الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعجز في كتاب الله أهو الكلام القديم الذي هو صفة لله سبحانه وتعالى أم الحروف المنظومة، ويقرر أن الإعجاز بالحروف المنظومة، وأن الله سبحانه (لم يتحداهم إلى أن يأتوا بالكلام القديم الذي لا مثل له).
ج - قال فخر الدين الرازي صاحب التفسير الضخم (مفاتيح الغيب): إن وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب وغير ذلك مقترنا بالتحدي، ومع أن رأيه يحشد أشياء كثيرة حشدا، إلا أن بوسعنا أن ندرك تركيزه على فكرة الفصاحة، ونرى أنها وفق التصور البلاغي الدقيق لا تكفي لأنها خاصية للألفاظ عن إمكان عزلها عن المعاني.
د - قال السكاكي البلاغي (ت 626 هـ) في «مفتاح العلوم» : اعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما فيبدوا التناقض بين ذاتية إدراك الجمال وبين موضوعية الإدراك بالتعليم، والتدريب.
هـ - قال حازم القرطاجني (ت 684 هـ): أن الإعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا توجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب، ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الإنسانية، فتقطع طيب الكلام ورونقه، وهي نفس فكرة عدم تفاوت نسج القرآن واستمرار كيفه في هذا الكم، وقد قال بها من قبل الباقلاني في إعجاز القرآن.
ويري الزركشي أن الرأي قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن عطية.
والنظم: وجسده عبد القادر الجرجاني المتوفي (471 هـ) في كتابه «دلائل الإعجاز» .
ثانيا: من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم:
ويتمثل هذا في رأي القائلين به، أن آيات القرآن تتوافق مع معطيات العلم، وكلما تقدم العلم كشف عن توافق بينه وبين آيات القرآن الكريم، ويستشهدون على هذا بما ورد في القرآن الكريم من إشارات علمية، أو بعبارة أصح من نسق إرشادي يتفق مع منجزات العلوم على نحو من الأنحاء من ذلك قولهم بأن الآية الكريمة
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [يونس: 61]. تشير إلى حقيقة الذرة، وإلى كونها الجزء الذي لا يقبل التجزئة، وأنها الوحدة الصغرى الأولى كما يشير، وفق زعمهم، إلى قابليتها للانقسام.
وفي مثل قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: 22] من أنه يشير إلى تدخل الرياح في تلقيح النباتات.
وكذلك الآيات فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ [الطارق: 5 - 7]. ومثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5] وكذلك قوله تعالى: فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30] ومثل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189].
ومهما يكن من احتوائها على شيء يوافق العلم فلا بد من أن نلاحظ الآتي:
1 -
إن هذه الآيات قد وردت في سياق الهداية لا في سياق التعليم، وتأمل بداياتها، فلينظر الإنسان - أولم ير الذين كفروا - لأن القرآن ليس كتابا متخصصا في علم من العلوم، فهدفه أكبر من ذلك وأشمل وإخراج الناس من الظلمات إلى النور لا يكون بإرشادهم في الكون بحقائق المعلوم ولا بمخاطبة عقولهم فقط، فمجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية ودوره أن يضع الإنسان في مكانه المناسب من التصور الصحيح للوجود على ضوء ارتباطه بخالقه.
2 -
يجب أن نتوقف في فهم هذه الآيات عند سياقها القرآني الذي وردت فيه، بالإضافة إلى دلالتها اللغوية الأولى التي ترتبط بحياة العرب، الذين تنزل فيهم القرآن أولا.
3 -
ربط القرآن بالعلم هو ربط حقيقة نهائية مطلقة تهدف إلى بناء الإنسان بناء متناعما مع إيقاع الكون ومع الطبيعة الإنسانية، حتى يتم بينهما تنتج عن المعرفة، أما العلم فحقائق قابلة للتعديل، وفق التجارب المستمرة، أدواتها، ظروفها، قدرات أصحابها، ومن الممكن أن تنهار في عصر مقبل الحقائق العلمية التي يقوم عليها
عصرنا، فماذا نفعل؟ سوى أن نحاول لوي النص القرآني، وأن نلح عليها بالتأويل المستمر للنصوص من أجل أن تفسر على مطابقة حقائق العلم، ونظرياته التي تتغير تغيرا مطردا.
ويرجع الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه القيم «في ظلال القرآن» هذا الصنيع إلى: الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته
بالأمس وكل ما يصل إليه عن نهائي ولا مطلق لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة، وخلاصة الدافع لهذا القول أن خلطا بين طبيعة القرآن وبين طبيعة العلم ووظيفة كل منهما.
ويكفي القرآن أنه احتوى على الأساس الفكري الذي يبنى عليه كل علم، وهو الدعوة إلى التفكير والتأمل والبحث وتحديد الموقع من العالم وإن كان في إطار هدفه الأسمى من هداية الإنسان وتحقيق إنسانيته الحقيقية، يقول تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: 17 - 20].
ومثل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: 8]. ومثل قوله تعالى:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: 90، 91].
وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد: 3] وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21].
ويرفع مكانة العلماء كما في قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: 11] وقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: 91]، ويجعل العلم دعاء المؤمن إلى الله،