الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين
نظرة اسبانيا إلى الموريسكيين. وفاة فرناندو الكاثوليكى وخلاله. سياسة الرفق فى عهد شارل الخامس. عود الاضطهاد. قرار المحكمة الملكية فى ظلامة المسلمين. تعليق المؤرخ كوندى. ثورة المسلمين فى سرقسطة وبلنسية. تنصير المسلمين فى أراجون. القوانين والقرارات المرهقة. مساعى الموريسكيين فى بلنسية وغرناطة. مراسيم جديدة ضد الموريسكيين. تحريم الهجرة إلى الثغور. قرار بالعفو عن الموريسكيين فى مدينة دلكامبو. التردد بين الشدة والرفق فى عهد شارل الخامس. ولده فيليب الثانى. التنصير يعم الموريسكيين. تحريض الكنيسة لفيليب الثانى. تحريم السلاح على الموريسكيين. تحريم استعمال اللغة العربية والثياب والتقاليد العربية. إعلان القانون فى غرناطة. سخط الموريسكيين. فشل السعى إلى التخفيف. اضطراب الخواطر فى غرناطة. العزم على الثورة. خطة ابن فرج لإضرامها. قصيدة عربية فى وصف آلام الموريسكيين. استغاثتهم بأمراء المغرب. نذير الانفجار. محاولة ابن فرج لإثارة غرناطة. ارتداده إلى الهضاب الجنوبية. انتشار الثورة. فتك الموريسكيين بالنصارى. فرناندو دى فالور أو محمد بن أمية سلطان الموريسكيين. الفتك بالنصارى فى منطقة البشرات. أهبة الإسبان لقمع الثورة. مسير المركيز منديخار لمقاتلة الموريسكيين. اتساع نطاق الثورة. هزيمة الموريسكيين وفرار محمد بن أمية. معركة دامية أخرى. الفتك بالموريسكيين فى غرناطة. عود محمد بن أمية. استغاثته بأمراء المغرب وسلطان الترك. تشريد الموريسكيين فى البيازين. مصرع محمد بن أمية. ابن عبو أو مولا عبد الله يخلفه فى الرياسة. غارات الموريسكيين على أحواز غرناطة. تعيين دون خوان قائداً عاماً لغرناطة. مسيره إلى مقاتلة الثوار. المعارك الطاحنة بين الفريقين. الحكومة الإسبانية تجنح إلى اللين. محاولات الإسبان لعقد الصلح. المفاوضات بين الفريقين. خطاب لابن عبو. تصميم مولاى عبد الله على القتال. اجتياح الإسبان للمناطق الثائرة. مرسوم بنفى الموريسكيين إلى الداخل. الحوادث الدموية. قوانين جديدة مرهقة. مصرع مولاى عبد الله. انهيار الثورة الموريسكية.
لبث الموريسكيون فى عهد فرناندو الخامس (الكاثوليكى) زهاء عشرين عاماً، يتراوحون بين الرجاء واليأس، ويرزحون تحت غمر المطاردة المنظمة. وكان هذا الشعب المهيض الذى أدخل قسراً فى حظيرة النصرانية، والذى أنكرته مع ذلك اسبانيا سيدته الجديدة، وأنكرته الكنيسة التى عملت على تنصيره، يحاول أن يروض نفسه على حياته الجديدة، وأن يتقبل مصيره المنكود بإباء وجلد. ولكن اسبانيا النصرانية، لبثت ترى فى هذه البقية الباقية من الأمة الأندلسية، عدوها القديم الخالد، وتتصور أن هذا المجتمع المهيض الأعزل، الذى أحكمت أغلالها فى عنقه،
ما يزال مصدر خطر دائم على سلامتها وطمأنينتها، ومن ثم كان هذا الإمعان فى مطاردته وإرهاقه، بمختلف الفروض والقيود والمغارم، وفى انتهاك عواطفه وحرماته، وفى تعذيبه وتشريده، وكان يلوح أن ليس لهذا الإستشهاد الطويل المؤثر من آخر سوى الفناء ذاته.
توفى فرناندو الكاثوليكى فى 23 يناير سنة 1516، بعد أن عانت بقية الأمة الأندلسية من غدره وعسفه ما عانت؛ وكانت زوجه الملكة إيسابيلا قد سبقته إلى القبر، قبل ذلك بأحد عشر عاماً، فى 26 نوفمبر سنة 1504، ودفنت تحقيقاً لرغبتها فى غرناطة، فى دير سان فرنسيسكو القائم فوق هضبة الحمراء، ودفن فرناندو إلى جانب زوجه بالحمراء، تحقيقاً لوصيته، ثم نقل رفاتهما فيما بعد إلى كنيسة غرناطة العظمى، التى أقيمت فوق موقع مسجد غرناطة الجامع، فى عهد حفيدهما الإمبراطور شارلكان، وأقيم لهما فيها ضريح رخامى فخم، ما يزال حتى اليوم فى مقدمة مزارات غرناطة النصرانية. وفى دفن فاتحى غرناطة الإسلامية فى حرم جامع غرناطة القديم، مغزى خاص ينطوى على تنويه ظاهر بظفر اسبانيا، وظفر النصرانية على الإسلام.
وقد كان الغدر والرياء، أبرز صفات هذا الملك العظيم المظفر، الذى أتيح له القضاء على دولة الإسلام بالأندلس. وقد نوه بهذه الصفة الذميمة أكابر المؤرخين المعاصرين واللاحقين، ومنهم المؤرخون القشتاليون أنفسهم (1). ويقول معاصره الفيلسوف السياسى مكيافيللى فى حقه: "إن فرناندو الأرجونى غزا غرناطة فى بداية حكمه، وكان هذا المشروع دعامة سلطانه. وقد استطاع بمال الكنيسة والشعب أن يمد جيوشه، وأن يضع بهذه الحرب أسس البراعة العسكرية التى امتاز بها بعد ذلك، وقد كان دائماً يستعمل الدين ذريعة ليقوم بمشاريع أعظم، وقد كرس نفسه بقسوة تسترها التقوى لإخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وبمثل هذه الذريعة غزا إفريقية، ثم هبط إلى إيطاليا، ثم هاجم فرنسا
…
" (2).
(1) فمثلا يقول المؤرخ ثوريتا Zurita، وهو من أكابر المؤرخين الإسبان فى القرن السادس عشر فى وصفة:"وكان مشهوراً لا بين الأجانب فقط، ولكن بين مواطنيه أيضاً، بأنه لا يحافظ على الصدق، ولا يرعى عهداً قطعه، وأنه كان يفضل دائماً تحقيق صالحه الخاص، على كل ما هو عدل وحق". راجع: Prescott، cit. Zurita (Anales) ; ibid ; p. 697 (note)
(2)
Machiavelli: The Prince (Everyman) ، p. 177 & 178
وكانت سياسة فرناندو الكاثوليكى مثال الغدر المثير فى جميع ما تخذه نحو معاملة المسلمين عقب تسليم غرناطة، وما تلاه من حوادث تنصيرهم قسراً، ثم اضطهادهم، ومطاردتهم بأقسى الوسائل، وأشدها إيلاماً لمشاعرهم وأرواحهم.
فلما توفى فرناندو، وخلفه حفيده شارل أو كارلوس الخامس (الإمبراطور شارلكان) بعد فترة قصيرة من وصاية الكردينال خمنيس على العرش، تنفس الموريسكيون الصعداء، وهبت عليهم ريح جديدة من الأمل، ورجوا أن يكون العهد الجديد خيراً من سابقه. وأبدى الملك الجديد فى الواقع شيئاً من اللين والتسامح،
…
صورة: ضريح فرناندو وإيسابيلا بكنيسة غرناطة العظمى.
…
نحو المسلمين والموريسكيين، وجنحت محاكم التحقيق إلى نوع من الاعتدال فى مطاردتهم، وكفت عن التعرض لهم فى أراجون بسعى النبلاء والسادة، الذين يعمل المسلمون فى ضياعهم. ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية فى البلاط وفى الكنيسة، فغلبت كلمتها، وصدر مرسوم جديد فى 12 مارس سنة 1524 م يحتم تنصير كل مسلم بقى على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من اسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج فى المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحوّل جميع المساجد الباقية إلى كنائس.
عندئذ استغاث المسلمون بالإمبراطور، والتمسوا عدله وحمايته، على يد وفد
منهم يعثوه إلى مدريد، ليشرح للمليك ظلامتهم وآلامهم (سنة 1526). فندب الإمبراطور محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برياسة المحقق العام لتنظر فى ظلامة المسلمين، ولتقرر بالأخص ما إذا كان التنصير الذى وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحاً ملزماً، بمعنى أنه يحتم عقاب المخالف بالموت، أم يطبق القرار الجديد عليهم كمسلمين. وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذى وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة، لأنهم سارعوا بقبوله اتقاء لما هو شر منه، فكانوا بذلك أحراراً فى قبوله. ويعلق المؤرخ الغربى النصرانى على ذلك القرار بقوله:"وهكذا اعتبر التنصير الذى فرضه القوى على الضعيف، والظافر على المغلوب، والسيد على العبد، منشئاً لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها"(1). وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكى بأن يرغم سائر المسلمين الذين نصروا كرهاً، على البقاء فى اسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت والمصادرة، وقضى الأمر فى الوقت نفسه، بأن تحول جميع المساجد الباقية فى الحال إلى كنائس.
فكان لهذه القرارات لدى المسلمين أسوأ وقع، وما لبثت الثورة أن نشبت فى معظم الأنحاء التى يقطنها المسلمون، فى أحواز سرقسطة وفى منطقة بلنسية وغيرها، وأخمدت هذه الثورات المحلية الضئيلة تباعاً. ولكن بلنسية كان لها شأن آخر ذلك أنها كانت تضم حشداً كبيراً من المسلمين، يبلغ زهاء سبعة وعشرين ألف أسرة (2)، وكان وقوعها على البحر يمهد للمسلمين سبل الإتصال بإخوانهم فى المغرب، ومن ثم فقد كانت دائماً فى طليعة المناطق الثائرة، وكانت الحكومة الإسبانية تنظر إليها باهتمام خاص، فلما فرض التنصير العام أبدى المسلمون فى بلنسية مقاومة عنيفة، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية (بنى وزير) Benaguacil، واضطرت الحكومة أن تجرد عليهم قوة كبيرة مزودة بالمدافع، وأرغم المسلمون فى النهاية على التسليم والخضوع، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن ينصروا، وعدلت عقوبة الرق إلى الغرامة (3).
(1) راجع تاريخ De Marlés الذى وضعه بالاقتباس من تاريخ كوندى: Hist. de la Domination des Arabes
(2)
Espagne ; V. III. p. 389
Liorente ; ibid.
(3)
Dr. Lea: The Moriscos ; p. 91 & 92
وفى باقى ولايات أراجون، أشفق السادة والنبلاء على مصالحهم وضياعهم من الخراب، إذا اضطهد المسلمون ومزقوا كما حدث فى بلنسية، فأوضحوا للإمبراطور خطأ هذه السياسة، وأكدوا له أن المسلمين فى أراجون جماعة هادئة عاملة ذلولة، لم ترتكب جرماً قط، ولم تبدر منهم خطيئة دينية أو سياسية، ومعظمهم زراع فى أراضى الملك والسادة، ومنهم صناع مهرة، فإخراجهم من أراجون خسارة
…
صورة: شارل الخامس (الإمبراطور شارلكان)
…
فادحة، ولا داعى لإرغامهم على التنصير، لأن ذلك لا يعنى إخلاصهم للدين الجديد، ومن الخير أن يتركوا فى سلام، ولكن مساعى السادة فى هذا السبيل ذهبت عبثاً، وأصر الإمبراطور على أن يطبق التشريع الجديد على جميع مسلمى أراجون، وأصدر أوامره إلى ديوان التحقيق أن يقوم بتلك المهمة، فأذعن المسلمون إلى التنصير راغمين، وتم بذلك تنصيرهم جميعاً (سنة 1526).
وتوالت الأوامر والقوانين المرهقة، فصدر قانون يحظر على الموريسكيين بيع الحرير والذهب والفضة والحلى والأحجار الكريمة، وحتم على كل مسلم بقى على
دينه أن يحمل شارة زرقاء فى قبعته، وحظر عليهم حمل السلاح إطلاقاً، وإلا عوقب المخالفون بالجلد، وأمروا بأن يسجدوا فى الشوارع متى مر كبير الأحبار. وفى بلنسية صدر قرار بأن يغادر المسلمون الأراضى الإسبانية من طريق الشمال، وحظر على السادة أن يبقوهم فى ضياعهم، وإلا عوقبوا بالغرامة الفادحة. فعاد المسلمون فى بلنسية إلى الثورة، وقاوموا جند الحكومة حيناً، ولكن الثورة ما لبثت أن أخمدت، وتقدم المسلمون خاضعين على يد وفد منهم مثل فى البلاط، يعرضون الدخول فى النصرانية، على أن تحقق لهم بعض المطالب والظروف المخففة، فلا يمتد إليهم قضاء ديوان التحقيق مدى أربعين عاماً، لا فى أنفسهم ولا فى أموالهم، وأن يحتفظوا خلال هذه المدة بلغتهم وملابسهم القومية، وبعض حقوقهم فى الزواج والميراث طبقاً لتقاليدهم، وأن ينفق على من كان منهم من الفقهاء من دخل الأراضى التى وقفها المسلمون لأغراض البر، ويرصد الباقى لإنشاء الكنائس الجديدة، وأن يسمح لهم بحمل السلاح وتخفيض الضرائب (1). ولكن مجلس الدولة رأى أن يطبق عليهم سائر الأوامر، التى طبقت على الموريسكيين فى غرناطة وغيرها، وأن يسمح لهم بالاحتفاظ بلغتهم وأزيائهم مدى عشرة أعوام فقط، وأن يمنحوا بعض الإمتيازات فيما يتعلق بالزواج ودفع الضرائب. وكانت هذه المنح أفضل ما يمكن نيله فى هذه الظروف، فأقبل المسلمون فى منطقة بلنسية على التنصير أفواجاً، عدا أقلية صغيرة آثرت المضى فى المقاومة، ومزقتها جند الإمبراطور بعد قليل، وألفت محاكم التحقيق غير بعيد، فى مجتمع الموريسكيين فى بلنسية، ميداناً خصباً لنشاطها.
وحذا الموريسكيون فى غرناطة حذو إخوانهم فى بلنسية، فسعوا لدى البلاط فى تخفيف الأوامر والقوانين المرهقة التى فرضت عليهم، وانتهزوا فرصة زيارة الإمبراطور لغرناطة (سنة 1526) فقدموا إليه على يد ثلاثة من أكابرهم، هم الدون فرناندو بنجاس والدون ميشيل داراجون وديجو لويز بنشارا، وهم من سلالة أمراء غرناطة الذين نصروا منذ الفتح، مذكرة يشرحون فيها ظلامتهم، وما يعانونه من آلام المطاردة والإرهاق المستمر، ولاسيما من أعمال القسس والقضاء الدينى؛ فندب الإمبراطور لجنة محلية للتحقيق فى أمر الموريسكيين فى سائر أنحاء غرناطة، ثم عرضت نتائج بحثها على مجلس دينى قرر ما يأتى: أن يترك الموريسكيون استعمال لغتهم العربية وثيابهم القومية، وأن يتركوا استعمال الحمامات،
(1) P. Longas: Vida Religiosa de los Moriscos، p. XLII
وأن تفتح أبواب منازلهم أيام الحفلات وأيام الجمع والسبت، وألا يقيموا رسوم المسلمين أيام الحفلات، وألا يتسمّوا بأسماء عربية. ولكن تنفيذ هذه القرارات أرجىء بأمر الإمبراطور؛ ثم أعيد إصدارها، ثم أرجىء تنفيذها مرة أخرى.
وصدرت عدة أوامر ملكية بالعفو عن الموريسكيين فيما تقدم من الذنوب، فإذا عادوا طبقت عليهم أشد القوانين والفروض، فأذعن الموريسيكيون لكل ما فرض عليهم، ولكنهم افتدوا من الإمبراطور بمبلغ طائل من المال، حق ارتداء ملابسهم القومية، وحق الإعفاء من المطاردة إذا اتهموا بالردة (1).
وكان الإمبراطور شارلكان حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين، قد وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى فى الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تحقق قط، وشعر العرب المتنصرون منذ الساعة الأولى، أنهم مازالوا موضع الريب والإضطهاد، وفرضت عليهم فروض وضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئاً فشيئاً، وتترى ضدهم السعايات والإتهامات، وقد غدوا فى الواقع أشبه بالرقيق منهم بالرعايا الأحرار. ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، وفشت فيهم هذه الرغبة، صدر قرار فى سنة 1541، يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية، التى كانت دائماً طريقهم المفضل إلى ركوب البحر، ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من أى الثغور إلا بترخيص ملكى نظير رسم فادح. وكانت السياسة الإسبانية تخشى دائماً اتصال الموريسكيين بمسلمى المغرب، وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بمنتهى الشدة، ومع ذلك فقد كانت الأنباء تأتى من سفراء اسبانيا فى البندقية وغيرها من الثغور الإيطالية، بأن كثيراً من الموريسكيين الفارين، يمرون بها فى طريقهم إلى إفريقية والشرق الإسلامى (2).
وخلال هذا الاضطهاد الغامر، كانت السياسة الإسبانية فى بعض الأحيان، تجنح إلى شىء من الرفق، فنرى الإمبراطور فى سنة 1543 يبلغ "المحققين العامين" بأنه تحقيقاً لرغبة مطران طليطلة والمحقق العام، قد أصدر أمره بالعفو عن المسلمين المتنصرين من أهل "مدينة دلكامبو" و "أريفالو" فيما ارتكبوه من ذنوب الكفر والمروق، وأنه يكتفى بأن يطلب إليهم الإعتراف بذنوبهم أمام الديوان
(1) P. Longas: ibid ; p. XLIII و Dr. Lea: The Moriscos ; p. 214 & 215
(2)
Dr. Lea: ibid ; p. 187 & 189
(ديوان التحقيق)، ثم ترد إليهم أملاكهم الثابتة والمنقولة التى أخذت منهم إلى الأحياء منهم، ويسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلص، ولا تصادر المهور التى دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التى ارتكبوها، بل تبقى هذه المهور للأولاد الذين يولدون من هذا الزواج، وأن يتمتع بهذا الإمتياز النصرانيات الخلص اللاتى يتزوجن من الموريسكيين، بالنسبة للأملاك التى يقدمها الأزواج الموريسكيون برسم الزواج أو الميراث (1).
وهكذا لبثت السياسة الإسبانية أيام الإمبراطور شارلكان (1516 - 1555) إزاء الموريسكيين، تتردد بين الإقدام والإحجام، واللين والشدة. بيد أنها كانت على وجه العموم أقل عسفاً وأكثر اعتدالا، منها أيام فرناندو وإيسابيلا. وفى عهده نال الموريسكيون كثيراً من ضروب الإعفاء والتسامح الرفيقة نوعاً، ولكنهم لبثوا فى جميع الأحوال موضع القطيعة والريب، عرضة للإرهاق والمطاردة، ولبثت محاكم التحقيق تجد فيهم دائماً ميدان نشاطها المفضل.
- 2 -
على أن هذه السياسة المعتدلة نوعاً، لم يتح لها الاستمرار فى عهد ولده وخلفه فيليب الثانى (1555 - 1598). وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ، وغاضت منهم كل مظاهر الإسلام والعروبة، ولكن قبساً دفيناً من دين الآباء والأجداد، كان لا يزال يجثم فى قراره هذه النفوس الأبية الكليمة، ولم تنجح اسبانيا النصرانية بسياستها البربرية فى اكتساب شيىء من ولائها المغصوب. وكان الموريسكيون يحتشدون جماعات كبيرة وصغيرة فى غرناطة وفى بسائطها، وفى منطقة البشرّات الجبلية، تتوسطها الحاميات الإسبانية والكنائس، لتسهر الأولى ْعلى حركاتهم، وتسهر الثانية على إيمانهم وضمائرهم، وكانوا يشتغلون بالأخص بالزراعة والتجارة، ولهم صلات تجارية واجتماعية وثيقة بثغور المغرب، وهو ما كانت ترقبه السلطات الإسبانية دائماً بكثير من الحذر والريب.
وكانت بقية من التقاليد والمظاهر القديمة، مازالت تربط هذا الشعب الذى زادته المحن والخطوب اتحاداً، وتعلقاً بتراثه القومى والروحى؛ وكانت الكنيسة تحيط هذا الشعب العاق، الذى لم تنجح تعاليمها فى النفاذ إلى أعماق نفسه، بكثير من البغضاء والحقد. فلما تولى فيليب الثانى ألفت فرصتها فى إذكاء عوامل الاضطهاد
(1) Arch. gen. de Simancas ; P. R. Leg. 28، Fol. 49
والتعصب، التى خبت نوعاً فى عهد أبيه شارل الخامس. وكان هذا الملك المتعصب حبراً فى قرارة نفسه، يخضع لوحى الأحبار والكنيسة، ويرى فى الموريسكيين ما تصوره الكنيسة والسياسة الرجعية، عنصراً بغيضاً خطراً دخيلا على المجتمع الإسبانى، فلم تمض أعوام قلائل على تبوئه الملك، حتى ظهرت بوادر التعصب والتحريض ضد الموريسكيين، فى طائفة من القوانين والفروض المرهقة.
وكانت مسألة السلاح فى مقدمة المسائل، التى كانت موضع الاهتمام والتشدد، وقد عنيت السياسة الإسبانية منذ البداية بتجريد الموريسكيين من السلاح، واتخذت أيام فرناندو إجراءات لينة نوعاً، فكان يسمح بحمل أنواع معينة من السلاح المنزلى كالسكين وغيرها، وذلك بترخيص ورسوم معينة. ولكن الحكومة خشيت بعد ذلك عواقب هذا التسامح، فأخذت تشدد فى الترخيص، وجرد المسلمون فى بلنسية من سلاحهم جملة، وقيل لهم حينما أذعنوا للتنصير، أنهم سيعاملون كالنصارى فى سائر الحقوق والواجبات ويرد لهم سلاحهم، ولكن الحكومة لم تف بعهدها. وفى سنة 1545 صدر قرار بمنع حمل السلاح كافة، ولكنه نفذ بشىء من اللين. وفى سنة 1563، فى عهد فيليب الثانى، صدر قانون جديد يحرم حمل السلاح على الموريسكيين، إلا بترخيص من الحاكم العام، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فأثار صدوره سخط الموريسكيين، وكان السلاح ضرورياً للدفاع عن أنفسهم فى محلاتهم المنعزلة النائية، بيد أن قانون تحريم السلاح، لم يكن سوى مقدمة لقانون أقسى وأشد إيلاماً، هو القانون الخاص بتحريم استعمال اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية، على الموريسكيين.
وقد لبثت اللغة والتقاليد العربية فى الواقع للموريسكيين، أوثق الروابط بماضيهم وتراثهم، وكانت عماد قوتهم المعنوية، ومن ثم كانت عناية السياسة الإسبانية، بالعمل على محوها بطريق التشريع الصارم، والقضاء بذلك على آخر الروابط التى تربط الموريسكيين، بماضيهم وتراثهم القومى. وقد فكر بعض أحبار الكنيسة أن يتعلم القسس الذين يقومون بحركة التنصير اللغة العربية، لكى يستطيعوا إقناع الموريسكيين بلغتهم، والنفاذ إلى أعماق نفوسهم، ولكن فيليب الثانى لم يوافق على هذا الرأى، وآثر أن تعلّم القشتالية لأبناء الموريسكيين منذ طفولتهم؛ وكانت السياسة الإسبانية قد حاولت تنفيذ مشروعها منذ عهد الإمبراطور شارلكان، فصدر فى سنة 1526 قانون يحرم على الموريسكيين التخاطب باللغة العربية وارتداء الثياب العربية، واستعمال الحمامات، وإقامة الحفلات على الطريقة الإسلامية، ولكنه لم ينفذ بشدة،
والتمس الموريسكيون فى بلنسية وغرناطة وقف تنفيذه أربعين عاماً، يحتفظون خلالها بلغتهم وثيابهم القومية، وقرنوا ملتمسهم بمطالب أخرى تتعلق بتطبيق شريعتهم وتقاليدهم، وتخفيف الضرائب عن كاهلهم، وبالرغم من أن مطالبهم لم تجب يومئذ كلها، فإن قانون تحريم اللغة والثياب القومية، أرجىء تنفيذه مرة بعد أخرى، وأجيز للموريسكيين استعمال اللغة والثياب القومية، نظير ضريبة معينة، واستمر هذا المنح سارياً حتى عهد فيليب الثانى، وكان يجمع من هذه الضريبة مبلغ طائل. ولكن فيليب الثانى كان ملكاً شديد التعصب، كثير التأثر بنفوذ الأحبار، وكانت الكنيسة ترى أن بقاء اللغة العربية من أشد العوامل لمنع تغلغل النصرانية فى نفوس الموريسكيين، وأنه لابد من القضاء على ذلك الحاجز الصخرى الذى تتحطم عليه جهود الكنيسة؛ وكانت قد مضت فوق ذلك أربعون عاماً مذ صدر قانون التحريم فى عهد الإمبراطور شارلكان، ولم يبق للموريسكيين بذلك حجة ولا ملتمس، وانتهت الكنيسة كالعادة بإقناع الملك بصواب رأيها، فلم يلبث أن استجاب لتحريضها، وأمر فى مايو سنة 1566 بأن يجدد القانون القديم بتحريم اللغة والثياب العربية، وهكذا حاول بطريق التشريع أن يسدد الضربة الأخيرة للغة الموريسكيين وتقاليدهم العربية، فأصدر هذا القانون الهمجى الذى لم يسمع بصدور مثله فى تاريخ المجتمعات المتمدنة.
ويقضى هذا القانون بأن يمنح الموريسكيون ثلاثة أعوام لتعلم اللغة القشتالية، ثم لا يسمح بعد ذلك لأحد أن يتكلم أو يكتب أو يقرأ العربية أو يتخاطب بها، سواء بصفة عامة أو بصفة خاصة، وكل معاملات أو عقود تجرى بالعربية تكون باطلة ولا يعتد بها لدى القضاء أو غيره. ويجب أن تسلم الكتب العربية، من أية مادة فى ظرف ثلاثين يوماً إلى رئيس المجلس الملكى فى غرناطة، لتفحص وتقرأ، ثم يرد غير الممنوع منها إلى أصحابها لتحفظ لديهم مدى الأعوام الثلاثة فقط.
وأما الثياب فيمنع أن يصنع منها أى جديد مما كان يستعمل أيام المسلمين، ولا يصنع منها إلا ما كان مطابقاً لأزياء النصارى، وحتى لا يتلف منها ما كان من زى المسلمين فإنه يسمح بارتداء الثياب الحريرية منها لمدة عام، والصوفية لمدة عامين، ثم لا يسمح باستعمالها بعد ذلك. ويحظر التحجب على النساء الموريسكيات وعليهن أن يكشفن وجوههن، وأن يرتدين عند الخروج المعاطف والقبعات على نحو ما تفعل النساء الموريسكيات فى أراجون. ويحظر فى الحفلات إجراء أية رسوم
صورة: الملك فيليب الثانى عن صورة "سانشيث كويليو" المحفوظة بمتحف "البرادو" بمدريد
إسلامية، ويجب أن يجرى كل ما فيها طبقاً لعرف الكنيسة وعرف النصارى، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال، وكذلك أيام الجمعة وأيام الأعياد، ليستطيع القسس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر والرسوم المحرمة. ويحرم إنشاد الأغانى القومية، ولا يشهر الزمر (الرقص العربى) أو ليالى الطرب بالآلات، أو غيرها من العوائد الموريسكية، ويحرم الخضاب بالحناء. ولا يسمح بالاستحمام فى الحمامات، ويجب أن تهدم سائر الحمامات العامة والخاصة.
ويحرم استعمال الأسماء والألقاب العربية، ومن يحملها يجب عليه أن يبادر بتركها. ويجب أخيراً على الموريسكيين الذين يستخدمون العبيد السود أن يقدموا رخصهم باستخدامهم للنظر فيما إذا كان حرياً بأن يسمح لهم باستبقائهم (1).
هذه هى نصوص ذلك القانون الهمجى الذى أريد به تسديد الضربة القاتلة لبقايا الأمة الأندلسية، وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الأخيرة. وقد فرضت على المخالف عقوبات فادحة، تختلف من السجن إلى النفى والإعدام، وكان إحراز الكتب والأوراق العربية ولاسيما القرآن، يعتبر فى نظر السلطات من أقوى الأدلة على الردة، ويعرض المتهم لأقسى أنواع العذاب والعقاب.
أعلن هذا القانون المروع فى غرناطة فى يوم أول يناير سنة 1567، وهو اليوم الذى سقطت فيه غرناطة، واتخذته اسبانيا عيداً قومياً تحتفل به فى كل عام، وأمر ديسا رئيس المجلس الملكى بإذاعته فى غرناطة، وسائر أنحاء مملكتها القديمة، وتولى إذاعته موكب من القضاة شق المدينة، ومن حوله الطبل والزمر، وعلق فى ميدان باب البنود أعظم ميادينها القديمة، وفى سائر ميادينها الأخرى، وفى ربض البيازين، فوقع لدى الموريسكيين وقع الصاعقة، وفاضت قلوبهم الكسيرة سخطاً وأسى ويأساً، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فحطمت الحمامات تباعاً.
واجتمع زعماء الموريسكيين وتباحثوا فيما يجب عمله إزاء هذه المحنة الجديدة، وحاولوا أن يسعوا بالضراعة والحسنى لإلغاء هذا القانون أو على الأقل لتخفيف وطأته، ورفعوا احتجاجهم أولا إلى الرئيس ديسا، عن يد رئيس جماعتهم مولاى فرنسيسكو نونيز، فخاطب الرئيس ديسا، وبين له ما فى القانون من شدة وتناقض وخرق للعهود، وطلب إرجاء تنفيذه. ثم قرروا التظلم للعرش. وحمل رسالتهم
(1) نقلنا نصوص هذا القانون عن مارمول، وقد عاصر صدوره. انظر: Marmol: ibid ;
Lib. II. Cap. VI. . وراجع أيضا: P. Longas: ibid ; p. XLV.XLVI
إلى فيليب الثانى، وإلى وزيره الطاغية الكردينال اسبينوسا، سيد اسبانى نبيل من أعيان غرناطة يدعى الدون خوان هنريكس، وكان يعطف على هذا الشعب المنكود، ويرى خطر السياسة التى اتبعت لإبادته، وسار معه إلى مدريد اثنان من أكابرهم هما خوان هرناندث من أعيان غرناطة، وهرناندو الحبقى من أعيان وادى آش، والتمس الوفد إلى الملك إرجاء تنفيذ القانون كما حدث أيام أبيه، وبعث الدون هنريكس بمذكرة إلى جميع أعضاء مجلس الملك يبين فيها ما يترتب على تنفيذ القانون من حرج واضطراب، ولكن مساعيه كلها ذهبت عبثاً، وأجاب الكردينال اسبينوسا، بأن جلالته مصمم على تنفيذ القانون، وأنه أصبح أمراً واقعاً. وكذا عرض المركيز دى مونديخار حاكم غرناطة على الملك اعتراض الموريسكيين، وأوضح له خطورة الموقف، وأن اليأس قد يدفعهم إلى الثورة، وأن الترك، أصبحوا فى شواطىء المغرب على مقربة من اسبانيا، وأن الموريسكيين شعب عدو لا يدين بالولاء، فلم تفد هذه الاعتراضات شيئاً، وقيل إن الموريسكيين شعب جبان، ولا سلاح لديه ولا حصون. وهكذا حملت سياسة العنف والتعصب فى طريقها كل شىء، ونفذت الأحكام الجديدة فى المواعيد التى حددت لها، ولم تبد السلطات فى تنفيذها أى رفق أو مهادنة (1).
ولم يحظ بلمحة من الرفق سوى الموريسكيون فى بلنسية، وكان زعيمهم وكبير أشرافهم كوزمى بن عامر من المقربين إلى البلاط، فسعى للتخفيف عنهم، وكللت مساعيه بالنجاح فى بعض النواحى، وهو أن يعامل الموريسكيون بالرفق فى حالة الإتهام بالردة، ولا تنزع أملاكهم بتهمة المروق، وذلك على أن يدفعوا إتاوة سنوية قدرها ألفان وخمسمائة مثقال لديوان التحقيق (2).
وأما فى غرناطة فقد بلغ اليأس بالموريسكيين ذروته، فتهامسوا على المقاومة والثورة، والذود عن أنفسهم إزاء هذا العسف المضنى، أو الموت قبل أن تنطفىء فى قلوبهم وضمائرهم، آخر جذوة من الكرامة والعزة، وقبل أن تقطع آخر صلاتهم بالماضى المجيد والتراث العزيز، وكانت نفوسهم ماتزال تضطرم ببقية من شغف النضال والدفاع عن النفس، وكانوا يرون فى المناطق الجبلية القريبة ملاذاً للثورة،
(1) Prescott: Philip II of Spain ; V. III. p. 12-29 ; Marmol: ibid ; II. Cap.
IX & XIII وكذلك Dr. Lea: The Moriscos p. 150، 151 & 230-240
(2)
Dr. Lea: ibid ; p. 126
ويؤملون أن يصلوا بالمقاومة إلى إلغاء هذا القانون الهمجى أو تخفيفه.
وهنا يبدأ الصراع الأخير بين الموريسكيين واسبانيا النصرانية. ومن الأسف أننا لم نتلق عن هذه المرحلة المؤسية والأخيرة من تاريخ الأمة الأندلسية، شيئاً من الروايات العربية، وهى تقف كما رأينا عند محنة التنصير الأولى عقب سقوط غرناطة، فلابد لنا هنا من أن نرجع إلى الرواية النصرانية دون سواها.
سرى إلى الموريسكيين يأس بالغ يذكيه السخط العميق فعولوا على الثورة، مؤثرين الموت على ذلك الإستشهاد المعنوى الهائل. ونبتت فكرة الثورة أولا فى غرناطة حيث يقيم أعيان الموريسكيين، وحيث كانت جمهرة كبيرة منهم تحتشد فى ضاحية "البيازين". وكان زعيم الفكرة ومثير ضرامها موريسكى يدعى فرج بن فرج؛ وكان فرج صباغاً بمهنته، ولكنه حسبما تصفه الرواية القشتالية، كان رجلا جريئاً وافر العزم والحماسة، يضطرم بغضاً للنصارى، ويتوق إلى الانتقام الذريع منهم؛ ولاغرو فقد كان ينتسب إلى بنى سراج، وهم كما رأينا من أشراف غرناطة وفرسانها الأنجاد أيام الدولة الإسلامية. وكان ابن فرج كثير التردد على أنحاء البشرّات، وثيق الصلة بمواطنيه، فاتفق الزعماء على أن يتولى حشد قوة كبيرة منهم، تزحف سراً إلى غرناطة، وتجوز إليها من ضاحية البيازين، ثم تفاجىء حامية الحمراء وتسحقها، وتستولى على المدينة، وحددوا للتنفيذ "يوم الخميس المقدس" من شهر ابريل سنة 1568، إذ يشغل النصارى يومئذ باحتفالاتهم وصلواتهم. ولكن أنباء هذا المشروع الخطير تسربت إلى السلطات منذ البداية، فاتخذت التحوطات لدرئه، وعززت حامية غرناطة وحاميات الثغور، واضطر الموريسكيون إزاء هذه الأهبة، أن يرجئوا مشروعهم إلى فرصة أخرى.
ووضع أديب من زعماء الثورة يدعى باسمه المسلم محمد بن محمد بن داود، قصيدة ملتهبة يصف فيها آلام بنى وطنه، ويستمد فيها الغوث والعون من الله ونبيه، فضبطت معه فى ثغر أدرة، وأرسلت إلى البلاط مع ترجمتها القشتالية، وإليك ملخص ما ورد فى هذه القصيدة التى تعتبر كأنها صرخة ألم أخيرة لشعب شهيد:
تفتتح القصيدة بحمد الله والثناء عليه والتنويه بقدرته، وخضوع جميع الناس والأشياء لحكمه، ثم يقول أن استمعوا إلى قصة الأندلس المحزنة، وهى تلك الأمة العظيمة، التى غدت اليوم ضعيفة مهيضة، يحيط بها الكفرة من كل صوب، وأضحى أبناؤها كالأغنام الذين لا راعى لهم
وفى كل يوم نسام سوء العذاب، ولا حيلة لنا سوى المصانعة، حتى ينقذنا الموت مما هو شر وأدهى.
وقد حكّموا فينا اليهود الذين لا عهد لهم ولا ذمام، وفى كل يوم يبحثون عن ضلالات وأكاذيب وخدع وانتقامات جديدة.
ونرغم على مزاولة الشعائر النصرانية وعبادة الصور، وهى مسخ للواحد القهار، ولا يجرؤ أحد على التذمر أو الكلام. وإذا ما قرع الناقوس ألقى القس عظته بصوت أجش، وفيها يشيد بالنبيذ ولحم الخنزير، ثم تنحنى الجماعة أمام الأوثان دون حياء ولا خجل
…
ومن عَبَد الله بلغته قضى عليه بالهلاك، ومن ضبط ألقى إلى السجن وعذب ليل نهار حتى يرضخ لباطلهم.
ثم يصف وسائل إرهاقهم والتضييق عليهم، من التسجيل والتفتيش وغيرها، وما يفرض عليهم من الضرائب الفادحة، وكيف تؤدى عن الحىّ والميت، والكبير والصغير والغنى والفقير، وكيف يرهقهم القضاة الظلمة، ولا يفلت من ظلمهم كائن، وكيف يلقى بهم فى السجن، ويرغمون على التنصير بالاعتقال والتعذيب، وكيف تهشم أوصال الفرائس، ثم تحمل إلى الميدان لتحرق أمام الجمع الحاشد.
وكيف تكدس المظالم على رؤوسهم تكديساً، ويسومهم الخسف أصاغر النصارى، وكل منهم يفتن فى ضروب الإضطهاد.
ثم يقول: ولقد علقوا يوم العيد (عيد سقوط غرناطة)، فى ميدان باب البنود، قانوناً جديداً، وأخذوا يدهمون الناس فى نومهم، ويفتحون كل باب، يزمعون تجريدنا من ثيابنا وقديم عاداتنا، ويمزقون الثياب ويحطمون الحمامات.
ونحن إذ نيأس من عدل الإنسان نستغيث بالنبى، معتمدين على ثواب الآخرة، وقد حثنا شيوخنا على الصلاة والصوم، وأن نقصد وجه الله، فهو الذى يرحمنا فى نهاية الأمر" (1).
وضبط فى نفس الوقت مع ابن داود خطاب موجه من أحد زعماء البيازين إلى رؤساء المغرب وإخوانهم فى الدين. وكان هذا الكتاب واحداً من كتب عديدة وجهت خفية، إلى أمراء الثغور فى المغرب، يطلبون إليهم الغوث والعون، فحمل
(1) أورد مارمول ترجمة قشتالية كاملة لهذه القصيدة ومنها لخصنا ما تقدم. راجع:
Marmol: ibid ; III. Cap. IX
الكتاب إلى حاكم غرناطة، وفيه يناشد كاتبه إخوانه بالمغرب، ويستحلفهم الغوث بحق روابط الدين والدم، ويصف ما قرره النصارى "من إرغامهم على ترك اللغة، وتركها فقد للشريعة، وكشف الوجوه الحيية المحتشمة، وفتح الأبواب، وما أنزل بهم من محن السجن والأسر ونهب الأملاك" ويطلب إليهم أن يبلغوا استغاثتهم إلى سلطان المشرق، قاهر أعدائه، ثم يقول:"لقد غمرتنا الهموم وأعداؤنا يحيطون بنا إحاطة النار المهلكة. إن مصائبنا لأعظم من أن تحتمل، ولقد كتبنا إليكم فى ليال تفيض بالعذاب والدمع، وفى قلوبنا قبس من الأمل، إذا كانت ثمة بقية من الأمل فى أعماق الروح المعذب"(1)؛ ولكن الحكومات المغربية كانت مشغولة بمشاكلها الداخلية، فلم يلب داعى الغوث سوى جماعة من المتطوعين، الذين نفذوا سراً إلى إخوانهم فى البشرّات، ومنهم كثيرون من البحارة المجاهدين، الذين كانوا حرباً عواناً على الثغور والسفن الإسبانية فى ذلك العصر.
واستمر الموريسكيون على عزمهم وأهبتهم، وأرسلت خطابات عديدة من ابن فرج وزملائه إلى مختلف الأنحاء يدعون فيها إخوانهم إلى التأهب وإخطار سائر إخوانهم. وفى شهر ديسمبر سنة 1568 وقع حادث كان نذير الانفجار، إذ اعتدى الموريسكيون على بعض المأمورين والقضاة الإسبانيين فى طريقهم إلى غرناطة، ووثبت جماعة منهم فى نفس الوقت بشرذمة من الجند، كانت تحمل كمية كبيرة من البنادق، ومثّلت بهم جميعاً. وفى الحال سار ابن فرج على رأس مائتين من أتباعه، ونفذ إلى المدينة ليلا، وحاول تحريض مواطنيه فى "البيازين" على نصرته، ولكنهم أبوا أن يشتركوا فى مثل هذه المغامرة الجنونية. ولقد كان موقفهم حرجاً فى الواقع، لأنهم يعيشون إلى جانب النصارى على مقربة من الحامية، وهم أعيان الطائفة ولهم فى غرناطة مصالح عظيمة، يخشون عليها من انتقام الإسبان. بيد أنهم كانوا يؤيدون الثورة: يؤيدونها برعايتهم ونصحهم ومالهم؛ فارتد ابن فرج على أعقابه واجتاز شعب جبل شلير (سيرّا نفادا) إلى الهضاب الجنوبية، فيما بين بلّش وألمرية.
فلم تمض بضعة أيام، حتى عم ضرام الثورة جميع الدساكر والقرى الموريسكية فى أنحاء البشرات، وهرعت الجموع المسلحة إلى ابن فرج، ووثب الموررسكيون بالنصارى القاطنين فيما بينهم، ففتكوا بهم ومزقوهم شر تمزيق.
(1) أورد مارمول أيضاً ترجمة قشتالية كاملة لهذا الخطاب. راجع Marmol: ibid ;
III. Cap. IX
- 3 -
اندلع لهيب الثورة فى أنحاء الأندلس، ودوت بصيحة الحرب القديمة، وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت. وبدأ الزعماء باختيار أمير يلتفون حوله، ويكون رمز مُلْكهم القديم، فوقع اختيارهم على فتى من أهل البيازين يدعى الدون فرناندو دى كردوبا وفالور (1). وكان هذا الإسم النصرانى القشتالى، يحجب نسبة عربية إسلامية رفيعة. ذلك أن فرناندو دى فالور كان ينتمى فى الواقع إلى بنى أمية، وكان سليل الملوك والخلفاء، الذى سطعت فى ظلهم الدولة الإسلامية فى الأندلس، زهاء ثلاثة قرون. وكان فتى فى العشرين تنوه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه فى سلك الثوار مستشاراً ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة. وكان الأمير الجديد يعرف خطر المهمة التى انتدب لها، وكان يضطرم حماسة وجرأة وإقداماً. ففى الحال غادر غرناطة سراً إلى الجبال، ولجأ إلى شيعته آل فالور فى قرية برذنار Beznar، فهرعت إليه الوفود، والجموع من كل ناحية، واحتفل الموريسكيون بتتويجه فى التاسع والعشرين من ديسمبر (سنة 1568) فى احتفال بسيط مؤثر، فرشت فيه على الأرض أعلام إسلامية ذات أهلة، فصلى عليها الأمير متجهاً صوب مكة، وقبل أحد أتباعه الأرض رمزاً بالخضوع والطاعة، وأقسم الأمير أن يموت فى سبيل دينه وأمته، وتسمى باسم ملوكى عربى هو محمد بن أمية صاحب الأندلس وغرناطة، واختار عمه المسمى فرناندو الزغوير (الصغير)، واسمه المسلم ابن جوهر قائداً عاماً لجيشه، وقد كان صاحب الفضل الأكبر فى اختياره للرياسة، وانتخب ابن فرج كبيراً للوزراء، ثم بعثه على رأس بعض قواته إلى هضاب البشرّات، ليجمع ما استطاع من أموال الكنائس؛ واتخذ مقامه فى أعماق الجبال فى مواقع منيعة، وبعث رسله فى جميع الأنحاء، يدعون الموريسكيين إلى خلع طاعة النصارى والعود إلى دينهم القديم (2).
ووقعت نقمة الموريسكيين بادىء ذى بدء، على النصارى المقيمين بين ظهرانيهم فى أنحاء البشرات، ولاسيما القسس وعمال الحكومة، وكان هؤلاء يقيمون فى محلات متفرقة سادة قساة، يعاملون الموريسكيين بمنتهى الصرامة والزراية، وكان
(1) كردوبا أى قرطبة، وفالور قرية غرناطية تقع على مقربة من أجيجر.
(2)
Marmol: ibid ; IV، Cap. VII
القسس بالأخص سبب بلائهم ومصائبهم، ومن ثم فقد كانوا ضحايا الثورة الأولى.
وانقض ابن فرج ورجاله على النصارى فى تلك الأنحاء ومزقوهم تمزيقاً، وقتلوا القسس وعمال الحكومة، ومثلوا بهم أشنع تمثيل؛ وكانت حسبما تقول الروايات القشتالية مذبحة عامة، لم ينج منها حتى النساء والأطفال والشيوخ. وذاعت أنباء المذبحة الهائلة فى غرناطة، فوجم لها الموريسكيون والنصارى معاً، وكل يخشى عواقبها الوخيمة؛ وكان الموريسكيون يخشون أن يبطش النصارى بهم انتقاماً لمواطنيهم، وكان النصارى يخشون أن يزحف جيش الموريسكيين على غرناطة، فتسقط المدينة فى أيديهم، وعندئذ يحل بهم النكال الرائع. بيد أن الرواية القشتالية تنصف هنا محمد بن أمية، فتقول إنه لم يحرض على هذه المذابح، ولم يوافق عليها، بل لقد ثار لها وحاول أن يحول دون وقوعها، وعزل نائبه ابن فرج عن القيادة، فنزل راضياً واندمج فى صفوف المجاهدين. وهنا يختفى ذكره ولا يبدو على مسرح الحوادث بعد (1).
- 4
-
وكانت غرناطة فى أثناء ذلك ترتجف سخطاً وروعاً، وكان حاكمها المركيز دى منديخار يتخذ الأهبة لقمع الثورة منذ الساعة الأولى. بيد أنه لم يكن يقدر مدى الإنفجار الحقيقى، فغصت غرناطة بالجند، ووضع الموريسكيون أهل البيازين تحت الرقابة، رغم احتجاجاتهم وتوكيدهم بأن لا علاقة لهم بالثائرين من مواطنيهم؛ وخرج منديخار من غرناطة بقواته فى 2 يناير سنة 1569، تاركاً حكم المدينة لابنه الكونت تندليا، وعبر جبل شلير (سيرّا نفادا)، وسار توًّا إلى أعماق البشرات حيث يحتشد جيش الثوار. وكانت الثورة الموريسكية فى تلك الأثناء قد عمت أنحاء البشرات الشرقية والجنوبية، واضطرمت فى أجيجر وبرجة وأدرة وأندرش ودلاية ولوشار ومرشانة وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى.
واستطاع الموريسكيون أن يتغلبوا بسهولة على معظم الحاميات الإسبانية المتفرقة فى تلك الأنحاء، بل لقد سرت الثورة إلى أطراف مملكة غرناطة القديمة، حيث اندلع لهيبها فى وادى المنصورة فى قراه ودساكره، ولم يتخلف عن الاشتراك فى الثورة سوى رندة ومربلة ومالقة، وكانت بها حاميات اسبانية قوية، ونشبت الثورة
(1) Prescott: Philip II; V. III. Ch. II. وكذلك؛ Dr. Lea: The Moriscos p. 237
فى معظم أنحاء ألمرية، وهكذا عمت الثورة الموريسكية معظم أنحاء الأندلس، واشتد الأمر بنوع خاص فى بسطة ووادى آش وألمرية (1).
وكان محمد بن أمية متحصناً بقواته فى آكام بوكيرا الوعرة، وكان الموريسكيون رغم نقص مواردهم وسلاحهم، قد حذقوا حرب الجبال ومفاجآتها، فما كاد الإسبان يقتربون حتى انقضوا عليهم، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، ارتد الموريسكيون على أثرها إلى سهول بطرنة، وتخلف كثيرون منهم ولاسيما النساء، ففتك الإسبان بهم فتكاً ذريعاً، وحاول منديخار أن يتفاهم مع الثائرين على العفو، وأن يخلدوا إلى السكينة، وبعث إليهم بعض المسالمين من مواطنيهم. وكتب الدون ألونسو فنيجاس (بنيغش) سليل الأسرة الغرناطية القديمة إلى ابن أمية يعاتبه، وأنه قد جانب العقل والحزم فى القيام بهذه الحركة التى تعرضه وتعرض أمته للهلاك، ونصحه بالتوبة والتماس العفو. وكان محمد بن أمية يميل إلى الصلح والتفاهم، وتبودلت بالفعل المكاتبة بينه وبين المركيز دى منديخار فى أمر التسليم، ولكن المتطرفين من أنصاره ولاسيما المتطوعين المغاربة، رفضوا الصلح، فاستؤنفت المعارك، ورجحت كفة الإسبان، وهزم الموريسكيون مرة أخرى، وأعلن المركيز دى منديخار أن الأسرى الموريسكيين يعتبرون رقيقاً، وفرّ محمد بن أمية، وأسرت أمه وزوجه وأخواته. وأصيب الإسبان بهزيمة شديدة فى آكام "جواخاريس" وقتل منهم مائة وخمسون جندياً مع ضباطهم، ولكن الموريسكيين آثروا الارتداد، وقتل الإسبان من تخلف منهم أشنع قتل، وكان ممن تخلف منهم زعيم باسل يدعى " الزمار " أسره الإسبان مع ابنته الصغيرة، وأرسلوه إلى غرناطة حيث عذبوه عذاباً وحشياً إذ نزع لحمه من عظامه حياً، ثم مزقت أشلاؤه. وهكذا كانت أساليب الإسبان ومحاكم التحقيق إزاء العرب المتنصرين.
واختفى محمد بن أمية مدى حين فى منزل قريبه "ابن عبو"، وكان من أنجاد الزعماء أيضاً، وطارده الإسبان دون أن يظفروا به. على أن هذه الهزائم لم تنل من عزم الموريسكيين، فقد احتشدوا فى شرقى البشرات فى جموع عظيمة، وأخذوا يهددون ألمرية، فسار إليهم المركيز "لوس فيليس" على رأس جيش آخر، ووقعت بين الفريقين عدة معارك شديدة، قتل فيها كثير من الفريقين، ومزق الموريسكيون، وفتك الإسبان كعادتهم بالأسرى، وقتلوا النساء والأطفال قتلا ذريعاً.
(1) Marmol: ibid ; IV ; Cap. XXXVI
ووقعت فى نفس الوقت فى غرناطة مذبحة مروعة أخرى، فقد كان فى سجنها العام نحو مائة وخمسين من أعيان الموريسكيين، اعتقلوا رهينة وكفالة بالطاعة، فأذاع الإسبان أن الموريسكيين سيهاجمون غرناطة لإنقاذ السجناء، بمؤازرة مواطنيهم فى البيازين، وعلى ذلك صدر الأمر بإعدام السجناء، فانقض الجند عليهم وذبحوهم فى مناظر مروعة من السفك الأثيم.
وكان لهذه الحوادث الأخيرة أثر فى إذكاء الثورة، وكان نذيراً جديداً للموريسكيين بأن الموت فى ساحة الحرب خير مصير يلقون، فسرى إليهم لهب الثورة بأشد من قبل، وطافت بهم صيحة الإنتقام، فانقضوا على الحاميات الإسبانية المبعثرة فى أنحاء البشرّات ومزقوها تمزيقاً، وهزموا قوة إسبانية تصدت لقتالهم، واحتشدت جموعهم مرة أخرى تملأ الهضاب والسهل، وعاد محمد بن أمية ثانية إلى تبوىء عرشه الخطر، والتف حوله الموريسكيون أضعاف ما كانوا، وبعث أخاه عبد الله إلى قسطنطينية بطلب العون من سلطانها، وأرسل فى نفس الوقت إلى أمير الجزائر وإلى سلطان مراكش الشريفى يطلب الإنجاد والغوث، ولكن سلاطين قسطنطينية لم يلبوا ضراعة الموريسكيين بالرغم من تكرارها منذ سقوط غرناطة، وأرسل أمير الجزائر مشجعاً ومعتذراً عن عدم إمكان إرسال السفن، ووعد سلطان مراكش بالمساعدة والغوث، ولكن هذا الصريخ المتكرر من جانب الموريسكيين لم ينتج أثره المنشود، ولم يلبه غير إخوانهم المجاهدين فى إفريقية، فقد استطاعت جموع جريئة مخاطرة، أن تجوز إلى الشواطىء الإسبانية، ومنهم فرقة من الترك المرتزقة، وأن تهرع إلى نصرة المنكوبين.
وهكذا عاد النضال إلى أشده، وخشى الإسبان من احتشاد الموريسكيين فى البيازين ضاحية غرناطة، فصدر قرار بتشريدهم فى بعض الأنحاء الشمالية. وكانت مأساة جديدة مزقت فيها هذه الأسر التعسة، وفرق فيها بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، فى مناظر مؤثرة تذيب القلب، وسار المركيز لوس فيليس فى نفس الوقت إلى مقاتلة الموريسكيين، فى سهول المنصورة على مقربة من أراضى مرسية، ونشبت بينه وبينهم وقائع غير حاسمة، ولم يستطع متابعة القتال لنقص فى الأهبة والمؤن، وكان بينه وبين زميله منديخار خصومة ومنافسة، كانتا سبباً فى اضطراب الخطط المشتركة. واتهم منديخار بالعطف على الموريسكيين فاستدعى إلى مدريد، وأقيل من القيادة، واتخذت مدريد خطوتها الجديدة الحاسمة فى هذا الصراع الذى لا رحمة فيه ولا هوادة
بينما كانت هذه الحوادث والمعارك الدموية تضطرم فى هضاب الأندلس وسهولها وتحمل إليها أعلام الخراب والموت، إذ وقع فى المعسكر الموريسكى حادث خطر، هو مصرع محمد بن أمية. وكان مصرعه نتيجة المؤامرة والخيانة، وكانت عوامل الخلاف والحسد، تحيط هذا العرش بسياج من الأهواء الخطرة. وكان محمد بن أمية يثير بين مواطنيه بظرفه ورقيق شمائله كثيراً من العطف، ولكنه كان يثير بصرامته وبطشه، الحقد فى نفوس نفر من ضباطه. وتقص علينا الرواية القشتالية سيرة مقتله فتقول، إنه كان ثمة ضابط من هؤلاء يدعى ديجو الجوازيل (الوزير) له عشيقة حسناء تسمى زهرة، فانتزعها محمد منه قسراً، فحقد عليه وسعى لإهلاكه بمعاونة خليلته، فزوّر على لسانه خطاباً إلى القائد العام "ابن عبو" يحرضه على التخلص من المرتزقة الترك، وكان ثمة منهم فرقة فى المعسكر الموريسكى، فعلم الترك بأمر الخطاب، واقتحموا المعسكر إلى مقر ابن أمية وقتلوه، بالرغم من احتجاجه وتوكيد براءته، واستقبل الجند الحادث بالسكون. وفى الحال اختار الزعماء ملكاً جديداً هو ابن عبو، واسمه الموريسكى ديجو لوبيث، وهو ابن عم الملك القتيل، فتسمى بمولاى عبد الله محمد، وأعلن ملكاً على الأندلس بنفس الاحتفال المؤثر الذى وصفناه. وكان مولاى عبد الله أكثر فطنة وروية وتدبراً، فحمل الجميع على احترامه، واشتغل مدى حين بتنظيم الجيش، واستقدم السلاح والذخيرة من ثغور المغرب، واستطاع أن يجمع حوله جيشاً مدرباً قوامه زهاء عشرة آلاف، بين مجاهد ومرتزق ومغامر.
وفى أواخر أكتوبر سنة 1569 سار مولاى عبد الله بجيشه صوب "أرجبة" وهى مفتاح غرناطة، واستولى عليها بعد حصار قصير، فذاعت شهرته وهرع الموريسكيون فى شرق البشرات إلى إعلان طاعته، وامتدت سلطته جنوباً حتى بسائط رندة ومالقة، وكثرت غارات الموريسكيين على فحص غرناطة La Vega، وقد كان قبل سقوطها ميدان المعارك الفاصلة بين المسلمين والنصارى، وكان فيليب الثانى حينما رأى استفحال الثورة الموريسكية، وعجز القادة المحليين عن قمعها، قد عين أخاه الدون خوان قائداً عاماً لولاية غرناطة؛ ولما رأى الدون خوان اشتداد ساعد الموريسكيين اعتزم أن يسير لمحاربتهم بنفسه، فخرج فى أواخر ديسمبر على رأس جيشه، وسار صوب وادى آش، وحاصر بلدة "جليرا" وهى من أمنع مواقع الموريسكيين، وكان يدافع عنها زهاء ثلاثة آلاف موريسكى، منهم فرقة
تركية، فهاجمها الإسبان عدة مرات وصوبوا إليها نار المدافع بشدة، فسقطت فى أيديهم بعد مواقع هائلة، أبدى فيها الموريسكيون والنساء الموريسكيات أعظم ضروب البسالة، وقتل عدد من الأكابر الإسبان وضباطهم، ودخلها الإسبان دخول الضوارى المفترسة، وقتلوا كل من فيها ولم يفروا من النساء والأطفال، وكانت مذبحة رائعة (فبراير سنة 1570)، وتوغل الدون خوان بعد ذلك فى شعب الجبال حتى سيرون الواقعة على مقربة من بسطة، وكانت هنالك قوة أخرى من الموريسكيين بقيادة زعيم يدعى"الحبقى" تبلغ بضعة آلاف، ففاجأت الإسبان فى سيرون ومزقت بعض سراياهم، وأوقعت الرعب والخلل فى صفوفهم، وقتل منهم عدد كبير، ولم يستطع الدون خوان أن يعيد النظام إلا بصعوبة؛ فجمع شتات جيشه، وطارد الموريسكيين، واستمر فى سيره جنوباً حتى وصل إلى أندرش فى مايو سنة 1570، وهنا رأت الحكومة الإسبانية أن تجنح إلى شىء من اللين، خشية عواقب هذا النضال الرائع، فبعث الدون خوان رسله إلى الزعيم "الحبقى" يفاتحه فى أمر الصلح، وصدر أمر ملكى بالوعد بالعفو عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم فى ظرف عشرين يوماً من إعلانه، ولهم أن يقدموا ظلاماتهم، فتبحث بعناية، وكل من رفض الخضوع، ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة، قضى عليه بالموت. فلم يصغ إلى النداء أحد. ذلك أن الموريسكيين أيقنوا نهائياً أن اسبانيا النصرانية لا عهد لها ولا ذمام، وأنها غير أهل للوفاء، فعاد الدون خوان إلى استئناف المطاردة والقتال، وانقض الإسبان على الموريسكيين محاربين ومسالمين، يمعنون فيهم قتلا وأسراً، وسارت قوة بقيادة دون سيزا إلى شمال البشرّات، واشتبكت مع قوات مولاى عبد الله فى معارك غير حاسمة، وسارت مفاوضات الصلح فى نفس الوقت عن طريق الحبقى، وكان مولاى عبد الله قد رأى تجهم الموقف، ورأى أتباعه ومواطنيه يسقطون من حوله تباعاً، والقوة الغاشمة تجتاح فى طريقها كل شىء، فمال إلى الصلح والمسالمة، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من برائن القوة القاهرة.
وتقدم للوساطة بين الثوار وبين الدون خوان كبير من أهل وادى آش يدعى الدون فرناندو دى براداس، وكانت له صلات طيبة مع زعماء الموريسكيين قبل الثورة.
وقد انتهت إلينا فى ذلك وثيقة مؤثرة هى عبارة عن خطاب كتبه مولاى عبد الله إلى دون هرناندو هذا يعرض استعداده للصلح والمفاوضة، وفيه تبدو لغة الموريسكيين العربية فى دور احتضارها، ويبدو أسلوب اللهجة الغرناطية التى انتهى الموريسكيون
صورة: دون خوان
إلى التحدث والكتابة بها بعد نحو ثمانين عاماً من الكبت والمطاردة. وإليك ما ورد فى هذا الخطاب الذى ربما كان آخر وثيقة عربية عثر بها البحث الحديث:
1 -
الحمد لله وحدهو قبل الكلم
2 -
اسلم الكرمو على من اكرمهو الكرمو سيديا وحبيبى وعز اسر عنديا دن هرنندو ونى نعلم حرمتكم ين
3 -
اكن انت تقول يجى عنديا يجى عند أخكم وحببك وتجى مطمن وكل ميجكم فمليا
4 -
وذيمتى وكن انت تريد تترطل فذى المبرك مين سُلح كل متعمل تعملو معى ونى
5 -
نعمل معك كل مَترِيد بحق وبل غدر وذَهَرلى مين الحبقى بن اشمكِن يعمل
6 -
معلمن وتطلعنى على حق وذهر لى ين اشم طلب طلب يرحو وينسو ويسحبو وبعد رعى
7 -
ودين انى نعرف حرمتك بهذا شى وحرمتك اعمل الذى يذهر لكم وعمل مَيسُلح بنترر
8 -
وبين وعسى يقذيا الله خير بينين وتكن حرمتكم اسَبَبْ فدا شى وعملن فعدلكم يل اش
9 -
كن معى من يكتب لى يل كينكن كتبت لكم أكثر وسلموا عليكم ورحمتو الله وبركتو الله
10 -
كتِيب الكتب يوم الثليث فشهر وليو فعم ..
…
ملاى عبد الله (1).
وكتب الدون ألونسو دى فنيجاس (بنيغش) أيضاً إلى مولاى عبده الله يحثه على المسالمة، والتنكب عن هذا الطريق الخطر، ورد عليه عبد الله يلقى المسئولية على أولى الأمر، وعلى ما أحدثوه من بدع جعلت الحياة مستحيلة على الشعب الموريسكى (2). وجرت المفاوضات بين الزعيم الحبقى قائد قوات الثورة، وبين
(1) نشر هذا الخطاب وصورته الفتوغرافية التى ننقلها هنا العلامة المستشرق M. Alarcon فى مجموعة بالإسبانية عنوانها: Miscelanco de Estudios y Textos Arabes (Madrid 1915) ; p. 691 وقد وجد هذا الخطاب فى مجموعة المخطوطات الشرقية للمركيز بنيافلور Pena Flor، وتحفظ نسخته العربية فيها برقم 246، وتحفظ ترجمته القشتالية برقم 245. وقد أورد مارمول ترجمته القشتالية فى الكتاب التاسع الفصل التاسع.
(2)
Marmol: ibid ; VIII. Cap. XXVII
صورة خطاب مولاى عبد الله إلى دون هرناندو دى براداس مكتوب بخطه ومذيل بتوقيعه
الدون هرناندو دى براداس، واتفق فى النهاية على أن يتقدم الحبقى إلى الدون خوان بإعلان خضوعه، وطلب العفو لمواطنيه، فيصدر العفو العام عن الموريسكيين، وتكفل الحكومة الإسبانية حمايتها لهم أينما ارتأت مقامهم. وفى ذات مساء سار الحبقى فى سرية من فرسانه إلى معسكر الدون خوان فى أندرش، وقدم له الخضوع وحصل على العفو المنشود.
ولكن هذا الصلح لم يرض بالأخص مولاى عبد الله وباقى الزعماء، لأنهم لمحوا فيه نية اسبانيا النصرانية فى نفيهم ونزعهم عن أوطانهم، ففيم كانت الثورة إذاً وفيم كان النضال؟ لقد ثار الموريسكيون لأن اسبانيا أرادت أن تنزعهم لغتهم وتقاليدهم، فكيف بها إذ تعتزم أن تنزعهم ذلك الوطن العزيز، الذى نشأوا فى ظلاله الفيحاء، والذى يضم تاريخهم وكل مجدهم وذكرياتهم؟ أنكر الموريسكيون ذلك الصلح المجحف، وارتاب مولاى عبد الله فى موقف الحبقى، إذ رآه يروج لهذا الصلح بكل قواه، ويدعو إلى الخضوع والطاعة للعدو، فاستقدمه لمعسكره بالحيلة وهنالك أعدم سراً.
ووقف الدون خوان على ذلك بعد أسابيع من الانتظار والتريث، وبعث رسوله إلى مولاى عبد الله، فأعلن إليه أنه يترك الموريسكيين أحراراً فى تصرفاتهم. بيد أنه يأبى الخضوع ما بقى فيه رمق ينبض، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه، على أن يحصل على مُلْك اسبانيا بأسره. والظاهر أن مولاى عبد الله كانت قد وصلته أمداد من المغرب شدت أزره وقوّت أمله، وعادت الثورة إلى اضطرامها حول رندة، وأرسل مولاى عبد الله أخاه الغالب ليقود الثوار فى تلك الأنحاء، وثارت الحكومة الإسبانية لهذا التحدى، واعتزمت سحق الثوار بما ملكت، فسار الدون خوان فى قواته إلى وادى آش، وسار جيش آخر من غرناطة بقيادة دون ركيصانص إلى شمال البشرّات، وسار جيش ثالث إلى بسائط رندة، واجتاح الإسبان فى طريقهم كل شىء، وأمعنوا فى التقتيل والتخريب، وعبثاً حاولت السرايا الموريسكية أن تقف فى وجه هذا السيل فمزقت تباعاً، وهدم الإسبان الضياع والقرى والمعاقل، وأتلفت الأحراش والحقول، حتى لا يبقى للثائرين مثوى أو مصدر للقوت، وأخذت الثورة تنهار بسرعة، وفر كثير من الموريسكيين إلى إخوانهم فى إفريقية، ولم يبق أمام الإسبان سوى مولاى عبد الله وجيشه الصغير. بيد أن مولاى عبد الله لبث معتصما بأعماق الجبال، يحاذر الظهور أمام هذا السيل الجارف
وفى 28 أكتوبر سنة 1570، أصدر فيليب الثانى قراراً بنفى الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد، ومصادرة أملاكهم العقارية، وترك أملاكهم المنقولة يتصرفون فيها. ويقضى هذا القرار بأن الموريسكيين فى غرناطة والفحص ووادى لكرين (الإقليم) وجبال بونتوفير حتى مالقة، وجبال رندة ومربلة، يؤخذون إلى ولاية قرطبة، ومن هنالك يفرقون فى أراضى ولايتى إسترامادورة وجليقية.
والموريكسيون فى وادى آش وبسطة ووادى المنصورة يؤخذون إلى جنجالة والبسيط ثم يفرقون فى أراضى قلعة رباح ومونتيل. والموريسكيون، فى ألمرية يؤخذون إلى ولاية إشبيلية. ونفذ القرار الجديد بمنتهى الصرامة والتحوط، وجمع الموريسكيون المسالمون من غرناطة وبسطة ووادى آش وغيرها، وسيقوا إلى الكنائس أكداساً، يحيط بهم الجند فى كل مكان، ونزعوا من أوطانهم وربوعهم العزيزة، وشتتوا على النحو المتقدم فى مختلف أنحاء قشتالة وليون (1).
ووقعت أثناء تنفيذ هذا القرار مناظر دموية، حيث جنح رجال الحكومة فى بعض الأنحاء ولاسيما فى رندة، إلى نهب المنفيين والفتك بالنساء والأطفال. ولما سمع الموريسكيون المعتصمون بالجبال هذه الأنباء انحدروا إلى السهل، وقتلوا كثيراً من الجند المثقلين بالغنائم. وكان مصير المنفيين مؤلماً، إذ هلك الكثير منهم من المشاق والمرض، وعانى الذين سلموا منهم مرارة غربة جديدة مؤلمة، ونص على وجوب وضعهم تحت الرقابة الدائمة، وتسجيلهم وتسجيل مساكنهم فى سجلات خاصة، وعين لهم حيث وجدوا مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم، وحرم عليهم أن يغيروا مساكنهم إلا بتصريح ملكى، وحرم عليهم بتاتاً أن يسافروا إلى غرناطة، وفرضت على المخالفين عقوبات شديدة تصل إلى الموت، وهكذا شرد الموريسكيون فى مملكة غرناطة أفظع تشريد، وانهار بذلك مجتمعهم القوى المتماسك فى الوطن القديم (2).
ولم يبق إلا أن يسحق مولاى عبد الله وجيشه الصغير، وكان هذا الأمير المنكود يرى قواه وموارده تذوب بسرعة، وقد انهار كل أمل فى النصر أو السلم الشريف، بيد أنه لبث مختفياً فى أعماق جبال البشرات بين آكام برشول وترفليس مع شرذمة من جنده المخلصين. وفى مارس سنة 1571 كشف بعض الأسرى سر مخبئه للإسبان، فأوفدوا رسلهم إلى معسكره فى بعض المغائر، وهنالك استطاعوا
(1) Marmol: ibid ; X. Cap. VI.
(2)
Dr. Lea: The Moriscos p. 256، 258 & 265
إغراء ضابط مغربى من خاصته يدعى جونثالفو"الشنيش". وكان الشنيش يحقد عليه لأنه منعه من الفرار إلى المغرب، وأغدق الإسبان له المنح والوعود، وقطعوا له عهداً بالعفو الشامل، وضمان النفس والمال، وأن ترد إليه زوجته وابنته الأسيرتان، إذا استطاع أن يسلمهم مولاى عبد الله حياً أو ميتاً. وكان الإغراء قوياً مثيراً، فدبر الضابط الخائن خطته لاغتيال سيده، وفى ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه، فقاوم مولاى عبد الله ما استطاع، ولكنه سقط أخيراً مثخناً بجراحه، فألقى الخونة جثته من فوق الصخور لكى يراها الجميع، ثم حملها الإسبان إلى غرناطة، وهناك استقبلوها فى حفل ضخم، ورتبوا موكباً أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل، وعليها ثياب كاملة كأنما هى إنسان حى، ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا عقب مصرع زعيمهم، ثم حملت إلى النطع وأجرى فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ثم جرت فى شوارع غرناطة مبالغة فى التمثيل والنكال، ومزقت أربعاً، وأحرقت بعد ذلك فى الميدان الكبير، ووضع الرأس فى قرص من الحديد، وفع فوق سارية فى ضاحية المدينة تجاه جبال البشرات (1).
…
وهكذا انهارت الثورة الموريسكية وسحقت، وخبت آخر جذوة من العزم والنضال، فى صدور هذا المجتمع الأبى المجاهد، وقضت المشانق والمحارق والمحن المروعة، على كل نزعة إلى الخروج والنضال، وهبت روح من الرهبة والاستكانة المطلقة، على ذلك المجتمع المهيض المعذب، وعاش الموريسكيون لا يسمع لهم صوت، ولا تقوم لهم قائمة، فى ظل العبودية الشاملة والإرهاق المطلق، حقبة أخرى.
(1) Marmol: ibid ; X. Cap. VIII