الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فما الذي كان يمنعهم من المشيئة، وقد تحدّوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، وقرّعوا على العجز، وذاقوا من ذلك الأمرين، ثم قورعوا بالسيف، فلم يعارضوا سواه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البيان الذي هم فرسانه، المالكون لأزمته، وغاية ابتهاجهم به.
وقوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما سطروه وكتبوه من القصص.
قيل: (أساطير) لا واحد له، وقيل: هو جمع أسطر وسطور وأسطار، جموع سطر، بسكون الطاء وفتحها، فهو جمع الجمع. وقيل: هو جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث. والأصل في السطر الخط والكتابة. يقال: سطر: كتب، ويطلق على الصف من الشيء كالكتاب والشجر. كذا في القاموس وشرحه.
وقد روي أن قائل هذا. النضر بن الحارث من كلدة، وأنه كان ذهب إلى بلاد فارس، وجاء منها بنسخة حديث رستم وإسفنديار، ولما قدم ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس ما قصه تعالى من أحاديث القرون. قال: لو شئت لقلت مثل هذا، فزعم أنه مثل ما تلقفه. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلس، جلس فيه النضر فحدثهم من متلقفاته، ثم يقول: بالله! أينا أحسن قصصا، أنا أو محمد؟ وقد أمكن الله تعالى منه يوم بدر، وأسره المقداد، ثم أمر صلى الله عليه وسلم به، فضربت عنقه. وإسناده قوله إلى الجميع، إما لرضا الباقين به أو لأن قائله كبير متبع.
وقد كان اللعين قاصّهم الذي يعلمهم الباطل ويقودهم إليه، ويغرهم بمثل هذه الجعجعة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 32]
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32)
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ هذا أسلوب من الجحود بليغ، لأنهم عدوّا حقية القرآن محالا، فلذا علقوا عليه طلب العذاب الذي لا يطلبه عاقل، ولو كان ممكنا لفرّوا من تعليقه عليه. والمعنى، إن كان هذا القرآن حقّا منزلا، فعاقبنا على إنكاره بالسجّيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. وفي إطلاقهم (الحق) عليه، وجعله من عند الله تهكم بمن يقول ذلك من النبي أو المؤمنين. وفائدة التعريف فيه الدلالة على أن
المعلق به كونه حقّا على الوجه، يدعيه صلى الله عليه وسلم، وهو تنزيله، لا الحق مطلقا، لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع، غير منزل، كالأساطير. فالتعريف للعهد. وفَأَمْطِرْ استعارة أو مجاز ل (أنزل) قال الزمخشريّ: وقد كثر الإمطار في معنى العذاب. فإن قلت:
ما فائدة قوله مِنَ السَّماءِ، والإمطار لا يكون إلا منها؟ قلت: كأنه أريد أن يقال:
فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، موضع (السجيل) كما تقول: صبّ عليه مسرودة من حديد، تريد درعا. وقوله بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي سوى الإمطار المذكور، أو من عطف العامّ على الخاص.
وعن معاوية، أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك! قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة، ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.
أي الذي هو الأصلح لهم، ولكن لشدة جهلهم وعتوهم وعنادهم استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا تقديم العقوبة، كقوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [العنكبوت: 53] .
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ص: 16] . وقوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ [المعارج: 1- 3] وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء: 187] .
وعن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أن قائل ذلك النضر بن الحارث، صاحب القول السالف. قال عطاء: لقد أنزل في النضر بضع عشرة آية، فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر.
وروى البخاري «1» عن أنس أن قائل ذلك أبو جهل.
وروى ابن مردويه عن بريدة قال: رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فاخسف بي وبفرسي.
وقوله تعالى:
(1) أخرجه البخاري في: التفسير، 8- سورة الأنفال، 3- باب قوله تعالى: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، حديث 2007.