المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مفاتيح الحرب من جريدة (المجاهد) عدد 3 من شهر آذار (مارس) - بين الرشاد والتيه

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌ ‌مفاتيح الحرب من جريدة (المجاهد) عدد 3 من شهر آذار (مارس)

‌مفاتيح الحرب

من جريدة (المجاهد) عدد 3 من شهر آذار (مارس)1971.

إن عهد تصفية الإستعمار لا زال مستمرا، منذ دقت شعوب العالم الثالث أبوابه التي انغلقت على حرياتهم، منذ أكثر من نصف قرن.

وحيثما تباطأت خطوته أو تسكعت، نشأت بمقتضى منطقه القاسي، تلك الحركات التحريرية التي تضع، من دماء الشعوب الثائرة، وصمة حمراء على وجه الإستعمار، كتلك النقطة التي نراها على جبين الآلهة التي صنعتها الأساطير الهندوكي.

وفي كل الأوطان تتمتع هذه الحركات بعطف الشعوب، وأحيانا بتأييد السلطات. وفي وطننا يجدون- بالإضافة إلى ذلك- الجو الذي يكهرب روحهم الثوري.

إن ثورة تريد أن تصنع شيئا في التاريخ، يجب عليها أن تصنع نفسها أولا. وقد استخلص (دوبونال) من خلال تأمله في الثورة الفرنسية ((من الإنجيل إلى العقد الإجتماعي، فالكتب هي التي تصنع الثورات)).

لقد كان اهتمامه عالقا، في هذا المقطع، بالجانب الإستراتيجي والنظري اللذين يكونان أيديولوجية الثورة في علاقاتها بالأهداف البعيدة.

لكن الثورة أيضاً، تكتيك يتعلق بالمهمات العاجلة والمتجددة مع ما يمليه سير الثورة في كل يوم.

ص: 137

فالثورة في حاجة اليوم إلى الدفاع عن قضيتها في الداخل والخارج، دفاعا أصبح معه للحركات التحررية أدب وأحيانا (سينماتيك) تضم أفلامها، فتنشر نشرات عن حركاتها وينشر عنها.

ولقد تبتدئ هنا مشكلة، عندما نريد التعرف إلى إحدى هذه الحركات بطريقة مجزية وسريعة، خصوصا إذا كانت الملابسات أو موقعها الجغرافي يضعها -كالثورة الفلسطينية- في نقطة تقاطع للديانات والثقافات والحضارات والمصالح الاستراتيجية المتعارضة، وفي مركز شبكة المناورات المنسوجة على يد أولئك الاختصاصيين المشرفين على (لعبة الأمم).

حينئذ يصبح من شبه المستحيل، أن نتعرف بسرعة على إحدى تلك الحركات لكثرة ما نشرت وما نشر عنها، أعني أن نتعرف عليها بطريقة مجدية تجنبنا حيل وأحابيل لعبة قد نقع فيها، بسبب أفكار غير ممحصة أو مستعصية على التمحيص بسرعة.

إن كثرة الوثائق تكون أحيانا أولى بتضليل الفكر من قلتها. إذ يكفي أن نحضر أي مؤتمر دولي له بعض أهمية، لنخرج بحقيبة من الوثائق، فمن الوثيقة التي تريد إلقاء الأضواء على المصادر الدينية للصهيونية ككتاب الأب (بول حتي مسعد):(بربرية التوصيات الصهيونية)، إلى الوثيقة التي تختص بجانب واحد من القضية الفلسطينية، إلى مجرد المنشور أو البلاغ الذي يشيد ببطولة عصابة من الفدائيين، أو يفند العمل البربري الصهيوني الأخير، كحرق المسجد الأقصى.

حينئذ لا يكون للقارئ إلا حيرة الاختيار، وهو سيكون في حيرة حتما، إذ ليس لديه غالبا فسحة من الوقت كي يتسكع في مطالعة الوثائق جميعها، كمراسل يبحث عن الخبر النادر ليثير به قراء ارتخت أعصابهم واستولى عليهم الملل.

ص: 138

فالقارئ إذا لم يكن منقادا لغرض خاص، لا يجد لنفسه مجالا للتسكع الفكري أمام مأساة فلسطين، بل يرى نفسه مجببرا على الاندفاع في لهيبها والدخول نحوها، بأيسر طريق يحصل فيه منذ الخطوات الأولى على معلومات مختصرة لكنها صحيحة، واضحة لكنها جوهرية.

إن هذه الصفات هي التي تتحقق بالضبط في كتاب (مفاتيح الحرب) الذي نشرته لـ (بيير روسي)، دار (جيرم مرتينو) في سلسلة (المكتبة العربية).

إن الناشر يقدم المؤلف في كلمة مطبوعة على ظهر الكتاب، يقول فيها:

((إن (بيير روسي) من الملاحظين المتميزين للشؤون العربية، إنه من مواليد جزيرة (كورسيكا) من أسرة عربية، ذات تقاليد عائلية في الميدان الإداري والعسكري، فقد عاش (روسي) أكثر من ربع قرن في تلك البلدان (العربية) حيث كان مديرا للمعهد الفرنسي ببغداد، الأمر الذي أتاح له أن يتعرف على الشرق وأزمته، فكان له اتصال مستمر بالمسؤولين وله معهم صداقة، جعلته يحصل على معلومات أساسية استخدم جوهرها في كتابه (مفاتيح الحرب).))

ونضيف إلى ذلك أن (روسي) يتمتع بشيء آخر، بمعادلة شخصية جعلته يهتم بتلك المعلومات ليستخلص منها ذلك النشيد الأساسي، الذي خصص له الفصل الأخير من كتابه تحت عنوان (نشيد العالم).

لم يكن القارئ يتوقع هذا النشيد في كتاب قرأ في سطره الأول هذه الكلمات: ((إننا نعيش في عهد الليل)).

وفي عرض الكتاب من السطر الأول إلى الفصل الأخير، لم يتبع المؤلف الطريق السهل الذي يتبعه (المخبر) البسيط، ولا الطريق الملتوي الذي يتعب من يتعمد التفنن في تلك (السرية الخاصة) بأدب الشيفرة، الذي يهواه ويهتم به بعض المستشرقين.

ص: 139

إن كل ما يكتب قد عرض على الضمير وعلى القلب قبل أن يدخل في مادة الكتاب:

فهذا الاوربي الفاضل يرى، ويرينا في لحظة نقضيها في صفحات كتابه، من خلال المحنة السوداء التي يعيشها ويتشرف بها الشعب الفلسطينى، يرى ويرينا التدهوت الفظيع الذي أصاب حضارة ضيقت بالتدريج حرية الفكر، ووضعته تحت وسائل جديدى لمراقبة العقول، فخفضت بذلك من قيمته الحقيقية الجلية حتى أصبحت تساوي صفرا.

هل هنالك من لعنة أشد من هذه، نستطيع تصورها على تلك النظم والمنظمات التي أنكرت، منذ صلح (فرساي) إلى تأسيس إسرائيل في 1948، أنكرت أمام الرأي العام في الغرب حقيقة جلية كفلسطين والشعب الفلسطيني، وهي حقيقة أقرتها آلاف السنين من التاريخ؟.

فالفكر يلمس القضية هنا- كما نرى- في أرفع مستواها البشري، لمسا يكشف لنا (روسي) معه عن المناقضة التي لا دواء لها، بين حضارة (الفوتوي) الكرسي المنجد و (حضارة الروح)، تلك المناقضة التي تبلغ أشدها حين يصبح (الروح) أمام القوى التكنولوجية الفظيعة التي تدكه، لا يملك للدفاع عن مضمونه غير الجسم الضعيف الذي يحمله.

وفي هذا الصراع المتعادل، نرى (روسي) يثق بالإنسان، فيقول:

((منذ الأزل لدينا الحجة بأن التكنولوجية لا تستطيع قهر مقاومة الذرة الإنسانية.

فمنذا الذي يشك في هذه الحقيقة؟ وهو يرى ما يرى من مناضلي الفيتنام ومجاهدي الجزائر، ومقاومي أنجولا، والمقاتلين في كل مكان من أجل قضية عادلة؟.

ص: 140

أما الفدائيون الفلسطينيون فقد كشفوا للجيل الذي يشاهد تحليل الذرة، أن الذرة الإنسانية لا تحطم فعلا، وأن الأجهزة الضخمة التي تريد تحطيمها قد يصيبها العطب)).

و (روسي) لا يخرج من دائرة هذا الدرس السامي، حين يوازن ((جيش الغزاة المحتلين الذين يجدون لديهم ما يشتهون. ويمشون في ضوء الشمس، مع جيش الشعوب المكافحة الذي يسير في دجنة الليل حتى لا يرى)).

ثم يعكس هذه الحقيقة على موضوع كتابه فيقول عن جدارة: ((إن الجيش الفلسطيني هو ذلك الجيش: فرجال فلسطين ونساؤها وأطفالها أضحوا في وضع لم يبق لهم فيه سوى التجنيد، إذ لم يبق لهم سقف ولا أرض ولامال)).

لم يبق لهم سوى (كفنهم) كما تقول أنشودة أنشدوها في أرض الهجرة والاغتراب يذكرها المؤلف.

لكن هؤلاء الجائعين المنبوذين من وطنهم، هؤلاء المحذوفين هن قائمة الأمم بإرادة الدول الكبرى، أدركوا بأن وجودهم بوصفهم خعبا يوضع هذا الموضع إنما هو (في مشرب بندقيته) حسب تعبير (ماوتسي تونغ) إذا تصرفنا فيه قليلا.

وبازدراء تُعلقه الأقدار على رأس كل إرادة توسعية، وعلى رأس كل طاغية رأينا في الأسبوع الذي تلا الخامس من حزيران (يونيو)، الضباب الذي حجب شعبا قُبر حيا، بعد ما سقط (جالوت) مزيف تحت ضربات (داود) مزيف، وكانت قطيرات من الصداقة الدولية المقطرة تتخلل ذلك الضباب تحت إشراف هيئة الأمم. وها هو ذا الضباب يتمزق وتتمزق معه مطامع كانت تستهدف (يالطة جديدة) خاصة بالبحر الأبيض.

لقد ظهر شعب فلسطين من خلال الضباب، وخرج من مآويه الحقيرة التي أعدتها الصداقة الدولية على حدود بلاده، ليبين للعالم المتحضر- وقد أصبحت

ص: 141

مس إنجلترا وفراولين ألمانيا تتحليان بصورة (هنيبعل) الصغير (دايان) على صدورهما- أن أي قوة بشرية مهما ساندها من التكنولوجية والمال لن تستطيع حذف أمة من الوجود.

فالحلف بين المال والتكنولوجية له حدوده كما يلاحظ (روسي)، إذ يبدو له وجه التشابه في القتال بين أمريكا وإسرائيل في صورة ((قتال الترف الذي يجابه في مجتمع الاستهلاك العنصر البشري الفقير (ولكنه عظيم)، يجابه فيه من يعنى براحته وصحته ذلك الذي ليس لديه الوسيلة ولا الوقت ولا المال ليرفه عن نفسه)).

فهذا المقطع من كتاب (روسي) له، من بين مزاياه، أنه يقضي على خرافة خطيرة هي: أن الناس تعودوا على استخدام صورة مثبطة للهمم، عندما يتحدثون عن (صراع ماعون الطين مع ماعون الحديد).

هذه الصورة طالما خدرت الضمائر في عهد الإستعمار، وطالما خدمت سياسته لأنها لعبت دور المحبس النفسي، الذي يحبس انطلاق الطاقات الثورية لدى الأجيال المستعمرة.

ولعله وجب علينا أن نعطي الصورة قالبا آخر هو أقرب لواقع الصراع الثوري ضد سلطة استعمارية: إنه صراع ماعون العدم مع الحديد.

فمنذا الذي يستطيع تحطيم العدم، الذي هو في معناه وجوهره لا يحطم.

فكأنما (روسي) أراد أن يكشف لنا هذه الحقيقة فما أورده بصدد معركة الكرامة حيث يقول:

((إن العمليات الأولى التي بدأت في شهر آب (أغسطس) 1967، لم يكن هدفها سوى لفت النظر للقضية، ورفع المعنويات العربية التي أصيبت إصابة

ص: 142

كبرى، إنها لم تكن من نوع الحرب، بل من نوع الدعاية المسلحة، فكانت على ذلك عمليات انتحارية غالية الثمن إذ فقد نصف القيادة حياته فيها.

أما في الكرامة، فالأمر يختلف، إذ استطاعت فئة من المتطوعين الفلسطينيين سد الطريق على وحدة مدرعة إسرائيلية تساندها وحدة من المظلات)).

وهكذا نرى أن (ماعون العدم) صمد فعلا، حتى إن القيادة الإسرائيلية ساومت مرغمة لتخليص جيشها من المأزق، بأن يترك السبيل لجيشها في الرجوع على أن يترك عتاده على أرض المعركة، وقبلت إسرائيل الشرط الذي قدمته (منظمة فتح).

وليس لسبب غير هذا، أن اختصاصي (لعبة الأمم) لجؤوا بعد الكرامة إلى مناورات حيكت خيوطها في عمان.

لكن قوة لا تستطيع تحطيم (ماعون العدم)، ولعل هذا ما دفع (روسي) لتخصيص الفصل الأخير من كتابه لـ (نشيد العالم).

إن القول الذي يقال عن كتاب مفيد إنه يستحق مكانه في مكتبة الرجل الظريف، قول صحيح ولكننا نقول إن كتاب (مفاتيح الحرب)، يستحق مكانه على مكتب كل مسؤول في السياسة العربية، ليس فحسب لأنه يجد فيه (الإبرة المغنطيسية)، التي تضعه في الإتجاه الصحيح بالنسبة لقضية فلسطين في محتواها العربي، ولكن ليقدر به أيضاً أهميتها الدولية في فترة لا نرى فيها الفدائي يمسك (في مشرب بندقيته) وجوده فحسب، بل ربما أيضاً السلم العالمي.

***

ص: 143