المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌لحظة التأمل عن (الثورة الإفريقية) عدد 228 في 26 حزيران (يونيو) - بين الرشاد والتيه

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌ ‌لحظة التأمل عن (الثورة الإفريقية) عدد 228 في 26 حزيران (يونيو)

‌لحظة التأمل

عن (الثورة الإفريقية) عدد 228 في 26 حزيران (يونيو)1967.

إن جريدة الجمهورية القاهرية- حسبها نقلته لنا زميلتها (لوموند) الباريسية- تقترح تصفية الثقافة الغربية في مصر.

لعل المشكلة مطروحة بعبارات أوحى بها الغضب إلى محرر مستعجل. ولكنها إذ طرحت على أية حال، لابد من ضبط صيغتها. وحسبنا أن نذكر هنا أننا تعودنا الإنصات بكل سمعنا إلى سائر الأصوات، خصوصا الأصوات الغربية.

فمنذ (لورانس) الذي كان يعدنا بـ (مملكة عربية)، في الوقت الذي كان زميله (بلفور) يعد بتأسيس وطن يهودي بفلسطين، كم ساحرة قد سحرتنا بكلامها

فأنصتنا وسمعنا!!.

و (ضمير العصر) ذلك الصوت الذي نقش اسم صاحبه على جدار جامعة في عاصمة عربية، لم يأتنا صاحبه وحده من باريس، بل نحن الذين دعوناه.

وإذا ما أردنا سبر أغوار هذه القضية يجب أن نقول إن هذه الانحرافات ترتبط بأشياء معينة، لن تزول إلا معها.

فحين كان الطالب الياباني يذهب إلى الغرب في أواخر القرن الماضي، كان يذهب ليتعلم التقنية، مع الحفاظ المتشدد على أخلاق بلاده، كما سيذهب بعده،

ص: 121

ذلك التلميذ الصيني المتواضع (نسيان هماسين) ليتعلم في مختبر (جوليو- كوري) بباريس، وليعود لبلاده بالمعلومات النووية التي تدهش العالم اليوم.

بينما غالبا ما يحدث للطالب، الذي يذهب من بلادنا، أن يعود بشهادة ولكن بعد أن يترك روحه في مقاهي أو خمارات الحي اللاتيني أو في النوادي الوجودية بـ (سان جرمان).

ينبغا أن نتأمل هذه الأشياء التي تفسر لنا اليوم إلى حد كبير ما نحن فيه. وعلينا الصمت أيضاً، إذ بينها كنا ننصت لأصوات غيرنا أو نتكلم، كانت الأشياء الخطيرة التي عشناها في الأسبوع الماضي تتهيأ.

فالآن حان لنا أن نعود لأنفسنا، في موقف يفرض علينا لحظة تأمل عميق. ينبغي أولا أن نحدد بدون تردد أو لبس موقفنا الأخلاقي بالنسبة للحالة الراهنة.

إن لنا لعبرة في بعض فصول تاريخ المسلمين، فعمار بن ياسر في واقعة صفين، التي كادت تكون قاصمة كان يقول:((والله لو ردونا إلى صحراء هجر لبقيت على يقيني أننا نقاتل على حق وهم على باطل)).

فحين نحدد هكذا بهذا الوضوح، لم يبق مجال للتولي والقهقرى، حتى لو صارت الأرض تدور في الاتجاه المعاكس فما علينا إلا أن نواصل طريقنا.

واليوم لا يجوز للعرب التردد في موقفهم أمام الحالة الراهنة؛ من دون تردد أو تراجع سنبقى مهيمنين على كل ما نستنتجه من تأملنا ومن استعادة رشدنا.

وإذا ما كشف لنا نقدنا الذاتي أخطاء ارتكبناها، تقضي علينا بالتحسر والندم فليكن ولنشرح صدورنا للندم

ص: 122

عندها لن يكون تقاعسا عن مواصلة الكفاح، بل هو الحافز على مواصلته مع شعور أشد رهافة بمسؤوليتنا، وتصور أكثر وضوحا لجوانب الضعف فينا ولأخطائنا التي تسببت في الإرتخاء الذي طبع الرحلة السابقة.

وبعبارة أخرى: من يندم يتقدم.

وكم نود لو يعود العرب إلى أنفسهم فيحاسبونها حسابا ينجيهم. فالأشياء التي نواجهها ثقيلة، وتفرض علينا لحظة تأمل شامل، لا هوادة فيه.

إن ساعة الحقيقية قد دقت في العالم العربي، كما دقت في أوربا في شهر حزيران (يونيو) سنة 1940، وكما تدق كل مرة يكون فيها للمرء حساب مع نفسه.

ولا يجوز لنا كل مرة نشعر فيها بأننا نختنق بحقيقة أن نبتلعها مع ريقنا بسبب اعتبارات شكلية.

إن ساعة الحقيقة قد دقت في العالم العربي، وإنه من حسن حظه، في المأزق الحرج الذي يجد فيه نفسه، أن يغتنم الفرصة لمحاسبتها حسابا شديدا أي ألا يقف في منتصف الطريق في مراجعة الأخطاء.

إن للحالات الحرجة فضلا، حين يتحرر فيها المرء من بعض العقد ومن مراعاة الشكليات، ويستطيع المضي في تأمله إلى أعماق الأشياء، من دون تحفظ دبلوماسي.

وهي فرصة استثنائية لا يجوز إهمالها، بل يجب على العالم العربي أن يغتنمها وقد رأينا أمة أخرى تقوم بهذه المحاسبة طيلة ستة أشهر، يوم أعلنت الصين بعد انتصارها ما سمته (حملة الإعتراف)، ونعلم ما كان من أثر لهذه المعالجة في أمة تمثل ربع الإنسانية.

ص: 123

فلو قام العالم العربي بوضع ميزانيته، وفتش في كل ركن من بيته، ولو راجع ضميره من دون أي تلطيف، لشاهد معجزة تبرز من اعترافه، تدهش العالم وتدهشه هو نفسه (1).

وينبغي، خاصة، أن نعيد بكل اهتمام قراءة المأساة التي سجلها التاريخ هذه الأيام، ونطلب من كل كلمة ومن كل سطر أن يعطيانا ما يكتمان من سر.

فنترك إذن الأشياء تحدثنا بنفسها بلغتها وبكل بساطة، دون أن نفرض عليها رقابة أو تزيينا.

ماذا عساها تقول لنا الأشياء؟

إن أغلب الاخبار الواردة في الصحافة الغربية ليست صحيحة، وتبدو بكل وضوح أنها أعدت من أجل أن تزيد في الفوضى واللبس اللذين استوليا على العقول اليوم في العالم العربي، كأنما تريد جهات خفية وضعه أمام قدر محتوم، حتى تتخذ ردود أفعاله اتجاها معينا.

إنما تبقى لدينا حقيقة لا نزاع فيها، هي أن الجهاز الفني الحربي لم يكن له - في الجانب العربي- أي تأثير في المعركة.

وبجانب هذه الحقيقة، حقيقة أخرى لعلها تلطف الأولى: فالعدوان الصهيوني انطلق من دون إعلان حرب، ويخطئ من يوازن ذلك بواقعة (بيرل هربر)، فهذا محض تزييف للتاريخ، إذ لم يبدأ الأسطول الياباني قصفه ضد القاعدة الأمريكية المذكورة في شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 1941 في اللحظة التي كان فيها سفير اليابان بواشنطن يسلم إعلان الحرب إلى البيت الابيض.

(1) إن هذه المقالة وأخواتها في الأيام التي تبعت النكسة، لفتت النظر على عكس ما كنت أتوقع، فقال لي سفير الجمهورية العربية المتحدة: إنها تحمل لهجة شديدة علينا، قال ذلك بلهجة العتاب غفر الله له.

ص: 124

فالقضية تختلف تماما عما وقع صبيحة الخامس من حزيران (يونيو) الأخير: فـ (موشي دايان) وشركاؤه بواشنطن، كانوا وحدهم قادرين على تحدي العرف الدولي، وقد بادروا إلى القصف دون أي إخطار موجه للخصم.

إنما ذلك لا يعفي هذا الخصم من مسؤوليته العسكرية، ولا يشفع له إذا كان جهازه للرقابة والدفاع لم يتحرك صبيحة الخامس من حزيران، بينما كان الوضع على شفير الحرب منذ انسحاب قوات هيئة الأمم من (شرم الشيخ).

ومما يلفت النظر، أن أبواق النذير لم تنطلق في القاهرة إلا بعد عشرين دقيقة من القصف الأول للطيران الإسرائيلي لمطارات الجمهورية العربية المتحدة. وأجهزة الرادار لم تتحرك:((إنها أشنع كلمة سجلها التاريخ في المأساة، وكم من كلمة أخرى تجب قراءتها وتستحق التأمل)).

ولكن .. إننا نعفي أنفسنا من مواصلة قراءة نص لم ينته التاريخ نفسه من كتابته. إن مصير الآلاف من الأسرى العرب بين أيدي الصهاينة- عفوا بين أيدي ضحايا معتقل (داخاء)(1) - لا يزال مبهما.

وبعد ذلك، سنشاهد بعض المواقف (الإنسانية) المعدة للإعلام، ولعلنا سوف نرى على الشاشة، (موشي دايان) يوزع الخبز والدواء على لاجئين مطرودين من بيوتهم كما طرد إخوانهم سنة 1948.

وفوق هذا كله سنرى الوقفة الإنسانية الجديدة (التقدمية) في الغرب، إننا رأيناها منذ أسبوعين فقط تقف بجانب الصهيونية، معلنة أنها تدعم كفاحها العادل. فلا نستغرب أن نراها غدا- وربما اليوم- توجه نداء إنسانيا من أجل اللاجئين والأسرى العرب.

(1) هو (دخاو): مدينة قرب (ميونيخ) اتخذ منها النازيون معتقلا كبيرا.

ص: 125

إن اللحظة تفرض أن نسد أذنينا وخاصة أنوفنا حتى لا نشم رائحة هذا النفاف. يجب أن نفرض الصمت والتأمل والعمل، لأنه ليس لدينا من الوقت متّسع لنسمع ثرثرة الآخرين وخصوصا ثرثرتنا.

في الحقيقة إذا كان الصمت من ذهب، قبل المأساة، فإنه اليوم من الذهب المصفى.

يجب على العرب، في الوضع الراهن، أن ينظموا سلوكهم تنظيما لا يتركون معه ما يستغله العدو: يجب أن تكون جبهتهم في الخارج كالبنيان المرصوص في ترتيب سياسة البترول، حتى يكون له دور فعال في الملابسة الديبلوماسية الراهنة، وفي الداخل يجب عليهم تنظيم دارهم، لأن الدرس لا يكون مفيدا إذا بقي الوضع كما هو، وقد أدانته بشدة الأحداث ذاتها.

لقد قلنا في المرة السابقة، إن كلمة (حذر) يجب ألا تكون فقط كلمة تتحلى بها الصفحات الأولى من جرائدنا، والسطور الأولى من خطاباتنا، بل يجب أن تكون قاعدة يراعيها في سلوكه: المواطن والمسؤول معا.

وإذا قلنا (قاعدة) نعني بذلك شيئا يطبق في الحين وتكون له نتائج عاجلة.

إننا لنهتف لنشر قائمة (أصدقاء الصهيونية في العالم الغربي) المعلقة على جدران شوراعنا. ولكن

عفوا أين قائمة (أصدقاء الصهيونية) الذين يتفسحون في شوارعنا؟

يجب ألا يوضع المحراث قبل الثيران. وعلينا بهذه المناسبة أن نحيي الأصدقاء الأجانب المتعاونين معنا، ولكن نقول لهم في الوقت نفسه كما نقول لأنفسنا:((يجب أولا أن يُحترم النظام في دارنا ويسود)).

ص: 126

فالعرب بحاجة إلى النظام كي يستعيدوا في الوقت المحدد كل ما تحطم من قيم معنوية أو مادية بسبب العدوان الصهيوني.

وقبل كل شيء يجب عليهم أن يأخذوا في الحساب كل معطيات المأساة، حتى يتخذوا المواقف البطولية التي يقتضيها الوضع، وكي يصدروا عن دراية حكهم على كل من وجبت إدانته بغير ضعف أو توانٍ.

إن الوضع لا يسمح بالتنازل عن أية جريمة.

فالإستعمار بالمرصاد كي يلفتنا عن وجهتنا بالوسائل كلها في هذه المرحلة، حتى لا يسمح لتأملنا ولجهدنا أن يأتيا بثمارهما.

ومن المؤكد أنه يجعلنا في المشكلة الداخلية، باسم أولويات ينخدع لها بسهولة سذج العقول. بينما هذه المشكلات، رأس القائمة، في سائر الظروف وخصوصا في الحالة الراهنة.

فحين كان عمر رضي الله عنه يواجه أعظم ملابسات التاريخ الإسلاميكان يقول: ((والله لو سقط جذع إبل من جسر من جسور دجلة لخشيت أن يحاسبني الله عليه)).

وعندما كان نابليون في غمار الحملة التي قادته إلى موسكو كان، وهو يعيش أعسر أيامه، منكبا على تخطيط التنوير في شوارع باريس.

تلك عظمة المشكلات الداخلية في نظر عظماء التاريخ، وهم يواجهون في الوقت نفسه أخطر مشكلات زمانهم.

ففي الحالات الصعبة، ليس من المعقول أن يقلع القطار بعربات الدرجة الأولى بدعوى أنه قطار سريع، بل يجب أن يحرك سائر العربات وراءه من أولوية إلى أولوية.

ص: 127

والنبي صلى الله عليه وسلم يدلنا على هذه الحقيقة في الحديث الشريف: «من كانت بيده غرسة يريد غرسها وقامت الساعة فليغرسها» .

هذه الوصية لمن يتولى الغرس من المسلمين، يجب أن يتأملها ويستفيد منها كل مسلم، حتى لا يبقى بيده إلى ساعة النشر والحشر ما يريد غرسه اليوم، بدعوى أنه كان في ظرف غير يسير، أو أن الساعة قد حلت.

***

ص: 128