الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثانى
بداية النهاية
أبو عبد الله محمد يرقى العرش للمرة الثانية. تمزق المملكة الإسلامية. خطط ملك قشتالة للقضاء عليها. زحف النصارى على مالقة وحصارها. سعى الزغل إلى إنقاذها. استغاثته بملوك الإسلام. بسالة المسلمين فى الدفاع عنها. شدة الحصار وأهواله. تسليمها للنصارى. نكث فرناندو بوعوده. استغاثة الأندلس بمصر. تتبع مصر لحوادث الأندلس. صدى محنة الأندلس فى الشرق. رواية عن خطة مصر وتركيا لإنقاذ الأندلس. سفارة الأندلس إلى مصر. رواية ابن إياس عنها. مصر تلجأ إلى الوسائل الدبلوماسية. سفارة مصر إلى البابا وملك نابل وملكى اسبانيا. رد فرناندو وسفارته إلى ملك مصر. أثر سقوط مالقة. استيلاء النصارى على الأنحاء الشرقية. عهد فرناندو لأهل أشكر. حصار المنكب. تسليمها وعهد النصارى لأهلها. زحف فرناندو على مدينة بسطة. بسالة المسلمين فى الدفاع عنها. حصارها وتسليمها. عهد النصارى ليحيى النيار زعيم بسطة وألمرية. الشروط التى منحت له. تسليم ألمرية وشروط التسليم. يأس مولاى الزغل وخضوعه لفرناندو. دخول النصارى وادى آش. نزول الزغل عن حقوقه. الشروط التى منحت له. جوازه إلى المغرب. رواية عن سلوك الزغل.
تبوأ أبو عبد الله محمد بن السلطان علىّ أبى الحسن عرش غرناطة للمرة الثانية، عقب عوده من الأسر بنحو عام، ولكنه لم يكن يحكم تلك المرة سوى مملكة صغيرة، وكان المفروض فوق ذلك أنه يحكمها باسم ملك قشتالة وتحت وحمايته، وكانت الخطوب والفتن التى توالت على مملكة غرناطة قد مزقتها، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى بضع مدن وقواعد متناثرة، مختلفة الرأى والكلمة، ينضوى بعضها تحت لوائه وتشمل الأنحاء الشمالية الغربية، وينضوى البعض الآخر تحت لواء عمه محمد ابن سعد (الزغل)، وتشمل الأنحاء الشرقية والجنوبية. وكان واضحاً أن مصير المملكة الإسلامية أصبح يهتز فى يد القدر، بعد أن نفذت جيوش النصرانية إلى قلبها، واستولت على كثير من قواعدها وحصونها الداخلية، مثل الحامة ورندة ولوشة وبلش مالقة وغيرها. وكان ملك قشتالة يحرص على المضى فى تحقيق خططه لسحق البقية الباقية من دولة الإسلام فى الأندلس قبل أن يعود إليها اتحاد الكلمة، فيبعث إليها روحاً جديدة من العزم والمقاومة. وكان من الطبيعى أن يؤثر البدء بغزو القواعد الشرقية والجنوبية التى يسيطر عليها مولاى الزغل، لأن الزغل
لم يكن يدين بطاعته، وكان يبدى فى مقاومته عزماً لا يلين ولا يخبو، ولأنه من جهة أخرى كان يرتبط بأمير غرناطة بصلح يمتد إلى عامين، وقد أراد أن يسبغ على عهوده مسحة غادرة من الوفاء، وأخيراً لأنه كان يريد أن يعزل غرناطة وأن يطوّقها من كل صوب، قبل أن يسدد إليها الضربة الأخيرة.
وقد رأينا كيف سقطت قاعدة بَلِّش حصن مالقة من الشرق فى يد النصارى، بعد دفاع عنيف، فى جمادى الأولى سنة 892 هـ (مايو 1487 م). وعلى أثر سقوطها غادرها معظم أهلها، وتفرقوا فى أنحاء الأندلس الأخرى الباقية بيد المسلمين، وجاز كثير منهم إلى عدوة المغرب، واستولى النصارى على جميع الحصون والقرى المجاورة ومنها حصن قمارش وحصن مونتميور، واستطاعوا بذلك أن يشرفوا على مالقة من كل صوب. وكانت مالقة ما تزال أمنع ثغور الأندلس، وقد أضحت بعد سقوط جبل طارق عقد صلتها الأخيرة بعدوة المغرب، وكان فرناندو يحرص على أن يقطع كل وسيلة ناجعة لقدوم الأمداد من إفريقية وقت الصراع الأخير. وكان الاستيلاء على مالقة يحقق هذه الغاية. ومن ثم فإنه ما كاد النصارى يظفرون بالاستيلاء على بلش والحصون المجاورة، حتى زحفوا على مالقة وطوقوها من البر والبحر بقوات كثيفة، وذلك فى جمادى الثانية سنة 892 هـ (يونيه 1487 م) وامتنع المسلمون داخل مدينتهم، وكانت تموج بالمدافعين وعلى رأسهم نخبة مختارة من أكابر الفرسان، ومعهم بعض الأنفاط والعدد الثقيلة. وكانت مالقة تدين بالطاعة للأمير محمد بن سعد (الزغل) صاحب وادى آش، ولكنه لم يستطع أن يسير إلى إنجادها بقواته خوفاً من غدر ابن أخيه أمير غرناطة، فترك مالقة إلى مصيرها وهو يذوب تحسراً وأسى. ولكنه فكّر فى وسيلة أخيرة لعلها تجدى فى إنقاذ الأندلس من خطر الفناء الداهم، هى أن تستغيث بملوك الإسلام لآخر مرة، فأرسل رسلا إلى أمراء إفريقية وإلى سلطان مصر الأشرف قايتباى. ولم يكن من المنتظر إزاء بعد المسافة أن تصبر مالقة على ضغط النصارى حتى يأتيها المدد المنشود، وكان يتولى الدفاع عن الثغر المحصور جند غمارة وزعيمهم حامد الثغرى. وأبدى المسلمون فى الدفاع عن ثغرهم أروع ضروب البسالة والجلد، وحاولوا غير مرة تحطيم الحصار المضروب عليهم، وفتكوا بالنصارى فى بضع مواقع محلية، ومع ذلك فقد ثابر النصارى على ضغطهم وتشديد نطاقهم، حتى قطعت كل علاقة للمدينة المحصورة مع الخارج، ومنعت عنها سائر الأمداد والأقوات، وعانى المسلمون
داخل مدينتهم أهوال الحصار المروع، واستنفدوا كل ما وصلت إليه أيديهم من الأقوات، وأكلوا الجلود وأوراق الشجر، وفتك بهم الجوع والإعياء والمرض، ومات كثيرون من أنجاد فرسانهم، ولم يجدوا فى النهاية لهم ملاذاً سوى التسليم على أن يُؤمَّنُوا فى أنفسهم وأموالهم. وهكذا سقطت مالقة بعد دفاع مجيد استطال ثلاثة أشهر فى أيدى النصارى، وذلك فى أواخر شعبان سنة 892 هـ (أغسطس 1487 م). ولم يحافظ فرناندو على ما بذله لأهلها من عهود لتأمين النفس والمال، وأصدر قراراً ملكياً باعتبار أهلها المسلمين رقيقاً يجب عليهم افتداء أنفسهم ومتاعهم، ويفرض على كل مسلم أو مسلمة مهما كان السن والظروف، الأحرار منهم والعبيد الذين فى خدمتهم، فدية للنفس والمتاع، قدرها ثلاثون دوبلا من الذهب الوازن اثنين وعشرين قيراطاً، أو ما يوازى هذا القدر من الذهب والفضة واللآلى والحلى والحرير، وأنه يسمح لمن أدوا هذه الفدية، إذا شاءوا، بالعبور إلى المغرب وتقدم السفن لنقلهم، وأنه لا يسمح للمسلمين ذكوراً أو إناثاً بالعيش أو الإقامة فى مملكة غرناطة، ولكن يسمح لهم أن يعيشوا أحراراً آمنين فى أية ناحية من نواحى قشتالة، وأنه لا يتمتع بهذه المنح بنو الثغرى وزوجاتهم وأولادهم، وبعض أفراد أشار إليهم القرار (1). ودخل النصارى المدينة دخول الفاتحين، وعاثوا فيها وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال والمتاع، وفر من استطاع من المسلمين إلى غرناطة أو وادى آش أو جاز إلى العدوة. وكان هذا التصرف نموذجاً لما يضمره ملك النصارى نحو معاملة المسلمين المغلوبين، ولما تنطوى عليه سياسته من نكث للوعود والعهود. وتقول الرواية الإسلامية المعاصرة فى وصف محنة أهل مالقة "وكان مصابهم مصاباً عظيماً تحزن له القلوب وتذهل له النفوس، وتبكى لمصابهم العيون"(2).
- 2 -
ولنعد الآن إلى قصة السفارات التى أوفدها أبو عبد الله الزغل إلى ملوك إفريقيه ومصر وقسطنطينية يستغيث بهم، ويلتمس نصرتهم. والتجاء الأندلس إلى ملوك العدوة فى طلب الغوث والنجدة أمر طبيعى وتقليد أندلسى قديم، أشرنا إليه مراراً فيما تقدم. ولكن دول المغرب كانت يومئذ يسودها الضعف والتفرق، ولم يكن
(1) هذا ما ورد ضمن وثيقة محفوظة بدار المحفوظات الإسبانية العامة Archivo General de Simancas; P. R. 11-5
(2)
أخبار العصر ص 27 و 28
فى استطاعتها أن تهرع إلى إنجاد الأندلس، كما فعلت فى الماضى غير مرة. ولم يلب نداء مولاى الزغل سوى شراذم ضئيلة من المجاهدين المتطوعين، جازت البحر إلى الأندلس، واشتركت فى نضالها الأخير.
وأما استغاثة الأندلس بمصر فلم تقع إلا فى عهد متأخر، وذلك حينما ضعف أمر بنى مرين ملوك العدوة الأقوياء، وانقطعوا عن العبور إلى الأندلس، وشغلوا بأمر الدفاع عن أنفسهم. وقد ذكرنا فيما تقدم قصة السفارة الأندلسية التى بعث بها السلطان أبو عبد الله الأيسر إلى سلطان مصر الظاهر جقمق فى سنة 844 هـ (1440 م)، وكيف أنها لم تسفر عن أية نتائج عملية. على أنه لم يكن ثمة ريب فى أن الحوادث الأندلسية المفجعة، كانت قد ذاعت يومئذ فى أنحاء العالم الإسلامى، واهتز لمصابها أمراء الإسلام قاطبة. وكان صداها يتردد فى بلاط القاهرة وغيره من قصور المشرق، وكان أمراء الأندلس وزعماؤها مذ لاح لهم شبح الخطر الداهم، يتجهون بأبصارهم إلى دول المغرب والمشرق معاً، وكانت كتبهم ونداءاتهم فى تلك الآونة العصيبة تترى على فاس والقاهرة وقسطنطينية. وفى صحف العصر ما يدل على أن مصر كانت بنوع خاص، تتبع حوادث الأندلس باهتمام وجزع، فإن ابن إياس مؤرخ مصر فى ذلك العصر لم يفته أن يدون فى حولياته هذه الحوادث تباعاً، فنراه يقول فى حوادث ذى الحجة سنة 886 هـ (1481 م)، ما يأتى:"وفيه جاءت الأخبار من بلاد الغرب أن أبا عبد الله محمد بن أبى الحسن علىّ بن سعد ابن الأحمر قد ثار على أبيه الغالب بالله صاحب غرناطة وملكها من أبيه، وجرت بينهما أمور يطول شرحها، وآل الأمر بعد ذلك إلى خروج الأندلس عن المسلمين، وملكها الفرنج والأمر لله فى ذلك". وفى حوادث رجب سنة 890 هـ (1485 م).
"وفى رجب جاءت الأخبار بوفاة ملك الأندلس صاحب غرناطة، وهو الغالب بالله أبو الحسن". وفى حوادث جمادى الآخرة سنة 891 هـ (1486 م)"إن صاحب غرناطة (أبا عبد الله) توجه إلى عمه يسأله أن يرسل له نجدة تعينه على قتال صاحب قشتالة، وان الفتن هناك قائمة والأمر لله"(1). وهكذا كانت حوادث الأندلس تتردد رغم بعد المسافة وصعوبة المواصلة فى مصر، ويدونها مؤرخ مصر المعاصر، وإن كان فى إيرادها تنقصه الدقة والوضوح.
وكانت مصر ترتبط يومئذ مع ثغور الأندلس ولاسيما مالقة وألمرية بعلائق
(1) راجع ابن إياس: تاريخ مصر (بولاق) ج 2 ص 216 و 230 و 237
تجارية وثيقة. وكان لمصر هبتها المتالدة بين الدول النصرانية منذ الحروب الصليبية وبالأخص لأنها تحكم البقاع النصرانية المقدسة، وبين رعاياها ملايين من النصارى.
ولم يكن غريباً فى تلك الآونة أن تفكر الأندلس إبان محنتها القاسية مرة أخرى، فى الإستغاثة بمصر بعد أن رأت قصور الدول المغربية عن إنجادها. وكان من الطبيعى أن تهتم دول الإسلام من أقصاها إلى أقصاها بمصير الأمة الأندلسية، وأن تفكر فى التماس السبيل إلى غوثها إن استطاعت إلى ذلك سبيلا. ولا تشير المصادر الإسلامية إلى فكرة أو سياسة معينة، وضعتها أو اعتزمتها الدول الإسلامية لتحقيق هذه الغاية، ولكنها تشير فقط إلى سفارة أندلسية وفدت على بلاط مصر.
على أن المصادر الغربية تشير بالعكس إلى أن خطة كهذه قد وضعت ونظمت. وخلاصة ما تقوله فى ذلك هو أن المشرق كله اهتز لحوادث الأندلس، وسقوط قواعدها السريع فى يد النصارى، وأن بايزيد الثانى سلطان الترك والأشرف قايتباى سلطان مصر، تهادنا مؤقتاً بالرغم مما كان بينهما من خصومات مضطرمة وحروب دموية، وعقدا محالفة لإنجاد الأندلس وإنقاذ دولة الإسلام فيها، ووضعا لذلك خطة مشتركة خلاصتها أن يرسل بايزيد الثانى أسطولا قوياً لغزو جزيرة صقلية التى كانت يومئذ من أملاك اسبانيا، ليشغل بذلك اهتمام فرناندو وإيسابيلا، وأن تبعث سريات كبيرة من الجند من مصر وإفريقية، تجوز البحر إلى الأندلس، لتنجد جيوشها وقواعدها (1). ومن الصعب أن نعتقد بأن مثل هذه الخطة الموحدة، يمكن أن يتفق عليها بين مصر وقسطنطينية فى مثل الظروف التى كانت تجوزها علائق البلدين يومئذ؛ فقد كانت علائق جفاء وقطيعة، وكان الترك يتربصون بمصر ويطمحون إلى غزوها، وكانت مصر تخشى العدوان ويسودها التوجس والحذر، وكان انفصام العلائق بين تركيا ومصر على هذا النحو أبعد من أن يسمح بعقد مثل هذا التحالف بينهما. وكل ما يمكن قوله فى هذا الشأن هو أن فكرة إنجاد الأندلس كانت تلقى فى بلاط القاهرة وقسطنطينية نفس العطف، وإن لم يتفاهما فى ذلك على خطة موحدة.
وعلى أى حال فمن المحقق الذى لا ريب فيه أن مصر قد تلقت استغاثة الأندلس، ووضعت خطة دبلوماسية خاصة لإسعافها وإنجادها. وقد وصلت سفارة الأندلس إلى مصر فى أواخر سنة 892 هـ (نوفمبر سنة 1487 م). ويصف ابن إياس هذه
(1) راجع: Irving: Conquest of Granada p. 172
السفارة فيما يأتى: "وفى ذى القعدة (سنة 892 هـ) جاء قاصد من عند ملك الغرب صاحب الأندلس، وعلى يده مكاتبة من مرسله تتضمن أن السلطان يرسل له تجريدة تعينه على قتال الفرنج، فإنهم أشرفوا على أخذ غرناطة وهو فى المحاصرة معهم. فلما سمع السلطان ذلك، اقتضى رأيه أن يبعث إلى القسوس الدين بالقمامة التى بالقدس بأن يرسلوا كتاباً على يد قسيس من أعيانهم، إلى ملك الفرنج صاحب نابل، بأن يكاتب صاحب إشبيلية بأن يحل عن أهل مدينة غرناطة ويرحل عنهم، وإلا يشوش السلطان على أهل القمامة، ويقبض على أعيانهم، ويمنع جميع طوائف الفرنج من الدخول إلى القمامه ويهدمها، فأرسلوا قاصدهم وعلى يده كتاب إلى صاحب نابل، كما أشار السلطان، فلم يفد ذلك شيئاً ومَلَكَ الفرنج مدينة غرناطة فيما بعد"(1). وفى رواية ابن إياس شيىء من اللبس. ذلك أن حصار النصارى الأخير لغرناطة، لم يبدأ إلا فى مارس سنة 1491 الموافق جمادى الثانية سنة 896 هـ، فالأمر لم يكن متعلقاً إذاً بإنقاذ غرناطة. وكانت جيوش فرناندو وإيسابيلا منذ بداية سنة 892 هـ تتدفق حسبما رأينا على أراضى مولاى الزغل لكى تنتزع منه الثغور الجنوبية. وقد استولت على بَلِّش مالقة فى جمادى الأولى من هذا العام (مايو 1487)، ثم زحفت توا على مالقة، وضربت حولها الحصار فى جمادى الثانية (يونيه سنة 1487 م). وقد وصل صريخ الأندلس إلى مصر فى أواخر سنة 892 هـ، وذلك بعد أن سقطت مالقة فى يد النصارى بنحو ثلاثة أشهر. وإذاً فمن الواضح أن هذا الصريخ كان متعلقاً بإنقاذ مالقة، وأنه كان صادراً من مولاى الزغل بطل الأندلس والمدافع عنها يومئذ، والمشفق عليها من السقوط، ولم يصدر من صاحب غرناطة وهو ابن أخيه أبو عبد الله محمد، وقد كان يومئذ يعيش آمناً فى ظل الهدنة الغادرة التى عقدها مع النصارى.
ولم يكن من الميسور على مصر أن تلبى نداء الأندلس بطريقة فعالة، فترسل إليها الأمداد أو المساعدات المادية على ما بينهما من بُعد الشقة، وعلى ما كان يشغل مصر يومئذ من الحوادث الداخلية، وتوجسها من عدوان الترك على حدودها الشمالية. ولكن مصر حاولت مع ذلك أن تعاون الأندلس بطريق الدبلوماسية، والضغط السياسى. وسلك بلاط القاهرة فى ذلك خطة تدلى بذكائه وحزمه، وتدلى بالأخص بوقوفه على مجرى الشئون الخارجية، وتطور العلائق الدبلوماسية فى هذا العصر.
(1) تاريخ مصر ج 2 ص 246
ذلك أن سلطان مصر الملك الأشرف، أجاب عن سفارة الأندلس بتوجيه سفارة مصرية إلى البابا وملوك النصرانية. واختار لأدائها راهبين من رعاياه النصارى، أحدهما القس أنطونيو ميلان رئيس دير القديس فرنسيس فى بيت المقدس، وعهد إليهما بكتب إلى البابا وهو يومئذ إنوصان الثامن، وإلى ملك نابل (نابولى) فرناندو الأول، وإلى فرناندو وإيسابيلا ملكى قشتالة وأراجون. وفى هذه الكتب يعاتب سلطان مصر ملوك النصارى على ما ينزل بأبناء دينه المسلمين فى مملكة غرناطة، وعلى توالى الإعتداء عليهم، وغزو أراضيهم، وسفك دمائهم، فى حين أن رعاياه النصارى فى مصر وبيت المقدس، وهم ملايين، يتمتعون بجميع الحريات، والحمايات، آمنين على أنفسهم وعقائدهم وأملاكهم. ولهذا فهو يطلب إلى ملكى قشتالة وأراجون الكف عن هذا الاعتداء، والرحيل عن أراضى المسلمين، وعدم التعرض لهم، ورد ما أخذ من أراضيهم، ويطلب إلى البابا وملك نابل أن يتدخلا لدى ملكى قشتالة وأراجون، لردهما عن إيذاء المسلمين والبطش بهم، هذا وإلا فإن ملك مصر سوف يضطر إزاء هذا العدوان، أن يتبع نحو رعاياه النصارى سياسة التنكيل والقصاص، ويبطش بكبار الأحبار فى بيت المقدس، ويمنع دخول النصارى كافة إلى الأراضى المقدسة، بل ويهدم قبر المسيح ذاته وكل الأديار والمعابد والآثار النصرانية المقدسة (1).
وغادر القس أنطونيو ميلان وزميله الديار المصرية، لتأدية سفارة مصر إلى ملوك النصرانية. ولسنا نعرف موعد هذا الرحيل بالضبط، ولكن السفيرين وصلا إلى اسبانيا فى خريف سنة 1489 م، أعنى لنحو عام ونصف من وصول صريخ الأندلس إلى القاهرة. وكانت مالقة قد سقطت فى يد النصارى منذ عامين واستولوا على طائفة أخرى من الحصون والقواعد، ثم تحولوا بعد ذلك إلى بسطة حسبما يجىء، وضرب فرناندو حولها الحصار. وهنالك أمام أسوار بسطة وفد القس أنطونيو ميلان وزميله إلى معسكر النصارى فى أواخر سنة 1489 م، فاستقبلهما فرناندو بحفاوة وترحاب، واستلم كتاب السلطان، واستمع إلى رسالتهما بعناية. وكان السفيران قد عرجا فى طريقهما على رومة ونابل أولا، وقدّما كتب السلطان إلى البابا
(1) ابن إياس فى تاريخ مصر ج 3 ص 246 و Prescott: Ferdinand and Isabella p. 272 و Irving: ibid. p. 227. وظاهر أن فى رواية ابن إياس عن تأليف سفارة مصر بعض النقص، ولكن ملخصه لمحتويات الكتب السلطانية فى منتهى الدقة
إنوصان الثامن وإلى ملك نابل، فكتب البابا إلى فرناندو وإيسابيلا يسألهما عما يجيب به على مطالب السلطان ووعيده، وكتب ملك نابل (فرناندو الأول) إليهما يستفهم عن سير الحرب الأندلسية، ويلومهما على اضطهاد المسلمين، وينصح بالكف عنه حتى لا يتعرض نصارى المشرق إلى قصاص السلطان. ويرجع تدخل ملك نابل على هذا النحو، إلى خلاف بينه وبين ملك أراجون على حقوق عرش نابل، وإلى تخوفه من أن يرتد فرناندو إلى محاربته متى تم ظفره بفتح الأندلس. ثم زار القسان أيضاً مدينة جيان حيث كانت الملكة إيسابيلا، وأبلغاها موضوع سفارتهما ولقيا منها نفس الحفاوة والترحاب (1).
ولم ير فرناندو وإيسابيلا فى مطالب السلطان ووعيده ما يحملهما على تغيير خطتهما، فى الوقت الذى أخذت فيه قواعد الأندلس الباقية تسقط تباعاً فى أيديهما واقترب فيه أجل الظفر النهائى؛ ولكنهما رأيا مع ذلك إجابة السلطان، فكتبا إليه فى أدب ومجاملة، "أنهما لا يفرقان فى المعاملة بين رعاياهما المسلمين والنصارى، ولكنهما لا يستطيعان صبراً على ترك أرض الآباء والأجداد فى يد الأجانب، وأن المسلمين إذا شاءوا حياة فى ظل حكمهما راضين مخلصين، فإنهم سوف يلقون منهما نفس ما يلقاه الرعايا الآخرون من الرعاية"، وبذا ارتد القسان إلى المشرق يحملان جواب الملكين إلى السلطان، ومعهما طائفة من التحف والهدايا.
ولسنا نعرف ماذا كان مصير هذه الرسالة، ولكنا نرجع أنها وصلت إلى بلاط القاهرة، وإن كنا لا نلمس لها أثراً فى حوادث هذا العصر. وليس فى تصرفات حكومة مصر يومئذ ما يدل على أن السلطان نفّذ وعيده، باتخاذ إجراءات معينة ضد النصارى أو ضد الآثار النصرانية المقدسة. والواقع أن بلاط القاهرة كان يشغل عندئذ بحركات بايزيد الثانى، وصد غاراته المتكررة على الحدود الشمالية. وكان الاضطراب من جهة أخرى يسود شئون مصر الداخلية، ومن ثم فإنه يبدو أن محاولة مصر إنقاذ الأندلس قد وقفت عند هذا الحد. ولم تتعد قيام مصر بمظاهرة دولية تقوم على استغلال الظروف والمؤثرات الدينية. وهكذا فشلت هذه المحاولة الدبلوماسية الفطنة التى بذلتها مصر، وتركت الأندلس إلى قضائها المحتوم.
- 3 -
وكان سقوط مالقة أمنع الثغور الأندلسية فى يد النصارى ضربة أليمة للمملكة
(1) Irving: ibid ; p. 258 ; Prescott: ibid ; p. 278
الإسلامية الممزقة، يحرمها من كثير من ضروب الإمداد والغوث التى كانت تأتيها من وراء البحر، وكان واضحاً أن ملك قشتالة يرمى إلى قطع هذه الأمداد بكل الوسائل. ولم يكن باقياً بعد ضياع جبل طارق ومالقة، بيد المسلمين من الثغور سوى ألمرية والمنكب، وإليهما كانت تفد جموع المتطوعة والمجاهدين، بالرغم من بعدهما عن شواطىء العدوة، وكان لابد من الاستيلاء عليهما، قبل أن تقطع كل صلة للأندلس نهائياً بعدوة المغرب وشمال إفريقية. وقضى فرناندو قبل تنفيذ هذه الخطة زهاء عام، يعمل على تطهير منطقة مالقة، والاستيلاء على ما بقى من الحصون الشرقية والغربية، حتى استولى عليها جميعاً ولم يبق منها بيد المسلمين شىء. وفى ربيع سنة 1488 م (893 هـ) زحف فرناندو على أطراف مملكة غرناطة الشرقية، وكانت لبعدها عن العاصمة، أقل استعداداً للدفاع، وانتهت هذه الحملة باستيلاء النصارى على بيرة، والبلشين وأشكر (1) وغيرها من القواعد الشمالية الشرقية، وذلك بالرغم من كون أهلها كانوا داخلين فى الصلح المعقود مع أبى عبد الله، وكان على ملك قشتالة لو أنه أوفى بعهوده، أن يتركهم حتى ينتهى أمد الصلح المذكور (2). وقد عثرنا على نص العهد الذى أصدره الملكان الكاثوليكيان لأهل أشكر، وهو نموذج للعهود التى صدرت لباقى البلاد المفتوحة فى هذه المنطقة، وفيه يتعهد الملكان، بقبول أهل أشكر بين رعاياهما وتحت حمايتهما، وأن لا يؤخذ شىء من أمتعتهم أو يصيبهم أى مكروه، وألا يدفعوا من الضرائب إلا ما كانوا يؤدونه لملوكهم المسلمين، وألا يرغموا على محاربة إخوانهم مسلمى غرناطة، وأن يسمح لهم باستبقاء زعمائهم وفقهائهم، وعوائدهم وشريعتهم، وأنه يحق لهم الإقامة فى أى جزء من أراضى مملكة قشتالة، كما يحق لهم العبور إلى المغرب أحراراً ودون أى قيد، وأن يعامل السكان جميعاً ذكوراً أو إناثاً، بالرفق والكرامة وألا يغصبهم أحد فى دورهم، أو يسىء إليهم أو يتلف شيئاً من أمتعتهم أو محاصيلهم، وألا يعاشر نصرانى مسلمة، أو مسلم نصرانية، ومن فعل ذلك يعاقب بالموت وتصادر أملاكه، وأن يدفع الكراء العادل لمن يطلب منهم للعمل فى بناء حصن
(1) بيرة وبالإسبانية Vera تقع شمال شرقى ألمرية على مقربة من البحر المتوسط، والبلشان هما بلج أو " بلش الحسناء " Velez Rubio، و " بلش البيضاء " Velez Blanco، وهما تقعان شمالى شرقى مدينة بسطة Baza، وأشكر هى بالإسبانية Huescar تقع شمال غربى البلشين.
(2)
Gaspar y Remiro: ibid ; p. 43
المدينة (1). وسنرى فيما يلى من الحوادث أن الملكين الكاثوليكيين، يغدقان أمثال هذه العهود لسائر البلاد المفتوحة، ولكن دون أية نية صادقة فى الوفاء بها.
وفى الوقت الذى اقتربت فيه القوات القشتالية، من مدينة بسطة، أمنع قاعدة فى ولايات غرناطة الشرقية، لتضرب حولها الحصار، سار فرناندو فى بعض قواته إلى ثغر المنكب (2)، الواقع فى منتصف المسافة بين مالقة وألمرية، وحاصره، وكان يدافع عنه القائد محمد بن الحاج. ومع أنه لم يك ثمة شك فى النتيجة المحتومة، فقد دافع المسلمون عن ثغرهم، واعتصموا به نحو ثلاثة أشهر، وكبدوا القشتاليين بعض الخسائر. ثم وقعت المفاوضة فى التسليم، وأصدر الملكان الكاثوليكيان للقائد ابن الحاج ومعاونه الفقيه أبى عبد الله الزليخى، عهداً خلاصته، أنه إذا سلم القصبة وكل حصونها فى ظرف تسعة أيام، فإنه يقبل هو وولده وصحبه وقرباه، كما يقبل الوزراء والقواد والفقهاء وسائر أهل المنكب بين رعايا قشتالة، وأنهم يتركون آمنين فى ديارهم وأنفسهم وأموالهم، ويحتكمون إلى شريعتهم، وتترك لهم مساجدهم وصوامعهم، ولا يؤخذ منهم خيلهم أو سلاحهم إلا طلقات البارود، وأنه إذا تم التسليم فى الموعد المذكور، فإنه تقدم إلى القائد المذكور هبة قدرها ثلاثة آلاف دوبلا قشتاليا، وأنه إذا شاء العبور إلى المغرب مع ولده وأسرته، فإنه تقدم إليه سفينة حسنة للجواز فيها مع سائر متاعه دون كراء أو مغرم، وأنه لا تمس أملاك الأهالى، ولهم بيعها أو قبض ريعها إذا عبروا إلى المغرب، وهكذا سلم ثغر المنكب إلى القشتاليين، فى شهر ديسمبر سنة 1489 (المحرم سنة 895 هـ). ولم يبق للمسلمين من الثغور سوى ألمرية، التى طوقها العدو فى نفس الوقت بقواته، وأصبحت تحت رحمته وشيكة التسليم.
ولما تم قطع علائق الأندلس على هذا النحو مع عدوة المغرب وشمال إفريقية، بدأ فرناندو فى تنفيذ خطته النهائية للقضاء على ما بقى فى الداخل من المملكة الإسلامية وكانت مملكة غرناطة قد انقسمت كما رأينا إلى شطرين، الأنحاء الشرقية وتشمل وادى آش وأعمالها ويحكمها الأمير محمد بن سعد أبو عبد الله الزغل، والأنحاء الغربية
(1) تحفظ هذه الوثيقة ببلدية "أشكر" Archivo del Ayuntamiento de Huescar. وقد نقلناها عن مجموعة: Documentos Inéditos para la Historia de Espana Vol. III، p. 170-173
(2)
وهى بالإسبانية Almunecar
وتشمل مدينة غرناطة وأعمالها، ويحكمها الأمير أبو عبد الله محمد بن على. فقرر فرناندو أن يبدأ بإتمام الاستيلاء على الأنحاء الشرقية، وأن يقضى أولا على سلطان أبى عبد الله الزغل لما كان يخشاه من عزمه وشديد بأسه، فما كاد ينتهى من إخضاع ثغر المنكب وتطويق ثغر ألمرية حتى قرر تضييق الخناق على مدينة بسطة، وكانت قواته تطوقها حسبما تقدم، وكانت الملكة إيسابيلا مع حاشيتها فى جيان على مقربة من الجيش الفاتح، وكانت بسطة أهم القواعد الشرقية التى يسيطر عليها مولاى الزغل بعد وادى آش مقر حكمه، ولم يستطع الزغل أن يغادر معقله فى وادى آش للدفاع عن بسطة، خشية أن يهاجمه ابن أخيه أبو عبد الله فى غيبته، فأرسل إليها حامية مختارة من أنجاد الفرسان بقيادة صهره الأمير يحيى النيار الذى تعرفه التواريخ القشتالية "بسيدى يحيى". وحاول القشتاليون الإطباق على بسطة ومحاصرتها فردهم المسلمون عن أسوارها غير مرة، ونشبت بين الفريقين خارج الأسوار عدة معارك حامية منى فيها النصارى بخسائر فادحة؛ ومع أن النصارى بدأوا هجومهم على بسطة فى شهر رجب سنة 894 هـ (يونيه سنة 1489 م) فإنهم لم يستطيعوا تطويقها ومحاصرتها بصورة فعالة إلا بعد ذلك بثلاثة أشهر، وهنا امتنع المسلمون داخل المدينة بعد أن أثخنوا فى عدوهم غير مرة، واستنفدوا أقواتهم المدخرة.
وضيق النصارى الحصار على بسطة مدى ثلاثة أشهر أخرى، حتى ضاق أهلها بالحصار ذرعاً، وقلّت الأقوات واشتد الكرب، ولما رآى المسلمون أنه لم يبق فى الدفاع ثمة أمل، وقد نفدت المؤن، وفتك الجوع والمرض بالعامة، اعتزموا مفاوضة القشتاليين فى التسليم، الرغم مما أبداه زعيمهم يحيى النيار فى البداية من براعة فى تنظيم الدفاع عن بسطة وألمرية، وبالرغم مما أبداه من بسالة فى المعارك التى نشبت مع القشتاليين، فإنه رأى فى النهاية أن يترك هذا الصراع اليائس، وأن يفوز من المعركة بأحسن ما يستطاع لنفسه وذويه. وقد حصلنا على نص الوثيقة التى عقدها القائد يحيى مع مندوب الملك فرناندو، الدون جوتيرى دى كارديناس، وهى تعرض لنا بمحتوياتها المثيرة، صورة من ذلك الدرك المؤلم الذى يدفع اليأس إليه أولئك القادة الذين يغدون بعد حياة حافلة بالإخلاص والبسالة، تحت إغراء العدو وهباته، خونة مارقين مرتدين.
وقد حررت هذه الوثيقة فى المعسكر الملكى قرب مدينة ألمرية فى 25 ديسمبر سنة 1489، وفيها يؤكد فرناندو للقائد يحيى النيار زعيم بسطة وألمرية، بأنه
سوف يستقبله تحت حمايته هو وولده وأبناء عمه، وينزلهم فى داره، ويعاملهم بما يليق بهم معاملة أشراف مملكته، ويدافع عنهم وعن أملاكهم وأتباعهم، ثم يقول ملك قشتالة مخاطباً يحيى:
وأنه إذا صحت عزيمتكم حقاً على اعتناق النصرانية، وعلى أن تخدمنى وتعاوننى برجالك، فإنى سوف أكتم ذلك طول مدة الفتح، حتى لا يتقول عليك رجالك، ولهذا فإنك تستقبل التعميد المقدس سراً فى غرفتى، حتى لا يعرفه المسلمون إلا بعد تسليم وادى آش.
"وأن الكروم والقرى والحصون التى تؤول إليك بالميراث عن والدك أمير ألمرية، أهبها لك لتملكها وتتصرف فيها كما تشاء، وعهدى لك بذلك أنا والملكة زوجى.
"وأنه لن تدفع أنت وابنك وأبناء عمك وأعقابك وحشمك، أى مغرم أو جزية فى سائر مملكتى إلى الأبد.
"وأنه تشريفاً لشخصك يسمح لك بأن يصحبك عشرون فارساً مسلحون يكل ما يرغبون، وأن تتجول بهم حيث شئت فى أنحاء مملكتى، ويتمتع ولدك بمثل ذلك.
"وأنه إذا تنازل صهرك ملك وادى آش عن نصف الملاحات التى أهبها إليه، فإنى أهبك دخلا قدره خمسمائة وخمسون ألف مرافيدى فى ملاحات دلاية، وفضلا عن ذلك، فإنه إذا تم تسليم وادى آش فى الموعد المتفق عليه، فإنى مكافأة لك على جهودك فى خدمتى لدى ملك وادى آش وغيره من القادة، أهبك عشرة آلاف ريال، وأقدم لك سائر البراءات اللازمة بما تقدم"(1).
وتعهد الملكان الكاثوليكيان فى نفس الوقت لأهل بسطة، بإقرار ما طلبوا من الشروط، وفى مقدمتها أن يُؤَمَّنوا فى النفس والمال، وأن يحتفظوا بدينهم وشريعتهم وعوائدهم. وهكذا سلمت بسطة، ودخلها النصارى فى العاشر من محرم سنة 895 هـ (أوائل ديسمبر سنة 1489 م) وغادرها معظم أهلها إلى وادى آش، حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم وأموالهم، وهرعت جميع الحصون والمحلات القريبة إلى التسليم والدخول فى طاعة ملك النصارى، وسلمت ألمرية بعد ذلك بقليل فى فبراير سنة 1490 م (ربيع الأول سنة 895 هـ)، ومنحت للتسليم شروطاً خلاصتها
(1) Archivo General de Simancas ; P. R. 11-11
أن يحتفظ المسلمون بدينهم وشريعتهم وأموالهم، وأن تخفف عنهم أعباء الضرائب، وألا يولى عليهم يهودى، وألا يدخل نصرانى فى "الجماعة"، وأن يختار الأولاد الذين يولدون من أمهات من النصارى لأنفسهم، الدين الذى يريدون عند البلوغ، وغير ذلك من المنح المغرية الخادعة التى بذلت لسائر البلاد المفتوحة. وهكذا بسط فرناندو سلطانه على قواعد الأندلس الشرقية كلها من البحر إلى الشمال، ولم يبق خارجاً عن طاعته، سوى مدينة وادى آش مقر مولاى الزغل.
ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك، حتى أثمرت خيانة يحيى النيار ثمرتها، لدى صهره أبى عبد الله الزغل، فسارع بدوره إلى الانضواء تحت لواء ملك النصارى، وكان الزغل منذ التجأ إلى وادى آش، يرقب سير الحوادث بجزع، ويرى قواعد الأندلس تسقط بالتعاقب، ودون أن ينجدها منجد، ويرى أمل الإنقاذ يخبو تباعاً. فلما سقطت بسطة آخر القواعد التى يسيطر عليها، واتجه النصارى نحو وادى آش معقله الوحيد الباقى، ورأى بالرغم من شجاعته وبسالته أنه يغالب المستحيل، وأن جيوش النصرانية تحيط به من كل صوب، اعتزم أمره، وسار إلى معسكر ملك النصارى يعرض عليه طاعته، والانضواء تحت لوائه، فأجابه فرناندو إلى مطالبه، وبايعه الزغل وسائر قادته بالخضوع والطاعة؛ ودخل النصارى مدينة وادى آش فى أوائل صفر سنة 895 هـ (30 ديسمبر سنة 1489).
وعقد الزغل مع ملكى قشتالة معاهدة سرية على نمط المعاهدة التى عقدها صهره يحيى، ونص فيها على طائفة من المنح والإمتيازات، خلاصتها أن يستقر الزغل سيداً فى مدينة أنْدَرَش وما إليها، وأن يكون له ألفا تابع من بنى وطنه، وأن يمنح معاشا سنويا كبيراً، وأن يمنح دخل نصف ملاحات بلدة الملاحة، وأن يرسل فى استحضار أبنائه الأمراء من غرناطة نظراً لخصومته مع ملكها، وأن تكون جميع أملاكه وأملاك ذويه فى غرناطة حرة من كل حق ومغرم، وأن تكون هذه العهود ملزمة لملك قشتالة ولعقبهما من بعدهما، وأخيراً أن يوافق البابا على هذه العهود (1). بيد أنه لم يمض قليل على ذلك حتى شعر مولاى الزغل أنه يستحيل عليه الاستمرار فى ذلك الوضع المهين، فنزل لفرناندو عن حقوقه وامتيازاته لقاء مبلغ ضخم، وجاز البحر إلى المغرب، ونزل فى وهران أولا ثم انتقل إلى
(1) Archivo General de Simancas، P.R. 11-12. وراجع أيضاً: Gaspar y Remiro: ibid ; p. 48
تلمسان، واستقر يقضى بها بقية حياته فى غمر من الحسرات والندم، ولبث عقبه هنالك عصوراً يعرفون ببنى سلطان الأندلس، وجاز معه كثيرون من الكبراء الذين أيقنوا أن نهاية الإسلام بالأندلس قد غدت قضاء محتوماً (1).
وقد نقل إلينا صاحب أخبار العصر رواية مفادها أن تسليم مولاى الزغل لملك قشتالة كانت نوعاً من الخيانة المقصودة، وأنه تنازل هو وقواده عن البلاد التى كانت تحت أيديهم طوعاً مقابل قبض ثمنها، وذلك لكى ينتقم الزغل من ولد أخيه الأمير أبى عبد الله محمد بن على صاحب غرناطة، فتصبح بعد خضوع سائر أنحاء الأندلس وحيدة تحت رحمة النصارى، وترغم على التسليم إليهم، وينتهى بذلك إمارة أميرها وحكمه (2)، وهى رواية لا تتفق فى نظرنا مع ما أثر عن مولاى الزغل من ضروب العزم والبسالة والشهامة والغيرة الإسلامية، التى رأيناها ماثلة خلال هذه الحوادث المؤسية، وإنما استسلم الزغل وخضع، وحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، نزولا على حكم ظروف قاهرة لم ير إلى مغالبتها سبيلا.
(1) أخبار العصر ص 31؛ ونفح الطيب ج 2 ص 613 و 614. وراجع rescott:ibid; p.285
(2)
أخبار العصر ص 32