الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرسل ووصف العدل بأنه غير مغفل فإن المغفل لا يقبل في مسند ولا مرسل ولكن قوله غير معل قد أفاد إخراج العلة القادحة الخفية لأن المعل ما فيه علة قادحة خفية ولا يكون معلا إلا إذا اشتمل على علة موصوفة بالوصفين كما قاله البقاعي وبهذا يندفع إيراد أنه لا وجه لحذف وصفها بالخفاء والقدح وقولنا وإن نظرت الوصفا أي الذي يقتضي التصحيح في القوة وهي قيود التعريف فإنها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية وإلى إفادة ذلك [أتى قولنا:]
(25)
وجدت فيه ثابتا وأثبتا
…
لأجل هذا قدموا ما قد أتى
(26)
عن البخاري من صحيح ألفا
…
وبعده لمسلم مصنفا
وجدت فيه أي في الصحيح ثابتا أي صحيحا وأثبتا أي أصح قال الحافظ إنها لما كانت الأوصاف مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية فإذا كان كذلك فما يكون راويه في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه وهنا ذكر الحافظ ما قيل في أصح الأسانيد وقد نقل ذلك السيد محمد في التنقيح وأوضحناه في شرحه التوضيح فلا حاجة إلى ذكره هنا لأنه
ليس من القواعد التي يفتقر إلى معرفتها إنما هي أفراد وأمثلة كل من الأئمة قال ما رجح عنده قالوا ومن المراتب العلية ما جعلوه بعدما قيل فيه أصح الأسانيد على ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول واختلاف بعضهم في أن أيهما أرجح فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه وقد صرح الجمهور بتقديم البخاري في الصحة ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه ولا يقال إن الاختلاف في أن أيهما أرجح تصريح بالنقيض لأنا نقول كأنهم لم يصرحوا به وإنما أخذ من إطلاقاتهم وما يفهم من كلامهم ولم يكن منهم تصريح بذلك وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم فلم يصرح بأنه أصح من صحيح البخاري لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة يمتاز بتلك الزيادة عليه ولم ينف المساواة هذا تأويل الحافظ لكلام أبي علي قلت ولا يخفى بعد تسليمه أنه آل معنى كلام أبي علي أن كتاب البخاري ومسلم سواء في أنه ليس تحت أديم السماء أصح منهما وليس هذا
محل النزاع ولا هو المطلوب بل المطلوب أن كتاب البخاري أصح من كتاب مسلم قال البقاعي إنه قد حقق السعد التفتازاني هذا البحث في شرح المقاصد بما حاصله إن هذه الصيغة تارة تستعمل على مقتضى أصل اللغة فتنتفي الزيادة فقط وتارة على مقتضى ما شاع من العرف فتنتفي المساواة فمثل قوله صلى الله عليه وسلم ما طلعت ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر ذكره المحب الطبري في مناقب العشرة عن الدارقطني والمخلص الذهبي من حديث أبي الدرداء وإن كان ظاهره نفي أفضلية الغير لكنه إنما سيق لأفضلية المذكور والسر في ذلك أن الغالب من حال كل اثنين هو التفاضل دون التساوي فإذا نفي أفضلية أحدهما ثبت أفضلية الآخر وبمثل هذا ينحل الإشكال المشهور على قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره واللفظ له من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك أو زاد عليه لأنه في معنى أن من قال ذلك فقد أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلا أحدا قال مثل ذلك أو زاد فالاستثناء بظاهره من النفي والتحقيق أنه من الإثبات ويصير ذلك كالحديث الذي رواه البزار من رواية جابر الجعفي عن أبي المنذر الجهني قال قلت يا نبي الله علمني أفضل الكلام قال يا أبا المنذر قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده
الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة فإنك يومئذ أفضل الناس عملا إلا من قال مثل ما قلت انتهى قال الحافظ فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد وشرطه فيها أقوى وأشد أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عدداً من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم بخلاف مسلم في الأمرين وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم هذا مع اتفاق العلماء أن البخاري كان أجل من مسلم في العلوم وأعرف بصناعة الحديث منه وأن مسلما تلميذه وخريجه ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره حتى لقد كان يقول الدارقطني لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء انتهى وقد بينا في شرح التنقيح ما في كلام الحافظ وشرحناه مفصلا فهذه الوجوه التي بها قدم صحيح البخاري ثم بعده مسلم لمشاركته للبخاري في تلقي العلماء كتابه بالقبول أيضا إلا ما علل قالوا ثم يقدم ما وافقه شرطهما قال الحافظ لأن المراد به أي
شرطهما رواتهما مع ما في شروط الصحيح ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بدليل فإن كان الخبر على شرطهما معا كان دون ما أخرجه مسلم كذا قال قيل عليه الذي يقتضيه النظر أنه إذا كان على شرطهما وليس له علة مقدم على ما أخرجه مسلم وحده لأن قوة الحديث إنما هي النظر إلى رجاله لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا قلت بل ويقتضي أنه مقدم على ما أخرجه البخاري أيضا وحده لأنه لما كان الخبر على شروطهما معا صار كالمتفق عليه عندهما وهو مقدم على ما انفرد به واحد منهما إلا أنه قال البقاعي إنما تأخر ما هو على شرطهما عما أخرجه أحدهما لأن الذي أخرجه أحدهما تلقته الأمة بالقبول بخلاف ما كان على شرطهما ولم يخرجاه واعلم أن الحافظ جزم هنا أن شرط الشيخين رواتهما وقد اختلف أئمة الحديث في شرطهما لأنهما لم يذكرا شرطا قال النووي إنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما قلت إنما العلماء الباحثون تتبعوا ما فيهما حتى تحصل لكل ناظر ما عده شرطا واختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا قد بسطناه وما يرد عليه في شرحنا على تنقيح الأنظار مالم يسبق به النظار وقررنا أنه إذا لم يعرف شرطهما إلا بالتخمين والتنحيت فالأحوط للورع أن يتوقف
ويمسك عن الجزم بوصف حديث لم يخرجاه في كتابيهما بأنه على شرطهما لأن شرطهما غير معلوم جزما فكيف يجزم بوصف حديث بذلك ويصححه مع الشك فيما يوجبه ويتفرع عنه تصحيحه والشك لا يتفرع عنه يقين وأحسن ما يحمل عليه من قال في حديث لم يخرجاه أنه على شرطهما أي في ظنه أن لهما شرطا وأنه ما ظنه فكيف يقال إنه يستحق التقديم ما وصف بأنه على شرطهما فإنه إن كان تقديمه بالنسبة إلى الظان من المجتهدين بأنه شرطهما فهو مخاطب بظنه ومأمور بالعمل به ما لم يجد رتبة أرفع من الظن وإن كان بالنسبة إلى غيره من المقلدين أو المجتهدين فلا يلزمهم ظن غيرهم ولا يجوز العمل به والحافظ وغيره يسوقون هذا أي تقديم ماهو على شرطهما مساق التقيد كما يسوقون تقديم ما اتفقا عليه أو ما انفرد به البخاري ثم مسلم لكن هذا قد ذكروا دليله وهو تلقي الأمة بالقبول على ما فيه مما أسلفناه آنفا بخلاف ما هو على شرطهما فإنهم لم يتفقوا على شرط لهما ولا صرحا هما بأن لهما شرطا وكلام السيد محمد في مختصره مثل كلام الحافظ فإنه قال ثم شرطهما عملا بالغالب عند الجهل انتهى فاستدل لما قاله من تقديم ما هو على شرطهما بعدهما بأنه عمل بالغالب كأنه يقول فإن غالب شرطهما الصحة لكنا نقول نعم لو علم لكنه في حيز الدعوى عليهما أولا ثم في حيز الجهالة ثانيا كما عرفت فتحصل كما قال الحافظ ستة أقسام ما اتفقا عليه ما أخرجه البخاري ما أخرجه مسلم ما كان على شرطهما معا على شرط البخاري وحده على شرط مسلم وحده إلا أنه قد أورد على هذا أقسام زائدة على ما عده هي من الصحيح الأول المتواتر فيكون أعلى الأقسام وأجيب بأنه لا يرد لأنه لا يشترط فيه عدالة الراوي والكلام في الصحيح الذي سبق تعريفه
الثاني المشهور الذي فقد فيه بعض شروط التواتر الثالث ما اتفق عليه الستة قال الحافظ ولا يرد منهما إلا المشهور وأنا متوقف في رتبته هل هي قبل ما اتفقا عليه أو بعده وأما ما أخرجه الستة فلا يرد فإنه قسم لا قسيم إذ قد اندرج تحت ما أخرجاه وقد تعقب البقاعي كلام شيخه الحافظ بما فيه طول.
[تنبيه]
قال ابن الهمام الحنفي في شرح الهداية وقول من قال أصح الأحاديث ما في الصحيحين ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم ثم ما اشتمل على شرطهما تحكم لا يجوز التقليد فيه إذ الأصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التي اعتبراها فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير الصحيحين الكتابين أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم ثم حكمهما أو أحدهما بأن الراوي يجمع تلك الشروط مما لا يقطع فيه بمطابقة الواقع فيجوز كون الواقع خلافه وقد أخرج مسلم عن كثير في كتابه ممن لم يسلم من غوائل الجرح وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم فمدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم وكذا في الشروط حتى أن من اعتبر شرطا وألغاه آخر يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه الشرط مكافيا بمعارضته الذي اشتمل على ذلك الشرط وكذا فيمن ضعف راويا ووثقه الآخر نعم تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يجد أمرا بنفسه إلى ما أجمع عليه الأكثر أما المجتهد فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه فإذا صح في غير الكتابين عارض ما في الكتابين انتهى قلت وهنا يذكرون عدة أحاديث البخاري قال الحافظ في
مقدمة شرح البخاري إنه عده بنفسه فبلغت أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا وبلغ ما فيه من التعاليق ألفا وثلاثمائة وإحدى وأربعين حديثا فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات على التابعين فمن بعدهم وبلغت أحاديثه بلا تكرار ألفين وخمسمائة وثلاثة وعشرين نقل هذا البقاعي إلا أنه قال إنه راجع نسخته من المقدمة وقد قرأها على الحافظ فوجدها بلفظ فجميع مافي صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير ألف حديث وستمائة حديث وحديثان ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور مائة وتسعة وخمسون حديثا فجميع ذلك ألفا حديث وسبعمائة حديث وأحد وستون حديثا قال الحافظ في النكت ذكر النووي عدة أحاديث مسلم فقال إن عدة أحاديثه نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر ولم يذكر عدته بالمكرر وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه اثنا عشر ألف حديث قال البقاعي ومما نقل عن خطة شيخنا أن الجوزقي قال إن عدة الأحاديث التي اتفق الشيخان عليها ألفا حديث ومائتا حديث وذكر نحو هذا القاضي أبو بكر بن العربي فقال أحاديث الأحكام التي اشتمل عليهما الصحيحان نحو ألفا حديث انتهى قلت إلا أنه خصها بأحاديث الأحكام والأول بالمتفق عليه