الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شروط الإقلاع الإقتصادي
عن (الثورة الإفريقية) عدد 223 في 22 أيار (مايو) سنة 1967.
إن الملتقى العربي الذي سينعقد في الجزائر هذا الأسبوع، سيتناول في جدول أعماله الملابسات الإقتصادية في البلدان المعنية.
وفي هذا الإطار نقرأ للسيد محمد الريفي (العضو في الوفد المراكشي) تأملات، نشرها في العدد الأخير من هذه الصحيفة تضعنا فى قلب الموضوع. فهو يقول ((إنه بالنسبة للخطة الخمسية (المراكشية) لسنوات 1960 - 1964 فإن المخطط الثلاثي المقترح الذي أعد للفترة 1965 - 1967 يمثل تراجعا ورجوعا إلى الوراء، سواء من حيث تصوره العام أو من حيث الشروط المقررة لتنفيذه)).
إن الأستاذ (الريفي) يستحق الشكر كله على هذا الوضوح وإذن فالأمر بيّن، فالتخطيط قد يؤول في حالٍ كالتي يشير إليها المثل السابق، إلى ترك بعض المكاسب عوض أن يحقق مكاسب جديدة.
وليس من الإجحاف إذا ما وسعنا هذه الحقيقة إلى بلدان أخرى من العالم الثالث، أعني تلك البلدان التي أرادت بعد إستقلالها، أن تضع خططا إقتصادية لتنميتها فدعت من أجل ذلك مخططين بارعين كالدكتور (شاخت) مثلا.
وعندما تبوء هذه المحاولات بالفشل، فلا يجوز أن يشككنا فشلها في فكرة التخطيط ذاتها أو في أفكار من يقوم به.
فالتخطيط مظهر من مظاهر تعجيل خطا التاريخ في القرن العشرين، وهو مظهر يخص الميدان الإقتصادي.
إن فكرة التخطيط تعبر بالضبط، في هذا اليدان، عن رغبة بعض البلدان أو بصورة أدق بعض المجتمعات التي أحست بتخلفها عن مجتمعات أخرى، فصممت على أن تتدارك تخلفها هذا، بطرق فنية متسارعة.
فهذه- في جوهرها- فكرة التخطيط، ونجاحها قد تأكد على الأقل في بلدين من الكتلة الإشتراكية.
أما أفكار المخطط الخبير، كالدكتور (شاخت) مثلا، فهذه أفكار برهنت على جدواها بما حققته، في ظروف إجتماعية سياسية أخرى، كذلك النجاح الإقتصادي الكامل في ألمانيا خلال سنوات 1933 - 1939.
وهنا نتساءل: لماذا لا يعطي التخطيط النتائج نفسها في بلد أفروسيوي؟
ولماذا تصبح أفكار المخطط عقيمة؟.
هنا تبدو القضية بأكملها.
ولقد كان من اليسير على مؤتمر باندونج في عام 1955 أن يطرحها بهذا الوضوح، لما كان أمامه من تجارب سبقت في آسيا أو إفريقيا. وكان يستطيع، انطلاقا من تلك التجارب، (الدالة بسبب نتائجها السلبية ذاتها) تكوين نظرية اقتصادية تطابق الواقع الأفروسيوي. إن علم الاقتصاد، لم يبرز من الأحداث الإقتصادية بعملية تجريد صرفة، وفقا للطريق الذي أتبعته الهندسة عندما وضعت مسلمتها الأساسية. بل إنه ظهر إلى الوجود (بنظارات) وضعها على عينيه على الرغم مما يدعيه أهله. فـ (آدم سميث) قد وضع له (نظارتي) المصلحة الفردية وحرية التصرف، كما وضع له (ماركس)(نظارتي) التسيير السلطاني والصراع الطبقي.
فلم يكن على مؤتمر باندونج أن يختار أي (النظارتين) أليق بالاقتصاد، بل كان عليه أن يبحث عن طريق تنمية مع الشروط الخاصة بالبلدان الإفريقية الأسيوية في مرحلتها الراهنة.
على أن هذه البلدان سلكت مسلكا كأنما هي لا تبحث عن أي (النظارتين) هي أصلح، بل لتضع لاقتصادها سائر (النظارات) الموجودة.
فبعض البلدان وضعت مخططها طبقا لاختيار إشتراكي من حيث الأهداف، ثم حددت طرق التنفيذ طبقا لمنهج رأسمالي من حيث الوسائل، وفيما يتصل بقضية الإستثمار بوجه خاص.
وهكذا وضعوا آمال الجماهير المشروعة تحت رحمة مصالح أجنبية، بسبب الوهم الذي كان لدى بعض المسؤولين، ((في إمكان عودة رؤوس الأموال الأجنبية بعد الإستقلال لاستثمارها)) كما يشير إلى ذلك الأستاذ (محمد الريفي).
كان على باندونج إِذن، في ضوء هذه السوابق المؤسفة، أن يعيد الأشياء إلى مكانها، والأفكار إلى مجراها القويم من أجل تحديد الأهداف والوسائل بطريقة تطابق شروط (الإقلاع) في العالم الثالث.
وكان عليه أن يستنير بأفكار تتصل بالموضوع، من شأنها أن تدل، على الأقل، على الإتجاه العام الذي كان بالضبط مفقودا لدى المؤتمر.
كان عليه أن يستنير على الأقل بفكرة قدمها (تيبور ماند) - مع أنه ليس من أهل الاختصاص- في كتاب له عندما قال: إن مشكلة التنمية في البلاد الأفروسيوية في حاجة إلى عالم (الحياة الاجتماعي) أكثر منها إلى (مهندس الاجتماع).
إن هذه الفكرة ليست في حد ذاتها هي الحل، لكن دلالتها بالنسبة لبلد
يريد الإقلاع الإقتصادي، هي أهم من مخطط وضعه إختصاصي ماهر، لا يرى واقعا إنسانيا له بعده الخاص في الحياة الإقتصادية.
إن فشل تجربة الدكتور (شاخت) في مخططاته خارج بلاده، لدليل واضح على عجز (المهندس الإجتماعي) في معالجة بعض القضايا الإقتصادية.
ترى أي درس نستخلصه من فشله؟
إن مخططا ما يجب ألا تكون له هوامش لعاب، بعضها من لعاب الرأسمالية، وبعضها الآخر من لعاب الماركسية.
فأي مشروع نفكر فيه بأفكار الآخرين، ونحاول إنجازه بوسائل غيرهم معرض للفشل لا محالة.
والموضوع هنا في منتهى الوضوح بالنسبة لتحديد الهدف: إن هدفنا خلق شروط الإقلاع وهذه هي مشكلة التنمية في جوهرها.
ثم علينا أن نحدد بأية وسيلة سنبلغ ذلك الهدف. إذ ليس من مصلحتنا أن نستثمر بأي شيء:
فليس من المقبول أن نستثمر ما نرغب فيه ونريده حتى بالوسائل التي هي في يد الغير. بل علينا أن نستثمر ما نستطيع بالوسائل الموجودة فعلا في أيدينا.
وإذن، ما هي الوسائل التي في يد أي شعب في ساعة الصفر من إقلاعه؟
إن ألمانيا- بعدما تعطلت تماما سفينتها في نهاية الحرب العالمية الثانية- أقلعت بمقدار خسة وأربعين (45) ماركا للرأس فقط.
لكن الإستثمار الحقيقي كان في رأس كل مواطن ألماني وفي عضلاته، وبصورة أشمل وأدق كان في تصميم الشعب الألماني، وفي التراب الألماني على الرغم من فقره، وعلى الرغم من أنه كان محتلا.
وفي الفترة نفسها- أي سنة 1948 - يقلع بلد آسيوي (الصين) في ظروف أقسى بكثير بسبب رواسب أكبر لم يعانها الشعب الألماني، فقد كان على الصين أن تخلق حق رأسمالها الفكري، بقطع النظر عن الفكرة الأيديولوجية التي تحركها.
إننا لنجد في تجربتنا، في وضع إجتماعي إقتصادي شبيه بالذي تعرفه كل البلدان الأفروسيوية، الدرس الذي يفيدنا أكثر في معرفة الشروط الأولية للإقلاع.
بصورة عامة، فوسائل أي بلد أفروسيوي في المرحلة الراهنة من تطوره، تصنف كما يلي:
1 -
فلاحته وهي تنقص أو تزيد بدرجة وسائله البدائية.
2 -
ما يملك من مواد خام في السوق.
3 -
العمل المتوقع الذي يمكن تحويله إلى عمل واقع يعد بالساعات.
إن هذا هو سائر الرصيد الإقتصادي لوطن متخلف في ساعة الصفر من إقلاعه. وسائر العوامل الأخرى فهي إضافية: إذ كل قرض أو استثمار يأتي من الخارج لا يمكن أن يكون القاعدة التي يقوم عليها مخطط ما.
ومن ناحية أخرى، فالإختيار، أي النموذج الأيديولوجي إنما يؤثر في سرعة التنمية على وجه الخصوص.
فاختيار الإشتراكية، مثلا إذا ما احترمت سائر شروطها الأيديولوجية يؤثر في السرعة، بسبب التسيير المفروض على وسائل الإنتاج.
أما إذا لم تحترم شروطها في مرحلة الصياغة، بسبب هوامش مخالفة لجوهرها، أو في مرحلة الإنجاز، بسبب إرهاقها ببيروقراطية طفيلية، فإنه لن
يكون لها التأثير على الأجهزة النفسية المتوقع تحريكها، وهكذا تجمد الحركة ويستحيل الإقلاع.
وعليه، فبقطع النظر عن الإختيار الأيديولوجي، يجب اعتبار الوسائل الموجودة في حد ذاتها، أي بتقديرها الإقتصادي البحت.
إن بلدا متخلفا ليست لديه عملة ذات قيمة دولية يستطيع بها تجهيز صناعاته بالآلات الضرورية، فإن عملته، هي المادة الخام المصدرة إلى البلدان المصنعة، ومنها ما يفيض عن استهلاكه من القمح أو الأرز، أو ما ينتج من قطن أوجوت هالج.
هذه المواد هي ما لديه بوصفها وسيلة استثمار في الخطوة الأولى، من أجل اقتناء ما يحتاجه في ميدان التصنيع. وتجربة الجزائر في تسويق الغاز وما لاقته من معوقات تدل على ضعف هذه العملة، مادامت غير محصنة بالتدابير الضرورية من المناورات التي تحط من قيمتها الشرائيه في السوق. وهذه الحصانة لا تتأتى إلا في نطاق سياسة اقتصادية موحدة بين بلدان العالم الثالث، حتى لا يبقى ذريعة لمناورين يتنافسون في التخفيض بين أرز بورما وأرز مصر وبترول الكويت وبترول العراق.
وحينما قدم للمؤتمر الأفروسيوي الثاني في القاهرة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1958 إقتراح لتأسيس (مصرف لمواد الخام) رأينا بكل أسف هذا الإقتراح يمسخ، ويعدل ويصدر في النهاية في صورة اقتراح لتأسيس (مصرف للتنمية) - أي في صورة فكرة لا وسيلة لها- وهكذا لم يكن لهذا المصرف الخيالي أي أثر في التنمية.
هذا الفشل ليس سوى مثل لتوضيح (اللافعالية) التي تختلف درجتها من وطن إلى آخر، ولكنها تعم العالم الثالث كله- عدا الصين-، فلم يحدث فيه إلى الآن تحويل العمل المتوقع إلى عمل واقع يقدر بالساعات.
ونلاحظ هنا أن القضية لا تتصل بفقر في الوسائل- لأن العمل هو الذي يخلقها- ولكن بفقر في الأفكار.
فمن أجل دفع الآلة الإجتماعية في الحركة، أي من أجل تحقيق شروط الإقلاع، يجب أن يقوم التخطيط على مسلمة مدرجة كمبدأ عام لكل تشريع إجتماعي إقتصادي ألا وهي:((كل الأفواه تستحق قوتها، وكل السواعد يجب عليها العمل)).
فكل وطن متخلف يستطيع دفع عجلته على هذا الأساس الدستوري الذي يتكفل سائر الحقوق، ويفرض جميع الواجبات. ويحقق بذلك الحركة الإجتماعية التي تتغلب على كل نوع من الركود.
فمن أجل تحقيق ((الإقلاع)) هذا هو الطريق.
***