الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سِتَّةُ آلَافٍ، وَقَدْ حَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَرْضَيْنِ بِهَذِهِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا أَسْدَاسًا، خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ لِأَحَدِهِمَا وَسُدُسَهُ لِلْآخَرِ، فَإِذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا هَلَكَ عَلَى الشَّرِكَةِ.
قَالُوا: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُوَكَّلِ لِمُوَكِّلِهِ فِيمَا هُوَ وَكِيلُهُ فِيهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ غَيْرُهُ وَخَافَ ضَيَاعَ حَقِّهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَعْزِلَهُ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثُمَّ يُوَكِّلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ.
قَالُوا: وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ، وَثُلُثَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَخَافَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنْ يَجْحَدُوا الْمَالَ وَيَرِثُوا ثُلُثَيْهِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْهُ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ أَقَبَضَهُ الْمَالَ، وَصَارَ الْعَبْدُ حُرًّا.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ الْحِيلَةُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ دَيْنٌ عَلَى الْمَوْرُوثِ، وَلَيْسَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَأَرَادَ بَيْعَهُ الْعَبْدَ بِدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَالُوا: وَلَوْ قَالَ: " أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَإِلَى فُلَانٍ " وَخَافَ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَرَى جَوَازَ تَعْلِيقِ الْوِلَايَةِ بِالشَّرْطِ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ:" فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَصِيَّانِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا وَقَبِلَ الْآخَرُ فَاَلَّذِي قَبِلَ هُوَ الْوَصِيُّ " فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْوِلَايَةَ بِالشَّرْطِ.
قَالُوا: وَلَوْ أَرَادَ ذِمِّيٌّ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ خَمْرٌ كَثِيرٌ، فَخَافَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُبَادِرَ بِبَيْعِهَا مِنْ ذِمِّيٍّ آخَرَ ثُمَّ يُسْلِمُ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ تَقَاضِيهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ بَادَرَ الْآخَرُ وَأَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ذَلِكَ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَجُوسِيٍّ بَاعَ مَجُوسِيًّا خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَا يَأْخُذُ الثَّمَنَ، قَدْ وَجَبَ لَهُ يَوْمَ بَاعَهُ.
قَالَ أَرْبَابُ الْحِيَلِ: فَهَذَا رَهْنٌ، الْفَرْقُ عِنْدَنَا بِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالْحِيَلِ وَأَفْتَوْا بِهَا، فَمَاذَا تُنْكِرُونَ عَلَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتُشَنِّعُونَ؟ وَمِثَالُنَا وَمِثَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كَقَوْمٍ وَجَدُوا كَنْزًا فَأَصَابَ كُلٌّ مِنْهُمْ طَائِفَةً مِنْهُ فِي يَدَيْهِ، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بَعْضُ الْآخِذِينَ يَنْقِمُ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الْكَنْزِ فِي يَدَيْهِ، فَلْيَرْمِ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ ثُمَّ لِيُنْكِرْ عَلَى الْبَاقِينَ.
[جَوَابُ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الْحِيَلَ]
قَالَ الْمُبْطِلُونَ لِلْحِيَلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَ الْفَرَائِضَ وَحَرَّمَ الْمَحَارِمَ وَأَوْجَبَ الْحُقُوقَ رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَغِذَاءً لِحِفْظِ حَيَاتِهِمْ، وَدَوَاءً لِدَفْعِ أَدْوَائِهِمْ، وَظِلَّهُ الظَّلِيلَ الَّذِي مَنْ اسْتَظَلَّ بِهِ أَمِنَ مِنْ الْحَرُورِ، وَحِصْنَهُ الْحَصِينَ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ نَجَا مِنْ الشُّرُورِ، فَتَعَالَى شَارِعُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ
الْفَائِقَةِ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ أَنْ يَشْرَعَ فِيهَا الْحِيَلَ الَّتِي تُسْقِطُ فَرَائِضَهُ، وَتُحِلُّ مَحَارِمَهُ، وَتُبْطِلُ حُقُوقَ عِبَادِهِ، وَيَفْتَحُ لِلنَّاسِ أَبْوَابَ الِاحْتِيَالِ، وَأَنْوَاعَ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ، وَأَنْ يُبِيحَ التَّوَصُّلَ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ، إلَى الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا مُضْغَةً لِأَفْوَاهِ الْمُحْتَالِينَ، عُرْضَةً لِأَغْرَاضِ الْمُخَادِعِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ، وَيَرْتَكِبُونَ الْعَبَثَ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ سِوَى ضِحْكَةِ الضَّاحِكِينَ وَسُخْرِيَةِ السَّاخِرِينَ.
فَيُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ، وَيَتَلَاعَبُونَ بِحُدُودِهِ كَتَلَاعُبِ الْمُجَّانِ، فَيُحَرِّمُونَ الشَّيْءَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَهُ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ، وَيَسْلُكُونَ إلَيْهِ نَفْسَهُ طَرِيقًا تُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ لَا غَيْرُهُ، وَيُسْقِطُونَ الْحُقُوقَ الَّتِي وَصَّى اللَّهُ بِحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا بِأَدْنَى شَيْءٍ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصُّورَةِ أَوْ الِاسْمِ أَوْ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِمَا، وَيَسْتَحِلُّونَ بِالْحِيَلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِمَّا يُحَرِّمُونَهُ وَيُسْقِطُونَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ وُجُوبًا مِمَّا يُوجِبُونَهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّهَ شَرِيعَتَهُ عَنْ هَذَا التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، وَجَعَلَهَا كَفِيلَةٍ وَافِيَةً بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَجَعَلَهَا مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَنَصَبَهَا طَرِيقًا مُرْشِدًا لِمَنْ سَلَكَهُ إلَيْهِ؛ فَهُوَ نُورُهُ الْمُبِينُ، وَحِصْنُهُ الْحَصِينُ، وَظِلُّهُ الظَّلِيلُ، وَمِيزَانُهُ الَّذِي لَا يَعُولُ، لَقَدْ تَعَرَّفَ بِهَا إلَى أَلِبَّاءِ عِبَادِهِ غَايَةَ التَّعَرُّفِ، وَتَحَبَّبَ بِهَا إلَيْهِمْ غَايَةَ التَّحَبُّبِ، فَأَنِسُوا بِهَا مِنْ حِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَتَمَّتْ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْهُ نِعَمُهُ السَّابِغَةُ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي فِي شَرْعِهِ أَعْظَمُ آيَةٍ تَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَتَوَحُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمُسْتَحِقُّ لِنُعُوتِ الْجَلَالِ، الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَلَا يَدْخُلُ السُّوءُ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا النَّقْصُ وَالْعَيْبُ فِي صِفَاتِهِ، وَلَا الْعَبَثُ وَلَا الْجَوْرُ فِي أَفْعَالِهِ، بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ عَمَّا يُضَادُّ كَمَالِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَبَهَرَتْ حِكْمَتُهُ، وَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ، وَقَامَتْ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّتُهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَنْ يَكُونَ فِي شَرْعِهِ تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ، فَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
بَلْ هِيَ شَرِيعَةٌ مُؤْتَلِفَةُ النِّظَامِ، مُتَعَادِلَةُ الْأَقْسَامِ، مُبَرَّأَةٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، مُطَهَّرَةٌ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا، مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ، قَوَاعِدُهَا وَمَبَانِيهَا، إذَا حَرَّمَتْ فَسَادًا حَرَّمَتْ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ أَوْ نَظِيرَهُ، وَإِذَا رَعَتْ صَلَاحًا رَعَتْ مَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ شِبْهَهُ؛ فَهِيَ صِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا أَمْتَ فِيهِ وَلَا عِوَجَ، وَمِلَّتُهُ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ الَّتِي لَا ضِيقَ فِيهَا وَلَا حَرَجَ، بَلْ هِيَ حَنِيفِيَّةُ التَّوْحِيدِ سَمْحَةُ الْعَمَلِ، لَمْ تَأْمُرْ بِشَيْءٍ فَيَقُولُ الْعَقْلُ لَوْ نَهَتْ عَنْهُ لَكَانَ أَوْفَقَ، وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ الْحِجَا لَوْ أَبَاحَتْهُ لَكَانَ أَرْفَقِ، بَلْ أَمَرَتْ بِكُلِّ صَلَاحٍ، وَنَهَتْ عَنْ كُلِّ فَسَادٍ، وَأَبَاحَتْ كُلِّ طَيِّبٍ، وَحَرَّمَتْ كُلِّ خَبِيثٍ، فَأَوَامِرُهَا
غِذَاءٌ وَدَوَاءٌ، وَنَوَاهِيهَا حِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ، وَظَاهِرُهَا زِينَةٌ لِبَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا أَجْمَلُ مِنْ ظَاهِرِهَا، شِعَارُهَا الصِّدْقُ، وَقَوَامُهَا الْحَقُّ، وَمِيزَانُهَا الْعَدْلُ، وَحُكْمُهَا الْفَصْلُ، لَا حَاجَةَ بِهَا أَلْبَتَّةَ إلَى أَنْ تُكَمَّلَ بِسِيَاسَةِ مَلِكٍ أَوْ رَأْيِ ذِي رَأْيٍ أَوْ قِيَاسِ فَقِيهٍ أَوْ ذَوْقِ ذِي رِيَاضَةٍ أَوْ مَنَامِ ذِي دِينٍ وَصَلَاحٍ، بَلْ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ أَعْظَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَمَنْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ فَلِاعْتِمَادِهِ وَتَعْوِيلِهِ عَلَيْهَا.
لَقَدْ أَكْمَلَهَا الَّذِي أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنَا بِشَرْعِهَا قَبْلَ سِيَاسَاتِ الْمُلُوكِ، وَحِيلَ الْمُتَحَيِّلِينَ، وَأَقْيِسَةِ الْقِيَاسِيِّينَ، وَطَرَائِقِ الْخِلَافِيِّينَ، وَأَيْنَ كَانَتْ هَذِهِ الْحِيَلُ وَالْأَقْيِسَةُ وَالْقَوَاعِدُ الْمُتَنَاقِضَةُ وَالطَّرَائِقُ الْقِدَدُ وَقْتَ نُزُولِ قَوْلِهِ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] ؟ وَأَيْنَ كَانَتْ يَوْمَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ» .
وَيَوْمَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا أَعْلَمْتُكُمُوهُ»
؟ وَأَيْنَ كَانَتْ عِنْدَ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ: لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا.
وَعِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِسَلْمَانَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ؟ فَأَيْنَ عَلَّمَهُمْ الْحِيَلَ وَالْمُخَادَعَةَ وَالْمَكْرَ وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ؟ كَلًّا وَاَللَّهِ، بَلْ حَذَّرَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَأَوْعَدَهُمْ عَلَيْهِ أَشَدَّ الْوَعِيدِ، وَجَعَلَهُ مُنَافِيًا لِلْإِيمَانِ، وَأَخْبَرَ عَنْ لَعْنَةِ الْيَهُودِ لِمَا ارْتَكَبُوهُ، وَقَالَ لِأُمَّتِهِ:«لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَدْنَى الْحِيَلِ» ، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، وَسَدَّ الذَّرَائِعَ، وَفَصَّلَ الْحَلَالَ مِنْ الْحَرَامِ، وَبَيَّنَ الْحُدُودَ، وَقَسَّمَ شَرِيعَتَهُ إلَى حَلَالٍ بَيِّنٍ وَحَرَامٍ بَيِّنٍ، وَبَرْزَخَ بَيْنَهُمَا؛ فَأَبَاحَ الْأَوَّلَ، وَحَرَّمَ الثَّانِي، وَحَضَّ الْأُمَّةَ عَلَى اتِّقَاءِ الثَّالِثِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عُقُوبَةِ الْمُحْتَالِينَ عَلَى حِلِّ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ وَإِسْقَاطِ مَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ الْحِيَلِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسُ: لَقَدْ مُسِخَ الْيَهُودَ قِرَدَةً بِدُونِ هَذَا، وَصَدَقَ وَاَللَّهِ لَآكِلُ حُوتٍ صِيدَ يَوْمَ السَّبْتِ أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقَلُّ جُرْمًا مِنْ آكِلِ الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ بِالْحِيَلِ وَالْمُخَادَعَةِ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ: عُجِّلَ لِأُولَئِكَ عُقُوبَةُ تِلْكَ الْأَكْلَةِ الْوَخِيمَةِ وَأُرْجِئَتْ عُقُوبَةُ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ: وَهَلْ أَصَابَ الطَّائِفَةَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَسْخُ إلَّا بِاحْتِيَالِهِمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ بِأَنْ حَفَرُوا الْحَفَائِرَ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ فَمَنَعُوهَا الِانْتِشَارَ يَوْمَهَا