المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[حديث أنزلوا الناس منازلهم] - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة

[عبد الرحمن السعدي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة]

- ‌[حديث إنما الأعمال بالنيات

- ‌[حديث مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ منه فهو رد]

- ‌[حديث الدين النصيحة

- ‌[حديث مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهل الجنة فلينظر إلى هذا]

- ‌[حديث. . . قل آمنت بالله ثم استقم]

- ‌[حديث الْمُسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

- ‌[حديث أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا

- ‌[حديث يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا من خلق كذا

- ‌[حديث كل شيء بقدر حتى العجز والكيس]

- ‌[حديث مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأجر مثل أجور من تبعه]

- ‌[حديث مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدين]

- ‌[حديث الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ المؤمن الضعيف]

- ‌[حديث المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا]

- ‌[حديث اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ما شاء]

- ‌[حديث أنزلوا الناس منازلهم]

- ‌[حديث مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شق]

- ‌[حديث اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تمحها]

- ‌[حديث الظلم ظلمات يوم القيامة]

- ‌[حديث انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تنظروا إلى من هو فوقكم]

- ‌[حديث لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حتى يتوضأ]

- ‌[حديث عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ

- ‌[حديث الماء طهور لا ينجسه شيء]

- ‌[حديث إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ والطوافات]

- ‌[حديث الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رمضان مكفرات لما بينهن

- ‌[حديث صلوا كما رأيتموني أصلي]

- ‌[حديث أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قبلي

- ‌[حديث أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ صيام ثلاثة أيام من كل شهر

- ‌[حديث إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غلبه

- ‌[حديث حق المسلم على المسلم ست]

- ‌[حديث إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ ما كان يعمل صحيحا مقيما]

- ‌[حديث أسرعوا بالجنازة

- ‌[حديث لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صدقة]

- ‌[حديث ومن يستعفف يعفه الله]

- ‌[حديث ما نقصت صدقة من مال]

- ‌[حديث كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إلا الصوم

- ‌[حديث إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فقد آذنته بالحرب]

- ‌[حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا]

- ‌[حديث نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر]

- ‌[حديث الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حلالا أو أحل حراما

- ‌[حديث مطل الغني ظلم]

- ‌[حديث على اليد ما أخذت حتى تؤديه]

- ‌[حديث قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم]

- ‌[حديث يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أحدهما صاحبه]

- ‌[حديث إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثلاث صدقة جارية

- ‌[حديث مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مسلم فهو له]

- ‌[حديث ألحقوا الفرائض بأهلها]

- ‌[حديث إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقه فلا وصية لوارث]

- ‌[حديث ثلاثة حق على الله عونهم المكاتب يريد الأداء

- ‌[حديث يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ]

- ‌[حديث لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤِمْنِةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خلقا رضي منها آخر]

- ‌[حديث لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها

- ‌[حديث من نذر أن يطيع الله فليطعه

- ‌[حديث المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم

- ‌[حديث مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضامن]

- ‌[حديث ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم]

- ‌[حديث لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المعروف]

- ‌[حديث إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ

- ‌[حديث لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قوم وأموالهم]

- ‌[حديث لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا مجلود حدا

- ‌[حديث مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكل]

- ‌[حديث إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة

- ‌[حديث حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحمر الإنسية ولحوم البغال

- ‌[حديث لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرجال]

- ‌[حديث مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شفاء]

- ‌[حديث الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ]

- ‌[حديث مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يعنيه]

- ‌[حديث مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ من أدب حسن]

- ‌[حديث مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ ونافخ الكير

- ‌[حديث لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين]

- ‌[حديث لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلَا حَسَبَ كحسن الخلق]

- ‌[حديث جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي فقال لا تغضب

- ‌[حديث لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال ذرة من كبر]

- ‌[حديث قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ الله بما آتاه]

- ‌[حديث إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ

- ‌[حديث هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم]

- ‌[حديث يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يدخلان الجنة

- ‌[حديث لا يتمنين أحدكم الموت لضرر أصابه]

- ‌[حديث إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها

- ‌[حديث الإيمان بضع وسبعون شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

- ‌[حديث مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ليس بينه وبينه ترجمان

- ‌[حديث دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم

- ‌[حديث مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ]

- ‌[حديث مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وينسأ له في أثره فليصل رحمه]

- ‌[حديث المرء مع من أحب]

- ‌[حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سفر كبر ثلاثا

- ‌[حديث خذوا عني مناسككم]

- ‌[حديث قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ]

- ‌[حديث لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ]

- ‌[حديث اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى]

- ‌[حديث مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر]

- ‌[حديث إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا به شيئا

- ‌[حديث. . . خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بنيك]

- ‌[حديث لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ]

- ‌[حديث كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة]

- ‌[حديث. . . أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ أو يحبه الناس عليه

- ‌[حديث رِضَى اللَّهِ فِي رِضَى الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُ اللَّهِ في سخط الوالدين]

- ‌[حديث ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ المسلمين

- ‌[حديث إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فيها راحلة]

- ‌[حديث يِأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كالقابض على الجمر]

- ‌[الخاتمة]

الفصل: ‌[حديث أنزلوا الناس منازلهم]

المشفوع عنده قبولها إلا أن يشفع في إيصال الحقوق الواجبة، فإن الحق الواجب يجب أداؤه وإيصاله إلى مستحقه، ولو لم يشفع فيه، ويتأكد ذلك مع الشفاعة.

وفيه أيضا: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في حصول الخير لأمته بكل طريق. وهذا فرد من آلاف مؤلفة تدل على كمال رحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم، فإن جميع الخير والمنافع العامة والخاصة لم تنلها الأمة إلا على يده وبوساطته وتعليمه وإرشاده، كما أنه أرشدهم لدفع الشرور والأضرار العامة والخاصة بكل طريق. فلقد بلغ وأدى الأمانة، ونصح الأمة صلوات الله وسلامه وبركته عليه وعلى آله وصحبه.

قوله: «ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» قضاؤه تعالى نوعان: قضاء قدري، يشمل الخير والشر والطاعات والمعاصي، بل يشمل جميع ما كان وما يكون، وجميع الحوادث السابقة واللاحقة، وأخص منه القضاء القدري الديني الذي يختص بما يحبه الله ويرضاه، وهذا الذي يقضي على لسان نبيه من القسم الثاني؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم عبد رسول، قد وفى مقام العبودية، وكمل مراتب الرسالة، فكل أقواله وأفعاله وهديه وأخلاقه عبودية لله متعلقة بمحبوبات الله تعالى. ولم يكن في حقه صلى الله عليه وسلم شيء مباح محض لا ثواب فيه ولا أجر، فضلا عما ليس بمأمور، وهذا شأن العبد الرسول الذي اختار صلى الله عليه وسلم هذه المرتبة التي هي أعلى المراتب حين خير بين أن يكون رسولا ملكا، أو عبدا رسولا.

[حديث أنزلوا الناس منازلهم]

الحديث الخامس عشر عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ منازلهم» رواه أبو داود.

ص: 35

يا له من حديث حكيم، فيه الحث لأمته على مراعاة الحكمة. فإن الحكمة وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها، والله تعالى حكيم في خلقه وتقديره، وحكيم في شرعه وأمره ونهيه وقد أمر عباده بالحكمة ومراعاتها في كل شيء، وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاداته كلها تدور على الحكمة.

فمنها: هذا الحديث الجامع، إذ أمر أن ننزل الناس منازلهم. وذلك في جميع المعاملات، وجميع المخاطبات، والتعلم والتعليم.

فمن ذلك: أن الناس قسمان: قسم لهم حق خاص، كالوالدين والأولاد والأقارب، والجيران والأصحاب والعلماء، والمحسنين بحسب إحسانهم العام والخاص. فهذا القسم تنزيلهم منازلهم: القيام بحقوقهم المعروفة شرعا وعرفا، من البر والصلة والإحسان والتوقير والوفاء والمواساة، وجميع ما لهم من الحقوق، فهؤلاء يميزون عن غيرهم بهذه الحقوق الخاصة.

وقسم ليس لهم مزية اختصاص بحق خاص، وإنما لهم حق الإسلام وحق الإنسانية، فهؤلاء حقهم المشترك: أن تمنع عنهم الأذى والضرر بقول أو فعل، وأن تحب للمسلمين ما تحب لنفسك من الخير وتكره لهم ما تكره لها من الشر، بل يجب منع الأذى عن جميع نوع الإنسان وإيصال ما تقدر عليه لهم من الإحسان.

ومما يدخل في هذا: أن يعاشر الخلق بحسب منازلهم، فالكبير له التوقير والاحترام، والصغير يعامله بالرحمة والرقة المناسبة لحاله، والنظير يعامله بما يجب أن يعامله به، وللأم حق خاص بها، وللزوجة حق آخر، ويعامل من يدل عليه ويثق به، ويتوسع معه، ما لا يعامل به من لا يثق به ولا يدل

ص: 36

عليه. ويتكلم مع الملوك وأرباب الرئاسات بالكلام اللين المناسب لمراتبهم، ولهذا قال تعالى لموسى وهارون:{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44]

ويعامل العلماء بالتوقير والإجلال والتعلم، والتواضع لهم، وإظهار الافتقار والحاجة إلى علمهم النافع، وكثرة الدعاء لهم، خصوصا وقت تعليمهم وفتواهم الخاصة والعامة.

ومن ذلك: أمر الصغار بالخير، ونهيهم عن الشر بالرفق والترغيب، وبذل ما يناسب من الدنيا لتنشيطهم وتوجيههم إلى الخير، واجتناب العنف القولي والفعلي، ولهذا قال:«مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر» وكذلك سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤلفة قلوبهم - من العطاء الدنيوي الكثير - ما يحصل به التأليف، ويترتب عليه من المصالح، ولم يفعل ذلك مع من هو معروف بالإيمان الصادق تنزيلا للناس منازلهم.

وكذلك مخاطبة الزوجة والأولاد الصغار بالخطاب اللائق بهم الذي فيه بسطهم، وإدخال السرور عليهم.

وكذلك من تنزيل الناس منازلهم: أن تجعل الوظائف الدينية والدنيوية والممتزجة منهما للأكفاء المتميزين، الذين يفضلون غيرهم في ولاية تلك الوظيفة، فمعلوم أن ولاية الملك: أن الواجب فيها خصوصا - وفي غيرها عموما - مشاورة أهل الحل والعقد في تولية من يصلح لها ممن جمع بين القوة والشجاعة والحلم، ومعرفة السياسة الداخلية والخارجية، ومن له القوة الكافية لتنفيذ العدل، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وردع الظلمة والمجرمين، وغير ذلك مما يدخل في الولاية.

ص: 37

وكذلك ولاية القضاء: يختار لها الأعلم بالشرع وبالواقع، الأفضل في دينه وعقله وصفاته الحميدة.

وكذلك ولاية الإمامة في المساجد في الجمعة والجماعة: يختار لها الأعلم بأحكام العبادات الأتقى، ثم الأمثل فالأمثل - وكذلك ولاية قيادة الجيوش: يختار لها أهل القوة والشجاعة والرأي والنصح، والمعرفة لفنون الحرب وأدواتها، وما يتبع ذلك مما تتوقف عليه هذه الوظيفة المهمة التي هي من أهم الوظائف وأخطرها، إلى غير ذلك من الولايات الكبار والصغار. فإنها داخلة في قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] وهذه الولايات من أعظم الأمانات. فيتعين أن تؤدى إلى أهلها، وأن يوظف فيها أهل الكفاءة بها، وكل وظيفة لها أكفاء مختصون، وهو داخل في هذا الحديث الشريف.

وكذلك يدخل في ذلك معاملة العصاة والمجرمين، فمن رتب الشارع على جرمه عقوبة من حد ونحوه تعين ما عينه الشارع، لأنه هو عين المصلحة العامة الشاملة، ومن لم يعين له عقوبة، عزر بحسب حاله ومقامه، فمنهم من يكفيه التوبيخ والكلام المناسب لفعلته، ومنهم من لا يردعه إلا العقوبة البليغة.

وكذلك في الصدقة والهدية، ليس عطية الطواف الذي يدور على الناس فتكفيه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان كعطية الفقير المتعفف الذي أصابته العيلة بعد الغنى. وفي الأثر (ارحموا عزيز قوم ذل) .

وكذلك يميز من له آثار وسوابق وغناء ونفع للمسلمين على من ليس كذلك.

ص: 38