الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الزمر: 23] إلى آخر هذه الصفات التي ظنوها أسماء، ويكفي أن نحيل لاختبارها على كتاب الزركشي (البرهان في علوم القرآن) الجزء الأول (ص 273) لتجد بابا تحت عنوان النوع الخامس عشر: معرفة أسمائه واشتقاقاتها، وقد جمع فيه أكثر من تسعين اسما أو وصفا للقرآن.
ب - أول وآخر ما نزل من القرآن الكريم:
ذكر د/ عمر عبد الواحد. في دراساته الإسلامية في هذا المبحث أن البحث في كيفية إنزال القرآن يجر إلى ميتافيزيقيا لا يمكن ضبطها ولا تحقيقها، وقال: ولكننا نشير إلى أن المعنى اللغوي المستمد من الجذر اللغوي «نزل» يفيد الحلول كقوله:
نزل فلان بالمدينة أي حل بها، وأنزلته أي أحللته ومنه قول الله تعالى: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً [المؤمنون: 9] أو يفيد تحرك الشيء من أعلى إلى أسفل، والمتعدي منه التحريك من علو إلى أسفل، كما في قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الرعد: 17].
وهذه الدلالات تقتضي الجسمية والمكانية والانتقالية مما يتنزه عنه القرآن الكريم.
ويبقى المجال واسعا لفهمها فهما مجازيا، ربما يتناسب مع علو منزلة القرآن وعظمة محتوياته التي غيرت مجرى حياة الإنسان وأحدثت ربطا بين السماء والأرض، وربما يشير إلى المصدر الأعظم لهذا المحتوى المعجز.
وأول ما نقف عنده من قضايا نزول القرآن.
1 - أول ما نزل من القرآن الكريم:
يعتمد هذا المبحث على الرواية والنقل، ويفيد في معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وكيفية المراعية لطبيعة الإنسان وأحوال البشر في التدرج في الأحكام، وتميز الناسخ من المنسوخ في الآيات، مما يترتب عليه إعمال حكم، وإهمال حكم.
وقد حدد القرآن الكريم وقت نزوله في ثلاثة آيات منه: الأولى: تحدده بأنه نزل في شهر رمضان وهي الآية (185) من سورة البقرة، ونزلت في المدينة بعد الهجرة يقول الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
الثانية: تحدد هذه الليلة بأنها ليلة القدر، وهي الآية الأولى من سورة القدر
التي أنزلت بمكة قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
الثالثة: وهي لا تفيد شيئا في هذا المبحث هذا سوى وصف ليلة القدر بالبركة إلى جوار الارتفاع وعلو المكانة مما أثبته الله تعالى في الآية السابقة وهي الآية (3) من سورة الدخان ونزلت بمكة ولكن في مرحلة متأخرة عن القدر تقول هذه الآية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ.
وربما يبدو تعارض وهمي بين نزول القرآن في ليلة القدر، وبين نزوله مفرقا على مدار ثلاثة وعشرين عاما، فيقدم العلماء حلا لهذا التعارض الظاهر يتمثل في ثلاثة احتمالات هى:
الأول: يعتمد على قول ابن عباس: «أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا. وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض في إثر بعض» أي أنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر، ثم كان نزوله على محمد صلى الله عليه وسلم منجما على سنوات بعثته.
الثاني: أن نزوله إلى السماء الدنيا كان في عدد من ليالي القدر يساوي سنوات بعثته، ينزل الله في كل ليلة منها ما قدر انزاله منجما طوال هذه السنة، وقال بهذا مقاتل ونقله عنه القرطبي في تفسيره، وذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.
الثالث: هو قول الشعبي أن نزوله ابتدأ في ليلة القدر ثم استمرت آياته وسوره تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم طوال مدة بعثته حسب تقدير الله وحكمته.
ثم يذكر أن أكثر العلماء يميلون إلى القول الأول، فيقول عن ابن حجر في شرحه على البخاري (هو الصحيح المعتمد). ويقول عنه السيوطي (هو الأصح الأشهر).
واستمر نزول القرآن ثلاثا وعشرين عاما، فتر فيها الوحي بعد ذلك نحو ثلاث سنوات، وأول ما نزل على أصح الأقوال وأرجح الآراء، هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1 - 5].
ويدل عليه ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن عائشة أنها قالت:
«أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزح إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ:
قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقرأ»، ويصحح أيضا الحاكم في مستدركه، والبيهقي في دلائله على اختلاف في اللفظ.
والقول الثاني: أن أول ما نزل من القرآن إطلاقا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ويستدل أصحابه بما رواه الشيخان عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» أو «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني: جبريل - فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ» .
ولكن هذه الرواية تحتمل أن تكون حديثا عما نزل بعد فترة الوحي، وذلك لرواية أخرى للشيخين عن سلمة عن جابر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت: زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فيبين من هذه الرواية أن جابر استند في الحكم بأن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر. إلى ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، وكأنه لم يسمع بما حدث به رسول الله عن الوحي قبل فترته ومن نزول الملك على الرسول في حراء بصدر سورة اقرأ، ولعل السؤال كان أول سورة كاملة أنزلت من القرآن، فظاهر من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أنها ليست أول مرة يأتيه فيها الملك «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» .