الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصدق والكذب من حيث أنه خبر فلا بد لترجيح أحد الاحتمالين من مرجح كما أشير إليه وإذا فقد بقي على الاحتمال
…
[مسألة: إفادة الآحاد العلم النظري بالقرائن:]
(18)
وقد تفيد العلم أعني النظري
…
إذا أتت قرائن للخبر
وقد تفيد أي أخبار الآحاد المنقسمة إلى الثلاثة العلم النظري هذا إشارة إلى أن الخبر الآحادي لا يفيد إلا الظن وفيه خلاف قد أوضحناه وبسطنا القول فيه في شرح تنقيح الأنظار وفي قوله قد تفيد إشارة إلى قلة إفادته العلم وقد عرفت أن العلم نظري وضروري فالمراد هنا الأول كما قيدناه به وعرفت أنا قيدنا إفادة التواتر العلم بنفسه وبالضروري فخرج المقيد له بالقرائن عن التواتر والمراد من القرائن هي الزائدة على القرائن التي لا تنفك عن الخبر وهي ما يلزمه عادة من أحوال في نفس الخبر كالهيئات المقارنة الموجبة لتحقق مضمونه وفي المخبر أي المتكلم ككونه موسوما بالصدق مباشرا للأمر الذي أخبر به والمخبر عنه أي الواقعة التي أخبروا بوقوعها لكونه أمرا قريب الوقوع فيحصل أي العلم بعدد أقل وبعيده فيفتقر إلى أكثر فإنه من المتواتر وإن كان العلم بمعونة مثل هذه القرائن وبذلك يتفاوت عدد التواتر هذا حاصل ما في العضد وحاشيته وغيرهما ولكن كلامنا في القرائن غيرها وهي ما اشتهر المثال بها وهو خبر ملك بموت ولد له مشرف على الموت وانضم إليه قرائن الصراخ والجنازة وخروج المخدرات على حال منكرة وغير معتادة دون موت مثله وخروج الملك وأكابر مملكته فإنا
نقطع بصحة ذلك الخبر ونعلم به موت الولد نجد ذلك من أنفسنا وجدانا ضروريا لا يتطرق إليه الشك واعترض بأن العلم بذلك لم يحصل بالخبر بل بالقرائن وأجيب بأنه حصل بضميمة القرائن إذ لولا الخبر لجوزنا موت شخص آخر ويحصل العلم بغير القرائن كالعلم بمضمون الخبر بالضرورة كقولنا الواحد نصف الاثنين أو بالنظر كقولنا العالم حادث وقال السيد محمد في مختصره ويعز وجوده أي الخبر المحفوف بالقرائن قلت بل قال عضد الدين في شرح المختصر إن ذلك لا يوجد في الشرع وإنه لا يشترط عدالة المخبر فيما يعلم بالقرائن انتهى قلت وقد عد الحافظ للخبر المحتف بالقرائن أنواعا منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر فإنه احتفت به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين وبما لم يقع التخالف بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته فإن قيل إنما اتفقوا على وجوب العمل لا على صحته منعناه وسند
المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان فلم يبق للصحيحين في هذا مزية والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني ومن أئمة الحديث أبو عبدالله الحميدي وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما ويحتمل أن يقال المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح انتهى كلام الحافظ واعلم أنه قال ابن الصلاح ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لمن نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد بأصله إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا ثم بأن لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح لأن ظن من هو معصوم الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجة مقطوعا بها وأكثر إجماعات العلماء كذلك قال النووي ما قاله ابن الصلاح خلاف ما قاله المحققون والأكثرون فإنهم قالوا أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها الآحاد والآحاد إنما يفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك وتلقي الأمة إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر ويوجد فيه شرط الصحيح ولا يلزم من إجماع العلماء على ما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحكي تغليط مقالة ابن الصلاح عن ابن
برهان وكذا عابه ابن عبدالسلام قلت وقد أشار النووي إلى مزية الصحيحين على غيرهما أنه وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه فهذه هي المزية التي قال ابن حجر إن الإجماع حاصل أن لهما مزية لا ما قاله من أنها إفادة العلم انتهى ما قاله الهروي ولا يخفى أن الحافظ ابن حجر قد جعل أحاديث الصحيحين غير ما استثناه مما يفيد العلم النظري لاحتفافهما بالقرائن وأعظمهما تلقي الأمة قال فإنه أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر فقد جعل التلقي كما جعله ابن الصلاح طريق إفادة العلم بأحاديثهما وقد علله ابن الصلاح بأن الأمة معصومة في إجماعها من الخطأ وقال النووي إن الأمة إنما أجمعت على وجوب العمل بما فيهما قلت الإجماع على وجوب العمل يقضي بأن أحاديثهما صحيحة أو حسنة إذ لا يجب العمل إلا بذلك فهو إجماع بأنه كلام النبي إذ صلى الله عليه وسلم لا يجب العمل بكلام غيره من أفراد الأمة واعلم أن السيد محمد جعل المتلقى بالقبول قسيما للمعلوم بالقرائن وأنه مما يعلم بالنظر فقال إن الحديث إما إن يعلم صحته بكثرة رواته فهو المتواتر أو بالقرائن على قول فهو المعلوم بالقرائن ويعز وجوده في الشرع أو بالنظر وهو ما حكم بصحته المعصوم ظنا على قول وهو المتلقى بالقبول والصحيح الذي عليه المحققون أنه ظني كما عزاه النووي إلى المحققين والأكثرين قال سر المسألة هل تجويز الخطأ في ظن المعصوم يناقض العصمة والحق أنه لا يناقضها حيث يكون خطأه فيما طلب لا فيما وجب ولا يوصف خطأه حينئذ بقبح كتحري القبلة ووقت
الفطرة والصلاة وعدالة الشاهد ورمي الكافر لنا لو وجب القطع بانتفائه لبطل كونه ظنا والفرض أنه ظن هذا خلف ولوجوب الترجيح عند تعارض المتلقى بالقبول ولا ترجيح مع القطع ومن السمع قول يعقوب في قصة أخي يوسف {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيل} كما قال ذلك في قصة يوسف وقوله تعالى {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} وحديث إنما أقطع له قطعة من نار وأحاديث سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ولا يمتنع أن يدخل الظن في استدلال الأمة ثم يجب القطع باتباعهم كخبر الواحد وطرق الفقه ولذلك يسمى الفقه علما فبطل القطع بأن حديث البخاري ومسلم معلوم كما ظنه ابن الصلاح وابن طاهر وأبو نصر انتهى كلامه رحمه الله تعالى وإذا عرفت ما ذكره فهو محتاج إلى إيضاح وتحقيق الحق وقد كنت بسطت الكلام على كلامه هذا في رسالة حل العقال عما في رسالة الجلال في الزكاة من الإشكال لأنه نقل كلام السيد محمد هذا ورتب عليه
بحثه في كلامه ولننقل خلاصة ما كتبنا عليه فأقول المراد من قوله هل يجوز الخطأ في ظن المعصوم أراد بهم أهل الإجماع فإن الأمة معصومة وذكره للرسل عليهم السلام استطرادا وإلا فالبحث في عصمة أهل الإجماع وإنما ذكر الرسل وما وقع لهم من الخطأ لأنه يعلم أن وقوعه من الأمة أولى ثم إنه قسم العصمة إلى أمرين بالنظر إلى المطلوب فقال العصمة إنما هي عن مخالفة المعصوم فيما أوجبه الله عليه لا عن مخالفته ما طلبه مثاله الرسول وجب عليه أن يحكم بين الخصمين بالبينة فهذا قد عصم عن مخالفته فإنه لا يحكم إلا حكما جامعا لشرائط الصحة وأما المطلوب له وهو موافقة الحق في نفس الأمر فهذا لم يعصم عن مخالفته لأنه يجوز أن يكون الحكم على خلاف ذلك ولذلك قال فإنما أقطع له قطعة من نار وكذلك من تحرى القبلة الواجب عليه التحري والمطلوب له بيان العين والممتنع وقوعه من المعصوم مخالفته الأول دون الثاني وخلاصته أنه عصم عما وجب عليه أن يخل به ولم يعصم عن الإخلال بما يطلبه ويريده من الإتيان بالواجب على الوجه المطابق لما في نفس الأمر فإنه يطلب الإتيان به عليه لكنه لم يعصم عن أن يخطئه قلت ولك أن تقول من أين أن المطلوب له ما في نفس الأمر بل مطلوبه ما أرشد إليه الدليل طابق أو لم يطابق واعلم أن المدعى فيه جواز الخطأ من الرسل هو فيما كان عن اجتهاد لا ما كان عن وحي من الله يبلغونه إلينا فإنه لا يجوز فيه عليهم الخطأ ولا يقول أحد بجوازه قلت ومن هنا نقول حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبينة التي نص الله عليها بقوله {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} الآية ليس من الاجتهاد بل من النص
فلا يجري فيه الخطأ وقوله صلى الله عليه وسلم فإنما أقطع له قطعة من نار ليس إعلاما بأنه قد يخطئ في حكمه بل قاله صلى الله عليه وسلم إعلاما بأن الله ناط الأحكام الشرعية بأمر ظاهر ليس فيه إطلاع على حقيقة ما في نفس الأمر فلا يغتر من حكم له ببينة يعرف المحكوم له عدم صحتها أنه قد صار ما حكم له به حلالا هذا وأقول قول يعقوب يحتمل أن مراده ما نسبتم إليه من قولكم {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} من تزيين النفس وتسويلها لكم لا أنه سرق حقيقة كما جزمتم به وقد كان كذلك فإنه لم يسرق بل وضع الصواع في متاعه ووجدانه فيه لا يدل على سرقته له فما كان لهم أن يجزموا ويقولوا {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} ويقولوا ليوسف {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} فهذا كله يشعر أنه من تسويل نفوسهم وأنه كان فيها شيء على أخيهم سيما بعد قولهم {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي ليس من شأننا الاتصاف بذلك وقوله وأحاديث سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة يقال الكلام في جواز الخطأ في الاجتهاد والنسيان ليس من ذلك وإن كانت عبارته في قوله تجويز ظن الخطأ عامة لكن الخطأ غير النسيان لقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان أو نحو هذا اللفظ ثم لنا ههنا بحث وهو أنا نسلم جواز خطأ المعصوم لما ذكره السيد
محمد رحمه الله من الأدلة ولكنا نقول إنه لا يخفى أن اتباع المعصوم قطعي الوجوب على المكلفين سواء أصاب ما في نفس الأمر أو أخطأه لا فرق في وجوب الإتباع فإن مناطه ثبوت المعجزة لمدعي النبوة وثبوت دليل عصمة الأمة في حجية الإجماع فاتباعه قطعي الوجوب اتفاقا فيما كان عن الله كذلك اتباعهم فيما جوزنا أنه غير مطابق لما في نفس الأمر وكان عن اجتهاد لأن اتباعهم واجب قطعا معلوم من ضرورة الدين سواء كان عن وحي أو اجتهاد كما يدل له {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقوله {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ولم يقيده بوحي ولا اجتهاد ولذا قال السيد إبراهيم في الفصول وأما مخالفته أي المعصوم إذا جوز خطأه فيحرم إجماعا انتهى إذا عرفت هذا عرفت أولا أنه لا وجه لتجويزنا خطأه وثانيا على تقدير الخطأ أنه لا فرق في وجوب الاتباع بين الأمرين وأنه قطعي فيهما وأن من قال له الرسول صلى الله عليه وسلم افعل كذا وجب عليه امتثاله قطعا سواء قاله عن اجتهاد أو عن وحي وأما النظر إلى إصابة ما في نفس الأمر أو عدمها فلا تكليف به وإذا عرفت هذا فقد جعل السيد محمد عصمة الأمة كعصمة الرسل فالحكم واحد فيما أجمع عليه وفيما صدر عن الرسل لأن الكل حجة
ثم إن الأصل في حكم المعصوم مطابقته لما في نفس الأمر للعلم القطعي بأن ما طابق ما في نفس الأمر من أفعال الرسل أكثر مما خالف فإن المخالف أندر شيء بالنسبة إلى ما طابق على أنه لا سبيل لنا إلى العلم بأن المعصوم أخطأ ما في نفس الأمر إلا بوحي ولا يخفى أن كلامه هنا في عصمة الإجماع وأنه يجوز فيه الخطأ وقد علمت أنه لا إجماع إلا بعد عصر النبوة كما علم من حقيقة الإجماع وحينئذ فلا يعلم ولا يظن خطأ إجماع لما طلب أصلا والأصل المطابقة وبعد تحقيقك ما قررناه تعلم أن هذا السر الذي ذكره السيد محمد في كتبه لا طائل تحته ومراده الرد على من ذكره من القائلين بان ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته فإنهم استدلوا بأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ والسيد محمد رحمة الله رد هذا الدليل بتجويز خطأ المعصوم في ظنه وأورد ما دل على وقوعه من الرسل مع عصمتهم يريد والخطأ يجوز في الإجماع فإنه لم يناف العصمة قلت وإن لم يعلم وقوعه من الأمة لما عرفت من أنه لا يعلم خطأ المعصوم إلا بالوحي ولا إجماع إلا بعد انقطاعه وعلمت وجوب اتباع المعصوم وحجية ما قاله على الأمة وإن جوز أنه خطأ وهذا قد أفاده قول السيد محمد ولا يمتنع أن يدخل الظن في الاستدلال ثم يجب القطع باتباعهم فيقال حينئذ قد وجب القطع
باتباع الأمة في تلقيها أحاديث الصحيحين بالقبول سواء قلنا برأي ابن الصلاح أو برأي النووي فلا فرق فضاع إبداء هذا السر ولم ينفع فيما أريد نفعه فتأمل قلت إلا أن لنا هاهنا أبحاثا الأول أن أحاديث عصمة الأمة إنما وردت بما يفيد عصمتها عن الضلال لا عن الخطأ كما عرف من مجموعها وقد ساقها أئمة الأصول في بيان حجية الإجماع وهذا سهل لأنه بعد ثبوت حجية الإجماع يجب اتباعه وإن جوز أنه خطأ الثاني ظاهر كلام الجميع ممن قدمنا ذكره من الأعلام أن الأمة أي مجتهديها لأنهم المعتبرون في الإجماع تلقوا كل حديث من أحاديث الصحيحين بالقبول ولذا قال الحافظ وهذا أي التلقي يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ إلى آخره ويقال عليه إنه لا بد من إقامة البينة على هذه الدعوى وهذه هي دعوى الإجماع الذي قال فيه أحمد بن حنبل إن من ادعاه فهو كاذب ثم إنه يغلب في الظن أو يحصل القطع بأن في مجتهدي الأمة من لا يعرف أحاديث الصحيحين فإن معرفتهما بخصوصهما ليست شرطا في الاجتهاد قطعا بل صرح إمام الشافعية الغزالي أنه يكفي فيه سنن أبي داود وصرح السيد محمد في كتابه القواعد إنه يكفي فيه التلخيص الحبير فكيف تروج دعوى أن كل مجتهد في مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وعدنها قد فتش