الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة الجمعة
شرط أدائها المصر: وهو كل موضع له أمير وقاضٍ ينفذ الأحكام ويقيم الحدود
ــ
باب الجمعة
كل من السفر والجمعة تنصيف بواسطة إلا أنه في السفر في كل رباعية وهنا في خاص وتقديم العام هو الأوجه كذا قالوا، واعترضهم في (الحواشي السعدية) بأن هذا يجر إلى قول من يقول: صلاة الجمعة صلاة ظهر قصرت لا فرض مبتدأ ولا يخفى عليك ترخيمه انتهى. وجوابه: أن المراد بالتنصيف أنها نسبتها من الظهر النصف لا أنها تنصيف الظهر بعينه بل هي فرض ابتداء كذا في (الفتح) وهي بسكون الميم في استعمال أهل اللسان، والقراء يضمونها وقيل: الضم أشهر، وبه قرأ العامة وبالسكون قرأ الأعمش وقرئ بالفتح والكسر أيضًا مأخوذة من الاجتماعن إما لاجتماع الناس فيها أو لما جاء من جمعه خلق آدم فيها أو مع حوى في الأرض وجمعها جمع وجمعات ولها شرائط وجوب وأداء منها ما هو في المصلي ومنها ما هو في غيره، والفرق أن الأداء لا يصح بانتفاء الثاني دون الأول بدأ بشرائط الأداء.
فقال: (شرط أدائها المصر) فلا تصح في قرية ولا مفازة لما رواه ابن أبي شيبة موقوفًا عن علي: (لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع)، وقالوا: لو دخل القروي المصر يوم الجمعة ونوى إقامة يومه والخروج بعد الوقت لزمته وإلا لا، ولا بأس بالسفر يوم الجمعة إذا جاوز العمران قبل العصر (وهو) أي: المصر (كل موضع له أمير) ينصف المظلوم من ظالمه (وقاضٍ ينفذ الأحكام) الشرعية وقوله: (يقيم الحدود) قيل: من عطف الخاص على العام اهتمامًا بها لزيادة خطرها، واكتفى بذكر الحدود عن القصاص لأن من ملك إقامتها ملكه واختار غير واحد من شراح (الهداية) أنه من المغاير احترازًا عن المحكم، والمرأة إذا كانت قاضية لصحة قضائها في غير حد وقود كما سيأتي، واعترضهم في (الحواشي السعدية) بأن الألف واللام في الأحكام إذا كانت للاستغراق، وهو الظاهر إذ لا عهد يبطل ما ذكروه، وأقول: لم لا يجوز أن تكون/ للجنس بل الحمل عليه هنا أولى إذ الأصل في العطف التغاير، وكون الأصل في لام التعريف إذا لم يكن له معهود الحمل على الاستغراق عند الجمهور. وإن كان العهد الذهني مقدمًا عند صدر الشريعة فهو معارض بالأصل المذكور، بقي أن مقتضى هذا أن البلدة التي ولي فيها القضاء أو السلطنة امرأة، لا تكون مصرًا.
أو مصلاه، ومنى مصر
ــ
قال في (البحر): والظاهر خلافه، ففي (البدائع) وأما المرأة والصبي العاقل فلا تصح منهما إقامة الجمعة، إلا أن المرأة لو كانت سلطانًا فأمرت رجلاً صالحًا للإمامة حتى يصلي بهم الجمعة جاز، لأن المرأة تصلح سلطانًا أو قاضية في الجملة فتصح إنابتها، انتهى. وفيه نظر، ولم يذكر المفتي اكتفاء بذكر القاضي، لأن القضاء في الصدر الأول كان وظيفة المجتهدين، حتى لو لم يكن الوالي أو القاضي مفتيًا، اشترط المفتي كما في (الخلاصة)، وأسقط في (الظهيرية) و (الخانية)، الأمير وزاد وبلغ أبنيته أبنية ما هذا شأنه أبنية منى انتهى. وعلى هذا يفرع ما في (الخلاصة): لو سافر الخليفة في القرى ليس له أن يجمع بالناس، واعلم أن هذا الحد مروي عن الثاني، واختاره الكرخي وجعله في (الهداية) ظاهر المذهب، وعنه لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم، قال البلخي: وهذا أحسن شيء سمعته، وعليه فتوى الفقهاء، كذا في (المجتبى) وفي (البدائع): إنه صحيح واعتمده برهان الشريعة، وقال الإمام: المصر كل بلدة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق، وقال: ينصف المظلوم من ظالمه وعالم يرجع إليه في الجواب في الحوادث، وبما قررناه علمت رجوع ما قاله المصنف إليه.
(أو مصلاه) أي: فناءه، وهو المكان المعد لصالح المصر، متصل به أو منفصل عنه بغلوة كذا قرره محمد في (النوادر) وشرط بعضهم عدم الفاصل من مزرعة، واختاره في (الخانية) قال: والميل والغلوة والأميال ليس بشيء كذا روي عن الإمام، وقدره بعضهم بميلين، قال في (المحيط): وعليه الفتوى، وآخرون بثلاثة أميال، قال الولوالجي: وهو المختار للفتوى، واعتبر بعضهم عوده إلى مبيته من غير كلفة، قال في (البدائع): وهذا أحسن، وفي (المضمرات) يجب على أهل القرى القريبة الذين يسمعون النداء بأعلى الصوت وهو الصحيح، والتقييد بالمصلى اتفاقي إذ الحكم غير مقصور عليها، بل تجوز في جميع أفنيته، وإن لم يكن بها مصلى وقد وقع الشك في بعض قرى مصر التي لم يسكن فيها قاضٍ ولا والٍ، وإنما لها قاضٍ يسمى قاضي الناحية يأتي إليها أحيانًا ليفصل ما اجتمع فيها من التعلقات وينصرف. ووالٍ كذلك أهي مصر أو لا، قال في (الفتح): والذي يظهر اعتبار كونهما مقيمين بها وإلا لم يكن قرية أصلاً، وإن لم تكن مشمولة بحكم، وأقول: مقتضى اشتراط أن تبلغ أبنيتها أبنية منى، وكذا ما مر عن الإمام من اشتراط أن يكون لها سكك وأسواق عدم تمصرها، ولو كانا مقيمين بها ويوافقه ما مر عن (الخلاصة) وسيأتي ما يؤيده أيضًا.
(ومنى مصر) في أيام الموسم لوجود الخليفة أو نائبه، والسكك والأبنية فيها
لا عرفات، وتؤدى في مصر في مواضع
ــ
فتقام الجمعة فيها حينئذ دون العيد، تخفيفًا بخلاف أمير الموسم لأنه إنما يلي أمور الحج لا غير، وفي (المحيط): إلا إذا استعمل على مكة وكان من أهلها وفي قولهم بتمصرها أيام الموسم إيماء إلى أنها لا تقام في غير أيامه لزوال تمصرها بزوال الموسم.
قال في (الفتح): وهذا يفيد أن الأولى في قرى مصر أن لا تصح فيها إلا حال حضور المتولي، وأقول: كيف هذا مع أنه جعل تمصر منى في الموسم لاجتماع من ينفذ الأحكام، ووجود الأسواق والسكك فيها، وهذا لعمري لا يوجد في كل القرى، ومن علل الجواز بأنها من فناء مكة رد بأن بينهما فرسخين، وتقدير الفناء بذلك غير صحيح، وإليه يومئ كلامه، إذ لو كان كذلك لاستغنى بذكر المصلى عن ذكرها.
(لا عرفات) ولو كان الخليفة بها في قولهم جميعًا لأنها فضاء وبمنى الأبنية، (وتؤدى) الجمعة (في مصر في مواضع) منه رواه محمد عن الإمام، وهو الصحيح، وفي باب الإمامة من (فتح القدير) وعليه الفتوى، دفعًا للحرج اللازم من إلزام الاجتماع في موضع واحد خصوصًا إذا كان مصرًا كبيرًا كمصرنا، وخص الثاني الجواز بموضعين وجعله في (البدائع) ظاهر الرواية. قال: وعليه الاعتماد وما عن محمد من إطلاق الجواز في ثلاث مواضع فمحمول على موضع الحاجة والضرورة، انتهى.
وفي (الحاوي القدسي) وعليه الفتوى وفي (التكملة) للرازي، وعن محمد عدم الجواز في أكثر من موضعين وبه نأخذ ويبنى على الخلاف صلاة الأربع بعد الجمعة بنية آخر ظهر عليه.
قال الزاهدي: لما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها أمر أئمتهم بأداء الظهر بعد الجمعة حتمًا احتياطًا، ثم اختلفوا في النية، والأحسن أن ينوي آخر ظهر عليه والأحوط أن يقول: نويت آخر ظهر أدركت وقته ولم أصله بعد، ثم اختلفوا فقيل: يقرأ في الكل، وقيل: في الأوليين، والمختار عندي أن يحكم فيها برأيه واختلفوا/ في مراعاة الترتيب في الأربع بعد الجمعة حسب اختلافهم في النية، وفي السبق بماذا يعتبر؟ فقيل: بالشروع، وقيل: بالفراغ، والأول أصح، انتهى.
وكل هذا مبني على عدم جواز التعدد، وقد علمت أن الراجح جوازه مطلقًا. قال ابن وهبان: وفي حفظي عن بعض كتب الأصحاب أنه يصليها قبل الجمعة لئلا يكون ظانًا أن جمعة هذا الجمع غير صحيحة، ورده في (عقد الفرائد) بأنه غير سديد إذ التقديم المذكور ليس إلا لهذا الظن فقد وقع فيما منه فر، ولو سلم فبسعيه للجمعة يبطل ظهره عند الإمام وعندهما بالشروع، فلا يقع الإحتياط به لفساد ظهره فتعين التأخير، ثم نقل عن (التاترخانية). اختلف المشايخ في القرى الكبيرة إذا لم
والسلطان، أو نائبه
ــ
يعان بالحكم والقضاء فيها إلى أن قال: يصلي الأربع بنية الظهر في بيته أو في المسجد أولاً، ثم يسعى ويشرع في الجمعة فإن كانت جائزة كانت نفلاً وإلا فهي الفرض. أما البلاد فلا يشك في الجواز وإلا تعاد الفريضة، بل يصلي الجمعة ثم سنتها ثم ركعتين، وهذا هو الصحيح المختار، وعن الهندواني قول الناس يصلي أربعًا بنية أقرب صلاة علي ليس له أصل في الروايات، ولا شك في جواز الجمعة في البلاد والقصبات، انتهى. وأقول هذا إنما ينفي تحتم صلاة الأربع، أما ندبها على القول بجواز التعدد خروجًا عن الخلاف فلا ينبغي أن يتردد فيه، وعليه يحمل ما في (الفتح)، وكذا لو تعددت الجمعة وشك أن جمعته سابقة أو لا وينبغي أن يصلي ما قلنا، يعني: أربعًا بنية آخر فرض أدركت وقته ولم أؤده بعد.
فائدة: قال في (عقد الفرائد): قضاة زماننا يحكمون بصحة الجمعة عند تجديده في موضع بأن يعلق الواقف عتق عبده بصحة الجمعة في هذا الموضع، وبعد إقامتها فيه بالشروط ويدعي لمعلق عتقه عليه بأنه علق عتقه على صحة الجمعة في هذا الموضع. وقد صحت ووقع العتق فيحكم بعتقه فيتضمن الحكم بصحة الجمعة، ويدخل ما لم يأت من الجمع تبعًا، انتهى.
وفي دخول ما لم يأت نظر فتدبره (والسلطان) عطف على المصر أو المصلى، والأول أولى وهو الوالي الذي لا والي فوقه، ولو جائرًا أي: وشرط أدائها حضور السلطان أو (نائبه) المأمور بإقامتها ولو عبدًا ولي قضاء ناحية، وإن لم تجز أنكحته وأقضيته. بخلاف القاضي الذي لم يؤمر بإقامتها لأنها تقام بجمع عظيم فيقع الاختلاف في التقديم والتقديم ويرتفع ذلك بحضور من ذكر، وفي (الخلاصة) ليس للقاضي إقامتها إذا لم يؤمر، ولصاحب الشُرَط وإن لم يؤمر وهذا في عرفهم.
قال في (الظهيرية): أما اليوم فالقاضي يقيمها لأن الخلفاء يأمرون بذلك قيل: أراد به قاضي القضاة الذي يقال له قاضي الشرق والغرب، أما في زماننا فالقاضي وصاحب الشرط لا يوليان ذلك.
قال في (البحر): وعلى هذا فلقاضي القضاة بمصر أن يولي الخطباء ولا يتوقف على إذن كما أن له أن يستخلف للقضاء وإن لم يؤذن له مع أن القاضي ليس له الاستخلاف إلا بإذن السلطان لأن تولية قاضي القضاة إذن بذلك دلالة كما صرح به في (فتح القدير) ولا يتوقف ذلك على تقرير الحاكم المسمى بالباشا، لكن قال في (التجنيس): في إقامة القاضي روايتين وبرواية المنع يفتى في ديارنا إذا لم يؤمر به ولم يكتب في منشوره انتهى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويمكن حمل ما في (التجنيس): على ما إذا لم يول قضاء القضاة أما إن ولي أغنى هذا اللفظ على التنصيص عليه. بقي هل لهذا المولي أن يستخلف بلا إذن؟ جزم منلاخسرو بأنه ليس له ذلك، قال: والناس عنه غافلون، ورد عليه العلامة ابن الكمال في رسالة خاصة له في هذه المسألة برهن فيها على الجواز من غير شرط وأطنب فيها وأبدع ولكثير من الفوائد أودع. والحاصل: أن حق التقديم في الجمعة للخليفة إلا أنه لا يقدر على إقامة ذلك بنفسه في كل الأمصار فيقيمها نائبه والسابق في هذه النيابة في كل بلدة الأمير الذي ولي عمل تلك البلدة، ثم الشرطي، ثم القاضي، ثم الذي ولاه قاضي القضاة.
وفي (العتابية): عن ابن المبارك الشرطي أولى من القاضي، وفي (الخانية): أحدث الإمام فتقدم واحد لا بتقديم أحد لا يجوز صلاتهم خلفه، وإن قدمه أحد من جماعة السلطان ممن فوض إليه أمر العامة يجوز، وإذا عرفت هذا فيتمشى عليه ما يقع في زماننا أن من أذن له السلطان في إقامة الجمعة فيما يستحدث من الجوامع مصحح لإذن رب الجامع لمن يقيمه خطيبًا ولأن ذلك الخطيب لمن عيناه أن يستنيبه، انتهى.
قال في (البحر): وهو حسن لكن لم يستند فيه إلى نقل من أن ظاهر كلامهم يدل عليه، ففي (الولوالجية): الإمام إذا خطب وأمر من لم يشهد الخطبة أن يجمع بهم فأمر بذلك فجمع بهم جاز لأن الذي لم يشهد الخطبة من أهل الصلاة فصح التفويض إليه لكنه عجز لفقد شرط الصلاة وهو سماع الخطبة/ فملك التفويض إلى الغير، ولو جمع هو ولم يأمر غيره لا يجوز بخلاف ما لو شرع في الصلاة ثم استخلف من يشهد الخطبة فإنه يجوز، وكذلك إن تكلم هذا المقدم فاستقبل بهم جاز لأنه إنما يؤدي الصلاة بالتحريمة الأولى، ووجه دلالته أنه أراد بالإمام نائب الوالي وهو الخطيب فقد جوز له الاستنابة مطلقًا، أو الوالي فقد جوزها لنائبه كذلك، وقالوا: ليس للقاضي أن يستخلف بلا إذن بخلاف المأمور بإقامة الجمعة وتقييد الشارح هذا بما إذا سبقه الحدث، مما لا دليل عليه وعبارته في (البدائع) كل من ملك إقامة الجمعة ملك إقامة غيره مقامه، ولو أمر صبي أو نصراني على مصر ليس لهما إقامتها بعد البلوغ أو الإسلام، إلا بأمر جديد خلافًا لمن قال: إنه لا يحتاج إليه، ولو قيل للنصراني: إذا أسلمت فصل وللصبي إذا بلغت فصل جاز لهما الإقامة، لأن الإضافة في الولاية جائزة، ولو نهى السلطان عن التجميع صح نهيه، وقيد أبو جعفر بما إذا
ووقت الظهر فتبطل بخروجه، والخطبة قبلها
ــ
كان عن اجتهاد لا إن كان تعنتًا أو إضرارًا ولهم أن يجتمعوا على رجل ليصلي بهم، وأشار المصنف إلى إن النائب لو عزل قبل الشروع لا تصح إقامته لأنه لم يبق نائبًا لكن شرطوا أن يأتيه الكتاب بعزله أو يقدم عليه الأمير الثاني قبل شروعه، فلو حضر بعده مضى على صلاته، ولو صلى صاحب شرط جاز لأن عماله على حاله حتى يعزلوا وبه علم أن نائب السلطنة بمصر لو عزل لا يحتاج الخطباء إلى إذن من الثاني.
(و) شرط أدائها أيضًا دخول (وقت الظهر) فلا تصح قبله، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يصلها خارج الوقت، ولا بدون الخطبة (فتبطل بخروجه) تفريع على اشتراط الوقت، وفيه إفادة أنها لا تصح بعده، وكذا ذكره مع تقدم المسألة الاثني عشرية وأطلقه فعم اللاحق فلو انتبه بعد الوقت فسدت، وفي (السراج) عن (النوادر) لو لم يستطع الركوع والسجود للزحمة فأخرهما إلى ما بعد فراغ الإمام فدخل وقت العصر أتم جمعة وجزم في (البحر) بضعفه إذ مقتضاه أن يتم في اليوم أيضًا، واعلم إن جعلهم الوقت من الشروط المختصة بالجمعة فيه نظر بل هو شرط لسائر الصلوات، والجواب أن شرطيته للجمعة ليس كشرطيته لسائرها، فإنه بالخروج لا تصح الجمعة، ولا القضاء بخلاف سائرها.
(و) شرط أدائها أيضًا إيقاع (الخطبة قبلها) أي: قبل الجمعة في وقت الظهر، قال في (البحر): ولو قاله: لكان أولى، وأقول: الظاهر أن تقديم قوله ووقت الظهر أغناه عن ذلك لما أنه يومئ إلى اشتراطها، وكونها فيه ليخرج ما لو خطب قبله وصلى فيه حيث لا يجوز ويكتفي فيها حضور واحد ولو خطب وحده ففيه روايتان، ولو بحضرة النساء وحدهن لم يجز كذا في (الخلاصة) وهو خلاف ما يفيده ظاهر كلام الشارح حيث قال بحضرة جماعة فتعقد بهم الجمعة، وإن كانوا صمًا أو نيامًا وصحح في (الظهيرية) عدم الجواز فيما لو كان وحده.
قال في (البحر) وفي (فتح القدير): المعتمد أنه لو خطب وحده جاز أخذًا من قولهم يشترط في التسبيحة والتحميدة، أن يقال: على وجه الخطبة وفيه نظر ظاهر إذ لا يدل على ما ذكره شيء من أنواع الدلالات، انتهى.
وأقول هذا وهم فاحش فأنى ينسب إلى هذا الإمام مثل هذا الفاسد من الكلام، وها أنا أذكر كلامه ليظهر مرامه، قال: الأمر بالسعي إلى الذكر يقتضي أن الشرط إنما هو الذكر الأعم والحمد لله ونحوها، تسمى خطبة لغة، وإن لم تسم به عرفًا، والخطاب القرآني إنما تعلقه باعتبار المفهوم اللغوي، ولأن هذا العرف إنما يعتبر في محاورات
وسن خطبتان
ــ
الناس بعضهم لبعض للدلالة على غرضهم، فأما فيما بين العبد وبين ربه فيعتبر فيه حقيقة اللفظ لغة، ثم يشترط عنده في التسبيحة والتحميدة أن يقال على قصد الخطبة فلو حمد العاطس لا تجزئ عن الواجب ومقتضى هذا الكلام أنه لو خطب وحده من غير حضرة أحد أنه يجوز، وهذا الوجه هو المعتمد لأبي حنيفة، فوجب اعتبار ما يتفرع عليه، انتهى ..
وحاصله أن الدليل إنما دل على أن الشرط مطلق الذكر المسمى خطبة لغة غير مقيد بحضرة أحد فيعتبر فيه حقيقة اللفظ وهذا ظاهر في اقتضائه صحتها وحده لأن اشتراط قصد التحميدة ونحوها يقتضي أنه لو خطب وحده جاز، لكن لقائل أن يقول: إن الأمر بالسعي إلى الذكر ليس إلا لاستماعه والمأمور جمع فإذا جازت وحده لم يفد الأمر فائدته وكان هذا هو وجه ما رجحه في (الظهيرية)، وبه يترجح ما جزم به الشارح من اشتراط حضرة جماعة تنعقد بهم الجمعة على ما مر. واعلم أن أكثر شراح (الهداية) على أنها قائمة مقام ركعتين أجابوا عن كونها مع ذلك شرطًا/ بأن ركن الشيء ما يقوم به الشيء والجمعة إنما تقوم بأركانها لا بالخطبة وعدم اشتراط الاستقبال فيها يؤذن بشرطيتها، لكن قال في (المضمرات) وتبعه الشارح: الأصح أنها غير قائمة مقام ركعتين لعدم اشتراط الاستقبال والطهارة فيها، ثم بين شرط الانعقاد في حق من ينشئ التحريمة للجمعة لا في حق كل من صلاها واشتراط حضور الواحد والجمع لتحقق معنى الخطبة لأنها من النسبات، فلو أحدث الإمام فقدم من لم يشهدها جاز أن يصلي بهم لأنه بنى تحريمته على تلك التحريمة، فإن قلت: لو أفسدها الخليفة جاز استقباله مع بطلان ذلك البناء.
قلت: هذا استحسان لأنه لما قام مقامه فقد التحق به حكمًا ولا شك أن الأول أفسدها استقباله، فكذا الثاني، ولو أحدث الأول قبل الشروع فقام من لم يشهدها لا يجوز، ولو تذكر فيها فائتة، ولو وترًا حتى فسدت واحتاج إلى القضاء أو أفسدها فاحتاج إلى إعادتها وافتتح التطوع بعد الخطبة أو خطب جنبًا أعادها على وجه الأولوية وإن لم يعدها أجزأه كذا في (الفتح)، هذا إذا بطل الفصل بأجنبي فإن طال بأن ذهب إلى بيته بعدما خطب وتغدى أو جامع واغتسل كذا في (الخلاصة) أي: لزومًا لبطلان الخطبة كما في (السراج)، وفي (القنية) اتحاد الخطيب والإمام ليس بشرط فيها على المختار.
(وسن خطبتان) خفيفتان قدر سورة من طوال المفصل مشتملتان على حمد الله تعالى والثناء عليه والشهادتين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتختص الأولى بالوعظ