المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المسرحية وأولية الأدب المسرحي: - تطور الأدب الحديث في مصر

[أحمد هيكل]

فهرس الكتاب

- ‌محتويات الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد:

- ‌الفصل الأول: فترة اليقظة

- ‌أهم أسباب اليقظة

- ‌أسلحة علمية للحملة الفرنسية

- ‌ أول الاتصال الفعلي بالثقافة الحديثة:

- ‌الأدب وأولى محاولات التجديد

- ‌الشعر

- ‌ النثر:

- ‌الفصل الثاني: فترة الوعي

- ‌أبرز عوامل الوعي

- ‌اشتداد الصلة بالثقافة الحديثة

- ‌ إحياء التراث العربي:

- ‌ مؤسسات سياسية ومجالات ثقافية:

- ‌ الثورة الأولى:

- ‌الأدب وحركة الإحياء

- ‌أولا: الشعر

- ‌الاتجاه التقليدي وبعض لمحات التجديد

- ‌ ظهور الاتجاه المحافظ البياني:

- ‌ثانيًا: النثر

- ‌ الكتابة الإخوانية، واتجاهها إلى التقليد:

- ‌ الكتابة الديوانية وميلها إلى الترسل:

- ‌ المقالة ونشأتها:

- ‌ الخطابة وانتعاشها:

- ‌ الرواية ونشأة اللون التعليمي:

- ‌ المسرحية وميلادها:

- ‌ كتب الأدب وتجددها:

- ‌الفصل الثالث: فترة النضال

- ‌حوافز النضال واتجاهاته:

- ‌ من جرائم الاحتلال البريطاني:

- ‌ مراحل النضال وطرائقه:

- ‌ بعض معالم النضال المشرقة:

- ‌الأدب بين المحافظة والتجديد

- ‌أولا: الشعر

- ‌سيطرة الاتجاه المحافظ البياني

- ‌ ظهور الاتجاه التجديدي الذهني:

- ‌ثانيًا: النثر

- ‌ المقالة وظهور أول طريقة فنية للنثر الحديث:

- ‌ الخطابة ونشاطها:

- ‌ القصص بين استلهام التراث، ومحاكاة أدب الغرب:

- ‌ المسرحية وأولية الأدب المسرحي:

- ‌الفصل الرابع: فترة الصراع

- ‌دوافع الصراع ومجالاته

- ‌بين الروح الوطنية والانحرافات الحزبية

- ‌ بين نشوة النصر، ومرارة النكسة:

- ‌ نمو الحياة الثقافية:

- ‌ غلبة التيار الفكري الغربي:

- ‌الأدب وغلبة الاتجاه التجديدي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الشعر

- ‌ تجمد الاتجاه المحافظ البياني:

- ‌ انحسار الاتجاه التجديدي الذهني:

- ‌ ظهور الاتجاه الابتداعي العاطفي:

- ‌ثانيا: النثر

- ‌مدخل

- ‌المقالة وتميز الأساليب الفنية

- ‌ الخطابة وازدهارها:

- ‌ القصص واستقرار اللون الفني:

- ‌ المسرحية وتأصيل الأدب المسرحي:

- ‌مراجع الكتاب

- ‌المراجع العربية

- ‌المراجع الأجنبية

الفصل: ‌ المسرحية وأولية الأدب المسرحي:

يدي كاتب من ذوي الثقافة الأجنبية، ومن المتصلين بالأدبي الغربي، لهذا جاءت في بنائها الفني على نمط الشكل الأوروبي، وإن لم تخل من بعض الرواسب العربية.

على أنه يلاحظ أن القصة القصيرة قد تأخر ميلادها عن الرواية الفنية نحو خمس سنين1، ولعل السبب في ذلك هو أن ارتباط القصة القصيرة بالواقعية أشد، ومعالجتها لأحوال الناس العاديين أكثر، والتحامها بالروح القومية أقوى. فكان أن ظهرت مع سنوات غليان المجتمع بالروح القومية، والتفاته بعطف إلى العناصر الكادحة، وتأمله بمرارة لواقعة المتناقض؛ وهذه السنوات هي السنوات التي تمخضت عن ثورة سنة 1919، التي سيشب بعدها الفن القصصي كله، ولا يقف عند مرجلة الميلاد.

1 ظهرت أول قصة قصيرة فنية على يد محمد تيمور، وهي قصة "في القطار" سنة 1917، ومن قبل ظهرت رواية زينب على يد الدكتور محمد حسين هيكل سنة 1912.

ص: 218

4-

‌ المسرحية وأولية الأدب المسرحي:

تضاعف النشاط المسرحي في مصر خلال هذه الفترة، بعد أن ولد المسرح ونشط في الفترة السابقة، وكان تضاعف هذا النشاط بسبب قدوم فرقة شامية جديدة، هي فرقة أبي خليل القباني1؛ فقد قدم على مصر سنة 1884، وعمل في الإسكندرية أولًا، ثم عاد إلى القاهرة، وعمل على مسرح "الأوبرا"، وتنقل بعد ذلك بفرقته في عدد من الأقاليم والعواصم المصرية2.

وهكذا أصبح في مصر عدد من الفرق التمثيلية، كفرقة يوسف الخياط، وفرقة سليمان القرداحي، وفرقة أبي خليل القباني، وبهذا زاد التنافس بين تلك الفرق، وتضاعف النشاط في مجال المسرح، فكثر جمهوره، وتعدد الكاتبون له من شاميين ومصريين، وقد كان في مقدمة هؤلاء الكتاب

1 انظر: المسرحية في الأدب العربي الحديث، للدكتور يوسف نجم ص60-68.

2 المصدر السابق ص115 وما بعدها.

ص: 218

المسرحيين في هذا العهد المبكر، محمد عثمان جلال1، الذي ترجم للمسرح ومصر، كما ألف كذلك بعض الأعمال المسرحية، ومن ترجماته تلك المجموعة التي نشرها سنة 1889 باسم "الروايات المفيدة في علم التراجيدة"، متضمنة ترجمة لثلاث مسرحيات للشاعر الفرنسي الكبير "راسين" هي:"إستر" و"أفغانية" و"إسكندر الأكبر"، ومن تمصيراته تلك المجموعة التي نشرها سنة 1893 باسم "الأربع روايات من مختارات التياترات" مشتملة على أربع مسرحيات من ملاهي المسرحي الفرنسي العظيم "موليير"، وتلك المسرحيات هي:"الشيخ متلوف" و"النساء العالمات" و"مدرسة الأزواج" و"مدرسة النساء"، كذلك ألف محمد عثمان جلال مسرحية "المخدمين" التي عالج فيها موضوعًا اجتماعيًا، وهو حيل المخدمين، ووسائلهم في السيطرة على الخدم وإفسادهم على مخدوميهم، وقد كتب تلك المسرحية بالزجل المصري، الذي اختاره من قبل لغة لترجماته وتمصيراته2.

غير أن نجاح القباني، وفرقته لم يقف عند إنعاش النشاط المسرحي ومضاعفة الاهتمام بالمسرح والكتابة له؛ وإنما تجاوزه إلى شيئين مهمين؛ وهما توجيه الاهتمام إلى المسرحية التاريخية العربية، ثم العناية باللغة الفصحى والشعر في كتابة المسرحية، فقد كان القباني يميل إلى المسرحيات المستمدة من التاريخ العربي أولًا، وكان يفضل للغتها الفصحى التي يتخللها الشعر ثانيًا، ولما كان يقدم المسرحيات، وفيها مشهيات كثيرة تلائم الأذواق في ذلك الحين، من أغان

1 ولد في إحدى بلدان بني سويف سنة 1828، وتدرج في التعليم من الكتاب إلى تجهيزية قصر العيني إلى مدرسة الألسن، ثم اشتغل في سلك القضاء، فعمل بالمحاكم المختلطة والاستئناف، وتوفي سنة 1898. اقرأ عنه في: شعراء مصر وبيئاتهم للعقاد ص111، وتاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان جـ4 ص221. وفي الأدب الحديث لعمر الدسوقي جـ1 ص89 وما بعدها، والفن القصصي لمحمود شوكت ص71 وما بعدها.

2 انظر: المسرحية في الأدب العربي الحديث للدكتور يوسف نجم ص218-221، ثم 273-288، ثم 430-432. وانظر: شعراء مصر وبيئاتهم للعقاد ص117، والمسرحية لعمر الدسوقي ص18، وفي الأدب الحديث للمؤلف نفسه جـ1 ص91.

ص: 219

وإنشادات ورقصات1؛ فقد كثر الإقبال على مسرحياته، ونجح هذا الاتجاه الذي وجه إليه المسرحية، نحو التاريخ العربي أولًا، ثم نحو اتخاذ الفصحى والشعر لغة للمسرح ثانيًا، وبرغم أن الفصحى التي كانت تكتب بها مسرحيات القباني، قد كانت مفعمة بالمحسنات التي في مقدمتها السجع، وبرغم أن الشعر لم يكن ملائمًا دائمًا للموقف أو مؤديًا وظيفة في البناء المسرحي؛ قد كان هذا الاتجاه متفقًا إلى حد كبير مع الاتجاه الأدبي العام في ذلك الحين، هذا الاتجاه الذي عرفنا أنه كان يهتم بالتراث، ويتشبث بالماضي، حتى يحاول أن يصطنع في بعض مجالات الفن القصصي لغة المقامات، باعتبارها لغة الفن القصصي البارز، الذي عرف في عهود الازدهار2.

ومهم يكن من أمر، فقد ساعد نجاح مسرح القباني على السير في اتجاهه وتجويده، كما ساعد على دفع المسرح خطوة إلى الأمام، فقد انفصل إسكندر فرح عن فرقة القباني، وألف فرقة سنة 1981، واستعان بالشيخ سلامة حجازي3، مواصلًا الاتجاه الغنائي، إلى أن انفصل عنه الشيخ سلامة حجازي سنة 1905، فاعتمد على المسرحيات غير الغنائية، واجتذب إلى الكتابة المسرحية طائفة من الأقلام الممتازة، مثل مطران ونجيب الحداد، وفرح أنطون وغيرهم، ممن ألفوا وترجموا عن الإنجليز والفرنسية4.

كذلك واصل الشيخ سلامة حجازي نشاطه المسرحي الغنائي بعد أن استقل، وكون له فرقة خاصة، وعنى عناية بالغة بالملابس والمناظر، وروعة

1 انظر: المسرحية للدكتور يوسف نجم ص122، والمسرحية لعمر الدسوقي ص18 وما بعدها.

2 اقرأ ما كتب عن ذلك الاتجاه في مبحث النثر في هذا الفصل، فقرة 3 - مقال "أ"- الرواية الاجتماعية المقامية.

3 اقرأ عنه في: المسرحية للدكتور يوسف نجم ص135-149، والمسرح النثري للدكتور محمد مندور الحلقة الأولى ص12.

4 المسرحية للدكتور يوسف نجم ص125-132.

ص: 220

العرض، وأنشأ "دار التمثيل العربي"، واهتم إلى درجة كبيرة بالروايات التاريخية، مثل "صلاح الدين" و"زنوبيا" و"غانية الأندلس" هذا بالإضافة إلى الروايات المترجمة والمؤلفة الأخرى، وقد كان الشيخ سلامة يغني في مواقف من رواياته، كما كان يغني أيضًا بين الفصول، وكان هذا الغناء من أهم عوامل جذب الجمهور إلى المسرح في تلك الأحايين1.

ثم خطا المسرح المصري أهم خطواته نحو الفن الصحيح، وذلك حين ألف جورج أبيض2 فرقته المسرحية، بعد عودته سنة 1910 من دراسة التمثيل في فرنسا، وقد استهلت هذه الفرقة عملها بتقديم مشهد شعري من تأليف حافظ إبراهيم هو "شهيد بيروت" في مارس سنة 1912، ثم قدمت الفرقة في نفس الشهر مسرحية "أوديب"، ثم قدمت "لويس الحادي عشر"، ثم"عطيل". والأولى ترجمة فرح أنطون، والثانية ترجمة إلياس فياض، والثالثة ترجمة مطران، وبرغم استهلال جورج أبيض بالمسرحيات المترجمة، قد اهتم بعد ذلك بالروايات التاريخية العربية، مثل "صلاح الدين ومملكة أورشليم" و"الحاكم بأمر الله"3. ومع جورج أبيض وما قدم من روايات على أسلوب مسرحي فني4، يكون المسرح المصري قد جاوز طور النشأة، وتكون المسرحية الصحيحة قد ظهرت أولياتها، ويكون الأدب المسرحي في مصر قد رأى النور، وظهرت نماذج وليدة منه، وخاصة في أواخر تلك الفترة التي تنتهي بثورة 1919.

1 المصدر السابق ص148-149.

2 اقرأ عنه في المصدر السابق ص152-165. وطلائع المسرح العربي لمحمود تيمور ص43 وما بعدها.

3 المسرحية للدكتور نجم ص154-157.

4 انظر: المسرح النثري للدكتور محمد مندور الحلقة الأولى ص12-16، والمسرحية للدكتور نجم ص157.

ص: 221

أ- مسرحية المعتمد بن عباد:

ولكن ما هي تلك المسرحيات التي يمكن أن تعتبر أول الأدب المسرحي المصري الحديث، الحق أنه يمكن أن تعتبر مسرحية "المعتمد بن عباد" أول مسرحية تدخل في هذا الباب، وقد ألفها إبراهيم رمزي1 سنة 1892 معتمدًا على فترة تاريخية تتصل بتاريخ العرب في الأندلس، ومختارًا من بين صفحاتها ثلاث حوادث كبيرة. الأولى ما كان بين الملك الأندلسي المعتمد بن عباد، ووزيره الشاعر أبي بكر بن عمار، من صداقة انتهت بعداوة أدت إلى قتل الوزير. والثانية غزو الأذفونش "ألفونس السادس" لإشبيلية، واستنجاد الأندلسيين بالمرابطين في شمال أفريقيا، ومجيء يوسف بن تاشفين لنجدة أهل الأندلس، ثم عودته إلى المغرب وقد طمع في الاستيلاء على تلك البلاد التي استنجدت به، أما الحادثة الثالثة، فهي ما كان من أمر هذا الجيش الذي خلفه ابن تاشفين في الأندلس، وما كان من تقويضه لملك المعمتد وأسره، ثم نقله إلى سجن أغمات في شمال إفريقيا، حيث قضى نحبه بعد أن فجع بوفاة زوجته اعتماد.

والواقع أن تلك المسرحية لم تكن ناضجة ولا قريبة من الناضجة، وذلك؛ لأن المؤلف قد اقتصر على سرد المعلومات التاريخية عن طريق الحوار، دون أن يضيف شيئًا أو يحذف شيئًا، كما تقتضي طبيعة التأليف المسرحي المعتمد على مادة التاريخ، ومن هنا جاءت المسرحية على كثير من التفكك، وليست فيها مراعاة لإطاري الزمن والمكان المعقولين، كما أنها لا تعطي تفسيرًا مقنعًا لما وراءها من مآس، ولا هدفًا محددًا لما تعرضه من أحداث، وكل ما في الأمر أنها أشبه بفصول التاريخ التي اتخذت شكل المسرحية، ولغة الحوار الدرامي.

1 اقرأ عنه في: المسرح النثري للدكتور مندور الحلقة الأولى. وفي: طلائع المسرح العربي لمحمود تيمور ص47 وما بعدها.

ص: 222

وقد كتبت تلك المسرحية باللغة الفصحى المسجوعة، وتخللها قطع وأبيات من الشعر، مما أضاف إلى عيوبها السابقة عيبًا آخر، هو عيب اللغة المصنوعة التي لا تلائم الشخصيات وتطور الأحداث وتصور الجو، بقدر ما ترضى نزعة الالتفات إلى التراث، وإرضاء حاجة المشاهدين1.

على أننا إذا تذكرنا أن تلك المسرحية قد كتبت في هذا العهد المبكر، وتحت تلك الظروف التي عرفناها، وما كان فيها من عامية وركاكة من جانب، ومحافظة واهتمام بالفصحى، ورعاية للتراث من جانب آخر، إذا تذكرنا ذلك عطفنا على تلك المحاولة المبكرة، واعتبرنا صاحبها رائدًا مستحقًا للثناء.

ب- مسرحية علي بك الكبير:

وإذا كانت مسرحية "المعتمد بن عباد"، أو الأدب المسرحي النثري، فإن "علي بك الكبير" لأحمد شوقي أول الأدب المسرحي الشعري، وقد ألفها شوقي، وهو في باريس سنة 1893، بعد أن أتيح له أن يتصل بالأدب الفرنسي، ويشاهد المسرحيات في العاصمة الفرنسية.

وقد صور شوقي في تلك المسرحية عصر المماليك، وما فيه من مساوئ سياسية واجتماعية، واختار بطلًا لمسرحيته علي بك الكبير، الذي كان مملوكًا طموحًا، استقل بمصر عن الأتراك، وتلقب بلقب سلطان سنة 1769، ووسع رقعة ملكه بالاستيلاء على اليمن وجدة ومكة، ثم غزة ونابلس والقدس ويافا وصيدا ودمشق، وقد احتال الأتراك لدرء خطر هذا المملوك، باصطناع مملوك آخر هو محمد أبو الذهب، الذي كان علي بك الكبير قد تبناه من قبل ورباه، فغدر أبو الذهب بعلي بك الكبير، بإيعاز من الأتراك، وما زال به حتى قتله، وخلفه في الولاية على مصر، وقد رأى المؤلف أن يضيف إلى ذلك الصراع بين علي بك الكبير، ومحمد أبي الذهب، قصة غرام بين مملوك ثالث هو

1 انظر: المسرحية للدكتور يوسف نجم ص298 وما بعدها، والمسرح النثري للدكتور مندور الحلقة الأولى ص30 وما بعدها.

ص: 223

"مراد بك" وبين "آمال" مملوكة علي بك الكبير، التي اتخذها زوجة، وربط شوقي القصتين التاريخية والخيالية؛ فجعل "مراد بك" يساعد "محمد أبا الذهب"، ويتآمر معه لكي يفوز بمحبوبته "آمال" بعد قتل زوجها، ورغبة في تقديم مفاجأة مسرحية، جعل المؤلف "مراد بك" يكتشف في آخر المسريحة أن حبيبته "آمال" إنما هي أخت مجهولة له، والذي يكشف عن هذا السر هو أبوها وأبوه، النخاس مصطفى الياسرجي.

هذا وقد كتب شوقي تلك المسرحية شعرًا، ولكنه كان دون شعره الذي عرفناه بعد ذلك، حين عاد إلى كتابة المسرحيات، بعد أن هجرها من أيام كتابة هذه المسرحية إلى سنة 1927، وهناك عيب آخر وهو غلبة الشعر الغنائي على الشعر الدرامي فيها، وكان هذا العيب مما وجه إلى شوقي في مسرحياته الأولى، ثم حاول التخلص منه في المسرحيات المتأخرة، كما حاول أن يتخلص منه، ومن العيب السابق. حين أعاد كتابة تلك المسرحية سنة 1932. وهناك عيب آخر في تلك المسرحية حاول شوقي أن يتلافاه حين أعاد كتابتها؛ وهو بعض زلات يصف فيها الشعب المصري بالضعف والذلة، ليجسم ما أراد من تصوير المماليك بالقوة والعنف.

على أن في تلك المسرحية عيبًا أبلغ من كل تلك العيوب، قد حاول شوقي أن يصححه حين أعاد كتابة المسرحية ولكنه لم يوفق تمامًا هذا العيب هو عجز البطل عن كسب عطف المشاهدين، مما يفقد المسرحية عنصر الإثارة، وحرارة "الدراما" وقوة الانفعال، وذلك لكون البطل شخصية سيئة لا تجلب العطف؛ لأنها من شخصيات المماليك الغادرين الشريرين1.

ومع ذلك فقد توفرت للمسرحية عناصر فنية أخرى تجعلها أكثر نجاحًا من المسرحية النثرية التي كتبها إبراهيم رمزي باسم "المعتمد بن عباد"، وأهم

1 انظر: مسرحيات شوقي للدكتور محمد مندور ص40 وما بعدها، والمسرحية في شعر شوقي للدكتور محمود شوكت ص110-111، والمسرحية للدكتور يوسف نجم ص302 وما بعدها.

ص: 224

تلك العناصر الفنية في مسرحية شوقي، هي: الحبكة، والتعقيد، والحل، والتشويق، والمفاجآت، وحيوية الحوار إلى حد كبير1. وبرغم ذلك لم تصادف النجاح الذي كان شوقي ينتظره، ولم ير تشجيعًا يدفعه إلى مواصلة الكتابة للمسرح في ذلك العهد المبكر، فآثر الشعر الغنائي، واهتم منه بشعر المدح، وما يشبهه من الشعر السياسي والاجتماعي، الذي يحقق له التفوق بسرعة، ويوصله إلى منصب شاعر الأمير، ثم أمير الشعراء، وظل لا يعاود الكتابة للمسرح إلى سنة 1927، حين تقدم الوعي الفني، وازدهر المسرح المصري، وظهرت فرق تمثيلية جيدة، فعاد يكتب سلسلة مسرحياته المعروفة، ثم يعيد مسرحيته الأولى، ويحاول تلافي بعض ما كان فيها من عيوب2.

وهكذا يمكن اعتبار هذين العملين بداية الأدب المسرحي المصري.. وقد تبعث هذين العملين أعمال أخرى لمؤلفين مصريين آخرين، وهي أعمال تتفاوت في قربها من المسرحية الفنية الناضجة، ولكنها جميعًا تشترك في أنها تمثل الطلائع الأولى لهذا الفن، كما تشترك في أنها تمثل روح العصر إلى حد كبير، وهذا يتضح في اتجاهها إلى التاريخ العربي المجيد واستلهامه أولًا، ثم في الاهتمام باللغة الفصحى، ومزجها بالشعر ثانيًا، ثم في التعريض ببعض المفاسد التي جرها الاحتلال، ويحاول المصريون التخلص منها آخر الأمر، ومن أمثلة ذلك، مسرحية "فتح الأندلس" لمصطفى كامل، التي ضمنها بعض الخطب، والشعر الحماسي والأناشيد، وهاجم فيها الطغيان والاحتلال، متأثرًا بموقفه كزعيم لحركة تحررية وطنية3، ومن أمثلة تلك المسرحيات أيضًا "حياة مهلهل بن ربيعة، أو حرب البسوس" لمحمد عبد المطلب ومحمد عبد المعطي مرعي، ثم "حياة امرئ القيس" للمؤلفين نفسيهما، وهاتان المسرحيتان الأخيرتان تقومان تقريبًا على سرد التاريخ، والقصائد دون إعمال خيال أو تصرف فني،

1 مسرحيات شوقي لمندور الحلقة الأولى ص47، والمسرحية لنجم ص303.

2 مسرحيات شوقي لمندور ص40.

3 المسرحية ليوسف نجم ص310 وما بعدها.

ص: 225

يحول مادة التاريخ إلى عمل مسرحي حي1؛ فهما دون المسرحيات الأخرى، ولكنهما تدخلان في نتاج تلك المرحلة المبكرة، وتتسمان بالطابع العام، الذي يستلهم التاريخ، ويرعى الفصحى والشعر.

جـ- مسرحية أبطال المنصورة:

ثم تخطو هذه المرحلة البادئة خطوات أفسح، وتظهر بعض المسرحيات الأدنى إلى النضج، والتي تمثل أحسن ما عرفت تلك الفترة من أدب مسرحي، وتأتي في مقدمة هذه المسرحيات مسرحية "أبطال المنصورة" التي ألفها إبراهيم رمزي سنة 1915، بعد أن تمكن من فن الأدب المسرحي، واكتسب فيه ثقافة أجنبية، هيأتها له رحلته إلى إنجلترا، ودراسته فيها للأدب التمثيلي، واختلافه إلى المسارح الإنجليزية، أيام ازدهار مسرحيات "إبسن" و"برناردشو"2.

ومن هنا جاءت مسرحية "أبطال المنصورة" خالية من أهم تلك العيوب التي شابت مسرحيته السابقة "المعتمد بن عباد"، فقد جاءت مسرحية بعيدة عن أن تكون مجرد سرد للتاريخ؛ بل فيها من التاريخ فقط ما يخدم الهدف ويلائم الفن. وفيها من الخيال والإبداع إضافات وتعديلات، لا تتنافى مع روح التاريخ، ولا مع منطق الحياة، وهذه الإضافات والتعديلات تعين في الوقت نفسه على خلق الحركة الدرامية، واستخدام عنصر التشويق والمفاجأة، ثم توفير الصراع الداخلي والخارجي، حتى لقد اعتبر بعض النقاد الكبار هذه المسرحية من أروع ما كتب في هذا الفن في الأدب العربي، بل قال:"لعلها تسمو إلى مستوى الأدب الفني العالمي الرفيع"3.

وتصور مسرحية "أبطال المنصورة" جانبًا من الحروب الصليبية التي

1 المصدر السابق ص321-325.

2 المسرح النثري للدكتور محمد مندور الحلقة الأولى ص35.

3 المصدر السابق.

ص: 226

جرت في مصر، وانتهت بانتصار أمرائها محسن وأقطاي وبيبرس، على تلك الحملة الفرنسية التي نزلت دمياط بقيادة لويس التاسع، وانتهت بمعركة المنصورة التي قتل فيها بيبرس أخا الملك لويس، ثم أسر الملك نفسه، وسجنه في البيت المعروف ببيت القاضي لقمان في المنصورة، وأخيرًا أطلق الملك الفرنسي بفدية كبيرة بعد أن تعهد بألا يعود إلى مثل تلك الحرب.

وقد طعم المؤلف تلك الأحداث البسيطة بعناصر خيالية لا تتعارض مع روح التاريخ، ولا مع منطق الحياة الإنسانية، فابتكر شخصيات خيالية، واستخدمها في تحريك الأحداث، وإثارة التشويق، وإعداد المفاجآت، وحقق بها عنصرًا دراميًا هامًا في المسرحية، ومن تلك الشخصيات شخية هبة الله، الذي رسمه طبيبًا خاصًّا للملك الصالح أيوب ولزوجته شجرة الدر، وجعله يلعب في المسرحية دور الدسيسة، ويبرر المؤلف ذلك بجعل أصله فرنسيًا، ولكنه تربى في مصر، فلم ينس أصله والعمل لمصلحة الفرنسيين ضد من ائتمنوه على أنفسهم. وينتهي أمر هذا الخائن بأن يفضح، ويقتله بيبرس في نهاية المسرحية.

ولم يفت المؤلف أن يقيم عقدة غرامية خلال تلك الأحداث، فيجعل بيبرس محبًا لصفية أخت شجرة الدر، ويدخل هبة الله منافسًا له في هذا الغرام.

ومع أن الهدف الأساسي للمسرحية قد كان إظهار بطولة المسلمين، وسماحتهم في الحروب الصليبية، وانتصارهم بفضل شجاعتهم دون التجاء إلى الخديعة والغش كما كان يفعل الصليبيون خلال حروبهم مع المسلمين؛ لم يغفل إبراهيم رمزي جوانب الضعف البشري الطبيعي الذي في نفوس الأبطال المسلمين كبشر، وقد تجلى ذلك في البطل الكبير بيبرس، وذلك حين صوره المؤلف في بعض المواقف محتاجًا إلى العطف، ظامئًا إلى الحنان كغيره من الرجال، ومن تلك المواقف، هذا الموقف الذي كان بينه وبين شجرة الدر، والذي يشكو فيه لوعته لغياب حبيبته صفية، التي كان قد أخفاها الدسيسة "هبة الله".. وهذا جزء من الموقف:

ص: 227

شجرة الدر: "بصوت هادئ" يا مرحبًا بك يا ركن الدين.

بيبرس: لمثل هذا الصوت فزعت نفسي، إلى مثل هذا الحنان تطلع قلبي، إلى مثل هذه النظرة المشفقة ظمأت روحي. املكي عني أساي، املكي عني دمعة عيني "يضع وجهه بين راحتيه" إني أكاد أجن يا أختاه "تخنقه العبرات".

شجرة الدر: روح عنك يا ركن الدين، أتيأس من رحمة الله؟..

بيبرس: آه يا مولاتي. لقد بحثت عن صفية في كل مكان، لكني لم أوفق إلى خبر عنها، سألت البوادي والقفار، وفتشت الخرائب والديار، فلم تحر جوابًا، ولقد طالما تمثلتها في سفرتي تستصرخ، فأصرخ من أعماق قلبي: لبيك..لبيك.. ثم أنتبه فلا يجيبني إلا الصدى، حتى تغشاني غاشية جنون، فأهيم على وجهي في البراري.. ثم أصرخ:.. ها أنذا، لبيك.. إلى أن أذعرت طير قلبي المسكين بصراخي. وترينني الآن كالطفل، لا يخفف حزني دمعة أذرفها، أو أم آوي إليها. إني أكاد أجن، أجن، أواه

1".

وقد رأى بعض النقاد أن إبراهيم رمزي قد عنى في تلك المسرحية بالأسلوب أكثر من عنايته بالمعاني، وذلك لما يرى من جودة أسلوبه وأناقته، وواضح أن هذا الرأي بعيد عن الدقة؛ أسلوب إبراهيم رمزي في مثله هذه المسرحية -برغم جودته والتأنق فيه- أسلوب غزير المعاني نابض بالحركة النفسية، والحركة الدرامية، وتلك الأناقة في اللغة قد أضفت على لغة المسرحية جمالًا، دون أن تنال شيئًا من طبيعة الحوار الفنية، ولا تزال لغة الفصحى الجيدة السبك -حتى اليوم- خير وسيلة للتعبير في المسرحيات التاريخية بنوع خاص2.

1 المسرح النثري للدكتور مندور الحلقة الأولى ص37-41.

2 المصدر السابق ص41.

ص: 228

هذا، وقد كان فرح أنطون -وهو من إخواننا السوريين المتمصرين- قد كتب سنة 1914 مسرحية مشابهة باسم "صلاح الدين، ومملكة أورشليم"، قبل أن يكتب إبراهيم رمزي مسرحيته، مما يحتمل معه أن يكون اللاحق قد تأثر بالسابق، ومع إمكان ذلك، جاءت مسرحية إبراهيم رمزي أرقى من الناحية الفنية، وذلك لقرب الأحداث المتخيلة من ممكنات الحياة والتاريخ، ثم لروعة أسلوب إبراهيم رمزي، وغزارته، وتركيزه1.

1 المصدر السابق ص43-44.

ص: 229