الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: فترة النضال
حوافز النضال واتجاهاته:
1-
من جرائم الاحتلال البريطاني:
لقد بدأ الإنجليز يطمعون في الاستيلاء على مصر، منذ أيام الحملة الفرنسية عليها، ولذا طارد أسطولهم الأسطول الفرنسي حتى أغرقه في أبي قير سنة 1798، ولذا أيضًا شاركوا في إخراج الفرنسيين من مصر سنة 1801، وللسبب نفسه حاولوا غزو البلاد بتلك الحملة المعروفة بحملة فريزر سنة 1807، ولكن المصريين ردوهم ببسالة في موقعة رشيد الخالدة1.
وحين عجز الإنجليز عن التدخل العسكري المباشر، ظلوا يتحينون الفرص لكسب نفوذ في مصر، حتى يمهدوا به قليلًا قليلًا لما بيتوه من احتلال كامل، وما إن تورط إسماعيل في الديون، حتى أمدته بريطانيا -فيمن أمده من دول- حتى تضيق الحبل حول رقبته، بل حور رقبة مصر، ثم ضرب الإنجليز ضربتهم التي حققت التدخل الفعلي في شئون البلاد، وذلك حين اشتروا حصة مصر من أسهم قناة السويس سنة 1875؛ فقد تبع ذلك تدخلهم في توجيه اقتصاديات البلاد وسياستها، بحجة المحافظة على مصالحهم وأموالهم، الممثلة فيما لهم من ديون وحقوق في قناة السويس، وتحقق كثير من طمعهم، ولكنهم لم يرضوا إلا بنيل كل ما بيتوا له، وهو الاحتلال الكامل.
ولذا انتهزوا فرصة تحرك العناصر الوطنية المطالبة بتحقيق مطالب الشعب على أيدي عرابي، وأصحابه، ونفذوا مؤامرتهم الاستعمارية، ليتخلصوا من تلك العناصر الوطنية أولًا، وليتم لهم ما طمعوا فيه من احتلال مصر آخر الأمر.. وهكذا ضربوا الإسكندرية من البحر في يوليو سنة 1882، ونزلوا إلى أرض مصر، وتحرك عرابي بجنده لنزالهم، وعمل جهده على تحطيم غزوهم، ولكن
1 انظر تاريخ مصر السياسي لمحمد رفعت جـ1 ص92-93.
الخيانة والتآمر والغدر كانت فوق طاقة الثائر الأمين الباسل، فهزم عرابي وجنده في معركة التل الكبير، وتم احتلال الإنجليز لمصر في سبتمبر سنة "1882"1.
ومعروف أن أهم أطراف المؤامرة كانت تتمثل في توفيق الخائن، والإنجليز المعتدين، ولذا تآزر هذان الطرفان من أول أيام الاحتلال على إضعاف كل القوى الواعية في مصر، حتى تستحيل البلاد إلى حقل كبير ينتج القطن لمصانع بريطانيا، ويصب المال في جيب الخديوي، وأعوانه الرجعيين.
وتبعًا لتنفيذ تلك الخطة، اكتفى الخديوي من حكم البلاد بالاسم، وبعض مظاهرة الشكلية الزائفة التي يضمنها له الإنجليز، وأطلق الأيدي هؤلاء المعتدين في مصر، يصفون كل قواها الواعية على الوجه الذي يحقق أطماعهم، ويسدد لهم ثمن حمايتهم للخديوي الخائن.
وهكذا نفي عرابي وأصحابه، وصفيت كل العناصر الوطنية في الجيش وخارجه، إما بالنفي أو السجن أو الاختفاء، ونتيجة للسياسة التي رسمها الإنجليز وأشرفوا على تنفيذها بوساطة مستشاريهم، ومعتمديهم2، سرح الجيش
1 اقرأ ذلك بالتفصيل في: الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لعبد الرحمن الرافعي، وفي: مذكرات عرابي لأحمد عرابي.
2 من مستشاريهم المخربين. "دوفرين" الذي كان سفيرًا لبريطانيا في الآستانة، وجاء بعد الاحتلال إلى مصر، ووضع تقريره المشهور الذي رفع إلى وزارة الخارجية البريطانية، وضمنه مقترحاته لتصفية الوضع في مصر، وكان من هذا التقرير: وجوب تسريح الجيش وحل مجلس شورى النواب
…
ومن معتمديهم "كرومر" الذي عمل في مصر نحو ربع قرن من سنة 1883 إلى سنة 1907، وكانت سنواته سنوات إرهاب وطغيان لا تنسى
…
ومنهم كذلك "غوست" الذي جاء بعد "كرومر"، والذي هادن الخديوي على حساب الوطنيين
…
ومنهم "كتشنر" الذي كان "سردار" الجيش أيام "كرومر"، ثم عين معتمدا بعد "غورست".... ومن أخطر مستشاريهم "دانلوب" الذي عمل مستشارًا للمعارف من سنة 1906 إلى سنة 1919، وكان من أهم أسباب تأخر التعليم في مصر، وجموده على عهد الاحتلال، وقد ظل أثر سياسته الفاسدة يسيء إلى التعليم في مصر سنوات بعد رحيله.
الوطني القوي الذي حارب مع عرابي، وكان يضم كثيرًا من الوطنيين الأقوياء البواسل، وأعيد تكوينه على ضعف وهزال، وفي عدد لا يتجاوز ستة آلاف، على رأسهم "سردار" إنجليزي يعاونه طائفة من كبار الضباط الإنجليز، كذلك أغلقت مصانع الأسلحة كلها وبيعت آلاتها، كما أنهيت البحرية المصرية، وبيعت سفنها، وشبيه بما فعل مع الجيش لتصفيته، وإضعافه وجعله في قبضة المحتلين، فعل مع البوليس، بوضع رجل إنجليزي على رأسه، وتعيين وكيل إنجليزي لوزارة الداخلية.
ونتيجة للسياسة الإنجليزية نفسها أرهق الاقتصاد المصري بل خنق؛ وذلك بتعيين مستشار إنجليزي للمالية، وإجهاد الخزانة المصرية بتعويضات مجحفة تؤدي للأجانب عما أصابهم من خسائر وهمية، ثم كان من عوامل خنق الاقتصاد المصري، وإرهاق المصريين ماليًّا تحميل مصر تكاليف جيش الاحتلال والموظفين الإنجليز، ثم تحميلها كذلك تكاليف حرب المهدي في السودان1.
هذا فيما يتصل بالقوتين العسكرية والاقتصادية، اللتين تمثلان للبلاد ساعدها الذي تحتمي به، وقلبها الذي تعيش عليه. أما فيما يتعلق بالقوتين الثقافية والأخلاقية، فقد عمل الاحتلال على إضعافهما ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فقد عوقبت البعثات2، وأهملت المعاهدات العالية3، واقتصر الاهتمام.
1 انظر: مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال البريطاني لعبد الرحمن الرافعي: ص: 9، 17، 19، 64، 159.
2 كان أكثر البعثات قبل الاحتلال يوفد إلى فرنسا، فأصدر كرومر قرارًا بإلغاء البعثات إليها، وكان ذلك سنة 1895.
اقرأ: في الأدب الحديث لعمر الدسوقي جـ2 ص33.
3 من صور هذا الإهمال بل العبث ضغط دنلوب على عميد مدرسة الحقوق الفرنسي "مسيو لامبير" حتى استقال، فعين بدلا منه شابًا إنجليزيًا، كما استبدل بالأساتذة الفرنسيين مدرسين من الإنجليز الصغار، الذي يجهلون قوانين البلاد.
اقرأ: مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص244، وما بعدها.
بالتعليم على اللون الذي يخرج طائفة من الموظفين الذي يعملون تحت رياسة رؤساء من الإنجليز.
وكان من أبرز مظاهر تخلف التعليم في عهد الاحتلال، انخفاض نسبة المتعلمين في الأربع والعشرين سنة الأولى من الاحتلال إلى النصف، وانخفاض ميزانية التعليم بشكل واضح عما كانت عليه قبل الاحتلال1، وقد اعترف بذلك الإنجليز على لسان رجهلم في مصر حينذاك "كرومر"2، الذي كان يدعو جهرًا إلى عدم تقدم التعليم في مصر3.
كذلك فرضت اللغة الإنجليزية على التعليم، وحوربت اللغة العربية ألوانًا من الحرب، فلم تعد وسيلة للتدريس، وإنما حلت محلها لغة المحتلين4، ولم تترك الفصحى وسيلة للتعبير خارج قاعات الدرس، لتنمو وتتطور، وتصل المصريين بالماضي العربي المشرق، والتراث الإسلامي المجيد، وتجمعهم مع إخوانهم العرب والمسلمين في كتلة قوية واعية، وإنما ظهرت دعوات خبيثة من خبر الاستعمار، وبعض من خدع فيهم من العرب، وراحت هذه الدعوات تهاجم الفصحى، وتنسب إلى المصريين التخلف والعجز بسببها،
1 كانت نسبة المتعلمين سنة 1883 نحو 16% فصارت سنة 1907 نحو 8%، وكانت ميزانية التعليم سنة 1866 أكثر من 000 و 141 من الجنيهات، فهبطت سنة 1885 على عهد الاحتلال إلى 689 و 84، وزادت هبوطًا سنة 1890، فصارت 337 و 80.
انظر: في الأدب الحديث لعمر الدسوقي جـ2 ص18، وانظر: كذلك: Modern Egypt. Cormer، Vol، 2 p. 529
2 انظر: The Situation in Eypt، Cromer p.12.
3 انظر: Abbas II. Cormer، pp. 23-24.
4 حمل "دنلوب" علي مبارك على إصدار قرار يجعل اللغة الإنجليزية لغلة التعليم سنة 1889، وظل الحال كذلك حتى نجح المصريون في إعادة اللغة العربية إلى ميدان التعليم سنة 1908، وتم تعريب التعليم سنة 1912.
اقرأ: في الأدب الحديث لعمر الدسوقي جـ2 ص43-45.
وتنادي باتخاذ العامية لغة للتأليف العلمي والأدبي، وبإحلال العامية محل الفصحى في القراءة والكتابة1.
وهكذا عوُقت الحركة العلمية، وتناقص عدد المتعلمين، ووجدت اللغة العربية صعوبات وعراقيل، وأصبح من يشتغلون بها من الطوائف المضطهدة في رزقها، وفي وضعها الاجتماعي.
كذلك حل المستعمرون "مجلس شورى النواب"، بحجة أن المصريين لم يصلوا بعد إلى المرحلة التي يستطيعون فيها أن يكون لهم مجلس نيابي، أو حكومة ديمقراطية، وقد استعاضوا عن هذا المجلس بثلاث مؤسسات أخرى هي الجمعية العمومية، ومجلس شورى القوانين، ومجال المديريات، وكل هذه المؤسسات لا تغني عن المجلس النيابي شيئًا بطبيعة الحال، وإن برر الإنجليز مسلكهم العدواني بأنهم يريدون أن يدربوا المصريين على الحكم النيابي الذي لم يصلوا إلى مستواه في زعمهم2.
1 من أمثلة الهجوم على الفصحى، ما دعا إليه "دوفرين" في تقريره المشهور سنة 1883 من تحبيذ اللغة العامية والعناية بها، ثم ما قاله وليام ولكوكس" في خطبة ألقاها في نادي الأزبكية سنة 1893، من أن العامل الأكبر في فقدان المصريين لقوة الاختراع هو استخدام الفصحى، ثم ما قاله: "ويلمور" أحد قضاة الإنجليز سنة 1901، من نصح المصريين بهجر الفصحى، ومن العرب الذين خدعوا بمثل تلك الدعوات: إسكندر معلوف السوري، الذي حاول أن يوهم المصريين بأن سبب تأخره هو استخدام الفصحى، وذلك في مقال له بالهلال في مارس سنة 1902.
اقرأ: في الأدب الحديث لعمر الدسوقي جـ2 ص40، وما بعدها، ومقالا للدكتور علي عبد الواحد وافي في مجلة الرسالة، العدد الصادر في 3 ديسمبر سنة 1964، ومقالًا للأستاذ محمود شاكر في الرسالة عدد 7 يناير سنة 1965. وانظر: رسالة كاملة في هذا الموضوع للدكتورة نفوسة زكريا، وعنوان هذه الرسالة هو: تاريخ الدعوة إلى العامية وأثرها في مصر.
2 انظر: مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال البريطاني ص36-51.
وفي الوقت نفسه أخمدت أنفاس الصحافة بسبب أقل شبهة في معاداة الإنجليز أو الخديو، فمنعت "العروة الوثقى" من دخول مصر، وكان يصدرها في باريس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وقت إبعادة عن البلاد، بعد الثورة العرابية. كذلك ألغيت صحيفة "الوطن"، وصحيفة "مرآة الشرق"، وصحيفة "الزمان"، وعطلت "الأهرام" بعض الوقت1.
وهكذا خنقت روح القوة الأخلاقية، وهي الحرية، وأصبح بعض الناس يتشكلون وفق مصالحهم، أو ما يرونه من صالح جماعتهم، فتقرب نفر من المستعمرين، وهادن آخرون الحكام الخائنين، وبدأت المفاسد الخلقية التي تخلفها مصادرة الحرية تظهر في صورة شتى، ولكن كلها قبيح شائه كريه.
وقد أضيف إلى هذا العامل الرئيسي المفسد للأخلاق، عامل الضغط الاقتصادي على طبقات الشعب الكادحة، بما كان من استغلال الإقطاعيين لهم، وامتصاص المرابين لدمائهم، وجور السلطان عليهم، أجل أضيف هذا العامل الاقتصادي المفسد، إلى العامل المعنوي المتلف، فتضاعفت المأساة، وظهرت مع الاحتلال عيوب خلقية عديدة، في طليعتها: النفاق، والجشع والحقد، وما إلى ذلك مما يخلفه فقدان الحرية، وسوء النظم الاقتصادية.
كذلك أدخل الاحتلال إلى مصر ألوانًا من المباذل الوضيعة، كالبغاء الرسمي ونوادي الميسر، وحانات الخمر، وظهرت هذه المباذل في المدن، وجرفت كثيرًا من المواطنين، فعرفت حياتنا الاجتماعية -وخاصة في المدن- عيوبًا لم تعرفها قبل عهد الاحتلال2.
وهكذا عمل الاستعمار على قتل القوتين الثقافية والأخلاقية، اللتين
1 انظر: المصدر السابق ص161-163، ومذكراتي في نصف قرن لأحمد شفيق.
2 اقرأ: مقالًا لعبد الله النديم، يندد فيه بتلك المفاسد في "الأستاذ" عدد 17 يناير سنة 1893.
تمثلان عقل الأمة، وضميرها تماماً كما عمل على قتل القوتين العسكرية والاقتصادية، اللتين تمثلان ساعد الأمة وقلبها.
حقيقة قد أباح الاحتلال -بعد فترة- إنشاء بعض الصحف، كما سمح بقيام بعض الأحزاب، ولكن ذلك كان أساسًا لتأجيج الخصومات، وتفريق شمل الأمة.
وحقيقة قد قام الاحتلال ببعض ألوان من إصلاح الري، وإقامة بعض السدود والقناطر، ولكن ذلك كان بقصد زيادة محصول القطن، الذي كانت تحتكره المصانع الإنجليزية، على أن هذا كله لم يخلف رخاء اقتصاديًا، ولم يرفع مستوى الشعب، وإنما زاد من ثراء طائفة من كبار الملاك، وضاعف من تحكمهم في الطبقة الكادحة1.
ومن ذلك كله كانت التركة التي خلفها الاحتلال، تركة مثقلة رهيبة تحتاج إلى نضال صابر وكفاح مرير، حتى يصلح ما فسد ويقوم ما اعوج، كان على البلاد أن تناضل في ميادين عديدة، في ميادني السياسة ضد المحتل وحليفه اقصر، وفي ميدان الاقتصاد ضد الفقر والاستغلال، وفي ميدان التعليم ضد الجهل والأمية، وفي ميدان الثقافة ضد العدوان على اللغة وتراث العرب والإسلام، وفي ميدان الاجتماع ضد التخلف والجمود، وفي ميدان الأخلاق ضد التبذل والتفرنج.
والحق أن الاحتلال لم يستطع -رغم وسائله العديدة- أن يحول بين الرواد المصريين، وبين خوض معركة النضال من أجل تخليص الوطن، وإصلاح ما فسد من أمره، وكل ما استطاعه الاحتلال هو أن يعوق مسيرة مصر إلى نهضتها، وأن يكلفها الكثير من التضحيات والجهد، لكي تحقق ما تصبو إليه من هدف كبير، وقد أثبت مصر في نضالها الشريف، أنها بإيمانها ونبل غايتها، أقوى من الاحتلال بكل جيوشه، وخسيس أهدافه.
1 انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ1 ص215- 216، وتطور الرواية العربية للدكتور عبد المحسن بدر ص36، ومصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص27-30.