الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثاني- في الَّذِينَ يَلْمِزُونَ وجوه من الإعراب: خير مبتدأ بتقدير (هم الذين) أو مفعول أعني أو أذم الذين، أو مجرور بدل من ضمير سِرَّهُمْ، وجوّز أيضا أن يكون مبتدأ خبره سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ، وقيل: فَيَسْخَرُونَ، ودخلت (الفاء) لما في (الّذين) من الشبه بالشرط. وأما الَّذِينَ لا يَجِدُونَ
…
إلخ فقيل:
معطوف على الَّذِينَ يَلْمِزُونَ وقيل: على الْمُؤْمِنِينَ، والأحسن أنه معطوف على (المطوعين) .
قال في (الفتح) : ويكون من عطف الخاص على العام، والنكتة فيه التنويه بالخاص، لأن السخرية من المقلّ أشدّ من المكثر غالبا.
الثالث- قال في (الفتح) : قراءة الجمهور الْمُطَّوِّعِينَ بتشديد الطاء والواو.
وأصله المتطوعين، أدغمت التاء في الطاء. انتهى. أي لقرب المخرج. والتطوع التنفّل، وهو الطاعة لله تعالى بما ليس بواجب. و (الجهد)، قال الليث: هو شيء قليل يعيش به المقلّ، وبضم الجيم قرأ الجمهور. وقرأ ابن هرمز وجماعة بالفتح، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: المفتوح بمعنى المشقة، والمضموم بمعنى الطاقة. وقيل: المضموم قليل يعاش به، والمفتوح: العمل. والمختار أنهما بمعنى، وهو الطاقة وما تبلغه القوة. قال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغيرهم. والهزء والسخرية بمعنى.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 80]
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80)
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أي لهؤلاء المنافقين أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أي فإنهما في حقهما سواء. ثم بيّن استحالة المغفرة لهم وإن بولغ في الاستغفار بقوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، ذلِكَ أي عدم الغفران لهم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي الخارجين عن حدوده.
تنبيهات:
الأول- جملة قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ إلخ، إنشائية لفظا، خبرية معنى.
والمراد التسوية بين الاستغفار لهم، وتركه، في استحالة المغفرة. وتصويره بصورة
الأمر، للمبالغة في بيان استوائهما. كأنه عليه الصلاة والسلام أمر بامتحان الحال، بأن يستغفر تارة، ويترك أخرى، ليظهر له جلية الأمر، كما مر في قوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة: 53]، وقد وردت بصيغة الخبر في سورة «المنافقون» في قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [المنافقون: 5- 6] .
الثاني- قال الزمخشري: (السبعون) جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير.
قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام:
لأصبحنّ العاص وابن العاصي
…
سبعين ألفا عاقدي النّواصي
أي فذكرها للمبالغة في حسم مادة الاستغفار لهم، جريا على أساليب العرب في ذكرها للمبالغة لا للتحديد، بأن يكون ما زاد عليها بخلافها.
وقال أبو السعود: شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنها العدد بأسره. وقيل: هي أكمل الأعداد، لجمعها معانيها، ولأن الستة أول عدد تامّ، لتعادل أجزائها الصحيحة، إذ نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجملتها ستة، وهي مع الواحد سبعة، فكانت كاملة إذ لا مرتبة بعد التمام إلا الكمال. ثم السبعون غاية الكمال، إذ الآحاد غايتها العشرات. والسبعمائة غاية الغايات- انتهى-.
الثالث-
روى البخاري «1» وغيره أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما أراد أن يصدّه عن الصلاة على عبد الله بن أبيّ: إنما خيّرني الله فقال:
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية وسأزيده على السبعين
. فظاهر هذا أن (أو) للتخيير، وأن السبعين له حدّ يخالفه حكم ما وراءه، وهو من الإشكال بمكان. ولذا قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته؟ والذي يفهم من هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا
…
الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم، حتى قال:
قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين. ثم أجاب الزمخشري بقوله: قلت لم يخف
(1) أخرجه البخاري في: التفسير، 9- سورة التوبة، 8- باب قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، حديث 722.
عليه ذلك، ولكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم عليه السلام: وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: 36] وفي إظهار النبيّ صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة لطف لأمته، ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض.
انتهى.
قال الشراح: يعني أنه أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون التكثير، فجوّز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة، كما جعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام، قوله فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دون أن يقول:(شديد العقاب) فخيل أنه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم، وحثّا على الاتباع. وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه، لا ينافي فصاحته، ومعرفته باللسان، فإنه لا خطأ فيه، ولا بعد، إذ هو الأصل. ورجحه عنده شغفه بهدايتهم، ورأفته بهم، واستعطاف من عداهم.
قال الناصر: وقد أنكر القاضي رضي الله عنه حديث الاستغفار، ولم يصححه، وتغالى قوم في قبوله، حتى إنهم اتخذوه عمدة في مفهوم المخالفة، وبنوه على أنه عليه السلام فهم من تحديد نفي الغفران بالسبعين، ثبوت الغفران بالزائد عليه، وذلك سبب إنكار القاضي عليهم وقيل: لما سوى الله بين الاستغفار وعدمه، ورتب عليه عدم القبول، ولم ينه عنه، فهم أنه خير ومرخص فيه، وهذا مراده صلى الله عليه وسلم، لا أنه فهم التخيير من (أو) ، حتى ينافي التسوية بينهما، المرتب عليها عدم المغفرة، وذلك تطيبا لخاطرهم، وأنه لم يأل جهدا في الرأفة بهم.
قال الشهاب: والتحقيق أن المراد التسوية في عدم الفائدة، وهي لا تنافي التخيير، ثبت فهو بطريق الاقتضاء، لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا فعلهما، فلا بد من أحدهما. فقد يكون في الإثبات كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: 6] ، لأنه مأمور بالتبليغ، وقد يكون في النفي كما هنا، وفي قوله:
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ
…
[المنافقون: 6] الآية- فهو محتاج إلى البيان.
ولذا
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إنه رخص لي)
ولعله رخص له في ابن أبيّ لحكمة، وإن لم يترتب عليه فائدة القبول. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: لما نزلت اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لأزيدنّ على السبعين، فأنزل الله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ