الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القنوت
صالح في الظاهر يفتري الكذب في الحديث، لاعتقاده أن ذلك هو الحق وأنه يخدم الدين بذلك، وكثرة الموضوعات والمنكرات في حديث عبد الرحمن تؤيد ذلك، فإِن أحاديثه كلها منكرة، والصالح فيها قليل جدًا، ويبعد أن يكون كل ذلك مما أخطأ فيه أو أدخل عليه، بل ذلك من تعمده بل لو لم يوجد في حديثه إلا هذا لدل على كذبه وتعمده الوضع وقلب الأسانيد ورفع الموقوف.
وقد قال ابن حبان: أنه يروى الموضوعات عن الثقات، ولو لم يقله ابن حبان لجز فنابه لكثرة ما نرى من المنكرات في حديثه، وذلك أقوى على ضعفه من ادعاء صلاحه، في نفسه، ومعاذ الله أن يحدث الصالح بمثل هذا الباطل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يضطرب في متنه وياتي به على ألفاظ منكرة شنيعة، لا تشبه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإِنه قال مرة:
إِذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة.
وقال مرة: إِذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته.
وقال مرة: إِذا رفع رأسه من آخر السجود فقد مضت صلاته إذا هو أحدث.
وقال مرة: إِذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام فقد تمت صلاته فلا يعود فيها.
وقال مرة: إذا رفع المصلي رأسه من آخِر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته فلا يعود لها.
فهذه ألفاظ ليست بالألفاظ النبوية لمن خالط الحديث ولا تركيبه تركيب الأحاديث النبوية، ولا عليه من أنوار كلام النبوة شيء وإنما هذا الدجال قر في نفسه وضع هذا المعنى، فصار كل مرة يأتي به في قالب متخالف متناقض.
وقد روى عمر بن ذر، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه وقال:"من أحدث حدثًا بعدما يفرغ من التشهد فقد تمت صلاته". رواه أبو نعيم في "الحلية".
وهذا باطل إفتراء أحد المنتصرين لأبي حنيفة أو دسه على عمر بن ذر المرجيء الذي كان معاصرًا لأبي حنيفة، وأخذ أبو حنيفة عنه وخالطه وتأخرت وفاته عن أبي حنيفة. وهل يعقل أن يروي ابن عباس مثل هذا ويحضره من النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، ثم لا ينقله كبار الصحابة ولا يتداولونه بينهم، بل هذا من المقطوع بكذبه.
وقد اضطرب فيه عمر بن ذر فمرة وصله، ومرة أرسله عن عطاء بهذا اللفظ. أخرجه أبو نعيم، ومرة أرسله بلفظ آخر مخالف له، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا
قضى التشهد في الصلاة أقبل على الناس بوجهه قبل أن ينزل التسليم، وفي لفظ: وذلك قبل أن ينزل التسليم رواه البيهقي.
وهذا وإن كان مرسلًا فهو معقول موافق للأحاديث الصحيحة بخلاف اللفظ الأول فإِنه باطل.
* * *
345 -
قوله: (والسَّبَبُ اخْتِلَافُ الآثارِ المنْقُولَةِ في ذَلِكَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَعْني في القُنوتِ في الصُّبْحِ أو الوِترِ، أو الصَّلواتِ كُلِّهَا أوْ في رَمَضان فقط أو في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنْهُ، أو في النَصْفِ الأَوْلِ).
أما القنوت في الصبح، فرواه أحمد، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال:"ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا".
ولفظ البيهقي، عن الربيع بن أنس قال: كنت جالسًا عند أنس فقيل له إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا فقال: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".
ثم قال: (قال أبو عبد الله يعني الحاكم: هذا إسناد صحيح سنده ثقة رواته، والربيع بن أنس تابعي معروف من أهل البصرة.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا صدوق ثقة).
قال البيهقي: (وقد رواه إسماعيل بن مسلم المكي وعمرو بن عبيد، عن الحسن عن أنس إلا أننا لا نحتج بإسماعيل المكي ولا بعمرو بن عبيد).
قلت: رواية الحسن المذكورة خرجها الحسن بن سفيان، والطحاوي والبيهقي، ولفظه عن أنس قال: صلَّيت مع النَّبِّي صلى الله عليه وسلم فلم يَزَلْ يقنُتُ في صلاةِ الغَداةِ حتى فارقْتُه، وصليت مع عمر بن الخطاب فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته لفظ الطحاوي.
وزاد غيره، ذكر أبا بكر وعثمان، روي الحديث عن أنس من أوجه متعددة، من رواية قتادة وثابت وابن سيرين وأبي مجلز، وعاصم الأحول وحنظلة السدوسي، وحميد، وموسى بن أنس، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد العزيز بن صهيب، وأنس بن سيرين وغيرهم بألفاظ متناقضة مختلفة، والحديث عن أنس لذلك مضطرب،
وقد روى القنوت في الصبح أيضًا من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وخفاف بن إيماء، والبراء بن عازب وعلي، وعمار، وابن عباس.
• فحديث ابن عمر: رواه أحمد، والبخاري، والنسائي، والطحاوي والبيهقي عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركعة الأخيرة قال ربنا ولك الحمد، ثم قال: اللهم العن فلانًا وفلانًا، دعا على أناس من المنافقين فأنزل الله تعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} .
• وحديث أبي هريرة: رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي والبيهقى، عنه قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة الآخرة من صلاة الصبح قال: "الَّلهُمَّ أَنجِ الوَليدَ بن الوليدِ وسَلَمةَ بن هِشَام، وعَيَّاشَ بْنَ أَبي رَبِيعَةَ والمُستَضْعفينَ بمكة، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرٍ واجعلْهَا عليهم سِنِينَ كسِنِي يُوسُفَ".
والحديث عن أبي هريرة مضطرب لأنه ورد عنه مطلقا ومقيدًا بالظهر، وبالظهر والعشاء والمغرب، وبالعشاء الآخرة وكل هذه الألفاظ في الصحيحين.
• وحديث خفاف بن أيماء: رواه أحمد، والطحاوي، والبيهقي عنه قال: صلَّى بنا رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبحَ، فلَمَّا رَفَعَ رأَسَه من الرَكْعَةِ الآخرة قال: لعنَ الله لحيانًا ورعلًا، وذكوانًا وعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ؛ أسْلَمُ سَالَمهَا الله وغِفَارُ غَفَرَ الله لها؛ ثم وقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا فلما انصرف قرأ على الناس فقال: يا أيها الناس أني أنا لست قلته ولكن الله عز وجل قاله، لفظ أحمد.
ورواه مسلم في "الصحيح" لكنه لم يذكر الصبح، ولفظه قال خفاف بن إيماء: رَكَعَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم رَفَعَ رَأسَهُ فقال: غِفَارُ غُفَر لها، وأسْلَمُ سَالَمهَا الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، اللَّهُمَّ العَنْ بَنِي لحيان، والعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ، ثُم وَقَعَ سَاجِدًا. قال خُفَافٌ: فجُعَلَتْ لعَنَةُ الكَفَرَةِ من أجلِ ذلك.
• وحديث البَرَاءُ بن عَازِب: رواه أحمد، والدارمي، من رواية شعبة عن
عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في الصبح، وقال أحمد: في الفجر وقرن شعبة بسفيان.
ورواه أبو داود الطيالسي، وأحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي من هذا الوجه أيضًا بلفظ: قنت في الصبح والمغرب.
• حديث علي وعمار: رواه الدارقطني من طريق عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي وعمار أنهما صليا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقنت في صلاة الغداة وعمرو وشيخه ضعيفان.
• وحديث ابن عباس: رواه الطبراني في "الكبير" عنه قال: قنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، دعا على قوم، ودعا لقوم، ورجال إسناده ثقات إلا أنه ورد عن ابن عباس خلافه أو الزيادة عليه كما سيأتي.
فائدة: ورد عن طارق بن أشيم، وابن عمر وابن عباس، وأم سلمة إنكار القنوت في الصبح.
فروى الطيالسي ، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، الطحاوي، والبيهقي من حديث أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبَتِ قَدْ صَلَّيتَ خَلْفَ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأَبي بَكْرٍ وَعُمرَ وعُثْمانَ وعلي بن أبي طالب ههنُا بالكوُفَةِ نحوًا من خَمْسِ سِنين أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: يا بني مُحدثه.
وقال الترمذي: (حسن صحيح).
وقال البيهقي: (طارق بن أشيم الأشجعي، لم يحفظه عمن صلى خلفه فرآه محدثًا وقد حفظه غيره فالحكم له دونه).
وروى الطحاوي والبيهقي من حديث قتادة، عن أبي مجلز قال
صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت، فقلت لابن عمر: لا أراك تقنت، قال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا.
قال البيهقي: (نسيان بعض الصحابة أو غفلته عن بعض السنن لا يقدم في رواية من حفظه وأَثبته، ثم أخرج عن بشر بن حرب قال: سمعت ابن عمر يقول: أرأيت قيامهم عند فراغ القارئ من السورة هذا القنوت أنها لبدعة ما فعله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شهرًا ثم تركه. ثم قال: بشر بن حرب الندبي ضعيف وإن صحت روايته عن ابن عمر ففيها دلالة على أنه أنكر القنوت قبل الركوع دوامًا. قال: وأمَّا الذي أخبرني أبو عبد الرحمن السلمي عن الدارقطني بسنده عن ابن عباس، أن القنوت في صلاة الصبح بدعة فإِنه لا يصح، وأبو ليلى الكوفي متروك. وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت في صلاة الصبح.
وروى ابن ماجه، والدارقطني والبيهقي، من حديث محمد بن يعلى عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن نافع عن أبيه، عن أم سلمة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت في صلاة الصبح.
وقال الدارقطني: محمد بن يعلى وعنبسة، وعبد الله بن نافع ضعفاء، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة. قال: وقال هياج عن عنبسة عن ابن نافع، عن أبيه
عن صفية بنت أبي عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفية بنت أبي عبيد لم تدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: حديث أم سلمة باطل موضوع.
فصل: وأما القنوت في الوتر فورد من حديث الحسن بن علي وابن عباس، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عمر، والخلفاء الأربعة.
• فحديث الحسن بن علي: سيأتي قريبًا.
• وحديث ابن عباس: قال محمد بن الحسن في كتاب "الحجج" في الرد على مالك، أخبرنا الثقة من أصحابنا قال: أخبرنا عطاء بن مسلم الخفاف ثنا العلاء بن المسيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس قال: بت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام من الليل فصلى ركعتين ثم قام فأوتر فقرأ بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى، ثم ركع وسجد، ثم قام فقرأ بفاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون ثم ركع وسجد وقام فقرأ بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثم قنت ودعا ثم ركع.
ورواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن داود بن رشيد، ثنا عطاء بن مسلم به مختصرًا قال: أوتر النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث قنت فيها قبل الركوع.
وهكذا رواه أبو نعيم في "الحلية" والبيهقي في "السنن" وقال: (وهذا ينفرد به عطاء بن مسلم وهو ضعيف).
وقال محمد بن نصر، حدثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، حدثني من سمع ابن عباس، ومحمد بن علي يقولان بالخيف: كان
النبي صلى الله عليه وسلم يقنت بهن في صلاة الصبح بهؤلاء الكلمات، وفي الوتر بالليل.
ورواه البيهقي مبينًا مفصلًا من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز، أن بريد بن أبي مريم أخبره قال: سمعت ابن عباس ومحمد بن علي بن الحنفية بالخيف يقولان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهذه الكلمات اللهم اهدني فيمن هديت. الحديث.
• وحديث علي: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، والحاكم، والبيهقي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره:"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
قال الترمذي: (حسن). وقال الحاكم: (صحيح).
• وحديث أبي بن كعب: رواه النَّسائي، وابن ماجه، ومحمد بن نصر والدارقطني، والبيهقي، من رواية زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه عن أبي بن كعب، أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ كَانَ يَقْرأُ في الأولَى بسبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعْلىَ، وَفِي الثانِيةِ بِقُلْ يَا أَيُّها الكَافِرُونَ وفي الثالِثَةِ بِقُلْ هَوَ الله أَحَدٌ، ويَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوع فإذَا فَرَغَ، قَالَ عِنْدَ فَراغِهِ، سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ في آخِرِهنَّ".
ورواه أحمد وأبو داود وجماعة لم يذكروا فيه القنوت، واقتصر بعضهم على ذكر عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه دون ذكر أبي بن كعب.
• وحديث ابن مسعود: رواه الدارقطني، وأبو نعيم في "الحلية" من حديث أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوتر قبل الركعة، قال: فأرسلت أمي إليه القابلة فأخبرتني أنه فعل ذلك. قال الدارقطني: (أبان متروك).
ورواه الدارقطني، والبيهقي، من جهة أبان أيضًا، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله قال: بِتُّ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنْظُر كَيف يَقْنُتُ فِي وِتْرِه فَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، ثم لَقيتُ أُمي أُمَّ مَعبدٍ فقلتُ: بيتي مع نسائه فانْظُري كَيْفَ يَقْنَتُ في وِتْرِهِ، فأنبئيني فأخبرتني أنَّهُ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وقال البيهقي: مداره على أبان وهو متروك.
قلت: وهو عندي باطل لا أصل له بهذا السياق، بل هو من وضع أبان وكم له من أمثاله فإِنه لم ينقل أنَّ أحدًا باتَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حجره الشريفة إلا ابن عباس الصبي مع خالته ميمونة رضي الله عنها لضيق الحجر التي لا يتصور أنْ يَبيتَ بِهَا أجنبي مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وزوجته، وكذا أم عبد الله بن مسعود إن باتت مع زوجة من أزواجه صلى الله عليه وسلم في حجرتها فلا يمكن معرفَةُ صلاته بالليل، وما قنت به وكيف قَنَتَ وهو في حجرة أخرى مع الزوجة الأخرى إذ لا يمكن أن تنام امرأة أجنبية مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حجرته الضيِّقة مع زَوجَتِهِ أيضًا.
وقد عُرِفَ من أدبِ الصَحابة رضي الله عنهم مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وشِدَّةِ احترامِهم لجنابِهِ الكريم، ما يمنعهم من ذلك لاسيما كبارُهم كابن مسعود وأمه، رضي الله عنهما، فقد كانوا لا يرفعون أبصارهم إليه هيبة وإجلالًا، وإذا جلسوا معه كانوا كأنما على رؤوسهم الطير، وكانوا يَقْرَعُون بَابَه بالأظافِرِ أدَبًا وتَعْظِيمًا أيضًا، فكيف يَجرأُون على البَيَاتِ مَعَهُ في حُجْرَتِهِ.
أما القنوت في الوتر فواردٌ عن ابن مسعود مرفوعًا من وجه آخر قال: "ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من صلاته إلا في الوتر، وكان إذا حارب يقنت في الصلوات
كلها يدعو على المشركين" الحديث رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه محمد بن جابر اليماني صدوق، ولكنه كان يلقن.
• وحديث ابن عمر: رواه الطبراني في "الأوسط" من جهة سهل بن عباس الترمذي، ثنا سعيد بن سالم القداح، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر:"أن النبي كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع" وسهل بن عباس مترك ليس بثقة.
• وحديث الخلفاء الأربعة: رواه الدارقطني من جهة يونس بن بكير، ثنا عمرو بن شمر، عن سلام عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا يقولون: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك" عمرو بن شمر كذبوه فالغالب أنه من إفكه.
فصل: وأما القنوت في الصلوات كلها، فقال الطبراني في "الأوسط" ثنا يعقوب بن إسحاق المخرمي، ثنا علي بن يحيى بن بري، ثنا محمد بن أنس، ثنا مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها".
ورواه أيضًا الدارقطني، والبيهقي، والحازمي ورجاله ثقات، قال
الحازمي: (وقد اتفق أهل العلم على ترك القنوت من غير سبب في أربع صلوات وهي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وأما حديث ابن عباس في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا فقد ذهب بعضهم إلى أنه كان له سبب، وهذا الحكم ثابت ولا يكون حديث ابن عباس منسوخًا).
قلت: حديث ابن عباس المذكور أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن الجارود والدارقطني، والحاكم، والبيهقي من رواية هلال بن خباب، عن عكرمة عنه قال:"قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على حي من بني سليم، على رعل، وذكوان، وعصية ويؤمن من خلفه، وإسناده حسن".
فصل: وأما القنوت في رمضان ففي "الموطأ" عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: مَا أدْرَكْتُ إلا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ في رَمَضَانَ.
وأما في النصف الأخير منه، فرواه ابن عدي في "الكامل" من جهة غسان بن
عبيد، أنبأنا أبو عاتكة عن أنس قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في النصف من رمضان إلى آخره". وأبو عاتكة منكر الحديث غير ثقة.
وورد عن أبي بن كعب أنه كان يقنت بالصحابة في صلاته بهم في رمضان في النصف الباقي منه، وفي رواية أن ذلك بأمر عمر رضي الله عنه، أخرجه أبو داود، ومحمد بن نصر، وسنده ضعيف.
وأما في النصف الأول من رمضان، فلم أقف عليه بل خرج محمد بن نصر في قيام الليل وقيام رمضان، عن قتادة أنه كان يقنت السنة كلها في وتره إلا النصف الأول من رمضان، فإِنه كان لا يقنت، وكان يحدث أنس أنه كان يقنت في السنة كلها، إلا النصف الأول من رمضان إذا كان إمامًا إلا أن يصلي وحده فكان يقنت في رمضان كله في السنة كلها، وكان معمر يأخذ بذلك.
* * *
346 -
قوله: (قال أبو عمر بن عبد البر: والقنوتُ بِلَعْنِ الكَفَرةِ في رَمَضَان، مُستَفيضٌ في الصَّدْرِ الأولِ اقتداءً بَرسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في دُعَائِهِ عَلى رِعْلٍ وذَكْوَانٍ، والنَّفر
الذينَ قَتَلوُا أصْحَابَ بئرِ مَعُونَةٍ).
متفق عليه من حديث أنس، وأبي هريرة بألفاظ مختلفة قَدْ مَرَّ بعضها.
* * *
347 -
قوله: (قال الليث بن سعد: ما قنت منذ أربعين عامًا، وأخذتُ في ذَلِكَ بالحديثِ الذّي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا أو أَرْبَعين يَدْعُو لِقَوْم وَيَدْعُو على آخَرين، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تبارك وتعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فَتَرَك رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم القُنُوتَ فَمَا قَنَتَ بَعْدَهَا حَتَى لَقِيَ الله).
قلت: لم أجده بهذا السياق مجموعًا في حديث واحد، بل في أحاديث، فعند الطيالسي، وأحمد ومسلم، وأبي داود، والنَّسائي، والطحاوي من حديث قتادة عن أنس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلى أحياءَ مِنَ العَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ".
وعند أحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، والنَّسائي،
والطحاوي، والبيهقي من حديث أبي هريرة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال: إِذا قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، اللهم إنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا لأحياء من العرب حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} لفظ البخاري في "التفسير".
وأما رواية الأربعين صباحًا فوقعت من رواية همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس كما ذكره البيهقي، وعند الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال "كَانَ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَفَعَ رأسَه من الرَكْعَةِ الآخِرَةِ قَالَ: فذكر نحو حديث أبي هريرة وفيه فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} فما عَادَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو على أحدٍ بعْد.
* * *
348 -
حديث: "أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَنَتَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} " قَالَ ابنُ رُشد: خَرَّجَهُ مُسْلِم.
قلت: والبخاري وغيره كما سبق في الذي قبله.
* * *
349 -
قوله: (وخرج عن أبي هريرة أنَّهُ قَنَتَ في الظُّهْرِ والعِشَاءِ الآخِرَةِ وصَلَاةِ الصُّبْحَ).
قلت: خرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائي والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي ، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: والله لأُقربَنَّ بِكُم صَلَاة رَسُولِ الله فَكَانَ أبوُ هُريْرَةَ يَقْنُتُ في
الظُّهْرِ والعِشَاءِ الآخرة وصَلاةِ الصُبح وَيدْعُو للمؤمنِينَ، ويَلْعنُ الكُفَّار.
وفي رواية لأحمد، "وصلاة العصر مكان صلاة العشاء الآخرة".
ووقع عند الطحاوي ذكر العشاء وحدها في رواية، وقال في أخرى: فَكَانَ إذَا رَفَعَ رأْسَهُ من الرُّكُوعِ وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ دَعَا للمؤُمِنينَ ولَعَنَ الكَافِريْنَ وَلَمْ يعيِّنْ الصَّلاة.
* * *
350 -
قوله: (وخَرَّجَ عنه عليه الصلاة والسلام، أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا فِي صَلاةِ الصُّبْحِ يَدْعَو على بَنِي عُصَيَّةَ).
قلت: هو عنده، وعند أحمد من رواية أنس بن سيرين عن أنس: "أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ في صَلَاةِ الفَجْرِ يَدْعُو على بَني عُصَيَّةَ، وأصله متفق
عليه كما سبق.
* * *
351 -
حديث الحَسَنُ عليِّ عليه السلام: "أنَّ النَّيِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهُ أنْ يَقْنُتَ في الصَّلاةِ باللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيْمَنْ هَدَيْتَ، وعَافِنَا فِيْمَنْ عَافَيْتَ" الحديث.
أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه
وابن الجارود، والحاكم، وأبو نعيم في "الحلية" كلهم من رواية أبي إسحاق عن بُرَيْد بن أبي مَريم، عن أبي الحَوْرَاء، عن الحسن قَالَ:"عَلَّمَني رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أقُولُهُنَ في صلاةِ الوِتْرِ، اللَّهُمَّ اهدِنِي فِيْمَنْ هَدَيْتِ، وعَافِينىِ فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمن تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فإِنَكَ تَقْضِي وَلا يقضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ".
قال الحافظ: (ونبه ابن خزيمة وابن حبان على أن قوله في قنوت الوتر، تفرد بها أبو إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، وتبعه إبناه يونس وإسرائيل كذا قال؛ قال: ورواه شعبة وهو من مائتين مثل أبي إسحاق وابنيه، فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر وإنما قال: كان يعلمنا هذا الدعاء).
قلت: وليس كما قال. أما يونس بن أبي إسحاق فقال في قنوت الوتر كما رواه أحمد، وابن الجارود، ومحمد بن نصر، وأمَّا أخوه إسرائيل فلم يقل في الوتر، بل قال: علمني هذا الدعاء أقوله في القنوت. رواه الدارمي والبيهقي، فهو مخالف لأبيه وأخيه.
ثم إن يونس وأباه أبا إسحاق لم ينفردا بذكر الوتر، فقد رواه موسى بن عقبة عن عبد الله بن علي عن الحسن بن علي قال:"عَلَّمني رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هُؤلاءِ الكَلِمَاتِ في الوَتْرِ قَالَ: قُل اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيْمَنْ هَدَيْتَ، فذكره وزاد في آخره بعد قوله تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ وَصَلَّ اللهُ على النَّبِيِّ مُحَمدٍ" خَرَّجَهُ النَّسائي.
ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري، إِذا رفعت رأسي الشيخين، إلا أن محمد بن جعفر بن أبي كثير قد خالف إسماعيل بن إبراهم بن عقبة في إسناده ثم أخرجه من طريقه، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق بسنده السابق.
أما رواية شعبة فخرجها الطيالسي، وأحمد، والدارمي بدون الوتر، بل كان يعلمنا هذا الدعاء.
وتابعه العلاء بن صالح، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء عن الحسن قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوات أقولهن اللهم اهدني، وذكره قال: فذكرت ذلك لمحمد بن الحنفية فقال: إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به لمحمد بن الحسن هو بريد بن أبي مريم.
ثم أخرج من طريق الوليد بن مسلم ثنا ابن جريج، عن ابن هرمز، عن بريد
ابن أبي مريم، عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح فذكره.
قال البيهقي: (ورواه مخلد بن يزيد الحراني عن ابن جريج فذكر رواية بريد مرسلة في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أحد ابني ابنته هذا الدعاء في وتره ثم قال بريد: سمعت ابن الحنفية وابن عباس يقولان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها في قنوت الليل. وكذلك رواه أبو صفوان الأموي، عن ابن جريج إلَّا أنه قال: عبد الله بن هرمز، وقال في حديث ابن عباس، وابن الحنفية في قنوت الصبح فصح بهذا كله، أن تعليمه هذا الدعاء وقع لقنوت صلاة الصبح، وقنوت الوتر وأن بريدًا أخذ الحديث من الوجهين الذين ذكرناهما وبالله التوفيق).
قلت: وقد ورد ذلك مصرحًا به، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، حدثني من سمع ابن عباس، ومحمد بن علي يقولان بالخيف: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت بهن في صلاة الصبح وفي الوتر بالليل.