الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
الفصل الثالث عشر ". في الحريق الأوّل المستولي على ما سبق وعلى سقف
المسجد وما أعيد من ذلك ثم الحريق الثاني وما ترتب عليه
أحترق المسجد النبوي أوّلا ليلة الجمعة أوّل شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أوّل الليل لدخول أبي بكر بن أوحد الفراش الحاصل الذي في الزاوية الغربية الشمالية لاستخراج قناديل لمناير المسجد وترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل فيه مشاق فاشتعلت النار فيه وأعجزه طفؤها وعلقت ببسط وغيرها مما في الحاصل وعلا الالتهاب حتى علقت بالسقف مسرعة آخذة قبله وأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة وأجتمع معه غالب أهلها فلم يقدروا على طفئها وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد وما أحتوى عليه من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والمقاصير والصناديق ولم يبق خشبة واحدة أي كاملة وكذا الكتب والمصاحف وكسوة الحجرة الشريفة
قال القسطلاني وكان عليها حينئذ إحدى عشرة ستارة وأزالت النار تلك الزخارف التي لا ترضى وشوهد من هذه النار إن صفة القهر والعظمة الإلهية مستولية على الشريف والمشروف وكان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أهل أرض المدينة وحماية أهلها منها لما التجئوا إلى مسجدها كما سبق فطفئت عند وصولها لحرمها وربما خطر ببال العوام إن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة مع اقتراف الأوزار فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال والنار مطهرة لأدناس الذنوب وقد كان الاستيلاء على المسجد حينئذ للروافض والقاضي والخطيب منهم وأساءوا الأدب لما ذكرناه في الأصل عن رحلة بن جبير ولذا وجد عقب الحريق على بعض جدران المسجد
لم يحترق حرم النبيّ لحادث
…
يخشى عليه وما به من عار
لكنما أيدي الروافض لامست
…
تلك الرسوم فطهرت بالنار
ووجد أيضا
قل للروافض بالمدينة ما بكم
…
لقيادكم للذم كل سفيه
ما أصبح الحرم الشريف محرقا
…
إلا لبسكم الصحابة فيه
ولم يسلم من الحريق سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم قال المطري مثل المصحف الشريف العثماني وعدة صناديق كبار متقدّمة التاريخ صنعت أي الصناديق بعد الثلاثمائة وهي باقية إلى اليوم وذلك لكون القبة المذكورة بوسط صحن المسجد وببركة المصحف الشريف العثماني انتهى وقضيته نسبة المصحف المذكور إلى عثمان رضي الله عنه وقد ذكرنا في الأصل ما قيه وعمرت القبة المذكورة سنة ست وسبعين وخمسمائة قال المؤرخون وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدّسة وفي صبيحة الجمعة عزلوا موضعا للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله بن المنتصر بالله فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم وابتدئ بالعمارة أوّل سنة خمس وخمسين وستمائة وقصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة قلم يجسروا على ذلك واتفق رأي الأمير منيف بن شيخة بن هاشم بن قاسم بن مهنا الحسيني مع رأى أكابر الحرم أن يطالع الإمام المستعصم بذلك فيفعل ما يصل به أمره فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج
التتار لهم واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة فتركوا الردم على حاله ولم ينزل أحد هناك زاد المجد اللغوي ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام ولا يتأتى من كل أحد بادئ بدء الدخول فيه والأقدام انتهى وكنت أتعجب من ذلك وأرى أنّ الأدب والتعظيم في المبادرة لإزالة ذلك وظننته يزال من غير ارتكاب سوء أدب وصنعت فيه تأليفا حتى اتفقت العمارة المتقدّم ذكرها فلما نفضوا الموضع المنشق من الحائز الظاهر ظهر إنّ حصة ما بين الحائزين من الهدم نحو القامة فعلت عذر أهل ذلك الزمان ووجه توقفهم ولذا لم أحضر إزالة ما في جوف الحجرة الشريفة بعد الاستخارة وقد اقتضى كلام المطري ومن تبعه إنهم أعادوا سقف الحجرة على رؤوس سواري المسجد وأعادوا الشباك على الحائز الظاهر إلى ذلك السقف فصار سقف المسجد سقف الحجرة وقد قدّمنا في الفصل العاشر ردّه لمشاهدتنا لسقف الحجرة أسفل السقف المذكور على جدارها الداخل ويتصل أيضا بالخارج من المشرق والمغرب وسقفوا في سنة خمس وخمسين المذكورة الحجرة الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل ومن
المغرب الروضة جميعها إلى المنبر ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فكان في الحرّم منها وقعة بغداد واستيلاء التتار عليها مع ما أسلفناه في العاشر من الباب الأوّل فوصلت الآلات من صاحب مصر المنصور نور الدين علي بن المعوايبك الصالحي ووصل أيضا آلات من صاحب اليمن المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول فعمدوا إلى باب السلام ثم عزل صاحب مصر في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وتولى مكانه مملوك أبيه المظفر سيف الدين قطز المعزي واسمه الأوّل محمود بن ممدود أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه وأبوه أبن عمه أسر عند غلبة التتار فبيع بدمشق ثم بمصر وتملك في ثامن عشر القعدة من سنة سبع وفي شهر رمضان من سنة ثمان أعز الله الإسلام على يده بوقعة عين جالوت ثم قتل بعد الوقعة بشهر وهو داخل إلى مصر وكان العمل في المسجد تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة ومن باب جبريل إلى باب النساء وتولى مصر آخر تلك السنة الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري فحصل منه اهتمام بأمر المسجد فجهز الآلات وثلاثة وخمسين صانعا وما يمونهم وأنفق عليهم قبل سفرهم وأرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي وغيره ثم صار يمدّهم بالآلات والنفقات فعمل في أيامه باقي سقف المسجد من باب الرحمة إلى شمالي المسجد ثم إلى باب النساء وكمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف إلا السقف الشمالي فإنه جعل
سقفا واحدا ولم يزل المسجد على ذلك حتى جدد السقف الغربي والسقف الشرقي اللذان عن يمين صحن المسجد وشماله في أوائل دولة الناصر محمد بن قلاوون الصالحي فجعلا سقفا واحدا يشبه الشمالي وذلك في سنتي خمس وست وسبعمائة ثم أمر الناصر المذكور سنة تسع وعشرين وسبعمائة بزيادة رواقين متصلين بمؤخر المسقف القبلي فاتسع سقفه بهما وعم
نفعهما إذ صار سبعة أروقة وكان خمسة كالشمالي كما صرح به أبن جبير والشمالي اليوم أربعة فزادوا منه رواقا في صحن المسجد لما نقصوا منه الرواقين المذكورين ثم حصل في هذين الرواقين خلل فجدّدهما الأشرف برسباي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة على يد مقبل القديدي من مال جوالي قبرس وكانا سقفا واحدا نسبة الشمالي والشرقي والغربي أيضا موازيا للسقف الأسفل من المسقف القبلي والأعلى مرتفع هناك نحو القامة وكان يدخل لما بين سقفيه من باب هناك يلي سقف الرواقين المذكورين وجدد الأشرف أيضا شيئاً من السقف الشامي مما يلي المنارة السنجارية ثم جدد الظاهر جقمق كثيرا من سقف مقدّم المسجد من الروضة وغيرها في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وفيما قبلها على يد الأمير بردبك الناجي وغيره ثم جدد سلطان زماننا الأشرف قايتباس جانبا من السقف الشرقي بعد هدم عقوده التي تلي صحن المسجد وما يلي المنارة الشامية الشرقية من سوره إلى طرف دكاك المسقف الشامي ثم أعيد ذلك سنة تسع وسبعين وثمانمائة بعد تفويض العمارة للشمس بن
الزمن ثم في سنة إحدى وثمانين ورد متولي العمارة المذكور فجدّد كثيرا من السقف الأعلى بمقدّم المسجد من الروضة وما يليها وكان مولعا بالتغيير والتبديل فأتخذ عقودا من الآجر على رؤوس السواري التي عليها السقف الأسفل موضع العبارات التي كان السقف الأعلى موضوعا عليها ولم يبال بارتفاع تلك الجهة التي عمرها على ما حولها من السقف الأعلى وجدّد أيضا سقف الرواق الذي يلي الأرجل الشريفة في المشرق وسقف رواق باب جبريل عليه السلام والسقف الأسفل في موقف الزائرين وشيئاً مما حوّل الحجرة الشريفة داخل المقصورة وشيئاً من المسقف الشامي وغيره مع إعارة الحجرة المتقدّم ذكرها وإبدال ما كان عليها من السقف بقبة لطيفة أسفل سقف المسجد المحاذي للقبة الكبرى المعروفة بالزرقاء مع التغيير الآتي فيها ثم أحترق المسجد النبوي ثانيا في الثالث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان عام ست وثمانين وثمانمائة وقد قام رئيس المؤذنين شمس الدين بن الخطيب يهلل بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية مع بقية المؤذنين وقد تراكم الغيم وحصل رعد قاصف فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة الرئيسية فسقط شرقيّ المسجد له لهب كالنار وأنشق رأس المنارة وتوفى الرئيس لحينه صعقا وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى عند المنارة المذكورة فعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل ففتحت أبواب المسجد
ونودي بأن الحريق في المسجد فأجتمع أمير المدينة قسيطل بن زهير الجمازي وأهل المدينة بالمسجد كلهم وصعد أهل النجدة بالمياه لطفئ النار وقد التهبت آخذة في الشمال والمغرب فعجزوا عن طفئها وكادت تدركهم فهربوا ونزلوا بما كان معهم من الحبال لاستقاء الماء إلى شمالي المسجد وسقط بعضهم فهلك ولجأ بعضهم مع من حالت النار بينه وبين الأبواب إلى صحن المسجد ومات في هذا الحريق المذكور زيادة على عشرة أنفس وعظمت النار جدّا واستولت على سائر سقف المسجد وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف غير ما بادروا بإخراجه وغير القبة التي بالصحن وذلك كله في نحو عشر درج وصار المسجد كبحر لجيّ من نار ترمي بشرر كالقصر ويسقط شررها على بيوت الجيران فلا يؤذيها وأخبرني أمير المدينة الزيني قسيطل إن شخصا من العرب الصادقين رأى قبل ذلك بليلة إن السماء فيها جراد منتشر ثم عقبته نار عظيمة فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم النار وقال أمسكها عن أمتي وأخبرني جماعة إنهم شاهدوا أشكال طيور بيض يحومون حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران مع هرب كثير منهم لما رأوا تساقط الشرر وخرج بعضهم من باب المدينة لعظم ما شاهدوه من الهول وظنوا إنهم أحيط بهم ولم أشهد ذلك لأني سافرت إلى مكة للاعتمار مستهل رمضان المذكور وتركت كتبي بخلوة كنت أقيم بها بمؤخر المسجد فاحترقت
وقد عوضها الله عز وجل مع ما منّ به من السلامة وبرد الرضا ثم لما أصبحوا ابدءوا بطفئ ما سقط على القبة اللطيفة التي جعلت بدلا عن سقف الحجرة الشريفة وكان الذي سقط عليها حريق القبة الزرقاء الظاهرة بالسقف الأعلى ورصاصها وسقف المسجد الأسفل الذي كان بين القبتين والشباك الذي بأعلى الحائز المتقدّم ذكره ولم يصل إلى جوف الحجرة الشريفة شيء من هدم هذا الحريق نحمد الله تعالى لسلامة القبة
السفلى المذكورة وعدم تأثير النار فيها مع ما سقط عليها مما هو كأمثال الجبال مع إن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار وقد أثرت هذه النار في أحجار الأساطين وهي من الأسود حتى تهشم بعضها وتفتت وعدّة ما سقط منها مائة وبضع وعشرون أسطوانة ومنّ الله تعالى أيضا بسلامة الأساطين الملاصقة للحجرة الشريفة وأحترق المنبر وصندوق المصلى الشريف وما يعلوه من الأخشاب والمقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة وسقطت أكثر عقود المسجد التي تلي صحنه وعلو المنارة الرئيسية ثم كتبوا لسلطان زماننا الأشرف قايتباي بذلك ونظفوا مقدّم المسجد ونقلوا هدمه إلى مؤخره وعمل في ذلك أمير المدينة وقضاتها وعامة أهلها حتى النساء والصبيان تقربا إلى الله تعالى وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها حضرة النذير صلى الله عليه وسلم وقد ثبت إن أعمال أمته تعرض عليه فلما ساءت منا
الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجاري بها في موضع عرضها وأنا في وجل مما يعقب ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار قال تعالى (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) وقال تعالى (ذلك يخوّف الله به عباده يا عباد فاتقون) ومن العجيب إنه لم يتأت إخراج ردم هذا الحريق من مؤخر المسجد حتى حضر الحجاج من سائر الآفاق فشاهدوا هذه العبرة العظيمة ورأوا ما أجتمع من آثارها كالآرام والتلول الجسيمة ثم بالقعدة الحرام قبيل دخول الحجاج مكة من العام الثاني أرسل الله سيلا عظيما بمكة ملأ ما بين الجبلين وعلا جدار أبواب المعلاة وأرتفع في جوف الكعبة أزيد من قامة وهدم دورا كثيرة وذهب فيه من الأموال والأنفس ما لا يحصيه إلا الله تعالى ووجد تحت الردم المسجد الحرام فقط عند تنظيفه نحو ثمانين نفسا وقيل مائة ولم أقف في سيول الجاهلية والإسلام على مثله ولم يتأت إخراج ذلك الردم بعد جمعة بالمسجد كالأردام حتى قدم الحجاج وشاهدوا هذه الآية أيضا ولما وصل القاصد إلى مصر المحروسة وأتصل علم حريق المسجد بسلطانها الأشرف عظم عليه ذلك ورأى إن في تأهيل الله له لعمارة وذلك مزيد التشريف وكمال التعريف فاستقبل أمر العمارة بهمة تعلوا لهم العلية ورسم بأبطال عمائره المكية وبتوجيه شاهدها الماليفي سنقر الجمالي
صحبة الحاج الأوّل بزيادة على مائة من أرباب الصنائع وكثير من الحمير والجمال ومبلغ عشرين ألف دينار وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطور والينبع والمدينة الشريفة ثم جهز متولي العمارة السابقة الشمس بن الزمن أثناء ربيع الأوّل في ركب صحبته أكثر من مائتي جمل ومائة حمار وأزيد من ثلاثمائة صانع وصارت أحمال المؤن متواصلة قل أن تنقطع برا وبحرا وقطعوا من أخشاب الدوم والشجر من جهات المدينة شيئاً كثيرا واستقبلوا أمر العمارة بجدّ واجتهاد وهدموا المنارة الرئيسية إلى أساسها وهدموا من سور المسجد أوّلا من ركن المنارة التي بباب السلام في المغرب إلى آخر جدار القبلة ثم ما يليه من المشرق إلى باب جبريل وخرجوا بالجدار هناك في المشرق كما سبق في الحادي عشر وأعادوا ذلك ووسعوا المحراب العثماني وسقفوا مقدّم المسجد سقفا واحدا بعد أن قصروا أساطينه وجعلوا عليها عقودا من الآجر فوقها أخشاب السقف وكانت الأساطين قبل واصلة إلى السقف كهيئة أساطينه اليوم في المسقف الغربي والشرقي والشامي لأن تلك العقود التي سبق إن متولي العمارة جعلها بمقدّم المسجد بين السقفين تساقطت عند الحريق على الأساطين فهشمتها وأفسدت الكثير منها وجعلوا على المحراب العثماني قبة على عقود الأساطين بعد أن قرنوا إلى كل أسطوانة ثانية وجمعوا في بعضها بين خمس أساطين وأزالوا أسطوانة كانت بين الأسطوانة التي إليها المصلى النبوي وبين المحراب العثماني وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد بدلا عن القبة التي كانت بسطح المسجد كما
سبق آخر الحادي عشر وأبدلوا بعض الأساطين مما حول مقصورة الحجرة بدعائم عظيمة ولم يبالوا بما حدث بسبب ذلك من التنسيق هناك وجعلوا السقف عقودا فيما بين هذه القبة وبين جدار المسجد الشرقي وكذا ما أتصل بها في الشام إلى محاذاة المتهجد الشريف وكذا ما بينها وبين جدار القبلة وجعلوا في هذه الناحية قبة لطيفة وحولها ثلاث أخر ألطف منها أيضا تسمى
مجاريد وجعلوا بين هذه العقود وبين المنارة الرئيسية باذهنجا للضوء والهواء وكان باب المنارة بالمغرب فنقلوه إلى الشام وأحدثوا أمامه أربع درج بأرض المسجد وأفردوا محل الباب الأوّل بخزانة للخطيب وكان جلوسه إلى أن يخرج للخطبة في الإعصار الخالية هناك مع وجود باب المنارة وقد أعاد المقرّ الشجاعي شاهين الجمالي عند تجديد المنارة المذكورة بابها إلى محله الأوّل وأبطل تلك الدرج المحددة جزاه الله تعالى خيرا واتخذوا أيضا قبتين أمام باب السلام من داخله وبنوا الباب المذكورة بالرخام الأبيض والأسود وزينوه كثيرا وكذا زينوا القباب المذكورة وخفضوا أرض مقدّم المسجد حتى ساوت أرض المصلى النبوي واتخذوا له محرابا في دعامة ابتنوها في محل الصندوق الذي كان هناك قديما وزخرفوه بالرخام الملوّن وكذا المحراب العثماني وزادوا في رخامه من جنبيه بأعلى الوزرة على ما كان أوّلا وأعادوا
ترخيم الحجرة وغيرها واتخذوا المقصورة على ما سبق في الحادي عشر واتخذوا المنبر ودكة المؤذنين من رخام كما سبق وجعلوا فيما يلي باب الرحمة وباب النساء إلى مؤخر المسجد دكتين إحداهما بالمسقف الشرقي والأخرى بالمسقف الغربي وجعلوهما أخفض من الدكاك الشامية يسيرا ولا ذكر لهذه الدكاك الشامية في كلام الأقدمين والظاهر إنها حدثت في عمارة الحريق الأوّل كما حدث هاتان في عمارة الثاني وكنت قد توجهت لزيارة والدتي وأهلي فرجعت آخر عام سبع وثمانين وثلاثمائة فوجدتهم فرغوا من مقدّم المسجد وجانب من غيره ثم هدموا من جدار المسجد من المغرب ما بين منارة باب السلام إلى باب الرحمة وأستبدل متولي العمارة ما يحاذي ذلك من الرباط المعروف بالحصن العتيق بباب السلام وما في شاميه من المدرسة الجوبانية والدار التي كانت تعرف بدار الشباك بباب الرحمة لاتخاذ مدرسة ورباط السلطان الأشرف أعز الله أنصاره وأعلى في سلوك العدل منارة وأتخذ في هذا الجانب فتحات كثيرة في ثلاث طبقات عدّتها ثلاثون فتحة إلا أن الفتحات الثلاث التي تلي باب السلام جعلوها في الحاصل الذي كان هناك وبه باب خوخة الصدّيق وأبوابها الثلاثة نافذة في المسجد وجعلوا الفتحة الخامسة من باب السلام باب ينفذ إلى المسجد يتوصل منه إلى المدرسة المذكورة وجعلوا على الفتحات التي على الطبقة الثالثة العليا شبكة من شريط النحاس لأنها جعلت لمجرد الضوء وكان متولي العمارة قد أتخذ مثل
ذلك بالجدار القبلي لعزمه على جعل المدرسة هناك ثم صرف الله عزمه إلى هذه الناحية فسدّ تلك الفتحات إلا ما يحاذي القبة المتخذة للمحراب العثماني فجعل لها قمريات من الزجاج وشبكات من شريط النحاس وكذا جعل لفتحات أحدثها في الجدار الشرقي أيضا وشرع السلطان أيده الله وسدّده في تعويض ما فات من المصاحف والربعات والكتب وبعث بطائفة من ذلك على يدي ولما قارب المسجد التمام شرعوا في المدرسة والرباط المذكورين وجعلوا بذلك منارة تلي باب الرحمة وشرعوا أيضا في رباط بدل رباط الحصن العتيق وحمام قبالته بناحية ميضاة باب السلام وفي عمارة سبيل وطاحون وفرن ومطبخ للجشيشة ووكالة ذات حواصل في الدور التي اشتروها قبل ذلك من دور العياسا وما يليها في القبلة من أجل السماط الذي أراد السلطان إجراءه بالمدينة الشريفة وهو أمر لم يسبق إليه على هذا الوجه وأتخذ لذلك أوقافا عظيمة متحصل ريعها من الحب سبعة آلاف أردب وخمسمائة أردب ورسم بأبطال مكوس المدينة وعوض أميرها ألف أردب تحمل له في كل سنة إلى ينبع وكملت سقف المسجد كلها أواخر شهر رمضان عام ثمان وثمانين وثمانمائة وتمت عمارته عقب ذلك وفي عام تسع وثمانين بعث السلطان جماعة من الدهانين لمحو ما بلغه من تساهل متولي العمارة في استعمال النيلة في بعض السقف وإبداله باللازورد وجهز معهم أساقيل لذلك فنصبوه وأصلحوه وتغير خاطره على متولي
العمارة بسبب ذلك وغيره ثم جهز المقرّ الأشرف البدري أبا البقاء بن الجيعان أسبغ الله عليه النعم وحفظه من النقم في ركب مع جماعة من خواصه فقدم سابع القعدة الحرام من العام المذكور معه كتب كثيرة في العلوم جعلت وقفا بالمدرسة الأشرفية وآلات السماط من القدور وأحمال كثيرة من الدقيق والحب وبنيتا آلات العمارة صحبها من الينبيع مما جهز في المراكب الشريفة فقرّر أمر السماط لكل نفر في الشهر سبع أردب مصري وذلك خمسة أمداد
بمدّ المدينة اليوم وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحرّ والرقيق فيعطي كل شخص على عدد عياله ما ذكر وجعل للآفاقيين لكل نفر رغيفين وما يكفيه من طعام الجشبشة وأحسن النظر في أمر المعامير وأزاح ما كانوا يتشكون منه وأخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة قبل تمامها أنّ المصروف فيها حينئذ بثمن الآلات والبهائم يزيد على مائة وعشرين ألف دينار ثم بعد تمامها بلغ السلطان ما سبق من أمر النية وميل المنارة الرئيسية فأنتخب المقرّ الشجاعي شاهين الجملي وفوّض إليه شيخة الخدام وينظر المسجد والسماط فقدم المدينة الشريفة موسم عام واحد وتسعين وثمانمائة وأحسن النظر في ذلك كله ولما هدم المنارة ظهر أن الخلل كان لعدم المبالغة في حفر أساسها فحفره إلى الماء وأتخذ لها أحجارا سودا متقنة وأحكم بناءها مع السحن الفائق ومزيد الارتفاع كما سبق وهدم أعالي القبة وأعاده على ما سبق في الحادي عشر مع إحكامه لتربيعه سقف مقدّم المسجد والزيادة الآتية في مشهد سيدنا حمزة رضي الله عنه وغير ذلك ثم في أوائل الثامن والعشرين من صفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة سقطت صاعقة ثانية على المنارة الرئيسية المتقدّم ذكرها فأسقطت قبتها وجانبا كبيرا من دورها الأوّل الذي يقوم عليه المؤذن مع اتخاذ من الأحجار المنحوتة الضخمة وسقط جانب من ذلك على ما يليه من سترة المسجد ونفذ بعضها من أحد المحاريب الذي عن يمين موقف الزائر تجاه الوجه الشريف وشوهد ضوء نارها بذلك المحل المنيف مع الأحجار الساقطة وقد ذكرت طرفا من سر تكرّر سقوطها بهذه المنارة في المجموع الحاوي لما وقع لنا من الفتاوى ثم أعاد المقرّ الشجاعي ما انثلم من المنارة والسترة في عامه بأمر السلطان الأشرف جزاه الله خير الجزاء وجعل ثوابه على ذلك من أوفر الأجزاء ومن تأمّل ما سبق من العمل عقب الحريق الأوّل وطول مدّته وأحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا الأشرف في عمارته حكم بقينا بعلوّ همته وفخار منقبته ومرتبته وقد ذكرنا ماله بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة وبعض مناقبه الجليلة في الأصل فراجعه ومن أعظمها أجراء عين عرفة وعمل السماط المتقدّم شكر الله صنيعه وحصنه من أعدائه بحصونه المنبعةمدينة اليوم وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحرّ والرقيق فيعطي كل شخص على عدد عياله ما ذكر وجعل للآفاقيين لكل نفر رغيفين وما يكفيه من طعام الجشبشة وأحسن النظر في أمر المعامير وأزاح ما كانوا يتشكون منه وأخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة قبل تمامها أنّ المصروف فيها حينئذ بثمن الآلات والبهائم يزيد على مائة وعشرين ألف دينار ثم بعد تمامها بلغ السلطان ما سبق من أمر النية وميل المنارة الرئيسية فأنتخب المقرّ الشجاعي شاهين الجملي وفوّض إليه شيخة الخدام وينظر المسجد والسماط فقدم المدينة الشريفة موسم عام واحد وتسعين وثمانمائة وأحسن النظر في ذلك كله ولما هدم المنارة ظهر أن الخلل كان لعدم المبالغة في حفر أساسها فحفره إلى الماء وأتخذ لها أحجارا سودا متقنة وأحكم بناءها مع السحن الفائق ومزيد الارتفاع كما سبق وهدم أعالي القبة وأعاده على ما سبق في الحادي عشر مع إحكامه لتربيعه سقف مقدّم المسجد والزيادة الآتية في مشهد سيدنا
حمزة رضي الله عنه وغير ذلك ثم في أوائل الثامن والعشرين من صفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة سقطت صاعقة ثانية على المنارة الرئيسية المتقدّم ذكرها فأسقطت قبتها وجانبا كبيرا من دورها الأوّل الذي يقوم عليه المؤذن مع اتخاذ من الأحجار المنحوتة الضخمة وسقط جانب من ذلك على ما يليه من سترة المسجد ونفذ بعضها من أحد المحاريب الذي عن يمين موقف الزائر تجاه الوجه الشريف وشوهد ضوء نارها بذلك المحل المنيف مع الأحجار الساقطة وقد ذكرت طرفا من سر تكرّر سقوطها بهذه المنارة في المجموع الحاوي لما وقع لنا من الفتاوى ثم أعاد المقرّ الشجاعي ما انثلم من المنارة والسترة في عامه بأمر السلطان الأشرف جزاه الله خير الجزاء وجعل ثوابه على ذلك من أوفر الأجزاء ومن تأمّل ما سبق من العمل عقب الحريق الأوّل وطول مدّته وأحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا الأشرف في عمارته حكم بقينا بعلوّ همته وفخار منقبته ومرتبته وقد ذكرنا ماله بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة وبعض مناقبه الجليلة في الأصل فراجعه ومن أعظمها أجراء عين عرفة وعمل السماط المتقدّم شكر الله صنيعه وحصنه من أعدائه بحصونه المنبعة