الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الْحِيلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ لِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَصْلًا]
) : وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْحِيلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ الَّتِي حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ تَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَاقِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ تَسُدُّ عَلَيْهِ بَابَ الطَّلَاقِ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يَبْقَى لَهُ سَبِيلٌ إلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ مُخَالَعَتُهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْخُلْعَ طَلَاقًا، وَهِيَ نَظِيرُ سَدِّ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَهَذَا لَوْ صَحَّ تَعْلِيقُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مَا عَاشَ، وَذَلِكَ لَوْ صَحَّ شَرْعُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَةً أَبَدًا.
وَصُورَةُ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يَقُولَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ - أَوْ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي - فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، قَالُوا: فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إذْ لَوْ وَقَعَ لَزِمَ وُقُوعَ مَا عَلَّقَ بِهِ وَهُوَ الثَّلَاثُ، وَإِذَا وَقَعَتْ الثَّلَاثُ امْتَنَعَ وُقُوعُ هَذَا الْمُنَجَّزِ، فَوُقُوعُهُ يُفْضِي إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، وَمَا أَفْضَى وُجُودُهُ إلَى عَدَمِ وُجُودِهِ لَمْ يُوجَدْ، هَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ إبْطَالِ هَذَا التَّعْلِيقِ؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هَذَا التَّعْلِيقُ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ مِنْ الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمُحَالَ، وَهُوَ وُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ، وَهَذَا مُحَالٌ، فَمَا تَضَمَّنَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ الْقَوْلِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي لَمْ يَقَعْ، وَإِذَا طَلَّقْتُكِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْكِ طَلَاقِي، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ، بَلْ قَوْلُهُ:" إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا " أَدَخَلُ فِي الْإِحَالَةِ وَالتَّنَاقُضِ؛ فَإِنَّهُ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ جَعَلَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِهِ مَعَ قِيَامِ الطَّلَاقِ، وَهُنَا جَعَلَ وُقُوعَهُ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِهِ مَعَ زِيَادَةِ مُحَالٍ عَقْلًا وَعَادَةً، فَالْمُتَكَلِّمُ بِهِ يَتَكَلَّمُ بِالْمُحَالِ قَاصِدًا لِلْمُحَالِ، فَوُجُودِ هَذَا التَّعْلِيقِ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، فَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَفَذَ طَلَاقُهَا وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: بَلْ الْمُحَالُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ تَعْلِيقِ الثَّلَاثِ عَلَى الْمُنَجَّزِ، وَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَيَقَعَ جَمِيعُ مَا عَلَّقَ بِهِ؛ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَيَقَعَ جَمِيعُ مَا عَلَّقَ بِهِ أَوْ تَمَامُ الثَّلَاثِ مِنْ الْمُعَلَّقِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَبِي بَكْر وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا وُقُوعَ الطَّلَاقِ جُمْلَةً قَالُوا: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، فَهَذَا تَلْخِيصُ الْأَقْوَالِ فِي هَذَا التَّعْلِيقِ.
قَالَ الْمُصَحِّحُونَ لِلتَّعْلِيقِ: صَدَرَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ طَلَاقَانِ مُنَجَّزٌ وَمُعَلَّقٌ، وَالْمَحَلُّ
قَابِلٌ، وَهُوَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَالتَّعْلِيقَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعٌ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَتَمَانَعَا وَتَسَاقَطَا، وَبَقِيَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، وَصَارَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ نِكَاحُهُمَا لِهَذَا الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَزَوَّجَهَا عَبْدُهُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ وَمَهْرُهَا مِائَةٌ وَبَاقِي التَّرِكَةِ مِائَةٌ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْخِيَارِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْمَهْرِ، وَسُقُوطُ الْمَهْرِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَارِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يُمْكِنُ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، لِأَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِهِمَا الشَّرْعُ، فَأَبْقَيْنَا النِّكَاحَ وَرَفَضْنَا الْخِيَارَ وَلَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرُ، وَكُلُّ مَا أَفْضَى وُقُوعُهُ إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ فَهَذِهِ سَبِيلُهُ. وَمِثَالُهُ فِي الْحِسِّ إذَا تَشَاحَّ اثْنَانِ فِي دُخُولِ دَارٍ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَزِيَّةٌ تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ؛ فَإِنَّهُمَا يَتَمَانَعَانِ فَلَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَهَذَا مُشْتَقٌّ مِنْ دَلِيلِ التَّمَانُعِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ فَاعِلَانِ مُسْتَقِلَّانِ بِالْفِعْلِ؛ فَإِنَّ اسْتِقْلَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْفِي اسْتِقْلَالَ الْآخَرِ، فَاسْتِقْلَالهمَا يَمْنَعُ اسْتِقْلَالَهُمَا، وَوَازَنَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ وُقُوعَهُمَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُمَا.
[مَسَائِلُ عَدِيدَةٍ مِنْ الدَّوْرِ الْحُكْمِيِّ]
قَالُوا: وَغَايَةُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ اسْتِلْزَامُ هَذَا التَّعْلِيقِ لِدَوْرٍ حُكْمِيٍّ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ وَالْمُنَجَّزِ، وَنَحْنُ نُرِيكُمْ مِنْ مَسَائِلِ الدَّوْرِ الَّتِي يُفْضِي وُقُوعُهَا إلَى عَدَمِ وُقُوعِهَا كَثِيرًا، مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا رِيحٌ وَشَكَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلْ هِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَاحِبِهِ، لَمْ يَجُزْ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَهُ بِهِ يُبْطِلُ اقْتِدَاءَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمَا إنَاءَانِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ فَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى إنَاءٍ لَمْ تَجُزْ الْقُدْوَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْقُدْوَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَهَدَا فِي الثَّوْبَيْنِ وَالْمَكَانَيْنِ، وَمِنْهَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ حُرَّةً وَضَمِنَ السَّيِّدُ مَهْرَهَا ثُمَّ بَاعَهُ لِزَوْجِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ تُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ، إذْ لَوْ صَحَّ لَبَطَلَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا، وَإِذَا بَطَلَ سَقَطَ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِذَا سَقَطَ مَهْرُهَا وَهُوَ الثَّمَنُ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ أَلْبَتَّةَ، بَلْ إمَّا أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَلَا يَقَعَ الْعِتْقُ إذْ لَوْ وَقَعَ الْعِتْقُ لَبَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ الْعِتْقُ؛ فَوُقُوعُهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَقَعَ الْعِتْقُ قَبْلَهُ، وَوُقُوعُ الْعِتْقِ قَبْلَهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ، فَصِحَّةُ الْبَيْعِ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ:" إذَا رَهَنْتُك فَأَنْتِ حُرٌّ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ " وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمْ وَقَدْ أَفْلَسَ: " إنْ حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيَّ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ قَبْلَ الْحَجْرِ بِيَوْمٍ " لَمْ يَصِحَّ الْحَجْرُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَمِثَالُهُ لَوْ قَالَ
لِعَبْدِهِ: " مَتَى صَالَحْتُ عَلَيْكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ الصُّلْحِ " وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " إنْ صَالَحْت فُلَانًا وَأَنْتِ امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ " لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ
وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: " مَتَى ضَمِنْتُ عَنْكَ صَدَاقَ امْرَأَتِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ إنْ كُنْتَ فِي حَالِ الضَّمَانِ مَمْلُوكِي " ثُمَّ ضَمِنَ عَنْهُ الصَّدَاقَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَعَتَقَ قَبْلَهُ، وَإِذَا عَتَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُصَادِفْ الضَّمَانُ شَرْطَهُ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَمْلُوكَهُ وَقْتَ الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَصِحَّ الضَّمَانُ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ، فَكُلٌّ مِنْ الضَّمَانِ وَالْعِتْقِ تُؤَدِّي صِحَّتُهُ إلَى بُطْلَانِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ:" إنْ شَارَكَنِي فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِيكٌ فَهُوَ حُرٌّ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ " لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَعَتَقَ الْعَبْدُ وَبَطَلَتْ الشَّرِكَةُ، فَصِحَّتُهَا تُفْضِي إلَى بُطْلَانِهَا، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ:" إنْ وَكَّلْتُ إنْسَانًا بِبَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ أَوْ رَهْنِهِ أَوْ هِبَتِهِ وَكَالَةً صَحِيحَةً فَهُوَ قَبْلَهَا بِسَاعَةٍ حُرٌّ " لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا تُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهَا.
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " إنْ وَكَّلْتُ وَكِيلًا فِي طَلَاقِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ ثَلَاثًا " لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ فِي طَلَاقِهَا؛ إذْ لَوْ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ لَطَلُقَتْ فِي حَالِ الْوَكَالَةِ أَوْ قَبْلَهَا، فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ، فَصِحَّتُهَا تُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَفَ الْمَيِّتُ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِابْنٍ آخَرَ لِلْمَيِّتِ، فَقَالَ الْمُقِرُّ بِهِ:" أَنَا ابْنُهُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلَسْتَ بِابْنِهِ " لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُ الْمُقِرِّ بِهِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ يُبْطِلُ قَوْلَهُ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ تَرَكَ أَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ فَأَقَرَّ الْأَخُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَرِثْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَخَرَجَ الْمُقِرُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِوَارِثٍ آخَرَ، فَتَوْرِيثُ الِابْنِ يُفْضِي إلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ، وَنَازَعَهُ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا: إذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ النَّسَبِ، وَمِنْهَا الْمِيرَاثُ، وَلَا يُفْضِي تَوْرِيثُهُ إلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمِيرَاثُ وَالْأَخُ كَانَ وَارِثًا فِي الظَّاهِرِ، فَحِينَ أَقَرَّ كَانَ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ؛ فَلَمْ يَكُنْ تَوْرِيثُ الِابْنِ مُبْطِلًا لِكَوْنِ الْمُقِرِّ وَارِثًا حِينَ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ بَطَلَ كَوْنُهُ وَارِثًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَثُبُوتُ النَّسَبِ، وَأَيْضًا فَالْمِيرَاثُ تَابِعٌ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَالتَّابِعُ أَضْعَفُ مِنْ الْمَتْبُوعِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْمَتْبُوعُ الْأَقْوَى فَالتَّابِعُ أَوْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّ النِّسَاءَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الْوِلَادَةِ ثُمَّ فِي النَّسَبِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْضِي ثُبُوتُهَا إلَى إبْطَالِهَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِهَا عَبْدًا فَتَزَوَّجَهَا وَقِيمَتُهُ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ صَحَّ النِّكَاحُ وَلَا مِيرَاثَ لَهُ؛ إذْ لَوْ وَرِثَهَا لَبَطَلَ تَبَرُّعُهَا لَهُ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَبَرُّعًا لِوَارِثٍ، وَإِذَا بَطَلَ الْعِتْقُ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ الْمِيرَاثُ، وَكَانَ تَوْرِيثُهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَلَا يَبْطُلُ مِيرَاثُهُ وَلَا
عِتْقُهُ وَلَا نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْعِتْقِ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، فَالتَّبَرُّعُ نَزَلَ فِي غَيْرِ وَارِثٍ، وَالْعِتْقُ الْمُنَجَّزُ يَتَنَجَّزُ مِنْ حِينِهِ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا بَعْدَ ثُبُوتِ عِتْقِهِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا.
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِابْنِهِ، فَمَاتَ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ، وَخَلَفَ إخْوَةً لِأَبِيهِ، فَقَبِلُوا الْوَصِيَّةَ، عَتَقَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَلَمْ يَصِحَّ مِيرَاثُهُ مِنْهُ؛ إذْ لَوْ وَرِثَ لَأَسْقَطَ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ، وَإِذَا سَقَطَ مِيرَاثُهُمْ بَطَلَ قَبُولُهُمْ لِلْوَصِيَّةِ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ، لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْقَبُولِ، وَكَانَ تَوْرِيثُهُ مُفْضِيًا إلَى عَدَمِ تَوْرِيثِهِ.
وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَرِثُ، وَلَا دَوْرَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ حَالَ الْقَبُولِ وَهُمْ وَرَثَةٌ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَى الْعِتْقِ تَابِعَهُ وَهُوَ الْمِيرَاثُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبُولِ، فَلَمْ يَكُنْ الْمِيرَاثُ مَعَ الْقَبُولِ لِيَلْزَمَ الدَّوْرُ، وَإِنَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى الْقَبُولِ الْعِتْقُ وَعَلَى الْعِتْقِ الْمِيرَاثُ؛ فَهُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ بِدَرَجَتَيْنِ
وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْضِي ثُبُوتُهَا إلَى بُطْلَانِهَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقَهَا لَمْ يَصِحَّ؛ إذْ لَوْ صَحَّ لَمَلَكَتْهُ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: " مَتَى أَكْرَهْتُكِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ حَالَ النِّكَاحِ أَوْ قَبْلَهُ " فَأَكْرَههَا عَلَى النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ؛ إذْ لَوْ صَحَّ النِّكَاحُ عَتَقَتْ، وَلَوْ عَتَقَتْ بَطَلَ إكْرَاهُهَا، فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا.
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ: " مَتَى اسْتَقَرَّ مَهْرُكِ عَلَيَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا " ثُمَّ وَطِئَهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقَرَّ لَبَطَلَ النِّكَاحُ قَبْلَهُ، وَلَوْ بَطَلَ النِّكَاحُ قَبْلَهُ لَكَانَ الْمُسْتَقِرُّ نِصْفَ الْمَهْرِ لَا جَمِيعَهُ؛ فَاسْتِقْرَارُهُ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ اسْتِقْرَارِهِ، هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيّ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى صِفَةٍ تَقْتَضِي حُكْمًا مُسْتَحِيلًا.
فَصْلٌ
وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُؤَدِّي ثُبُوتُهَا إلَى نَفْيِهَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " إنْ لَمْ أُطَلِّقَكِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ " وَمَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ تَطْلُقْ؛ إذْ لَوْ طَلُقَتْ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ لَكَانَ طَلَاقُهَا مُسْتَنِدًا إلَى وُجُودِ الصِّفَةِ وَهِيَ عَدَمُ طَلَاقِهَا الْيَوْمَ، وَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِالْيَوْمِ.
وَمِنْهَا؛ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا: " إنْ مَاتَ مَوْلَاكِ وَوَرِثْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ " أَوْ قَالَ: " إنْ مَلَكْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ وَرِثَهَا أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ إرْثٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ إذْ لَوْ وَقَعَ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجَةُ فِي حَالِ وُقُوعِهِ مِلْكًا لَهُ؛ لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَ وُقُوعُهُ مُفْضِيًا إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ مُوسِرَيْنِ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: " مَتَى أَعْتَقْتَ نَصِيبَك فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَ ذَلِكَ " فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ لَوَجَبَ عِتْقُ نَصِيبِ صَاحِبِهِ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ السِّرَايَةَ إلَى نَصِيبِهِ، فَلَا يُصَادِفُ إعْتَاقُهُ مَحَلًّا، فَنُفُوذُ عِتْقِهِ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ نُفُوذِهِ. وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بُطْلَانُ هَذَا التَّعْلِيقِ لِتَضَمُّنِهِ الْمُحَالَ، وَأَيُّهُمَا عَتَقَ نَصِيبُهُ صَحَّ وَسَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: " إنْ دَبَّرْتُك فَأَنْتِ حُرٌّ قَبْلَهُ " ثُمَّ دَبَّرَهُ صَحَّ التَّدْبِيرُ وَلَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّدْبِيرِ، وَعَدَمَ صِحَّتِهِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْعِتْقِ، وَكَانَتْ صِحَّتُهُ تُفْضِي إلَى بُطْلَانِهِ، هَذَا عَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيّ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَا يَصِحُّ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَقَعَ الْعِتْقُ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّدْبِيرَ، وَكَانَ وُقُوعُهُ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ.
وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ لِمُدَبَّرِهِ: " مَتَى أَبْطَلْتُ تَدْبِيرَكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ " ثُمَّ أَبْطَلَهُ بَطَلَ وَلَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ عَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيّ؛ إذْ لَوْ وَقَعَ لَمْ يُصَادِفْ إبْطَالَ التَّدْبِيرِ مَحَلًّا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَا يَصِحُّ إبْطَالُ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ إبْطَالُهُ لَوَقَعَ الْعِتْقُ، وَلَوْ وَقَعَ الْعِتْقُ لَمْ يَصِحَّ إبْطَالُ التَّدْبِيرِ وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِمُدَبَّرِهِ:" إنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ " وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: " إنْ كَاتَبْتُكَ غَدًا فَأَنْتَ الْيَوْمَ حُرٌّ " ثُمَّ كَاتَبَهُ مِنْ الْغَدِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِمُكَاتَبِهِ: " إنْ عَجَزْتَ عَنْ كِتَابَتِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ " وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: " مَتَى زَنَيْت أَوْ سَرَقْت أَوْ وَجَبَ عَلَيْك حَدٌّ وَأَنْتِ مَمْلُوكٌ فَأَنْتِ حُرٌّ قَبْلَهُ " ثُمَّ وُجِدَ الْوَصْفُ وَجَبَ الْحَدُّ وَلَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِهِ؛ إذْ لَوْ وَقَعَ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَكَانَ مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ. وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ:" مَتَى جَنَيْتَ جِنَايَةً وَأَنْتَ مَمْلُوكِي فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ " ثُمَّ جَنَى لَمْ يَعْتِقْ. وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: " مَتَى بِعْتُكَ وَتَمَّ الْبَيْعُ فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ " ثُمَّ بَاعَهُ، فَعَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيّ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ قَبْلَهُ وَعِتْقُهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِهِ. وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ:" إنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَ ذَلِكَ " فَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ. فَعَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيّ تَصِحُّ الصَّلَاةُ دُونَ الْعِتْقِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ عَتَقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا عَتَقَتْ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، وَكَانَتْ صِحَّةُ صَلَاتِهَا مُسْتَلْزِمَةً لِبُطْلَانِهَا.
وَمِنْهَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِحُرٍّ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مَهْرَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَادَّعَى الزَّوْجُ الْإِعْسَارَ، وَادَّعَى سَيِّدُ الْأَمَةِ يَسَارَهُ قَبْلَ نِكَاحِهِ الْأَمَةَ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ إذْ لَوْ ثَبَتَتْ دَعْوَاهُ لَبَطَلَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ، وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ بَطَلَ دَعْوَى الْمَهْرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ فَادَّعَتْ أَنَّ الزَّوْجَ عِنِّينٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا؛ إذْ لَوْ ثَبَتَتْ دَعْوَاهَا
لَزَالَ خَوْفُ الْعَنَتِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَبُطْلَانَهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الدَّعْوَى مِنْهَا، فَلَمَّا كَانَتْ صِحَّةُ دَعْوَاهَا تُؤَدِّي إلَى إفْسَادِهَا أَفْسَدْنَاهَا.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا ادَّعَتْ عَلَى سَيِّدِ زَوْجِهَا أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهَا بِمَهْرِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَسَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ وَبَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ فَحَكَمَ بِعِتْقِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْعَبْدُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ عَلَى أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ؛ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ تَحْقِيقَهَا يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعِتْقِ، فَتَبْطُلُ دَعْوَى مِلْكِهِ لِلشَّاهِدِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سُبِيَ مُرَاهِقٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ بُلُوغُهُ، فَأَنْكَرَ الْبُلُوغَ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ؛ لِأَنَّ إحْلَافَهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ اسْتِحْلَافِهِ، فَإِنَّا لَوْ حَلَّفْنَاهُ لَحَكَمْنَا بِصِغَرِهِ وَالْحُكْمُ بِالصِّغَرِ يَمْنَعُ الِاسْتِحْلَافَ.
وَنَظِيرُهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى أُمِّ مُرَاهِقٍ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ مَالًا مِنْ مُبَايَعَةٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ بَالِغٌ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ الْغُلَامُ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ حَلَّفْنَاهُ لَحَكَمْنَا بِصِغَرِهِ، وَالْحُكْمُ بِالصِّغَرِ يُسْقِطُ الْيَمِينَ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَا يَمِينٌ لَمْ يَكُنْ رَدُّ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْيَمِينِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ نُكُولِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ جَارِيَةً لَهُ قِيمَتُهَا مِائَةٌ، وَتَزَوَّجَ بِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَمَهْرُهَا مِائَةٌ، وَتَرَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَلَا مِيرَاثَ، أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلِأَنَّهَا لَوْ وَرِثَتْ لَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بُطْلَانُ الْحُرِّيَّةِ، وَفِيهِ بُطْلَانُ الْمِيرَاثِ.
وَأَمَّا سُقُوطُ الْمَهْرِ فَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَرَكِبَ السَّيِّدُ دَيْنٌ، وَلَمْ تَخْرُجْ قِيمَتُهَا مِنْ الثُّلُثِ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهَا كُلُّهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْكِحَهَا وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ، فَيَبْطُلُ الْمَهْرُ، فَكَانَ ثُبُوتُ الْمَهْرِ مُؤَدِّيًا إلَى بُطْلَانِهِ.
فَالْحُكْمُ بِإِبْطَالِهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92] فَعَيَّرَ تَعَالَى مَنْ نَقَضَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَهُ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إثْبَاتُهُ مُؤَدِّيًا إلَى نَفْيِهِ وَإِبْطَالِهِ كَانَ بَاطِلًا، فَهَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ السُّرَيْجِيُّونَ.
[الرَّدُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ قَالَ الْآخَرُونَ لَقَدْ أَطَلْتُمْ الْخَطْبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ تَأْتُوا بِطَائِلٍ، وَقُلْتُمْ وَلَكِنْ تَرَكْتُمْ مَقَالًا لِقَائِلٍ، وَتَأْبَى قَوَاعِدُ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ تَصْحِيحًا، وَالْمِيزَانُ الْعَادِلُ لَهَا عِنْدَ الْوَزْنِ تَرْجِيحًا، وَهَيْهَاتَ أَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُشَابَهَةً لِشَرِيعَةِ
أَهْلِ الْكِتَابِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَتُسَدُّ دُونَهُ الْأَبْوَابِ.
وَهَلْ هَذَا إلَّا تَغْيِيرٌ لِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ.
وَإِلْزَامٌ لَهَا بِالْأَقْوَالِ الشَّنِيعَةِ؟ وَهَذَا أَشْنَعُ مِنْ سَدِّ بَابِ النِّكَاحِ بِتَصْحِيحِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لِكُلِّ مَنْ تَزَوَّجَهَا فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَظِيرَ سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ، لَكِنْ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَمِمَّا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَعْصَارِ الْمُفَضَّلَةِ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ مُنَاقَضَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ، ثُمَّ نُجِيبُ عَنْ شُبَهِكُمْ شُبْهَةً شُبْهَةً.
أَمَّا مُنَاقَضَتُهَا لِلشَّرْعِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِلْأَزْوَاجِ - إذَا أَرَادُوا اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَالتَّخَلُّصَ مِنْ الْمَرْأَةِ - الطَّلَاقَ، وَجَعَلَهُ بِحِكْمَتِهِ ثَلَاثًا تَوْسِعَةً عَلَى الزَّوْجِ؛ إذْ لَعَلَّهُ يَبْدُو لَهُ وَيَنْدَمُ فَيُرَاجِعُهَا، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ أَنْكِحَتَهُمْ كَأَنْكِحَةِ النَّصَارَى تَكُونُ الْمَرْأَةُ غُلًّا فِي عُنُقِ الرَّجُلِ إلَى الْمَوْتِ، وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الشَّرِيعَتَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُنَافِيَةٌ لِإِحْدَاهُمَا مُنَافَاةٌ ظَاهِرَةٌ، وَمُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأُخْرَى اشْتِقَاقًا ظَاهِرًا، وَيَكْفِي هَذَا الْوَجْهُ وَحْدَهُ فِي إبْطَالِهَا.
وَأَمَّا مُنَاقَضَتُهَا لِلُّغَةِ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ كَلَامًا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَمَضْمُونُهُ إذَا وُجِدَ الشَّيْءُ لَمْ يُوجَدْ، وَإِذَا وُجِدَ الشَّيْءُ الْيَوْمَ فَهُوَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَإِذَا فَعَلْتُ الشَّيْءَ الْيَوْمَ فَقَدْ وَقَعَ مِنِّي قَبْلَ الْيَوْمِ، وَنَحْوَ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْمُتَنَاقِضِ فِي نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ إلَى الْمُحَالِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَقَالِ.
وَأَمَّا مُنَاقَضَتُهَا لِقَضَايَا الْعُقُولِ فَلِأَنَّ الشَّرْطَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَأَخَّرَ وُجُودُهُ عَنْ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ، وَيَتَقَدَّمَ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ، هَذَا مِمَّا لَا يَغْفُلُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ؛ فَإِنَّ رُتْبَةَ الشَّرْطِ التَّقَدُّمُ أَوْ الْمُقَارَنَةُ، وَالْفُقَهَاءُ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ مَعَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَلَوْ صَحَّ تَعْلِيقُ الْمَشْرُوطِ بِشَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ بَعْدَهُ لَكَانَ ذَلِكَ إخْرَاجًا لَهُ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا أَوْ جُزْءَ شَرْطٍ أَوْ عِلَّةً أَوْ سَبَبًا؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَسْبِقُ شَرْطَهُ وَلَا سَبَبَهُ وَلَا عِلَّتَهُ؛ إذْ فِي ذَلِكَ إخْرَاجُ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ عَنْ حَقَائِقِهَا وَأَحْكَامِهَا، وَلَوْ جَازَ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى شَرْطِهِ لَجَازَ تَقْدِيمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى إيقَاعِهِ؛ فَإِنَّ الْإِيقَاعَ سَبَبٌ، وَالْأَسْبَابُ تَتَقَدَّمُ مُسَبَّبَاتُهَا، كَمَا أَنَّ الشُّرُوطَ رُتْبَتُهَا التَّقَدُّمُ؛ فَإِذَا جَازَ إخْرَاجُ هَذَا عَنْ رُتْبَتِهِ جَازَ إخْرَاجُ الْآخَرِ عَنْ رُتْبَتِهِ، فَجَوَّزُوا حِينَئِذٍ تَقَدُّمَ الطَّلَاقِ عَلَى التَّطْلِيقِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالْمِلْكِ عَلَى الْبَيْعِ، وَحَلِّ الْمَنْكُوحَةِ عَلَى
عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَهَلْ هَذَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ إلَّا بِمَنْزِلَةِ تَقَدُّمِ الِانْكِسَارِ عَلَى الْكَسْرِ وَالسَّيْلِ عَلَى الْمَطَرِ وَالشِّبَعِ عَلَى الْأَكْلِ وَالْوَلَدِ عَلَى الْوَطْءِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ؟ وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَجْعَلُ هَذِهِ الْعِلَلَ وَالْأَسْبَابَ عَلَامَاتٍ مَحْضَةٍ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا، بَلْ هِيَ مُعَرَّفَاتٌ، وَالْمُعَرَّفُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْمُعَرِّفِ.
وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِكُمْ: إنَّ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ مَعْرُوفَاتٌ وَأَمَارَاتٌ وَعَلَامَاتٌ، وَالْعَلَامَةُ يَجُوزُ تَأَخُّرُهَا؛ فَإِنَّ هَذَا وَهْمٌ وَإِيهَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الشَّرَائِطَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُهَا عَنْ الْمَشْرُوطِ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ لَمْ تَكُنْ شُرُوطًا.
[بَحْثٌ فِي الشُّرُوطِ وَأَنْوَاعِهَا وَحُكْمِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا]
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لُغَوِيٌّ كَقَوْلِهِ: " إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " وَنَحْوِ ذَلِكَ: " وَإِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ " وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وَعِلَلٌ مُقْتَضِيَةٌ لِأَحْكَامِهَا اقْتِضَاءَ الْمُسَبَّبَاتِ لِأَسْبَابِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ:" إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " سَبَبٌ وَمُسَبَّبٌ وَمُؤَثِّرٌ وَأَثَرٌ، وَلِهَذَا يَقَعُ جَوَابًا عَنْ الْعِلَّةِ، فَإِذَا قَالَ:" لَمْ أُطَلِّقْهَا؟ " قَالَ: لِوُجُودِ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقْت عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، فَلَوْلَا أَنَّ وُجُودَهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيقَاعِ لَمَا صَحَّ هَذَا الْجَوَابُ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَهُ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ فَيَقُولُ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا تَدْخُلِينَ الدَّارَ؛ فَيُجْعَلُ إلْزَامُهُ لِلطَّلَاقِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مُسَبَّبًا عَنْ دُخُولِهَا الدَّارَ بِالْقَسَمِ وَالشَّرْطِ، وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ حَيْثُ قَسَّمُوا الشَّرْطَ إلَى شَرْعِيٍّ وَلُغَوِيٍّ وَعَقْلِيٍّ، ثُمَّ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ شَامِلٍ فَقَالُوا: الشَّرْطُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ، وَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ.
ثُمَّ أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاؤُهُ؛ لِجَوَازِ وُقُوعِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَمْ يُجِيبُوا عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِطَائِلٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ عَقْلِيَّةٌ، وَالسَّبَبُ إذَا تَمَّ لَزِمَ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ مُسَبَّبِهِ، وَإِذَا انْتَفَى لَمْ يَلْزَمْ نَفْيُ الْمُسَبَّبِ مُطْلَقًا؛ لِجَوَازِ خَلْفِ سَبَبٍ آخَرَ، بَلْ يَلْزَمُ انْتِفَاءُ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ عَنْ هَذَا الْمُسَبَّبِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّهُ صَدَرَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ طَلَاقَانِ مُنَجَّزٌ وَمُعَلَّقٌ، وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهُمَا " فَجَوَابُهُ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّ الْمَحَلَّ لَيْسَ بِقَابِلٍ لِلْمُعَلَّقِ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمُحَالَ، وَالْمَحَلُّ لَا يَقْبَلُ الْمُحَالَ، نَعَمْ هُوَ قَابِلٌ لِلْمُنَجَّزِ وَحْدَهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِهِ، وَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَاكُمْ أَنَّ الْمَحَلَّ
قَابِلٌ لِلْمُعَلَّقِ، وَمُنَازِعُكُمْ إنَّمَا نَازَعَكُمْ فِيهِ، وَقَالَ: لَيْسَ الْمَحَلُّ بِقَابِلٍ لِلْمُعَلَّقِ، فَجَعَلْتُمْ نَفْسَ الدَّعْوَى مُقَدَّمَةً فِي الدَّلِيلِ.
وَقَوْلُكُمْ: " إنَّ الزَّوْجَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَالتَّعْلِيقَ " جَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ الْمُمْكِنَ، فَأَمَّا التَّعْلِيقُ الْمُسْتَحِيلُ فَلَمْ يَمْلِكْهُ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا وَلَا عَادَةً، وَقَوْلُكُمْ:" لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ " بَاطِلٌ، بَلْ الْمَزِيَّةُ كُلُّ الْمَزِيَّةِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ فَإِنَّ الْمُنَجَّزَ لَهُ مَزِيَّةُ الْإِمْكَانِ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُعَلَّقَ لَهُ مَزِيَّةُ الِاسْتِحَالَةِ وَالِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَتَمَانَعَا وَلَمْ يَتَسَاقَطَا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ مَانِعٌ، وَقَوْلُكُمْ " إنَّهُ نَظِيرُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ " جَوَابُهُ أَنَّهُ تَنْظِيرٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ نِكَاحُ إحْدَاهُمَا شَرْطًا فِي نِكَاحِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْمُنَجَّزَ شَرْطٌ فِي وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ، وَذَلِكَ عَيْنُ الْمُحَالِ.
وَقَوْلُكُمْ: " إنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِ الطَّلَاقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ " بَاطِلٌ، بَلْ لِلْمُنَجَّزِ مَزِيَّةٌ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: قُوَّةُ التَّنْجِيزِ عَلَى التَّعْلِيقِ، الثَّانِي: أَنَّ التَّنْجِيزَ لَا خِلَافَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَالْمُوَقِّعُونَ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى الْمَانِعِينَ حُجَّةً تُوجِبُ الْمَصِيرَ إلَيْهَا مَعَ تَنَاقُضِهِمْ فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ، فَمُنَازِعُوهُمْ يَقُولُونَ: الطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ فِي الْإِسْقَاطِ وَالْوَقْفِ وَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بِفَرْقٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ ذِكْرَ تَنَاقُضِهِمْ، بَلْ الْغَرَضُ أَنَّ لِلْمُنَجَّزِ مَزِيَّةً عَلَى الْمُعَلَّقِ، الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَشْرُوطَ هُوَ الْمَقْصُودُ لِذَاتِهِ وَالشَّرْطُ تَابِعٌ وَوَسِيلَةٌ، الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُنَجَّزَ لَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِهِ لِأَهْلِيَّةِ الْفَاعِلِ وَقَبُولِ الْمَحَلِّ، وَالتَّعْلِيقُ الْمُحَالُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ اقْتِضَاءِ السَّبَبِ الصَّحِيحِ أَثَرَهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ فَرْعٌ عَلَى مِلْكِ التَّنْجِيزِ، فَإِذَا انْتَفَى مِلْكُهُ لِلْمُنَجَّزِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَفَى صِحَّةُ التَّعْلِيقِ، فَصِحَّةُ التَّعْلِيقِ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ، وَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ صَحِيحَةٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فَتَأَمَّلْهَا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ: " إذَا أَعْتَقْتَ سَالِمًا فَغَانِمٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ سَالِمًا وَلَا يَخْرُجَانِ مِنْ الثُّلُثِ قُدِّمَ عِتْقُ الْمُنَجَّزِ عَلَى الْمُعَلَّقِ لِقُوَّتِهِ.
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: " اُدْخُلْ الدَّارَ فَإِذَا دَخَلْتَ أَخْرَجْتُكَ " وَهُوَ نَظِيرُهُ فِي الْقُوَّةِ؛ فَإِذَا دَخَلَ لَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهُ، وَهَذَا الْمِثَالُ وِزَانُ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ هُوَ الْإِخْرَاجُ وَالْمُنَجَّزَ هُوَ الدُّخُولُ.
الثَّامِنُ: أَنَّ الْمُنَجَّزَ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ وَالْمُعَلَّقُ قَدْ قَارَنَهُ مَا جَعَلَهُ مُسْتَحِيلًا.
التَّاسِعُ: أَنَّ وُقُوعَ الْمُنَجَّزِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِاللَّفْظِ، وَوُجُودُ الشَّرْطِ، مَا تَوَقَّفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ أَقْرَبُ وُجُودًا مِمَّا تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرَيْنِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ وُقُوعَ الْمُنَجَّزِ مُوَافِقٌ لِتَصَرُّفِ الشَّارِعِ وَمِلْكِ الْمَالِكِ، وَوُقُوعُ الْمُعَلَّقِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُمَلِّكْهُ
الشَّارِعُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ تَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ الْمُنَجَّزِ وَتُبْطِلُ قَوْلَكُمْ إنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا سَائِرُ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا مِنْ صُوَرِ الدَّوْرِ الَّتِي يُفْضِي ثُبُوتُهَا إلَى إبْطَالِهَا فَمِنْهَا مَا هُوَ مَمْنُوعُ الْحُكْمِ لَا يُسَلِّمُهُ لَكُمْ مُنَازِعُكُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسَائِلُ مَذْهَبِيَّةٌ يَحْتَجُّ لَهَا وَلَا يَحْتَجُّ بِهَا، وَهُمْ يَفُكُّونَ الدَّوْرَ تَارَةً بِوُقُوعِ الْحُكْمَيْنِ مَعًا وَعَدَمِ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ وَيَجْعَلُونَهُمَا مَعْلُولَيْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا دَوْرَ، وَتَارَةً يَسْبِقُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ لِلْآخَرِ سَبْقَ السَّبَبِ لِمُسَبَّبِهِ ثُمَّ يَتَرَتَّبُ الْآخَرُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسَلَّمُ الْحُكْمِ وَثُبُوتُ الشَّيْءِ فِيهِ يَقْتَضِي إبْطَالَهُ.
وَلَكِنَّ هَذَا حُجَّةٌ لَهُمْ فِي إبْطَالِ هَذَا التَّعْلِيقِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَأَفْضَى ثُبُوتُهُ إلَى بُطْلَانِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَزِمَ مِنْهُ وُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ، وَسَبْقُهَا بِثَلَاثٍ يَمْنَعُ وُقُوعَهَا، فَبَطَلَ التَّعْلِيقُ مِنْ أَصْلِهِ لِلُزُومِ الْمُحَالِ؛ فَهَذِهِ الصُّوَرُ الَّتِي اسْتَشْهَدْتُمْ بِهَا مِنْ أَقْوَى حُجَجِهِمْ عَلَيْكُمْ عَلَى بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ.
وَأَدِلَّتُكُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَوْعَانِ:
أَدِلَّةٌ صَحِيحَةٌ وَهِيَ إنَّمَا تَقْتَضِي بُطْلَانَ التَّعْلِيقِ.
وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي بُطْلَانَ الْمُنَجَّزِ فَلَيْسَ مِنْهَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ؛ فَإِنَّهُ طَلَاقٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ؛ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِوُقُوعِهِ؛ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْمُطَلِّقِ فَلِأَنَّهُ زَوْجٌ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ، وَأَمَّا مَحَلِّيَّةُ الْمُطَلَّقَةِ فَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فَيَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وَفِي سَائِرِ نُصُوصِ الطَّلَاقِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ لَزِمَ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَكُلُّهَا مُنْتَفِيَةٌ: إمَّا عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْمُطَلِّقِ، وَإِمَّا عَدَمُ قَبُولِ الْمَحَلِّ، وَإِمَّا قِيَامُ مَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ الطَّلَاقِ، وَالْمَانِعُ مَفْقُودٌ؛ إذْ لَيْسَ مَعَ مُدَّعِي قِيَامَهُ إلَّا التَّعْلِيقُ الْمُحَالُ الْبَاطِلُ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ اقْتِضَاءِ السَّبَبِ لِمُسَبَّبِهِ إنَّمَا هُوَ وَصْفٌ ثَابِتٌ يُعَارِضُ سَبَبِيَّتَهُ فَيُوقِفُهَا عَنْ اقْتِضَائِهَا، فَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مُعَارِضًا لِلْوَصْفِ الثَّابِتِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَصْلٌ
[جَوَابُ مَنْ قَالَ بِالْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ]
قَالَ السُّرَيْجِيُّونَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُمْ مُرْتَقًى صَعْبًا، وَأَسَأْتُمْ الظَّنَّ بِمَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُمْ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ لَا يُشَقُّ غُبَارُهُمْ، وَلَا تُغْمَزُ قَنَاتُهُمْ، كَيْفَ وَقَدْ أَخَذُوهَا مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبَنَوْهَا عَلَى أُصُولِهِ، وَنَظَّرُوا لَهَا النَّظَائِرَ، وَأَتَوْا لَهَا بِالشَّوَاهِدِ؟ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ:" أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " ثُمَّ مَاتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيقِ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَهَذَا إيقَاعُ طَلَاقٍ فِي زَمَنٍ مَاضٍ سَابِقٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَوْتُهُ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ الْكَلَامِ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ:" إنْ مِتَّ - أَوْ إذَا مِتَّ - فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " وَنَحْنُ نُلْزِمُكُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَإِنَّكُمْ مُوَافِقُونَ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ:" أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةً " فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهَا طَلْقَتَانِ، وَإِحْدَاهُمَا وَقَعَتْ فِي زَمَنٍ مَاضٍ سَابِقٍ عَلَى التَّطْلِيقِ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ:" إنَّ الْوُقُوعَ كَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْإِيقَاعَ فَلَا يَسْبِقُ الطَّلَاقُ التَّطْلِيقَ فَكَذَا لَا يَسْبِقُ شَرْطَهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى شَرْطِهِ وَأَحَدِ سَبَبَيْهِ أَوْ أَسْبَابِهِ " فَإِنَّ الشَّرْطَ مُعَرَّفٌ، مَحْضٌ وَلَا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْمُعَرَّفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِ سَبَبَيْهِ فَكَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْجُرْحِ قَبْلَ الزُّهُوقِ، وَنَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ " فَمَمْنُوعٌ بَلْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ تَوَقُّفُ الْمَشْرُوطِ عَلَى وُجُودِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ، وَلَيْسَ مُقْتَضَاهُ تَأَخُّرُ الْمَشْرُوطِ عَنْهُ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى نَصٍّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ وَلَا إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَلَا عَقْلِيٍّ، فَدَعْوَاهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَتَقَدَّمُ مَشْرُوطُهُ، وَلَكِنَّ دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَحَتَّى لَوْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي كَلَامِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ كَقَوْلِهِ:" إنْ زُرْتَنِي أَكْرَمْتُكَ "" وَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ جِئْتُكَ " فَيَقْتَضِي الشَّرْطُ ارْتِبَاطًا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي: فَلَا يَتَقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرُ وَلَا يَتَأَخَّرُ الْمُتَقَدِّمُ، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَتَقْبَلُ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ وَالِانْتِقَالَ، كَمَا لَوْ قَالَ:" إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مِثْلَ هَذَا فِي الْحِسِّيَّاتِ كَانَ مُحَالًا، فَلَوْ قَالَ:" إذَا زُرْتنِي أَكْرَمْتُكَ قَبْلَ أَنَّ تَزُورَنِي بِشَهْرٍ " كَانَ مُحَالًا، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ، وَهُوَ إذَا أَرَدْتَ أَوْ عَزَمْتَ عَلَى زِيَارَتِي أَكْرَمْتُكَ قَبْلَهَا.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ نَقْلَ الْحَقَائِقِ عَنْ مَوَاضِعِهَا مُمْتَنِعٌ، وَالْأَحْكَامُ قَابِلَةٌ لِلنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ:" أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي " فَفَعَلَ؛ وَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ الْقَائِلِ، وَجُعِلَ الْمِلْكُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْعِتْقِ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً.
وَقَوْلُكُمْ: " يَلْزَمُنَا تَجْوِيزُ تَقْدِيمِ الطَّلَاقِ عَلَى التَّطْلِيقِ " فَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ بِإِيقَاعِهِ؛ فَلَا يَسْبِقُ إيقَاعَهُ، بِخِلَافِ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ، وَإِنَّمَا يَرْتَبِطُ بِهِ، وَالِارْتِبَاطُ أَعَمُّ مِنْ السَّابِقِ وَالْمُقَارِنِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَالْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ.
وَنُكْتَةُ الْفَرْقِ أَنَّ الْإِيقَاعَ مُوجِبٌ لِلْوُقُوعِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ أَثَرُهُ وَمُوجِبُهُ، وَالشَّرْطُ عَلَامَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَوِزَانُ الشَّرْطِ وِزَانُ الدَّلِيلِ، وَوِزَانُ الْإِيقَاعِ وِزَانُ الْعِلَّةِ، فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ يَتَضَمَّنُ الْمُحَالَ إلَى آخِرِهِ " فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ تَضَمَّنَ شَرْطًا وَمَشْرُوطًا، وَقَدْ تُعْقَدُ الْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ فِي ذَلِكَ لِلْوُقُوعِ، وَقَدْ تُعْقَدُ لِلْإِبْطَالِ؛ فَلَا يُوجَدُ فِيهَا الشَّرْطُ وَلَا الْجَزَاءُ، بَلْ تَعْلِيقٌ مُمْتَنِعٌ بِمُمْتَنِعٍ، فَتَصْدُقُ الشَّرْطِيَّةُ وَإِنْ انْتَفَى كُلٌّ مِنْ جُزْأَيْهَا، كَمَا تَقُولُ:" لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ آخَرُ لَفَسَدَ الْعَالَمُ " وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ وَلَمْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ:" إنْ وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا " فَقَضِيَّةٌ عُقِدَتْ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ طَرَفَيْهَا، وَهُمَا الْمُنَجَّزُ وَالْمُعَلَّقُ.
ثُمَّ نَذْكُرُ فِي ذَلِكَ قِيَاسًا [آخَرَ] حَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَقَالَ: طَلَاقَانِ مُتَعَارِضَانِ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفِيَ السَّابِقُ مِنْهُمَا الْمُتَأَخِّرَ.
نَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً، فَقَدِمَ زَيْدٌ بُكْرَةً، وَعَمْرٌو عَشِيَّةً
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ الْمُبَاشِرَ لَزِمَنَا أَنْ نُوقِعَ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، وَلَوْ أَوْقَعْنَا قَبْلَهُ ثَلَاثًا لَامْتَنَعَ وُقُوعُهُ فِي نَفْسِهِ؛ فَقَدْ أَدَّى الْحُكْمُ بِوُقُوعِهِ إلَى الْحُكْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، فَلَا يَقَعُ.
وَقَوْلُكُمْ: " إنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ تُفْضِي إلَى سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِشَرْعِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَلَّكَ الزَّوْجَ الطَّلَاقَ رَحْمَةً بِهِ - إلَى آخِرِهِ " جَوَابُهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ إتْيَانٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي ضَيَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ هَذِهِ الْيَمِينُ، وَهَذَا لَيْسَ تَغْيِيرًا لِلشَّرْعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَسَّعَ عَلَيْهِ أَمْرَ الطَّلَاقِ فَجَعَلَهُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِئَلَّا يَنْدَمَ، فَإِذَا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَوْقَعَهَا بِفَمٍ وَاحِدٍ حَصَرَ نَفْسَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَمَنَعَهَا مَا كَانَ حَلَالًا لَهَا، وَرُبَّمَا لَمْ يَبْقَ لَهُ سَبِيلٌ إلَى عَوْدِهَا إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ إلَى
الرِّجَالِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلنِّسَاءِ فِيهِ حَظًّا؛ لِنُقْصَانِ عُقُولِهِنَّ وَأَدْيَانِهِنَّ، فَلَوْ جَعَلَهُ إلَيْهِنَّ لَكَانَ فِيهِ فَسَادٌ كَبِيرٌ تَأْبَاهُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ بِعِبَادِهِ، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَشَاءُ أَنْ تَسْتَبْدِلَ بِالزَّوْجِ إلَّا اسْتَبْدَلَتْ بِهِ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ؛ فَإِنَّهُمْ أَكْمَلُ عُقُولًا وَأَثْبَتُ، فَلَا يَسْتَبْدِلُ بِالزَّوْجَةِ إلَّا إذَا عِيلَ صَبْرُهُ، ثُمَّ إنَّ الزَّوْجَ قَدْ يَجْعَلُ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، بِأَنْ يُمَلِّكَهَا ذَلِكَ أَوْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَفْعَلَ كَذَا، فَتَخْتَارَ طَلَاقَهُ مَتَى شَاءَتْ، وَيَبْقَى الطَّلَاقُ بِيَدِهَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَ نَفْسَهُ هَذَا الْحَرَجَ بِيَمِينِهِ وَتَمْلِيكِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: " كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ " لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ امْرَأَةً، حَتَّى قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَطْبَقُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَنَظِيرُ هَذَا لَوْ قَالَ:" كُلُّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ أَمْلِكُهُمَا فَهُمَا حُرَّانِ " لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ بَعْدَ هَذَا إلَى مِلْكِ رَقِيقٍ أَصْلًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ، بَلْ هُوَ الْمُضَيِّقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالضِّيقُ وَالْحَرَجُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ قَدْ شَرَّعَهُ لَهُ، وَإِنْ أَلْزَمَهُ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً فَأَوْلَدَهَا ثُمَّ سَاءَتْ الْعِشْرَةُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْقَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهَا، وَعَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي إعْتَاقِهَا أَوْ تَزْوِيجِهَا أَوْ إمْسَاكِهَا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهَا.
ثُمَّ نَقُولُ فِي مُعَارَضَةِ مَا ذَكَرْتُمْ: بَلْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَغَرَضٌ صَحِيحٌ، بِأَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِزَوْجَتِهِ شَدِيدَ الْإِلْفِ بِهَا، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ أَنْ يَنْزِغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا فَيَقَعَ مِنْهُ طَلَاقُهَا مِنْ غَضْبَةٍ أَوْ مَوْجِدَةٍ، أَوْ يَحْلِفُ يَمِينًا بِالطَّلَاقِ أَوْ يُبْلَى بِمَنْ يَسْتَحْلِفُهُ بِالطَّلَاقِ وَيُضْطَرُّ إلَى الْحِنْثِ، أَوْ يُبْلَى بِظَالِمٍ يُكْرِهُهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَيَرْفَعُهُ إلَى حَاكِمٍ يُنَفِّذُهُ، أَوْ يُبْلَى بِشَاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ بِهِ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا طَرِيقَ أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ؛ فَلَا يُنْكَرُ مِنْ مَحَاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ فِي ذَلِكَ نَوْعَ ضَرَرٍ عَلَيْهِ، لَكِنَّ رَأْيَ احْتِمَالِهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْفِرَاقِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْبَقَاءِ، وَمَا يُنْكَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ دَفْعِ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا؟ .
فَصْلٌ
[الْجَوَابُ عَلَى شُبَهِ أَصْحَابِ الْحِيلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ]
قَالَ الْمُوَقِّعُونَ: لَقَدْ دَعَوْتُمْ الشُّبَهَ الْجَفَلَى إلَى وَلِيمَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَمْ تَدَعُوا مِنْهَا دَاعِيًا وَلَا مُجِيبًا، وَاجْتَهَدْتُمْ فِي تَقْرِيرِهَا ظَانِّينَ إصَابَةَ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا.
وَنَثَرْتُمْ عَلَيْهَا مَا لَا يَصْلُحُ مِثْلُهُ لِلنِّثَارِ، وَزَيَّنْتُمُوهَا بِأَنْوَاعِ الْحُلِيِّ، وَلَكِنَّهُ حُلِيٌّ مُسْتَعَارٌ؛ فَإِذَا اسْتَرَدَّتْ الْعَارَةَ زَالَ الِالْتِبَاسُ وَالِاشْتِبَاهُ، وَهُنَاكَ تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ.
فَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّا ارْتَقَيْنَا مُرْتَقًى صَعْبًا، وَأَسَأْنَا الظَّنَّ بِمَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " فَإِنْ أَرَدْتُمْ بِإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِمْ تَأْثِيمًا أَوْ تَبْدِيعًا فَمَعَاذَ اللَّهِ، بَلْ أَنْتُمْ أَسَأْتُمْ بِنَا الظَّنَّ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِإِسَاءَةِ الظَّنِّ أَنَّا لَمْ نُصَوِّبُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَرَأَيْنَا الصَّوَابَ فِي خِلَافِهِمْ فِيهَا؛ فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي كُلِّ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ، بَلْ سَائِرُ الْمُتَنَازِعِينَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَرْبَعَةُ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَيْسَتْ كُلُّهَا صَوَابًا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ " فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً لَهُ فَقَوْلُهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ يُحْتَجُّ لَهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَدْ نَازَعَهُ الْجُمْهُورُ فِيهَا، وَالْحُجَّةُ تَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُهَا.
وَغَايَةُ مَا ذَكَرْتُمْ نَصُّهُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " فَإِذَا مَاتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ هَذَا التَّعْلِيقِ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
وَهَذَا قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ مَنْ يُبْطِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا هُوَ نَظِيرُهَا.
وَلَيْسَ فِيهِ سَبْقُ الطَّلَاقِ لِشَرْطِهِ، وَلَا هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْمُحَالِ؛ إذْ حَقِيقَتُهُ إذَا بَقِيَ مِنْ حَيَاتِي شَهْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَهَذَا الْكَلَامُ مَعْقُولٌ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمُ الطَّلَاقِ عَلَى زَمَنِ التَّطْلِيقِ وَلَا عَلَى شَرْطِ وُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا أَنْ يَقُولَ:" إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " وَهَذَا الْمُحَالُ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ:" إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا " أَوْ يَقُولَ: " أَنْتِ طَالِقٌ عَامَ الْأَوَّلِ " فَمَسْأَلَةُ الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ وَمَسْأَلَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ شَيْءٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا أَوْقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ إذَا مَاتَ لِأَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ؛ فَلَوْ مَاتَ عَقِيبَ الْيَمِينِ لَمْ تَطْلُقْ، وَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ:" أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي " وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ " فَإِنَّ كِلَا الْوَقْتَيْنِ لَيْسَ بِقَابِلٍ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا، وَفِي الثَّانِي لَمْ تَكُنْ فِيهِ طَالِقًا قَطْعًا، فَقَوْلُهُ:" أَنْتِ طَالِقٌ فِي وَقْتٍ قَدْ مَضَى " وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ طَالِقًا إمَّا إخْبَارٌ كَاذِبٌ أَوْ إنْشَاءٌ بَاطِلٌ، وَقَدْ قِيلَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَيَلْغُو قَوْلُهُ:" أَمْسِ " لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ثُمَّ وَصَلَ بِهِ مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ أَوْ يَرْفَعُهُ فَلَا يَصْلُحُ وَيَقَعُ لَغْوًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:" أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةً " لَيْسَ فِيهِ إيقَاعُ الطَّلْقَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْقَبْلِيَّةِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي وَلَا تَقَدُّمُهَا عَلَى الْإِيقَاعِ، وَإِنَّمَا فِيهِ إيقَاعُ طَلْقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى؛ فَمِنْ ضَرُورَةِ قَوْلِهِ:
قَبْلَهَا طَلْقَةً " إيقَاعُ هَذِهِ السَّابِقَةِ أَوَّلًا ثُمَّ إيقَاعُ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا؛ فَالطَّلْقَتَانِ إنَّمَا وَقَعَتَا بِقَوْلِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ " لَمْ تَتَقَدَّمْ إحْدَاهُمَا عَلَى زَمَنِ الْإِيقَاعِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْأُخْرَى تَقْدِيرًا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ التَّعْلِيقِ الْمُسْتَحِيلِ؟
فَإِنْ أَبَيْتُمْ وَقُلْتُمْ: قَدْ وَصَلَ الطَّلْقَةَ الْمُنَجَّزَةَ بِتَقَدُّمِ مِثْلِهَا عَلَيْهَا، وَالسَّبَبُ هُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْقَبْلِيَّةِ عَلَى الْمُنَجَّزَةِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا نِكَاحًا صَحَّ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ:" إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا " أَكْثَرُ مَا فِيهِ تَقَدُّمُ الطَّلَاقِ السَّابِقِ عَلَى الْمُنَجَّزِ، وَلَكِنَّ الْمَحَلَّ لَا يَحْتَمِلُهُمَا؛ فَتَدَافَعَا وَبَقِيَتْ الزَّوْجَةُ بِحَالِهَا وَلِهَذَا لَوْ قَالَ:" إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ وَاحِدَةً " صَحَّ لِاحْتِمَالِ الْمَحَلِّ لَهُمَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَوْقَعَ طَلْقَتَيْنِ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ تَسْبِقْ إحْدَاهُمَا إيقَاعَهُ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ شَرْطُ الْإِيقَاعِ؛ فَلَا مَحْذُورَ، وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ:" بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ " وَكَأَنَّهُ قَالَ: " أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ مَعًا، أَوْ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ " وَيَلْزَمُ مِنْ تَأَخُّرِ وَاحِدٍ عَنْ الْأُخْرَى سَبْقُ إحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى، فَلَا إحَالَةَ، أَمَّا وُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ فَهُوَ مُحَالٌ وَقَصْدُهُ بَاطِلٌ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ إنْ كَانَ خَبَرًا فَهُوَ كَذِبٌ، وَإِنْ كَانَ إنْشَاءً فَهُوَ مُنْكَرٌ؛ فَالتَّكَلُّمُ بِهِ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ فِي إخْبَارِهِ، مُنْكَرٌ فِي إنْشَائِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُعَلَّقِ تَمَامُ الثَّلَاثِ فَهَاهُنَا لِمُنَازِعِيكُمْ قَوْلَانِ تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُمَا، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ هَذَا التَّعَلُّقُ وَيَقَعُ الْمُنَجَّزُ وَالْمُعَلَّقُ، وَتَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وِزَانِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ:" إذَا مَاتَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ " فَمَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، فَهَكَذَا إذَا قَالَ:" إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ وَاحِدَةً " ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ تُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْلِيَّةُ ثُمَّ طَلَّقَهَا تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِيقَاعِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ:" أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْوَقْتِ السَّابِقِ عَلَى تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ أَوْ وُقُوعِهِ مُعَلَّقًا " فَهُوَ تَطْلِيقٌ فِي زَمَنٍ مُتَأَخِّرٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُحَالٌ أَيْضًا، وَلَا يَقَعُ الْمُعَلَّقُ؛ إذْ حَقِيقَتُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الزَّمَنِ السَّابِقِ عَلَى تَطْلِيقِكِ تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا فَيَعُودُ إلَى سَبْقِ الطَّلَاقِ لِلتَّطْلِيقِ، وَسَبْقِ الْوُقُوعِ لِلْإِيقَاعِ، وَهُوَ حُكْمٌ بِتَقْدِيمِ الْمَعْلُولِ عَلَى عِلَّتِهِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: " إذَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ " إمَّا أَنْ يُرِيدَ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِهَذَا الْإِيقَاعِ أَوْ بِإِيقَاعٍ مُتَقَدِّمٍ.
وَالثَّانِي مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالثَّانِي كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ: " أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُطَلِّقَكِ " وَهَذَا عَيْنُ الْمُحَالِ.
فَهَذَا كَشْفُ حِجَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسِرُّ مَأْخَذِهَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الشَّافِعِيِّ لَوْنٌ وَهَذِهِ لَوْنٌ آخَرُ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى عِلَّتِهِ، وَيَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى شَرْطِهِ كَمَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى أَحَدِ سَبَبَيْهِ - إلَى آخَرِهِ " فَجَوَابُهُ أَنَّ الشَّرْطَ إمَّا أَنْ يُوجَدَ جُزْءًا مِنْ الْمُقْتَضَى أَوْ يُوجَدَ خَارِجًا عَنْهُ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلنُّظَّارِ، وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُقْتَضَى التَّامُّ فَالشَّرْطُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي يَتَوَقَّفُ اقْتِضَاؤُهُ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ وَعَدَمِ مَانِعِهِ فَالشَّرْطُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ، وَلَكِنْ اقْتِضَاؤُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ طَرِيقَةُ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَالْأُولَى طَرِيقَةُ الْمَانِعِينَ مِنْ التَّخْصِيصِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَمْتَنِعُ تَأَخُّرُ الشَّرْطِ عَنْ وُقُوعِ الْمَشْرُوطِ؛ لَأَنْ يَسْتَلْزِمَ وُقُوعَ الْحُكْمِ بِدُونِ سَبَبِهِ التَّامِّ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ إنْ كَانَ جُزْءًا مِنْ الْمُقْتَضَى فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِاقْتِضَائِهِ فَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ لَا يُوجَدُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُوجَدُ بِدُونِهِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ قَبْلَهُ لَثَبَتَ بِدُونِ سَبَبِهِ التَّامِّ، فَإِنَّ سَبَبَهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالشَّرْطِ، فَعَادَ الْأَمْرُ إلَى سَبْقِ الْأَثَرِ لَمُؤَثِّرِهِ وَالْمَعْلُولِ لِعِلَّتِهِ، وَهَذَا مُحَالٌ، وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ وَعَلِمْتُمْ لُزُومَهُ فَرَرْتُمْ إلَى مَا لَا يُجْدِي عَلَيْكُمْ شَيْئًا.
وَهُوَ جَعْلُ الشَّرْطِ مُجَرَّدَ عَلَامَةٍ وَدَلِيلٍ وَمُعَرِّفٍ، وَهَذَا إخْرَاجٌ لِلشَّرْطِ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا وَإِبْطَالٌ لِحَقِيقَتِهِ؛ فَإِنَّ الْعَلَامَةَ وَالدَّلِيلَ [وَ] الْمُعَرِّفَ لَيْسَتْ شُرُوطًا فِي الْمَدْلُولِ الْمُعَرَّفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُهُ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يَثْبُتُ بِدُونِ عَلَامَةٍ وَمُعَرِّفٍ لَهُ، وَالْمَشْرُوطُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِوُجُودِهِ.
وَكُلُّ الْعُقَلَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْأَمَارَةِ الْمَحْضَةِ وَأَنَّ حَقِيقَةَ أَحَدِهِمَا وَحُكْمَهُ دُونَ حَقِيقَةِ الْآخَرِ وَحُكْمِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعَلَامَةَ شَرْطٌ فِي الْعِلْمِ بِالْمُعَلَّمِ وَالدَّلِيلُ شَرْطٌ فِي الْعِلْمِ بِالْمَدْلُولِ، فَذَاكَ أَمْرٌ وَرَاءَ الشَّرْطِ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، فَهَذَا شَيْءٌ وَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهَذَا حَقٌّ، وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْعِلْمُ بِالْمَدْلُولِ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِهِ، وَلَكِنْ هَلْ يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ الْمَدْلُولَ يَنْتَفِي وَانْتِفَاءَ دَلِيلِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: نَعَمْ، قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ.
قِيلَ: نَعَمْ فَإِنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ دَلِيلِهِ، فَدَلِيلُهُ مُوجِبٌ لِثُبُوتِهِ، فَإِذَا انْتَفَى الْمُوجِبُ انْتَفَى الْمُوجَبَ، وَلِهَذَا يُقَالُ: لَا مُوجِبَ فَلَا مُوجَبَ، أَمَّا شَرْطُ اقْتِضَاءِ السَّبَبِ لِحِكْمَةٍ فَلَا يَجُوزُ اقْتِضَاؤُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الشَّرْطُ عَنْهُ لَكَانَ مُقْتَضِيًا بِدُونِ شَرْطِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إخْرَاجَ الشَّرْطِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى أَحَدِ سَبَبَيْهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ، أَوْ تَقْدِيمُهُ عَلَى شَرْطٍ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى؛ فَالتَّنْظِيرُ بِهِ مَغْلَطَةٌ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا شَرْطِهِ، وَهَذَا مُحَالٌ.
وَإِنْ وَقَعَ تَسَامُحٌ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ الْحَوْلُ مَثَلًا وَالْحِنْثُ وَالْمَوْتُ بَعْدَ الْجُرْحِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَنَحْنُ لَمْ نُقَدِّمْ الْوُجُوبَ عَلَى
شَرْطٍ وَلَا سَبَبِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا فِعْلَ الْوَاجِبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْحُكْمِ بِالْوُجُوبِ، وَبَيْنَ تَقَدُّمِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا وَهْمٌ أَوْ إيهَامٌ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ تَقْدِيمَ شَرْطِ عِلَّةِ الْحُكْمِ وَمُوجِبِهِ عَلَى الْحُكْمِ أَمْرٌ ثَابِتٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ أَهْلِ اللُّغَةِ حَتَّى تُطَالِبُونَا بِنَقْلِهِ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ ثَابِتٌ لِذَاتِ الشَّرْطِ وَحُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ مُتَلَقًّى مِنْ اللُّغَةِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَخْتَلِفُ بِتَقَدُّمِ لَفْظٍ وَلَا تَأَخُّرِهِ، حَتَّى لَوْ قَالَ:" أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ " أَوْ قَالَ: " يَبْعَثُكِ اللَّهُ إذَا مِتَّ " أَوْ: " تَجِبُ عَلَيْكِ الصَّلَاةُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا " وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالشَّرْطُ مُتَقَدِّمٌ عَقْلًا وَطَبْعًا وَشَرْعًا وَإِنْ تَأَخَّرَ لَفْظًا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ الْأَحْكَامَ تَقْبَلُ النَّقْلَ عَنْ مَوَاضِعِهَا فَتُتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ " فَتَطْوِيلٌ بِلَا تَحْصِيلٍ، وَتَهْوِيلٌ بِلَا تَفْضِيلٍ، فَهَلْ تَقْبَلُ النَّقْلَ عَنْ تَرْتِيبِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا وَمُوجِبَاتِهَا بِحَيْثُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِ سَبَبِهِ وَمُقْتَضِيهِ؟ نَعَمْ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ وَيَنْتَقِلُ لِقِيَامِ سَبَبٍ آخَرَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبِهِ الثَّانِي بَعْدَ انْتِقَالِهِ كَمَا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْأَوَّلِ قَبْلَ انْتِقَالِهِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى سَبَبِهِ هَذَا فِي حُكْمِهِ وَذَاكَ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا تَنْظِيرُكُمْ بِنَقْلِ الْأَحْكَامِ وَتَقَدُّمِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا بِقَوْلِهِ:" أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " وَقَوْلِكُمْ: " إنَّ نَظِيرَهُ فِي الْحِسِّيَّاتِ أَنْ تَقُولَ: إنْ زُرْتَنِي أَكْرَمْتُكَ قَبْلَ زِيَارَتِكَ بِشَهْرٍ " فَوَهْمٌ أَيْضًا أَوْ إيهَامٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:" أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ " إنَّمَا تَطْلُقُ إذَا مَضَى شَهْرٌ بَعْدَ هَذِهِ الْيَمِينِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ إيقَاعِهِ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ لَمْ تَطْلُقْ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ عَامَ الْأَوَّلِ؛ لَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: " إنْ زُرْتَنِي أَكْرَمْتُكَ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ " فَإِنَّ الطَّلَاقَ حُكْمٌ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ وُقُوعِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالْإِكْرَامُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا يَكُونُ إكْرَامًا بِالتَّقْدِيرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إكْرَامًا بِالْوُقُوعِ، وَأَمَّا اسْتِشْهَادُكُمْ بِقَوْلِهِ:" أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي " فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ الْمِلْكِ التَّقْدِيرِيِّ عَلَى الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ أَثَرُهُ وَمُوجَبُهُ، وَالْمِلْكُ شَرْطُهُ، وَلَوْ جَازَ تَأَخُّرُ الشَّرْطِ لَقُدِّرَ الْمِلْكُ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَذَا مُحَالٌ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَسْبَابَ وَالشُّرُوطَ يَجِبُ تَقَدُّمُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُحَقَّقَةً أَوْ مُقَدَّرَةً.
وَقَوْلُكُمْ: " إنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ يَتَضَمَّنُ شَرْطًا وَمَشْرُوطًا، وَالْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ قَدْ تُعْقَدُ لِلْوُقُوعِ وَقَدْ تُعْقَدُ لِنَفْيِ الشَّرْطِ وَالْجُزْءِ - إلَى آخِرِهِ " فَجَوَابُهُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا مِنْ الْوَهْمِ أَوْ الْإِيهَامِ؛ فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ هِيَ الَّتِي يَصِحُّ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ جُزْأَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَا مُمَكِّنَيْنِ أَوْ مُمْتَنِعَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِهَا شَرْطِيَّةً صِدْقُ جُزْأَيْهَا جُمْلَتَيْنِ؛ فَالِاعْتِبَارُ إنَّمَا هُوَ بِصِدْقِهَا فِي نَفْسِهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْله تَعَالَى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] مِنْ أَصْدَقِ الْكَلَامِ وَجُزْءُ الشَّرْطِيَّةِ مُمْتَنِعَانِ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا مَلْزُومٌ لِلْآخَرِ، فَقَامَتْ الْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مِنْ
التَّلَازُمِ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِفَسَادِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَوُجُودُ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ مَلْزُومٌ لِفَسَادِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْفَسَادُ لَازِمٌ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى مَلْزُومُهُ، فَصَدَقَتْ الشَّرْطِيَّةُ دُونَ مُفْرَدَيْهَا، وَأَمَّا الشَّرْطِيَّةُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَهِيَ كَاذِبَةٌ فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا عُقِدَتْ لِلتَّلَازُمِ بَيْنَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ وَسَبْقِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَذِبٌ فِي الْإِخْبَارِ بَاطِلٌ فِي الْإِنْشَاءِ؛ فَالشَّرْطِيَّةُ نَفْسُهَا بَاطِلَةٌ لَا تَصِحُّ بِوَجْهٍ؛ فَظَهَرَ أَنَّ تَنْظِيرَهَا بِالشَّرْطِيَّةِ الصَّادِقَةِ الْمُمْتَنِعَةِ الْجُزْأَيْنِ وَهْمٌ أَوْ إيهَامٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ.
وَأَمَّا قِيَاسُكُمْ الْمُحَرَّرُ، وَهُوَ قَوْلُكُمْ: " طَلَاقَانِ مُتَعَارِضَانِ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْفِيَ السَّابِقُ مِنْهُمَا الْمُتَأَخِّرَ.
كَقَوْلِهِ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ - إلَى آخِرِهِ " فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ زَيْدٌ طَلُقَتْ ثَلَاثًا، فَقَدِمَ عَمْرٌو بَعْدَهُ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ، فَلَمْ يُصَادِفْ الطَّلَاقُ الثَّانِيَ مَحَلًّا، فَهَذَا مَعْقُولٌ شَرْعًا وَلُغَةً وَعُرْفًا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ تَعَلُّقٍ مُسْتَحِيلٍ شَرْعًا وَعُرْفًا؟ وَلَقَدْ وَهَنَتْ كُلَّ الْوَهْنِ مَسْأَلَةٌ إلَى مِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ اسْتِنَادُهَا، وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُهَا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " نُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَا الْمُنَجَّزَ لَزِمَنَا أَنْ نُوقِعَ قَبْلَهُ ثَلَاثًا - إلَى آخِرِهِ " فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيقَاعِ الْمُنَجَّزِ إيقَاعُ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ، لَا لُغَةً وَلَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، فَإِنْ قُلْتُمْ: لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلْمُعَلَّقِ قَبْلَهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ الْمُعَلَّقِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
ثُمَّ نَقْلِبُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النُّكْتَةَ قَلْبًا أَصَحَّ مِنْهَا شَرْعًا وَعَقْلًا وَلُغَةً، فَنَقُولُ: إذَا أَوْقَعْنَا الْمُنَجَّزَ لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نُوقِعَ قَبْلَهُ ثَلَاثًا قَطْعًا، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وَهُوَ الْإِيقَاعُ، فَيَسْتَلْزِمُ مُوجَبَهُ وَهُوَ الْوُقُوعُ، وَإِذَا وَقَعَ مُوجَبُهُ اسْتَحَالَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ؛ فَهَذِهِ النُّكْتَةُ أَصَحُّ وَأَقْرَبُ إلَى الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَاللُّغَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: " إنَّ الْمُكَلَّفَ أَتَى بِالسَّبَبِ الَّذِي ضَيَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَأَلْزَمْنَاهُ حُكْمَهُ - إلَى آخِرِهِ " فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ شَرْعًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مَقْدُورًا وَمَشْرُوعًا، وَهَذَا السَّبَبُ الَّذِي أَتَى بِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَلَا مَشْرُوعٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُمَلِّكْهُ طَلَاقًا يُنْجِزُهُ تَسْبِقُهُ ثَلَاثٌ قَبْلَهُ، وَلَا ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ؛ فَالسَّبَبُ لَا مَقْدُورٌ وَلَا مَأْمُورٌ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ فَاسِدٌ؛ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا نَظَرْتُمْ بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ:
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - وَهِيَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا جُمْلَةً - فَهَذِهِ مِمَّا يُحْتَجُّ لَهَا، وَلَا يُحْتَجُّ بِهَا، وَلِلنَّاسِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: الْإِلْزَامُ بِهَا، وَالثَّانِي: إلْغَاؤُهَا جُمْلَةً وَإِنْ كَانَ هَذَا إنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ الْفُقَهَاءِ الشِّيعَةِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ فِي زَمَانِهِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاخْتِيَارُ أَعْلَمِ النَّاسِ
بِسِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ حَكَاهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ تَفْرِيعِ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا وَاحِدَةٌ فِي حَقِّ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَثَلَاثٌ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ إمَامِ أَهْلِ خُرَاسَانَ فِي وَقْتِهِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ نَظِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَفِيهَا مَذْهَبٌ خَامِسٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُنَجَّزَةً وَقَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً لَمْ تَقَعْ، وَهُوَ مَذْهَبُ حَافِظِ الْغَرْبِ وَإِمَامِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي وَقْتِهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَلَوْ طُولِبْتُمْ بِإِبْطَالِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَتَصْحِيحِ قَوْلِكُمْ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يَرْكَنُ إلَيْهِ الْعَالِمُ لَمْ يُمْكِنْكُمْ ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّكُمْ تَسْتَدِلُّونَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِينَ يُسَلِّمُونَ لَكُمْ وُقُوعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ يَقُولُ بِجَوَازِ إيقَاعِ الثَّلَاثِ فَقَدْ أَتَى الْمُكَلَّفُ عِنْدَهُ بِالسَّبَبِ الْمَشْرُوعِ الْمَقْدُورِ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ سَبَبُهُ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: تَقَعُ وَإِنْ كَانَ إيقَاعُهَا مُحَرَّمًا كَمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، بِخِلَافِ وُقُوعِ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ؟ فَصْلٌ
وَأَمَّا نَقْضُكُمْ الثَّانِي بِتَمْلِيكِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الطَّلَاقَ وَتَضْيِيقِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ جَعْلِهِ بِيَدِهِ، فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدِهَا: أَنَّهُ بِالتَّمْلِيكِ لَمْ يَخْرُجْ الطَّلَاقُ عَنْ يَدِهِ، بَلْ هُوَ فِي يَدِهِ كَمَا هُوَ، هَذَا إنْ قِيلَ إنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ تَوْكِيلٌ فَلَهُ عَزْلُهَا مَتَى شَاءَ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ وَلَا تَوْكِيلُهَا فِيهِ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا مِمَّنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ؛ فَالنَّقْضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ يَسْتَلْزِمُ إقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا.
وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّهُ إذَا عَلَّقَ الْيَمِينَ بِفِعْلِ الزَّوْجَةِ لَمْ تَطْلُقْ إذَا حَنِثَ.
قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَلَّكَ الزَّوْجَ الطَّلَاقَ، وَجَعَلَهُ بِيَدِهِ رَحْمَةً مِنْهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ إلَى الْمَرْأَةِ؛ فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِفِعْلِهَا لَكَانَ إلَيْهَا إنْ شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ، وَهَذَا خِلَافُ شَرْعِ اللَّهِ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُقُوعِ الصِّفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ يَمِينًا أَوْ تَعْلِيقًا مَحْضًا، وَهَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ وَالِالْتِزَامِ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ وَالِالْتِزَامِ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ نَوَاهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ فِي فَتَاوِيهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ مَقْصُودَيْنِ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مَقْصُودَيْنِ - وَإِنَّمَا حَلَّ بِهِ قَاصِدًا مَنْعَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ - لَمْ يَقَعْ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.
وَالسَّابِعُ: كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ اخْتِيَارُ أَخِيهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ قَوْلِ مَنْ حَكَى إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ إذَا حَنِثَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ، وَحَكَيْنَا لَفْظَهُ.
وَالْمَقْصُودُ الْجَوَابُ عَنْ النَّقْضِ بِتَمْلِيكِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ أَوْ تَوْكِيلِهَا فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ فِي النَّقْضِ الثَّالِثِ: " إنَّ فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ صَحَّحُوا تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ يَسُدُّ بَابَ النِّكَاحِ " فَهَذَا الْقَوْلُ مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالُوا: هُوَ سَدٌّ لِبَابِ النِّكَاحِ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ نَفْسُهُ: أُنْكِرُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ.
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: لَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ الْمُنَجَّزَ فَلَا يَمْلِكُ الْمُعَلَّقَ؛ إذْ كِلَاهُمَا مُسْتَدْعٍ لِقِيَامِ مَحَلِّهِ، وَلَا مَحَلَّ، فَهَلَّا قَبِلْتُمْ مِنْهُمْ احْتِجَاجَهُمْ عَلَيْكُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ قَابِلٍ لِطَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ، وَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ لَغْوًا وَبَاطِلًا فَلَا يَنْعَقِدُ، كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ فِي تَعْلِيقِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ: إنَّهُ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ فَلَا يَنْعَقِدُ
فَصْلٌ [إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى مِلْكِهِ]
وَأَمَّا النَّقْضُ الرَّابِعُ بِقَوْلِهِ: " كُلُّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ " فَهَذَا لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ قَدْ شُرِعَ طَرِيقًا إلَى زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالْعِتْقِ، إمَّا بِنَفْسِ الْمِلْكِ كَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَإِمَّا بِاخْتِيَارِ الْإِعْتَاقِ كَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا لِيَعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ، وَلَمْ يُشَرِّعْ اللَّهُ النِّكَاحَ طَرِيقًا إلَى زَوَالِ مِلْكِ الْبُضْعِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ، بَلْ هَذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضِدُّ مَقْصُودِهِ شَرْعًا وَعَقْلًا وَعُرْفًا، وَالْعِتْقُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الشِّرَاءِ تَرْتِيبٌ لِمَقْصُودِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا وَعُرْفًا، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ؟ وَكَوْنُهُ قَدْ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مِلْكِ الرَّقِيقِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ تَعْلِيقًا مَقْصُودًا أَوْ تَعْلِيقًا قَسَمِيًّا؛ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا فَهُوَ قَدْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ بِذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ الْتَزَمَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَسَدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الْفِطْرِ.
وَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا قَسَمِيًّا فَلَهُ سَعَةٌ بِمَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم وَقَدْ تَقَدَّمَ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا النَّقْضُ الْخَامِسُ بِمَنْ مَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً وَأَوْلَدَهَا، فَهَذَا أَيْضًا نَقْضٌ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَنْفَقَهَا فِي شَهَوَاتِهِ وَمَلَاذِّهِ، وَقَعَدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، أَوْ تَزَوَّجَ بِهَا امْرَأَةً وَقَضَى وَطَرَهُ مِنْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ سَدِّ بَابِ الطَّلَاقِ وَبَقَاءِ الْمَرْأَةِ كَالْغُلِّ فِي عُنُقِهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا؟
فَصْلٌ [لَمْ تُبْنَ الشَّرَائِعُ عَلَى الصُّوَرِ النَّادِرَةِ] .
وَقَوْلُكُمْ: " قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ مَصْلَحَةٌ وَغَرَضٌ صَحِيحٌ، بِأَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِزَوْجَتِهِ وَيَخْشَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْحَلِفِ أَوْ غَيْرِهِ فَيُسَرِّحُهَا " جَوَابُهُ أَنَّ الشَّرَائِعَ الْعَامَّةَ لَمْ تُبْنَ عَلَى الصُّوَرِ النَّادِرَةِ، وَلَوْ كَانَ لِعُمُومِ الْمُطَلِّقِينَ فِي هَذَا مَصْلَحَةٌ لَكَانَتْ حِكْمَةُ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ تَمْنَعُ الرِّجَالَ مِنْ الطَّلَاقِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَتَجْعَلُ الزَّوْجَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ فِرَاقِ زَوْجِهَا.
وَلَكِنَّ حِكْمَتَهُ تَعَالَى أَوْلَى وَأَلْيَقُ مِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي فِي مُرَاعَاتِهَا تَعْطِيلُ مَصْلَحَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا وَأَهَمَّ، وَقَاعِدَةُ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ تَحْصِيلُ أَعْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ وَإِنْ فَاتَ أَدْنَاهُمَا، وَدَفْعُ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْنِ وَإِنْ وَقَعَ أَدْنَاهُمَا، وَهَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ سَوَاءٌ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَةَ تَمْلِيكِ الرِّجَالِ الطَّلَاقَ أَعْلَى وَأَكْبَرُ مِنْ مَصْلَحَةِ سَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وَمَفْسَدَةُ سَدِّهِ عَلَيْهِمْ أَكْبَرُ مِنْ مَفْسَدَةِ فَتْحِهِ لَهُمْ الْمُفْضِيَةُ إلَى مَا ذَكَرْتُمْ.
وَشَرَائِعُ الرَّبِّ تَعَالَى كُلُّهَا حِكَمٌ وَمَصَالِحُ وَعَدْلٌ وَرَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا الْعَبَثُ وَالْجَوْرُ وَالشِّدَّةُ فِي خِلَافِهَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.