الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقوال: ومن كتبهم رسالة القشيري، وعوارف المعارف.
ثم أقول: ولأن اكتساب أكمل مراتب الفضائل، لا يكون إلا بعد الاتصاف بما دونها.
قال بعض المشايخ: التصوف، الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني.
الفصل "الثامن": (في حكم علم الأخلاق)
اعلم أن بعض علم الأخلاق فرض عين، وكلها فرض كفاية، ما عدا علم التصوف، فليس بفرض عين، وهو ظاهر، ولا فرض كفاية، إذ لا يجب شيء من أحوال المتصوفين على أحد في حال ما، بل هي مستحبة، وفائدة الاطلاع على أحوال المتصوفين، لمن لم يرد الاقتداء بهم، معرفة تقصيره في السلوك.
قال القشيري: قال حمدون: من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال. ولذلك الفن اصطلاحات يشين العالم المدرس
جهلها، كالجمع والفرق والفناء والبقاء والسير والتجلي والشرب والري والسكر والصحو إلى غير ذلك. قال القشيري: هذه الطائفة يستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بها ستر معانيهم عمن باينهم غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، انتهى
أقول: فوجب أن تعتقد أن ما يفهم من ظاهر كلماتهم مما يخالف المعلوم من الشرع له تأويل لا يخالف به ذلك المعلوم] إلا بسبب ذلك التأويل [
وأما العلم اللدني: - وهو غير علم التصوف كما ستعرف- ويسمى أيضًا علم الباطن وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم الوراثة وعلم الحقيقة، فهو ما قاله الرازي في التفسير الكبير: الصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية، انتهى.
يعني أخذ من قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} قال الكواشي في تفسير هذه الآية: هو علم الباطن وهو العلم اللدني. وفي المدارك: إنه الإخبار بالغيوب، انتهى. أقول] يعني [ما علمه الله الخضر لا مطلق علم الباطن كما ستعرف، قال في التتارخانية: علم المكاشفة لا
يحصل بالتعليم والتعلم وإنما يحصل بالمجاهدة التي جعلها الله تعالى مقدمة للهداية، حيث قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} . وفي الحديث: "من عمل بما علم ما لم يعلم" انتهى. ويقابله علم الشريعة والعلم الظاهر وعلم المعاملة، والثلاثة عبارة عما يتلقى من الأنبياء، وهو علم الكتاب والسنة، وعلم ما يستنبط منهما. قال في "الإحياء": الشريعة عبارة عن الظاهر والحقيقة عبارة عن الباطن. وقال فيه: علم الآخرة قسمان: علم المكاشفة وعلم المعاملة، انتهى.
ولعل وجه تسمينهم علم الشريعة العلم الظاهر، كونه متلقى من القول المسموع.
وأما علم الباطن فهو قسمان: قسم منه ما ألقاه الله تعالى في القلب من علم الغيوب، وإلقاؤه إلا بما واسطة الاطلاع على أماراتها، كعلم الخضر عليه السلام سبب حل خرق السفينة وقتل الغلام، وعلمه الكنز الذي تحت الجدار، وعلمه فائدة إقامة الجدار. وإما بواسطة الاطلاع على أماراتها
التي خفيت دلالاتها عليها، كعلم تأويل الرؤيا وعلم بعض الأشياء بالفراسة، وكالانتقال من النصوص إلى أشياء لمناسبة ما بالمكاشفة لا بقواعد العربية، كما ذكره البيضاوي عند قوله تعالى:{كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} وقسم منه: علم الإنسان الأحوال التي وهبها الله تعالى له بعد الطاعة، كالأحوال الحاصلة لأرباب مجاهدة النفس والشيطان، وهي ما سماها الصوفية بالذوق والشرب والري والسكر والصحو والفناء والبقاء والتجلي، إلى غير ذلك. وهذه الأحوال لا يمكن التعبير عن حقائقها، وإنما يعرفها من ذاقها كلذه الجماع.
فما قاله الطيبي] في شرح الكشاف [نقلًا عن البعض: العلم اللدني أمر وجداني لا يفي بنطقه المقال، انتهى. محمول على بعض أقسام العلم اللدني، بخلاف ما قاله] في [التتارخانية: فإن ما يحصل بالمجاهدة أعم من أن يفي بنطقه المقال بعد حصوله، كما علم الخضر موسى عليهما السلام. إن قلت أليس قد بين تلك الأحوال في كتب التصوف كرسالة القشيري؟
قلت: ذلك البيان تقريب إلى الأفهام بدون الإفهام التام، فإن السكر
مثلًا لا يعرف حقيقته إلا من سكر، كما لا يعرف لذة الجماع بكل بيان من لم يجامع. وبالجملة إن علم التصوف ليس عين العلم اللدني ولا بعض أقسامه، بل تعبير عن بعض أقسامه، كما تعبر عن لذه الجماع حلاوة العسل، ثم إن معظم علم الباطن في الأنبياء ثم في الأمثل فالأمثل والله أعلم. [بـ]
" فصل "التاسع"
(هل علم الباطن يخالف علم الظاهر؟ )
قال في الإحياء: من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه للإيمان، انتهى. يريد من الباطن ما ينكشف لعلماء الباطن من حل بعض الأشياء لهم، مع أن الشارع حرمه على عباده مطلقًا فيجب أن يقال: إنما انكشف حله لهم لما انكشف لهم من سبب خفي يحلله لهم.
وتحريم الشارع ذلك على عباده مقيد بانتفاء انكشاف السبب المحلل لهم، لكن الشارع حرمه على عباده على الإطلاق وترك ذلك القيد لندارة وقوعه، مثاله: انكشاف محلل خرق السفينة وقتل الغلام للخضر عليه السلام، فحل له بذلك الانكشاف (الخرق) والقتل. وحلهما له مخالف لإطلاق نهي النبي عليه السلام أمته عن الضرر وعن قتل الصبي، لكنهما