإن تقرر دينًا في ذمته وصفة الدين تعتبر حال تقرره كما في حقوق العباد، وأما اعتبار كل الوقت إذا خرج في حقه فيثبت الواجب عليه بصفة الكمال إذ الأصل في أسباب المشروعات أن تطلب العبادات كاملة، وإنما تحمل نقصها بعروض تأخيره إلى الجزء الناقص مع توجه طلبها فيه إذا عجز عن أدائها قبله، ولخروجه عن غير إدراك لم يتحقق ذلك العارض انتهى. هذا واعتبر زفر الجزء الذي يلزمه الشروع فيه فإذا سافر، وقد بقي من الوقت قدر ما يمكنه
والعاصي كغيره وتعتبر نية الإقامة والسفر من الأصل دون التبع أي: المرأة والعبد والجندي.
ــ
أن يصلي فيه صلاة السفر أو دونه صلى صلاة المقيم لأن السبب حينئذ أول الوقت ويشكل عليه ما لو أقام المسافر في آخر جزء من الوقت فإنه يصلي أربعًا اتفاقًا كما في (المصفى) وعندنا ينتقل إلى الجزء الذي يسع التحريمة على ما مر، وعلى هذا قالوا: لو صلى الظهر أربعًا ثم سافر فصلى العصر ركعتين ثم رجع إلى منزله لحاجة فتبين أنه صلاهما بلا وضوء صلى الظهر ركعتين والعصر أربعًا لأنه كان مسافرًا في آخر وقت الظهر ومقيمًا في العصر.
(والعاصي) في السفر (كغيره) لإطلاق النصوص. (وتعتبر نية الإقامة في السفر من الأصل) لأنه المتمكن من الإقامة، والسفر. (دون التبع) فلو نوى الأصل الإقامة ولم يعلم التابع قيل: يصير مقيمًا في ظاهر الرواية كذا في (الخلاصة).
وقيل: لا بد من علمه قال في (المحيط): هو الأصح دفعًا للضرر عنه والفرق بين هذا وبين عزل الوكيل الحكمي أنه غير ملجأ إلى البيع بخلاف التبع لأنه مأمور بالقصر منهي عن الإتمام، فلو صلى فرضه أربعًا بإقامة غيره لحق ضرر من جهة غيره وهو مدفوع (أي: المرأة) بشرط أن تستوفي مجمل مهرها، (والعبد) أطلقه فشمل المدبر وأم الولد وأما المكاتب فقال في (البحر): ينبغي أن لا يكون تبعًا لأن له السفر بغير إذن المولى وفي المشترك إذا سافر معهما ثم نوى أحدهما الإقامة، قيل: يتم، وقيل: يقصر ومحل الخلاف ما إذا لم يكن بينهما مهايأة فإن كانت قصر في نوبة المسافر وأتم في نوبة المقيم كذا جزم به الرازي.
(والجندي) بشرط أن يرتزق من بيت المال، وكأن المصنف استغنى بذكر التبع عن ذكر الشرطين والأمير مع الخليفة كالجندي كما في (الخلاصة) ومن هذا النوع الأخير، ولو قايدًا مع المستأجر بخلاف المتبرع، وبه علم تبعية المحمول للحامل إلا أنه ينبغي أن يفصل فيه كالقائد، وأما الغريم إذا لازمه غريمه أو حبسه فإن كان قادرًا على أداء ما عليه من الدين قبل نصف شهر لم يكن تبعًا وإلا كان.