الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم
[سورة البقرة (2): الآيات 1 الى 3]
بسم الله الرحمن الرحيم
الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة قيل سوى آية وهي قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فإنها نزلت يوم النحر بمكة في حجة الوداع وهي مائتان وست وقيل سبع وثمانون آية وستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة وخمسة وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف.
(فصل: في فضلها)(م) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» قال معاوية بن سلام بلغني أن البطلة السحرة (قوله اقرءوا الزهراوين) سميتا بذلك لنورهما يقال لكل مستنير زاهر. قوله: كأنهما غمامتان أو غيايتان: قال أهل اللغة الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغيرها والمعنى أن ثوابهما يأتي كغمامتين (قوله: فرقان من طير صواف) الفرقان الجماعة من الطير والصواف جمع صافة وهي التي تصف أجنحتها عند الطيران يحاجان. المحاجة المجادلة والمخاصمة وإظهار الحجة والبطلة السحرة كما جاء في الحديث مبينا يقال أبطل إذا جاء بالباطل. وفي الحديث دليل على جواز قول سورة البقرة وسورة آل عمران وكذا باقي السور، وأنه لا كراهة في ذلك وكرهه بعض المتقدمين. وقال: إنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة وكذا باقي السور والصواب هو الأول وبه قال الجمهور لورود النص به (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (بسم الله الرّحمن الرّحيم) قوله عز وجل: الم قيل إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهي سر الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وأورد على هذا القول بأنه لا يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا يعلمون، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكلف الله عباده بما لا يعقل معناه كرمي الجمار فإنه مما لا يعقل معناه والحكمة فيه هو كمال الانقياد والطاعة
فكذلك هذه الحروف يجب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها. وقال آخرون من أهل العلم: هي معروفة المعاني.
ثم اختلفوا فيها فقيل كل حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى فالألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد وقيل الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه، ويؤيد هذا أن العرب تذكر حرفا من كلمة تريد كلها قال الراجز:
قلت لها قفي فقالت قاف
…
لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
قولها: قاف أي وقفت فاكتفت بجزء الكلمة عن كلها، والإيجاف الإسراع في السير قال ابن عباس: الم أنا الله أعلم. وقيل: هي أسماء الله مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم ألا ترى أنك تقول الر وحم ون فيكون مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا وقيل أسماء السور وبه قال جماعة من المحققين وقال ابن عباس: هي أقسام فقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وإنما اقتصر على بعضها وإن كان المراد كلها فهو كما تقول قرأت الحمد لله، وتريد أنك قرأت السورة بكمالها فكأنه تعالى أقسم بهذه الحروف أو هذا الكتاب هو الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ وقيل إن الله تعالى لما تحداهم بقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وفي آية بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فعجزوا عنه أنزل هذه الأحرف ومعناه أن القرآن ليس هو إلّا من هذه الأحرف وأنتم قادرون عليها فكان يجب أن تأتوا بمثله فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من عند البشر. وقيل: إنهم لما أعرضوا عن سماع القرآن وأراد الله صلاح بعضهم أنزل هذه الأحرف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين اسمعوا إلى ما يجيء به محمد فإذا أصغوا إليه وسمعوه رسخ في قلوبهم، فكان ذلك سببا لإيمانهم، وقيل: إن الله تعالى غير عقول الخلق في ابتداء خطابه ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة خطابه إلّا باعترافهم بالعجز عن معرفة كنه حقيقة خطابه. واعلم أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا في تسع وعشرين سورة وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون وهي نصف حروف المعجم، وسيأتي الكلام على باقيها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ أي هذا الكتاب هو القرآن وقيل فيه إضمار، والمعنى هذا الكتاب الذي وعدتك به وكان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا يخلق على كثرة الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك به وقيل إن الله وعد بني إسرائيل أن ينزل كتابا ويرسل رسولا من ولد إسماعيل. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبها من اليهود خلق كثير أنزل الله تعالى هذه الآية الم ذلِكَ الْكِتابُ أي هذا الكتاب الذي وعدت به على لسان موسى أن أنزله على النبي الذي هو من ولد إسماعيل والكتاب مصدر بمعنى المكتوب وأصله الضم والجمع ومنه يقال للجند كتيبة لاجتماعها فسمي الكتاب كتابا لأنه يجمع الحروف بعضها إلى بعض والكتاب اسم من أسماء القرآن لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق والصدق، وقيل: هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه. فإن قلت قد ارتاب به قوم فما معنى لا ريب فيه. قلت معناه أنه في نفسه حق وصدق فمن حقق النظر عرف حقيقة ذلك هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الهدى عبارة عن الدلالة وقيل دلالة بلطف وقيل الهداية الإرشاد والمعنى هو هدى للمتقين وقيل هو هاد لا ريب في هدايته والمتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف وقيل التقوى في عرف الشرع حفظ النفس مما يؤثم وذلك بترك المحظور وبعض المباحات قال ابن عباس: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش، وهو مأخوذ من الاتقاء وأصله الحجز بين الشيئين، يقال: اتقى بترسه إذا جعله حاجزا بينه وبين ما يقصده وفي الحديث «كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم» معناه أنا كنا إذا اشتد الحرب جعلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجزا بيننا وبين العدو فكأن المتقي يجعل امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه حاجزا بينه وبين النار وقيل المتقي هو من لا يرى نفسه خيرا من أحد. وقيل: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض. وقيل
التقوى ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة. وقيل: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك وقيل:
التقوى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفي الحديث «جماع التقوى في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية» وقيل المتقي هو الذي يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وخص المتقين بالذكر تشريفا لهم، لأن مقام التقوى مقام شريف عزيز، لأنهم هم المنتفعون بالهداية، ولو لم يكن للمتقين فضل إلّا قوله تعالى هدى للمتقين لكناهم. فإن قلت كيف قال هدى للمتقين والمتقون هم المهتدون. قلت هو كقولك للعزيز الكريم أعزك الله وأكرمك تريد طلب الزيادة له إلى ما هو ثابت فيه كقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يصدقون بالغيب، وأصل الإيمان في اللغة التصديق قال الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي بمصدق فإذا فسر الإيمان بهذا فإنه لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق لا يتجزأ حتى يتصور كما له مرة ونقصانه أخرى. والإيمان في لسان الشرع عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا فإنه يزيد وينقص وهو مذهب أهل السنة من أهل الحديث وغيرهم، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة وهي أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك من أركان الدين هل يسمى مؤمنا أم لا؟ فيه خلاف، والمختار عند أهل السنة أنه لا يسمى مؤمنا لقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فنفى عنه اسم الإيمان أو كمال الإيمان وأنكر أكثر المتكلمين زيادة الإيمان ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقص كان ذلك شكا وكفرا. وقال المحققون من متكلمي أهل السنة: إن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصانها وبهذا أمكن الجمع بين ظواهر نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بزيادة الإيمان ونقصانه وبين أصله من اللغة. وقال بعض المحققين:
إن نفس التصديق قد يزيد وينقص بكثرة النظر في الأدلة والبراهين وقلة إمعان النظر في ذلك ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى وأثبت من إيمان غيرهم لأنهم لا تعتريهم شبهة في إيمانهم ولا تزلزل، وما غيرهم من آحاد الناس فليس كذلك، إذ لا يشك عاقل أن نفس تصديق أبي بكر رضي الله عنه لا يساويه تصديق غيره من آحاد الأمة وقيل إنما سمي الإقرار والعمل إيمانا لوجه المناسبة لأنه من شرائعه، والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» أخرجاه في الصحيحين. البضع بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة من الشيء وإماطة الأذى عن الطريق وهو عزل الحجر والشوك ونحو ذلك عنه. والحياء بالمد وهو انقباض النفس عن فعل القبيح وإنما جعل من الإيمان وهو اكتساب لأن المستحيي ينزجر باستحيائه عن المعاصي فصار من الإيمان، وقيل الإيمان مأخوذ من الأمن فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله.
والإسلام هو الانقياد والخضوع فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا إن لم يكن معه تصديق وذلك أن الرجل قد يكون مسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن (ق) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإيمان «قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر» قال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» . قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال «أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، وخمس لا يعلمهن إلّا الله» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ إلى قوله: عَلِيمٌ خَبِيرٌ قال ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردوا عليّ هذا الرجل» فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل جاء ليعلم