المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تقلبات عبر استقلال جديد - بين الرشاد والتيه

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌تقلبات عبر استقلال جديد

‌تقلبات عبر استقلال جديد

عن (الثورة الإفريقية) عدد 249 أسبوع 23: 29 تشرين الثاني (نوفمبر)1967.

ها إن الأمر قد تقرر، فالحكومة الإنجليزية صرحت رسميا عن جلاء جنودها، في آخر هذا الشهر من عدن وما حولها مما يسمى (الجنوب العربي).

وهكذا ينشأ استقلال جديد في التيار الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية تحت اسم (تصفية الاستعمار).

إن الأيام الكبرى في التاريخ فترات يسودها الإكبار والإجلال، وتسكت فيها النزعات الخاصة، وتهمد المنازعات، حتى تلك التي تحركها الفوارق الإيديولوجية، وهكذا تسكن العقول والقلوب إلى بعضها كما حدث في فرنسا عام 1945 عندما ائتلف أتباع (ديجول) وأتباع (توزير) وشكلوا حكومة التحرير.

إنها لحظات فرح وتأمل معا، تضع سماتها على وجوه جماهير مبتهجة، فها هن أولاء النسوة يلوحن بمناديلهن البيضاء، ويطلقن زغاريدهن تحية لجيش منتصر، وها هم أولاء الأطفال يملؤون الجو ضحكا ومرحا. وها هو ذا الشيخ العجوز يمسح بيد ترتعش، دمعة تجري على خد كتب العصر فيه سطور أيامه.

إنهم جميعا يعبرون بطريقتهم الخاصة عن عظمة أيام لها معنى في تاريخ الوطن.

حركاتهم التقليدية المألوفة، تبدو وكأنها تمحو لحظات أخرى عاشوها في

ص: 29

المحنة. كما يمحو الشعب من ذاكرته أيام حرب خاضها بدمه، أو أيام احتلال أجنبي عاناها أو أيام

الاستعمار.

ولكن يحدث أحيانا في جو البهجة أن تنفجر المأساة!

فالجزائر التي كانت تعيش عيد استرجاع الوطن المفقود، كادت تعيش ذلك اليوم في 5 تموز (يوليو) عام 1962 يوم حزن وطني، لولا حكمة الشعب وتدخله بين طرفين يتنازعان السلطة.

الوطن يتذكر كيف كاد ذلك اليوم أن يكون أحلك أيام الثورة، لأن بعض الفئات دنست اللحظة الجليلة بنزعات فردية، لم تذب في حرارة التعارف والإخاء اللذين كانا يسودان ذلك اليوم.

هكذا جمدت على الشفاه ذلك اليوم زغاريد النساء، وبدت على وجوه الشيوخ طيات من الأسى جديدة، وتوارى ضحك الأطفال من شوارع العاصمة الجزائرية، حين تواجه الطامعون في السلطة من الفريقين برصاص رشاشاتهما.

نذكر هذا كله في الجزائر ونذكر كيف كانت حكمة الشعب وحدها، الحائل دون تفاقم الصراع والأخذ بعيد الاستقلال إلى جو البهجة والحبور.

وشعب فيتنام وهو لا زال يعيش المأساة يتذكر هو الآخر كيف دنست النوازع يوم استقلاله.

شعب الكونجو وما حل به بعد انسحاب السلطة البلجيكية، ثم شعب نيجيريا يعيش المأساة وكأنها تنتظر كل شعب من شعوب العالم الثالث وهو على عتبة استقلاله.

إنها لظاهرة تتسم بها البلدان المستعمرة، فأي وطن منها ارتفع فيه علم الاستقلال، لم يجد في ذلك اليوم أزمة تنفجر على مستوى قياداته!؟

ص: 30

لقد كان (التقسيم) وليد هذه الظاهرة في الهند. فكانت باكستان بغثّها وسمينها وما منيت به من خسائر في النفس والنفيس، فضلا عن هجرة الملايين أو تهجيرهم مطاردين في طرفي حدود مصطنعة. وكانت أخيرا رصاصة مني بها رجل (اللاعنف) غاندي نفسه وقضت عليه إبان الزوبعة التي أثارها استقلال الهند.

قد لا نخطئ إذ نعزو ذلك إلى دهاء الإنجليز، فإذا اعتمدنا هذا السبب- وهو ليس السبب الوحيد- فدور رجل مثل (باطيل)(1) ونظيره الباكستاني لا يقل أهمية في الموضوع.

وبعبارة أدق فزعماء المؤتمر الهندي من ناحية، والرابطة الإسلامية من ناحية أخرى، هم الذين تحقق على أيديهم تمزيق الوطن وزهق ملايين النفوس.

ينبغي أن نسقط أحداث الجنوب العربي على هذه الخلفية، إذا أردنا أن نفهم طبيعة الخلاف الناشب اليوم بين الحركتين وهما على عتبة إستقلال الوطن.

هنا أيضا لا نغفل دور (إنجلترا) التي تريد أن تغادر الديار، ولكن بعد إضرام النار في أركانها.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنها تقاليد الاستعمار يباشر (تصفية الاستعمار) كما يقولون بهذه الطريقة، حدث ذلك في فلسطين عام 1948 عندما غادرها الجيش البريطاني على رؤوس الأصابع، ليترك الشعب الفلسطيني تحت رحمة رشاشات المنظمات الإرهابية الصهيونية كـ (شتيرن والهجانا).

بل لعل الطريقة التي اتبعها الإنجليز في فلسطين، أكثر وضوحا من الطرق التي يسلكها الاستعمار عادة في مثل هذه الحالات، فقد جاء انسحاب الجيش

(1) وزير الداخلية في الحكومة الهندية الأولى وكان رجلا معروفا بالتعصب الديني والحقد على الإسلام.

ص: 31

البريطاني بترك الميدان للصهيونيين الذين هيأتهم قياداتهم ووحدتهم من أجل القيام بدورهم، بينما القيادات العربية غمرت شعوبها بالخطب الرنانة فتمزقت وحدتها، وبدلا من أن تنصرف إلى خلاص الأمة عمدت كل واحدة منها إلى الاستيلاء على جزء من أجزائها.

والفارق هنا في منتهى الوضوح، لأننا إذا كنا لا نعرف بالضبط ما تريده القيادة العربية ولا ندري إذا كانت هي الأخرى تعرفه، فإننا على العكس من ذلك، نعرف تماما ما كانت تريده القيادة الصهيونية، وهي كانت تعرفه بوضوح أكبر.

وينبغي أن نضيف للتاريخ ولتعميق إدراكنا، أن العرب لم يكونوا يفكرون في استخلاص النتيجة الضرورية من تلك المجابهة المؤلمة مع واقعهم، إذ لو تأملوا لوجدوا واقعهم يطرح القضية بلغة الحضارة.

فلم يكن من محض الصدفة، أن القيادات الصهيونية تقتصد في الكلام وتلتزم الفعالية في العمل، كما كانت أكثر وفاء لالتزاماتها السياسية والعقائدية من القيادة العربية.

ذلك أن التحليل يقودنا إلى القول إن القيادة الصهيونية كانت تتحرك، وتحرك حولها الأشياء والأشخاص طبقا لما تمليه ثقافة حضارة؛ بينما لم تكن القيادة العربية ترى من الأشياء والأشخاص إلا وسائل لإشباع حبها وهواها في السلطة؛ أي إنها كانت تخضع لما تمليه ثقافة (القوة) التي ربما تنعكس حسب الظروف إلى عقدة (ضعف).

واليوم! نرى الجنوب العربي تسوده الفوضى، وتجابه مرة أخرى قيادة عربية بمشكلة حضارة.

ص: 32

ولو طرحت هذه القيادة قضيتها تحت عنوان (مشكلة حضارة) بل لو تعمدت طرحها بهذه الطريقة لحققت بدفعة واحدة هدفين:

الأول في المجال النفسي؛ حين تحرر كل زعيم من هؤلاء الزعماء من عقدة السلطة، فينظر إلى الاستقلال من زاوية الواجبات توضع على كاهل كل فرد، بدلا من نظرته إليه من زاوية الحقوق يمنحها له، إذن هذا الزعيم سيعدل تلقائيا أطماعه في السلطة.

والهدف الثاني نتيجة للهدف الأول على الصعيد السياسي؛ إذ بقدر ما تتعدل نظرة الزعيم نحو السلطة، ويتحول تقديره لها من مجموعة (حقوق) إلى مجموعة (واجبات)، يضيق مجال مناورات الاستعمار، لأنها تصبح غير ممكنة في نفوس محصنة بعيدة عن الهوى والغرور.

فكل عمل يسهم في تضييق هذا المجال النفسي (الطمع في السلطة) يستحق التقدير، خصوصا في وطن يعيش مرحلة من (تصفية الاستعمار).

هكذا نرى أنفسنا أمام ضرورة ملحة كثيرا ما ألمحنا إليها في مقالات سابقة، ألا وهي تصفية الاستعمار في العقول قبل كل شيء.

فتصفية الاستعمار من العقول تتطلب أشياء كثيرة يتضمنها مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة، فهي لا تتحقق إذن بمجرد انسحاب جيوش الاستعمار، ومجرد إعلان الاستقلال وتحرير دستور كما هو الأمر بالنسبة للتراب الوطني.

ولا نستطيع في هذه السطور إلا الإشارة الرمزية إلى هذا المضمون، ثم يبقى إدراجه في منهج تربوي يهدي إلى تقويم جديد في ضمير كل مواطن، وخاصة كل زعيم، لمفهوم الواجب المطهر، الذي من شأنه أن يطهر أولا الجو السياسي في الأوطان التي تعيش مرحلة تصفية الاستعمار.

ص: 33

أما (الحق)

فما أغراها من كلمة! إنها كالعسل يجذب الذباب ويجتذب الانتفاعيين، بينما كلمة (الواجب) لا تجتذب غير النافعين.

وكلمة الواجب على الصعيد السياسي توحد وتؤلف، بينما كلمة (الحق) تفرق وتمزق.

إن زعماء الجنوب يعطون اليوم، بفرقتهم وتناحرهم وتطاحنهم أجلى صورة عن هذه الظاهرة (1).

وما كان اجتماعهم الأخير في القاهرة حيث اجتمع- كما نذكر- ممثلو الحركتين المتنازعتين حول مائدة خضراء، ما كان هذا الاجتماع إلا محاولة من كل من الطرفين للحصول على أكبر نصيب ممكن من النفوذ والسلطة، وهو لم يكن بالتالي إلا حوارا بين صم لم يتعلموا حتى الكلام بالأصابع. واجتماع كهذا ما كان له أن ينتج غير الإفلاس الذي شاهدناه.

إنما ينبغي ألا ننسى مكيدة عجلت بذلك الإفلاس، فالقارئ يتذكر بدون شك أنه في نهاية الإجتماعات، وحتى أثناءها، وزعت شركة أنباء غير موفقة، أوْ لها على العكس توفيق خاص، نبأ يزعم بأن الطرفين قد وصلا إلى اتفاق على تأليف حكومة على رأسها زعيم من حركة

لقد كان هذا النبأ بمثابة (برقية أيمس) تلك البرقية المزيفة التي سبقت حرب 1870 بين فرنسا وألمانيا، فألهبت برميل البارود وبلغت الأزمة أشدها. وإذا بالرصاص الذي أعد لصد الإمبرياليين يحصد في صفوف المقاومين والمجاهدين من أجل الاستقلال.

(1) كتبت هذه المقالة أيام كانت فكرتنا عن الجنوب العربي غير واضحة. أما اليوم فإننا نعرف ماذا يريد جورج حبش وحواريوه في المنطقة.

ص: 34

وربما سيكون يوم إعلان الاستقلال (أي في خلال أسبوع) اليوم الذي ستسمع فيه شوارع عدن رصاص الرشاشات عوض زغاريد النساء وضحك الأطفال.

إن على هؤلاء الزعماء أن يعودوا إلى رشدهم- احتراما للشعب- فلا يدنسوا لحظة عظيمة من تاريخ وطنهم بل من تاريخ العرب والعالم الثالث، بكلمات أو أعمال مؤسفة. وأن يحكموا فيما بينهم إرادة الشعب التي هي كما يقول المثل الروماني ((صوت الشعب هو صوت الله)).

إن هذه المعجزة ممكنة، وقد رأيناها تحققت في الجزائر في شهر تموز (يوليو) عام 1962.

***

ص: 35