الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم الإقراض المصرفي في الفقه الإسلامي:
إذا ثبت أنه بيع فهو من البيوع المحرمة مادام في معاوضات ربوية؛ وذلك لتضمنه ربا الفضل وربا النسيئة.
أما ربا الفضل: فالزيادة التي يدفعها المقترض بالإضافة إلى ما اقترضه بناء على الشرط المتفق عليه مع المصرف.
وأما النساء: فلتأجيل ما يدفعه المقترض للمصرف وفاء للدين، وقد يعجز المقترض عن الوفاء في الميعاد فيمتد الأجل ويلزمه دفع فائدة عن الدين الأصلي وما أضيف إليه من الفوائد قبل امتداد الأجل - فيكون ربا مركبا.
ومن الأدلة الدالة على تحريم ذلك ما رواه مسلم في [صحيحه] والإمام أحمد في [المسند] والنسائي في [السنن] عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:«الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل، والفضة بالفضة، وزنا بوزن، مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا (1) » ، وما رواه مسلم وأحمد والنسائي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي سواء (2) » ، وما رواه مسلم والإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا
(1) صحيح مسلم المساقاة (1588) ، سنن النسائي البيوع (4559) ، سنن ابن ماجه التجارات (2255) .
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1587) ، سنن الترمذي البيوع (1240) ، سنن النسائي كتاب البيوع (4563) ، سنن أبو داود البيوع (3349) ، سنن ابن ماجه التجارات (2254) ، مسند أحمد بن حنبل (5/320) ، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579) .
بيد، فإذا اختلفت، هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد (1) » .
فقد نهى صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلا حالا أو مؤجلا، ونهى عن بيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب مؤجلا والنهي يقتضي التحريم.
والقرض المصرفي قد يكون مبادلة ذهب بذهب أو فضة بفضة مع التأجيل والزيادة، فيحقق فيه ربا الفضل والنساء، وقد يكون مبادلة ذهب بفضة أو فضة بذهب مع التأجيل فيتحقق فيه ربا النساء، وعلى هذا فيكون داخلا في عموم ما دلت عليه الأدلة السابقة من النهي.
وعلى تقدير أنه قرض فهو محرم أيضا؛ لأنه جر نفعا مشروطا، وقد ذكر الفقهاء أن كل قرض جر نفعا مشروطا فهو ربا.
وفيما يلي ذكر طائفة من أقوالهم وما استندوا إليه من أدلة الكتاب والسنة والأثر والمعنى:
(1) صحيح مسلم المساقاة (1587) ، سنن الترمذي البيوع (1240) ، سنن النسائي البيوع (4561) .
أولا: ذكر طائفة من أقوال الفقهاء في حكم القرض الذي جر نفعا:
قال الكاساني: وأما الذي يرجع إلى نفس القرض فهو ألا يكون فيه جر منفعة فإن كان لم يجر، نحو ما إذا أقرض غلة على أن يرد عليه صحاحا أو أقرضه وشرط شرطا له فيه منفعة (1)
وقال الدردير: أو جر منفعة. . كشرط قضاء عفن بسالم أو شرط دفع دقيق أو كعكعة ببلد غير بلد القرض، ولو لحاج؛ لما فيه من تخفيف مئونة حمله ومفهومه الجواز مع عدم الشرط وهو كذلك، ثم شبه في المنع قوله:
(1)[بدائع الصنائع](7 \ 395، 396) ، ويرجع أيضا إلى [الفتاوى الهندية](3 \ 202، 203 - 1) .
كسفتجة - الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله ببلد ليدفع للمقترض نظير ما أخذه منه ببلده - ويحتمل أنه مثال لما جر منفعة، إلا أن يعم الخوف، أي: يغلب سائر الطرق فلا حرمة، بل يندب للأمن على النفس أو المال، بل قد يجب (1)
وقال الشيرازي: ولا يجوز قرض جر منفعة، مثل: أن يقرضه على أن يبيعه داره وعلى أن يرد عليه أجود منه أو أكثر منه أو على أن يكتب له سفتجة يربح بها خطر الطريق (2) .
وقال ابن قدامة: كل قرض شرط فيه أن يزيد فهو حرام بلا خلاف (3) .
(1)[الشرح الكبير] ومعه [حاشية الدسوقي](3 \ 225) وما بعدها.
(2)
[المهذب](1 \ 304 - 1) .
(3)
[المغني](4 \ 360 - 1) .
ثانيا: الأدلة:
أما الأدلة من الكتاب والسنة:
فما جاء في القرآن والسنة من النصوص الدالة على النهي عن الربا وهي كثيرة معلومة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: نص النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهى عنه من ربا النساء والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك فالنص متناول له كله (1) .
ومن الأدلة الخاصة في ذلك: ما رواه ابن ماجه بسنده عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال
(1)[الفتاوى المصرية الكبرى](1 \ 412) .
فيهدى له؟ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على دابة فلا يركبها ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك (1) » ، حسنه السيوطي وأقره المناوي على ذلك.
وممن استدل بهذا الحديث من العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية في إقامة الدليل على بطلان التحليل وتلميذه ابن القيم في [إعلام الموقعين] و [تهذيب سنن أبي داود] و [إغاثة اللهفان] . . ومنها حديث «أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (نهى عن قرض جر منفعة) » وفي رواية: «كل قرض جر منفعة فهو ربا» .
قال ابن حجر في هذا الحديث: قال عمر بن بدر في [المغني] : لم يصح فيه شيء، وأما إمام الحرمين فقال: إنه صح، وتبعه الغزالي، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في [مسنده] من حديث علي باللفظ الأول وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك، ورواه البيهقي في [المعرفة] عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ:«كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» ، ورواه في [السنن الكبرى] عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم (2) .
وأما الأثر: فمنه ما رواه مالك في [الموطأ] أنه بلغه: أن رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أسلفت رجلا واشترطت عليه أفضل مما أسلفته؟ فقال عبد الله بن عمر: فذلك الربا. قال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد الله: السلف على ثلاثة وجوه: سلف تسلفه
(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2432) .
(2)
[تلخيص الحبير](3 \ 34) .