الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معالم على طريق الحركة النسائية الجزائرية
عن (الثورة الإفريقية) عدد 267 في28 من شهر آدار (مارس)1968.
هكذا كان القوم، في الجاهلية كما كان بين أهل الكتاب قبل الإسلام لا قيمة للمرأة، حتى إن العهد القديم لا يعترف بأن لها روحا.
لم يكن أحد ليعبأ بفضيلة المرأة ولا برذيلتها، فزياد بن أبيه والي العراق في زمن معاوية، يفخر بأبيه أبي سفيان ثم لا يخجل من أمه وقد ولدته على فراش السفاح بالطائف.
ولقد جاء الإسلام فغير الأوضاع لم النفسية البدائية هذه.
ونحن نلمس هذا التغيير، في حوار يدور حول ذلك المنعطف المؤسف للتاريخ الإسلامي في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
لم يكن لهذا الخليفة- كما نعلم- شكيمة عمر ولا حكمة أبي بكر، رضي الله عنهما، فكان لذلك يتأثر برأي أهله كمروان بن الحكم، الذي كان مستشاره الأول، وقد ورط سياسته في الأثرة والمحسوبية، ولم يجد بعض الصحابة الأجلاء بدا من انتقاد هذه السياسة.
وهكذا أصبح عثمان- ذلك الوجه الكريم من وجوه صدر الإسلام- يواجه موجة الانتقادات هذه وقد بلغت أوجها على لسان أبي ذر الغفاري.
وهذا حوار آخر نشير إليه ولم يكن غريبا في تلك الظروف، كان يدور بين الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنه وبين عمار بن ياسر الذي أصبح يوجه أيضا نقدا حارا لسياسة الخليفة، واحتدم النقاش بينهما احتداما جعل الخليفة يرمي عمارا بقوله:
يابن سمية!
…
هذه الكلمة كانت في الجاهلية كفيلة بأن يَسلّ من رُمي بها سيفَه ليقتل أو ليموت اقتصاصا لشرفه، لكن عمار بن ياسر على العكس من ذلك قد رد بكل هدوء:
- أجل يا أمير المؤمنين! إنني ابن سمية!.
لم تكن الكلمة لتعبر عن التغيير العميق في النفس الجاهلية فحسب، فلقد كان لعمار بن ياسر الحق بأن يفخر بأمه سمية رضوان الله تعالى عليها.
فمن هذه المرأة؟
لنترك للسيرة النبوية الجواب على هذا السؤال:
كانت الدعوة في بدايتها تدوي في أرجاء مكة، فتذود قريش عن أصنامها ومصالحها الدنيوية، وأضحى الذي يعتنق الإسلام يذوق من قريش أنواع الأذى وأصناف التعذيب.
ودقت ساعة الشهداء حينئذٍ كما دقت من بعد الهجرة ساعة الأبطال.
كانت بمكة ساحة المعذبين والشهداء، وهي تشبه ساحة (دو جريف Degréve) بباريس أثناء الثورة الفرنسية، مع فارق هام هو أن الوضع معكوس هنا.
ففي ساحة مكة كان الجلادون ضد الثورة، والمعذبون كانوا شهداء الثورة التي سميت الإسلام.
وفي يوم حين كانت شمس الضحى ترسل على الأرض أشعة ملتهبة تجعل الرمل كرماد الفرن، وكل حصاة في الأرض كحجرة متقدة، ها هو ذا النبي صلوات الله عليه وأزكى التسليم، يمر بساحة التعذيب فيرى ما يستوقفه: لقد كانوا يعذبون آل ياسر.
إن ياسرا لم يكن من بطن من بطون مكة، ولكنه أتى إليها مع أخوين له، يبحثون عن أخ لهم رابع لم يجدوه، فقرر الإخوة الرجوع.
إلا أن ياسرا آثر البقاء بالمدينة القرشية، وكما جرت عادة القوم فقد والى أحد بطونها من بني مخزوم فزوجوه من أمة لهم إسمها (سمية).
كان عمار أول من أنجبته سمية لياسر، وأصبح، وهو شاب اخضر شاربه،
من المسلمين الأوائل، ثم جعله الله سببا لهداية والديه للإسلام، فاهتدت سمية واهتدى ياسر.
لكن الإبتلاء الذي كتبه الله على أولئك المسلمين الأوائل كان قد ابتدأ، وهكذا سيق ذات يوم ياسر وآله إلى ساحة التعذيب.
واتفق للنبي، صلى الله عليه وسلم، أن يمر بالساحة فاستوقفه المنظر المؤلم، وهو يرى ما انصب من عذاب على أصحابه فقال صلوات الله عليه:
- طوبى لكم آل ياسر، إن موعدكم الجنة!
وسكت لحظة .. كأنما عليه الصلاة والسلام يتحسس ثقل الرسالة التي شرفه الله بها، ويستشف معناها الحضاري. ثم قال:
((والله ليتمن هذا الأمر حتى تسير الظعينة من مكة إلى صنعاء، وعلى رأسها طبق من ذهب لا تخشى إلا غائلة الذئاب)).
وزهقت أرواح سمية وياسر، الطاهرة ذلك اليوم، ورحلت من الدنيا لتلتقي في الجنة، كما وعدهم الرسول الكريم.
فسمية هي هذه المرأة!.
من هنا ندرك كم كان ابنها عمار فخورا يوم نودي باسمها فقال للخليفة:
- أجل أنا ابن سمية، يا أمير المؤمنين.
إن كل قضية جليلة تضع بصماتها في مصير الإنسانية وتترك صداها في التاريخ، ترسم على مركب الزمن وجوها كريمة تمثلها.
ووجه المرأة ليس أقلها بروزا ووضوحا، بل قد تجد في أنوثته الخاصة لونا مثيرا ومؤثرا لا تجده في غيره.
وليس من العبث أن الشعوب تحفظ بحنو، ذكرى امرأة تقمصت في لحظة ما، قضية وطنية مثل (جان دارك)، أو خلصتهم من طاغية مستبد مثل (شرلوت كورديه).
ولربما عفّى الزمن على بعض الوجوه، حين يطوي التاريخ أحد صفحاته ويبدأ في كتابة أخرى. فنحن لا نعرف الكثير عن تلك الفارسة، الكاهنة بطلة مرتفعات الجزائر، قبل الإسلام، التي قامت فيما يبدو بدور مزدوج: فقد كانت البطلة التي قادت حركة المقاومة في وجه عقبة بن نافع، وكانت من ناحية أخرى الأم التي فتحت ضمير أولادها للإسلام.
والأمر المؤكد أن اسمها لم يمح من ذاكرة الناس، وعلى الرغم من تآكل الحجر في دائرة البئر من فرط ما جرت الحبال عليه تسحب الماء للأجيال الغابرة، فما
زال الجيل الحاضر، الذي يرد ماء البئر ويورده قطعان الغنم، يسميه (بئر الكاهنة) على بعد 80 كيلومتر جنوب مدينة تبسة.
وبعد جيل الكاهنة بكثير ها هي ذي امرأة جزائرية أخرى، (لاله فاطمة تسومر)(1)، تنزل من جبال الجرجرة على رأس كتيبة من المجاهدين لقبوا (المسبلين) لأنهم باعوا أرواحهم في سبيل الله تقف في وجه الإستعمار أيام الإحتلال.
إنها وجه آخر كريم نقش على لوحة تاريخ الجزائر، وكم يكون مجديا أن نعرف أكثر من هذا الموجز عن حياة البطلة الكبيرة.
ولعله ينهض من المثقفين الجزائريين من يعيد هذه الصورة إلينا حتى لا يطمسها الدهر. ولعل عملا كهذا سيجد أمامه مادة غزيرة، لا سيما أن الثورة نقشت على لوحة التاريخ وجوه نساء كثيرات من اللائي عشن ومتن في سبيل الواجب والشرف، كـ (فضيلة سعدان) التي حصدتها، ذات يوم، في أحد شوارع قسنطينة رشاشة، ولكن بعد أن أذاقت قوم الجنرال (ماسو) الخزي والمرارة فترة طويلة من الثورة.
هكذا نجد الثورة قد دفعت الحركة النسائية إلى الأمام، لكنها ما تزال حركة فتية، لها من الشباب حيويته وإقدامه، لكن شبابها قد يعوقها إذا أهملنا شأنها ولم نراقب نباتها كما ينبغي.
لابد إذن أن نطرح منذ الآن مشكلة (إنباتها) حتى لا نغرس جذورها أينما كان وكيفما كان.
فهناك أسمدة تعين على إنبات النبات الطيب. وهناك مزابل لا ينبت فيها إلا النبات العفن.
(1)(لاله) كلمة تستعمل في المغرب الغربي لقب تعظيم للمرأة ذات الشأن.
وإني أتذكر هنا وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشاب الأنصاري الذي كان يريد الزواج فأوصاه صلوات الله وسلامه عليه بحسن الاختيار ثم قال له: ((إياك وخضراء الدمن)).
على حركتنا النسائية أن تختار إذن لغرس جذورها، تلك التربة النقية الطاهرة التي أنبتت (سمية ولاله فاطمة تسومر وفضيلة سعدان).
وعندما أقول هذا، لا أرى في اختياري قضية ذوق وإنما ضرورة إجماعية ملحة. لأن الخطأ يتسرب غالبا إلى الحركات النسائية حينها تُنَشَّأ كيفما كان منشؤها على أنها حركات مطالبة، أو بالأحرى مرافعة ضد المجتمع ثم يأتي من يأتي ليؤيدها في ذلك.
وكثيرا ما يكون التأييد مغرضا، كما يبدو في جناح الصحافة الفرنسية الذي أصبح مروجا، عندنا لنظرية (حركة نسائية) أطلق عليها صديق يعرف المزح والتهكم لقب (نظرية الفضيلو مرابطسم)(1).
ينبغي أن تطبع حركتنا النسائية بطابعنا لا بطابع ما يصنع في الخارج؛ وعلى أية حال فالمرأة ليست كائنا يعيش وحده ويطرح مشكلاته على هامش المجتمع، إنها أحد قطبيه وقطبه الآخر الرجل.
ولا ينبغي لنا أن نتصور قطبا ينفصل عن الآخر، ولو حدث هذا، بفرض لا يتصوره العقل، فالمجتمع نفسه يتبخر.
…
(1) كتب أخي الدكتور خالدي رحمه الله أكثر من مرة بطريقته الساخرة ردا على ما كتبته فضيلة مرابط في الموضوع وعلى تأييد بعض الصحافة الفرنسية لها.