الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التلويح، وذكر في آخر آداب محمد السمرقندي مسأةل من فن الجدل، وعل هذا الفن هو المراد بما في تعليم المتعلم: وإياك أن تشتغل بالجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر فإنه يبعد من الفقه ويضيع العمر، انتهى.
فالمراد [منه] المجادلات الواردة على المسائل الفقهية وهي المراد من الخلافيات. في قول بعض الفقهاء في ذم طلبة زمانه: يشتغلون بخلافيات ركيكة. أي ضعيفة ووجه ضعفها أنها مغالطات كاذبة يمكن إيرادها على وجود الشيء وعلى انتفائه، كقولهم: إن الشيء الذي يلزم من وجوده وعدمه المطلوب، إما موجود أو معدوم، وأياً ما كان، يلزم ثبوت المطلوب.
ويسمى علم الجدل- الذي تصرف فيه الفقهاء- علم الخلاف وعرف المسعود في بعض منهواته علم الخلاف: بعلم الاختلاف الواقع بين المجتهدين.
أقول: وكان بعض من العلماء الحنفية أثبتوا مجتهدات أبي حنيفة بمغالطات علم الجدل، وأبطل بها أقوال من خالفه فيها.
وأما
علم الكلام:
ويسمى أيضا علم أصول الدين، فهو علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ورفع الشبه عنها، وقد يعرف بأنه علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، وقوله: على قانون الإسلام، ويخرج الفلسفة الإلهية والطبيعية، فإن الأولى يبحث فيها عن ذات الله تعالى وصفاته. الثانية يبحث فيها عن
الممكنات، لكن [كلا] البحثين على قانون عقول الفلاسفة، وافق الحق أو خالفه، كذا في شرح المواقف وغيره. وبعض مسائل الكلام عقلي: يستقل بمعرفته العقل بالنظر في المصنوعات- وإن نطق بها الكتاب والسنة- وهو وجود الخالق بصفات يعرفها العقل، وبعضها سمعي، كبحث النبوة والمعاد، لكن قال في شرح المواقف: إن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع- يعني من الكتاب والسنة ليعتد بها- وإن كانت مما يستقل فيها العقل، انتهى.
أقول: ولم أتيقن معنى (ليعتد بها) ولعله بمعنى لثياب عليها فمن لم يصادف شريعة من شرائع الأنبياء وبلغ إلى دليل عقلي إلى الباري ووحدته وسائر صفاته المعلومة بنظر العقل كما هو الحق فهو مؤمن عند الله، يثاب على إيمانه. ومن صادف شريعة من شرائع الأنبياء. ولم يدخل فيها، فلا يعتبر إيمانه الحق الذي يلغ إليه بدليل عقلي، فلا يثاب عليه. واعلم أن لهذا العلم مبادئ ومقاصد. وأما المبادئ فهي المسائل العقلية، كمباحث الأدلة ومباحث الجواهر والأعراض. وأما المقاصد: فهي المسائل الإعتقادية.
اعلم أن المسائل الاعتقادية دونت على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: الاقتصار على ذكر المسائل مجردة عن الأدلة ومجادلة المخالفين، ومن المؤلفات في هذه المرتبة الفقه الأكبر لأبي حنيفة رحمه الله،
ونظم الأمالي، والعقائد النسفية، ومن أوعى المؤلفات في هذه المرتبة:
شرح علي القاري للفقه الأكبر مع ما ذيل به ذلك الشرح، لابد لكل عالم أن يستصحبه.
ويسمى المدون في هذه المرتبة علم التوحيد والصفات، لما أن ذلك أشرف مباحثه، كما في شرح العقايد للتفتازاني، فلا يسمى المدون في هذه المرتبة، كلاما إلا مجازا.
المرتبة الثانية: ذكرها مع الأدلة بلا استقصاء فيها، وبدون ذكر مجادلات الفرق إلا نادراً. ومن المؤلف فيها، الرسالة المقدسي للغزالي.
قال التفتازاني في شرح العقايد: سموا ما يفيد معرفة العقائد من الأدلة بالكلام- وهذا الفن مبتن على الأدلة القطعية، يعني العقلية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية، انتهى. أقول: وهذه مرتبة الاقتصاد
والمرتبة الثالثة: الاستقصاء في الأدلة مع زيادة مجادلة الفرق المخالفة، وهذه مرتبة الاستقصاء وانقسم الكلام في هذه المرتبة كما صرح به في شرح العقائد.
إلى كلام القدماء: وهو الذي معظم خلافياته مع الفرق الإسلامية، خصوصا المعتزلة، ومن المؤلفات فيه كتاب الأستاذ أبي إسحاق، وكتاب أبي بكر الباقلاني، كما ذكره السبكي.
وإلى كلام المتأخرين: وهو الذي زيد على ذلك خلط الفلسفة والرد على الفلاسفة. أقول: ومن المؤلفات فيه: المواقف والمقاصد قول التفتازاني (مبتن على الأدلة القطعية) فيه نظر، لما قال على القاري في أوائل شرح الفقه الأكبر: إن أدلة المتكلمين لا تشفى عليلا ولا تروي غليلا فمآلها
إلى الحيرة. نقل عن الإمام الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا (أو) تروي غليلا ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. انتهى.
وقوله: وإلى كلام المتأخرين، هو ما قاله السبكي في كتاب "معيد النعم" ولقد حصل ضرر عظيم على المسلمين بمزج كلام الفلاسفة بكلام المسلمين، وما كان ذلك إلا في زماننا هذا وقبله بيسير، منذ نشأ نثير الطوسي ومن تابعه، ولا حياهم الله. ولم أجد أضر على أهل عصرنا وأفسد لعقائدهم من نظرهم في الكتب الكلامية التي أنشأها المتأخرون بعد نصير الطوسي. انتهى.
أقول: والطوسي هذا من رؤساء الشيعة استوزره الملك الكافر، فجاء بذلك الملك إلى بغداد وأمره بقتل الخليفة وقتل علماء أهل السنة وفقهائهم واستبقى الفلاسفة والمنجمين، فلا رحم الله عظامه ولا عظم الله
من عظمه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يلقي الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام، ولا شك أن ما قاله الشافعي هو كلام القدماء. وقال خسرو، بعد نقل كلام الشافعي: فإذا كان علم الكلام المتداول في زمانهم هكذا فما ظنك بالكلام المخلوط بهذيانات الفلاسفة المغمورة بين أباطيلهم المزخرفة؟ انتهى. أقول: فما ظنك بالفلسفة الخالصة؟ قال السنوسي فليحذر المبتدئ جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع مؤلفوها بنقل ما هو كفر صريح من عقائدهم التي ستروا نجاساتها باصطلاحات وعبارات مبهمة على كثير من الناس، ككتب الرازي في فن الكلام، وطوالع
البيضاوي، ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبه كلام الفلاسفة، أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه، إلى آخر ما قال: أقول: وأما (المواقف) و (المقاصد) فلم يحذو [ا] حذوهما، إذ هما وإن نقلا عقائد الفلاسفة لكنهما لم يستراها ولم يدساها بين عقائد الإيلام بل صرحا بالنقل عنهم، وعقباها بالرد عليهم.
ثم اعلم بأن تمام استقصاء علم الكلام قسمان:
- قسم مبادى: وهي مباحث النظر ومباحث الأمور العامة، من الجواهر والأعراض والإدراكات والعناصر والأفلاكات.
- وقسم مقاسد: وهي مباحث الإلهيات والنبوات والمهاد، مع إيراد الأدلة العقلية والنقلية ومجادلة الفرق المخالفة، (والكل يشملها) مثل المواقف والمقاصد، لابد للعالم المدرس أن يستصحب شرح المواقف.
وقد اقتصر في بعض الرسائل على بعض عقائد الكلام كعقائد الإمام النسفي والعقائد العضدية، واكتفى بشرحها طلبة الزمان عن الاشتغال بمبادئ علم الكلام، فغفلوا عن القواعد العقلية الكلامية وظنوا أن تلك القواعد إنما تطلب من كتب الفلسفة، فألقوا بأيديهم إلى التهلكة، وصرفوا شطرا من أعمارهم إلى ما يؤدي بهم إلى الخيبة.