الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: (في بيان مراتب العلوم)
قال الغزالي: ما من علم إلاّ وله اقتصار-بالراء- واقتصاد- بالدال واستقصاء، ونحن نشير إليها في التفسير والحديث والفقه والكلام ولنقيس بها غيرها.
فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن أي مثله في المقدار، كالوجيز للواحدي. والاقتصاد ثلاثة أضعاف القرآن كالوسيط للواحدي أيضًا. وما وراء ذلك استقصاء.
وأما الحديث: فالاقتصار فيه تحصيل ما في الصحيحين من الأحاديث بتصحيح نسخته عل رجل خبير بعلم متن الحديث، بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه وقت الحاجة، ولا يلزم حفظ متون الحديث كما لا يلزم حفظ أسامي الرجال. وأما الاقتصاد فيه (فأن) تضيف إلى ما في الصحيحين الأحاديث المذكورة في المسندات الصحيحة. وأما الاستقصاء فما وراء ذلك إلى استيعاب كل ما نقل من الضعيف والقوي، ومعرفة أحوال الرجال وأساميهم.
وأما الفقه: فالاقتصار فيه ما يحويه مختصر المزني. والاقتصاد ما يبلغ ثلاثة أمثال ذلك المختصر، وما عدا ذلك استقصاء.
وأما الكلام: فالاقتصار فيه معرفة عقائد أهل السنة المنقولة عن السلف لا غير بلا اشتغال بالدليل وهو القدر الذي أوردناه في الفصل لأول من كتاب قواعد العقائد من الإحياء.
وأما الاقتصاد فيه فمعرفة معتقدات أهل السنة مع أدلة نقلية أو عقلية بحيث يتمكن من مناظرة المبتدع ونزع شبهته من قلب العامي، وهو القدر الذي أودعناه في الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد من الإحياء واقتصرنا فيه على ما حررناه لأهل القدر وسمينّاه الرسالة القدسية.
وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من المجادلات مما لم يعهد مثله في السلف فإياك أن تحوم حوله، واجتنبه اجتناب السم القاتل، فإنه الداء العضال، واقبل بهذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زماناً وزاد فيه على الأولين تحقيقاً وتصنيفاً وجدلاً، ثم ألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره، انتهى.
وكلامه هنا يحتاج إلى شرح، فأقول: قوله ضعف القرآن بمعنى مثله قال في الصحاح: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله. ثم
أقول ظهر من كلامه أن الضعف ابتداء مرتبة الاقتصار في التفسير ونهايتها القدر الذي إن زيدت عليه كلمة يصير المجموع ثلاثة أضعاف القرآن.
ويقاس على هذا أن يكون لمرتبة الاقتصاد فيه ابتداء ونهاية.
فقوله: وما وراء ذلك استقصاء، فيه نظر. ثم أقول سكت عن تلك المراتب الثلاث في شرح الأحاديث، لكنها تقاس على تلك المراتب في التفسير والله أعلم.
وسكت أيضاً عن تلك المراتب في معرفة نظم القرآن، فلعل الاقتصار فيه معرفته برواية واحدة متواترة عن الأئمة المشهورين كرواية حفص عن عاصم. والاقتصاد فيه أن يعرفه بجميع الروايات المتواترة عن الأئمة المشهورين. والاستقصاء فيه أن يضم إلى ذلك معرفة القراءات الشاذة، ولا يلزم الحفظ في هذه المراتب بل يكفي تصحيح المصحف على رجل حافظ خبير، وتعلم كتاب يتضمن القراءات، وتصحيحه على رجل خبير قياساً على ما قاله في مراتب الحديث. ثم إن ما سمّاه في مراتب الفقه هو المؤلف في مذهب الشافعي. وأما الاقتصار في المؤلف في مذهب أبي حنيفة فهو مثل مختصر القدوري. والاقتصار مثل الهداية وما وراء ذلك استقصاء مثل فتاوى قاضي خان والخلاصة.
وقوله في بيان مراتب الحديث: بحيث، متعلق بقوله: تحصيل ما في الصحيحين. ومراده من الأدلة العقلية في اقتصاد الكلام: هو الأدلة المختصرة من غير تعمق، صرح بذلك في الإحياء قبيل شروعه في رسالته القدسية التي جعلها جزءاً من الإحياء.
والاشتغال في هذه المرتبة بذكر أقوال المبتدعة وردها إلاّ نادراً، كما يظهر من النظر في رسالته المذكورة.
قوله: وأما الخلافيات، بيان الاستقصاء، ومن المؤلفات في هذه المرتبة: المواقف والمقاصد. وقوله: من المجادلات، المراد به مجادلات المخالفين من الفرق الإسلامية فقط، إذ خلط الفلسفة مع ردها بالكلام، لم ينشأ إلاّ منذ ما نشأ نصير الطوسي وأتباعه، كما صرح به السبكي في كتابه معيد النعم، وزمان الغزالي قبل زمان الطوسي بكثير.
وأقول كما هجر الغزالي الكلام، كذلك هجرته وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأسأل الله أن لا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغال بالكلام وتأليفي فيه نشر الطوالع، والآن أتمنى أن أجمع نسخة المنتشرة وأحرقها بالنار ولئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك.
قال الغزالي: في كتاب قواعد العقائد ما مختصره/ إن الخارج عن مرتبة الاقتصاد-بالدال- في العقائد قسمان: أحدهما بحث من غير العقائد كبحث الاعتمادات والإدراكات إلى غير ذلك، يعني مباحث الجواهر والأعراض.
والأخر زيادة تقرير لأدلة العقائد، وزيادة أسئلة وأجوبة، وذلك
استقصاء لا يزيد إلاّ ضلالاً وجلاً في حق من لا ينفعه قدر الاقتصاد- بالدال- انتهى.
قوله: والآخر زيادة تقرير، ونهي السلف عن الاستقصاء في علم الكلام ينبغي أن يخصص بهذا القسم، أو يقال: النهي عن القسم الأول تنزيهي وعن القسم الآخر تحريمي.
ومن القسم الأول مباحث الأدلة ولا وجه للنهي عنه أصلاً. قال صلاح الدين في حاشية شرح العقائد: الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقاسي القلب ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة ومرتكبي الكبائر ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم، انتهى.
يقول الغفير: أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال بها، فنسأل الله أن يقيلنا عثراتنا.
ولعل الاقتصار في علم البلاغة مثل التلخيص، والاقتصاد مثل الإيضاح وما زاد على ذلك استقصاء، كما تضمنته الشروح، والاقتصار في المنطق مثل إيساغوجي مع شرحه للحسام كاتي.
والاقتصاد فيه "الشمسية" مع شرحه للقطب، وما زاد على ذلك استقصاء.
والاقتصار في النحو مثل الأنموذج. والاقتصاد فيه الكافية، بل أقول لابد لبلوغ مرتبة الاقتصاد فيه تحصيل ما تضمنه مغني اللبيب أيضًا.
ومن فاته فقد فاته نصف النحو، وما زاد على ذلك استقصاء. وبالجملة الاقتصار في كل فن ما تضمنه المتون المختصرة. والاقتصاد ما تضمنه المتون المتوسطة. وما زاد على ذلك استقصاء، ولا تحد تلك المراتب إلاّ بالتقريب.
أقول ولي إجمال في تحديد هذه المراتب: وهو أن إحاطة أشهر مسائل الفن اقتصار، والزيادة عليه بإحاطة مشهوراته أيضًا اقتصاد. والزيادة عليه بإحاطة نوادره أيضًا استقصاء والله أعلم.
ثم اعلم أنه ليس المراد من تحصيل تلك المراتب حفظ ما تضمنها من الكتب، بل تصحيح نسخها والاطلاع على ما فيها إما بالتعلُّم وإما بمجرد النظر والمطالعة بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه من تلك الفنون. وهذا