المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالثعهد النضج والازدهار - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٥

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصْر الرّابعنهَايَةُ الأَنْدَلُسْ وَتَارِيخ العَرَبْ المتنَصِّرِين

- ‌مقدمة

- ‌تصدير

- ‌تاريخ مملكة غَرناطة635 -897 هـ: 1238 - 1492 م

- ‌الكِتابُ الأول ممْلكة غَرناطةمنذ قيامها حتى ولاية السّلطان أبي الحسن635 -868 هـ: 1238 - 1463 م

- ‌الفصل الأوّل الأندلس الغاربة

- ‌الفصل الثانينشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصرية

- ‌الأندلس والممالك النّصرانية الإسبانيّة في أواخر عصْر الموحّدين (أوائل القرن الثالث عشر)

- ‌الفصل الثالثطوائف الأمة الأندلسية فى عصر الانحلال

- ‌الفصل الرابعطبيعة الصراع بين الأندلس واسبانيا النصرانية

- ‌الفصْل الخامسُتاريخ اسبانيا النصرانية منذ أوائل القرن الحادى عشر حتى قيام مملكة غرناطة

- ‌الفصل السادسمملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر وعصر الجهاد المشترك بين بنى الأحمر وبنى مرين

- ‌صورة: الملك ألفونسو العالم

- ‌الفصل السابعمملكة غرناطة فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى وذروة الصراع بين بنى مرين واسبانيا النصرانية

- ‌الفصْل الثامِنالأندلس بين المدّ والجزر

- ‌الفصْل التاسِعتاريخ اسبانيا النصرانية منذ قيام مملكة غرناطة حتى اتحاد مملكتى قشتالة وأراجون

- ‌1 - قشتالة

- ‌2 - أراجون

- ‌3 - اسبانيا النصرانية المتحدة

- ‌الكتاب الثانىنهاية دولة الإسلام فى الأندلس 868 - 897: 1463 - 1492 م

- ‌الفصل الأوّلالأندلس على شفا المنحدر

- ‌الفصل الثانىبداية النهاية

- ‌الفصل الثالثالصراع الأخير

- ‌الفصل الرابعختام المأساة

- ‌1 - قصر قمارش

- ‌2 - قصر السباع

- ‌مأساة الموريسكيّين أو العَرَب المتنصِّرين 897 - 1018 هـ: 1492 - 1609 م

- ‌الكتاب الثالثمراحل الاضطهاد والتنصير

- ‌الفصل الأولبدء التحول فى حياة المغلوب

- ‌الفصل الثانىديوان التحقيق الإسبانى ومهمته فى إبادة الأمة الأندلسية

- ‌الفصل الثالثذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين

- ‌الكتاب الرابعنهاية النّهاية

- ‌الفصل الأولتوجس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية

- ‌الفصل الثانىمأساة النفى

- ‌الفصل الثالثتأملات وتعليقات عن آثار المأساة

- ‌الكتابُ الخامسنظم الحكم والحياة الاجتماعية والفكريّة فى مملكة غرناطة

- ‌الفصل الأوّلنظم الحكم فى مملكة غرناطة وخواصها الإجتماعية

- ‌الفصل الثانىالحركة الفكرية فى مراحلها الأولى

- ‌الشعر والأدب

- ‌العلوم

- ‌الفصل الثالثعهد النضج والازدهار

- ‌الفصل الرابعالعصر الأخير والآثار الباقية

- ‌ثبت المراجع

- ‌مصادر مخطوطة

- ‌فهرست الموضوعات

- ‌فهرست الخرائط و‌‌الصورو‌‌الوثائق

- ‌الصور

- ‌الوثائق

الفصل: ‌الفصل الثالثعهد النضج والازدهار

‌الفصل الثالث

عهد النضج والازدهار

تقدم الحركة الفكرية. ابن سلبطور الشاعر. أبو القاسم الحسينى. ابن خاتمة. ابن الخطيب. نشأته وحياته. سفارته إلى المغرب وقصيدته للسلطان. وصفه لحياته فى الوزارة. سقوطه وجوازه إلى المغرب. احتفاء السلطان به وإنشاده فى حضرته. ابن الخطيب وابن خلدون. ما قاله الأمير ابن الأحمر فى تقدير ابن الخطيب. تهنئته السلطان. عوده إلى الأندلس وإلى تولى الوزارة. وصفه لجهوده يومئذ. ما ينسب إليه من طغيان. فقده لحظوته وجوازه إلى المغرب. كيد خصومه له. اتهامه بالزندقة. تطور الحوادث فى المغرب. تفاهم بلاط غرناطة مع سلطان المغرب على الإيقاع به. الوزير ابن زمرك يلاحقه فى فاس. اتهامه ومصرعه. مؤلفاته وآثاره. أثره فى تطور الحركة الأدبية. ابن زمرك تلميذ ابن الخطيب. نشأته وحياته. مكانته الأدبية. نماذج من شعره وموشحاته. الموازنة بينه وبين ابن الخطيب. بقية الشعراء والأدباء فى تلك الفترة. الفقهاء. المؤرخون.

شهدت الحركة الفكرية الأندلسية فى مملكة غرناطة، مرحلة النضج فى أواسط القرن الثامن الهجرى وأواخره، وشهدت فى النصف الأخير من هذا القرن، ذروة قوتها وازدهارها. ولا غرو فهذه الفترة هى التى سطع فيها ابن الخطيب، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم كتابها وشعرائها فى ذلك العصر. وامتازت هذه الفترة، بروعة إنتاجها الأدبى فى النثر والنظم، وربما كان للأحداث والفتن الداخلية الخطيرة التى جازتها الأندلس يومئذ، أكبر أثر فى تغذية هذه الحركة الممتازة، وإمدادها بمختلف الإنفعالات القوية، التى طبعت إنتاجها.

وقد بدأت هذه الحركة فى عصر السلطان أبى الحجاج يوسف بن اسماعيل، أعظم سلاطين بنى نصر (733 - 755 هـ) وأشدهم حماسة فى تعضيد الآداب والفنون، واستمرت من بعده طوال القرن الثامن الهجرى، وحفلت بعدد كبير من الأدباء والشعراء الممتازين. وقد استعرضنا الكثير منهم فيما تقدم حتى منتصف القرن الثامن، وسنمضى هنا فى استعراض بقية هذا الثبت الحافل حتى أواخر

هذا القرن.

كان من أكابر الشعراء فى بداية هذه الفترة، ابن سلبطور شاعر ألمرية، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمى، والظاهر أنه قد يرجع إلى أصل من أصول المولدين الإسبان، كما يدلى بذلك اسمه سلبطور Salvador؛

ص: 469

وقد نشأ بألمرية، وبرع فى الأدب، وتدرب منذ فتوته على ركوب البحر وقيادة السفن، وناب فى قيادة الأسطول عن خاله القائد أبى على الرنداحى أحد أبناء أسرة الرنداحى، التى اشتهرت عصراً بقيادتها للأساطيل الأندلسية وأساطيل سبتة. واشتهر ابن سلبطور برائق نظمه. وفى أواخر حياته انحرف عن جادة الصواب، وانكب على ملاذه وشهواته، وأضاع كل ثروته، حتى ساءت حالته، وانحدر إلى هاوية الفقر والبؤس، فعبر البحر إلى العدوة، وتوفى بمراكش سنة 755 هـ (1354 م). ومن شعره يمتدح السلطان حين حل بألمرية:

أثغرك أم سمط من الدر ينظم

وريقك أم مسك من الراح تختم

ووجهك أم باد من الصبح نير

وفرعك أم داج من الليل مظلم

أعلل منك الوجد والليل ملتقى

وهل ينفع التعليل والخطب مؤلم

وأقنع من طيف الخيال بزورة

لو أن جفونى بالمنام تنعم (1).

ومنهم أبو عبد الله محمد بن جُزى، الكاتب الشاعر، ولد بغرناطة سنة 721 هـ، وانتظم منذ فتوته بين كتاب السلطان أبى الحجاج يوسف، وحظى لديه ومدحه بطائفة من القصائد الرنانة، ثم غضب عليه ونكبه، فغادر الأندلس إلى العدوة، ودخل فى خدمة السلطان أبى عنان المرينى ومدحه؛ وكان بارعاً فى النثر والنظم؛ ذكره ابن الأحمر فى "نثير الجمان" وأشاد بمقدرته، ووصفه بأنه أعظم شاعر فى عصره. وكانت وفاته بمراكش سنة 757 هـ (1356 م)(2). وهو الذى أنشأ رحلة ابن بطوطة من مذكرات صاحبها حسبما ينوه بذلك فى خاتمة الكتاب (3).

ومنهم قاضى الجماعة، أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسينى، ولد سنة 697 هـ، وتوفى بغرناطة سنة 760 هـ (1358 م)، ولى رياسة القضاء، وكان فوق تضلعه فى الحديث والفقه، شاعراً مجيداً، وكتب فى العروض والأدب، وجمع شعره فى ديوان أسماه "جهد المقل"(4).

ومنهم أبو جعفر أحمد بن على بن محمد بن خاتمة الأنصارى، ولد بألمرية

(1) نفح الطيب (عن الإحاطة) ج 3 ص 450.

(2)

راجع نفح الطيب ج 3 ص 284 وما بعدها، وأزهار الرياض ج 2 ص 189 وما بعدها وفيه يورد بعض شعره.

(3)

أزهار الرياض ج 2 ص 195، ورحلة ابن بطوطة (مصر) ج 2 ص 207.

(4)

راجع نفح الطيب ج 3 ص 107

ص: 470

سنة 724 هـ. وتوفى سنة 770 هـ (1369 م). وكان أديباً كبيراً وشاعراً مبرزاً. وقد خصه ابن الخطيب فى الإحاطة بترجمة قوية (1)، ووصفه بأنه "صدر يشار إليه، متفنن، مشارك، قوى الإدراك، سديد النظر، قوى الذهن، جيد القريحة". ووصفه فى كتابه "التاج المحلى" بقوله: "ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام، نحور الرواة ولبات الحفاظ".

وكتب ابن خاتمة عن مسقط رأسه ألمرية، كتاباً أسماه "مزية ألمرية على غيرها من البلاد الأندلسية"، وكتب عن الوباء الكبير الذى عصف بالأندلس سنة 749 هـ (1348 م) رسالة عنوانها، " تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد " يصف فيها عصف الوباء وسيره بمدينة ألمرية (2). وله ديوان شعر محفوظ بمكتبة الإسكوريال. ومن شعره قوله من قصيدة طويلة:

من لم يشاهد موقفاً لفراق

لم يدر كيف توله العشاق

إن كنت لم تره فسائل من رأى

يخبرك عن ولهى وعن أشواقى

من حر أنفاس وخفق جوانح

وصدوع أكباد وفيض مآق

دهى الفؤاد فلا اللسان بناطق

عند الوداع ولا بلفظ فراق

وقوله من قصيدة أخرى:

لولا حياتى من عيون النرجس

للثمت خد الورد بين السندس

ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها

وضممت أعطاف الغصون الميس

شتان بين مظاهر ومخاتل

وعف الحجا ومطهر ومدنس

ومجمجم بالعذل باكرنى به

والطير أفصح مسعد بتأنس (3).

وقوله:

هو الدهر لا يبقى على عائذ به

فمن شاء عيشاً يصطبر لنوائبه

فمن لم يصب فى نفسه فمصابه

بفوت أمانيه وفقد حبائبه

وكتب ابن خاتمة إلى صديقه ابن الخطيب، حينما أزمع الرحلة عن الأندلس، رسالة مؤثرة يخاطبه فيها بقوله: "إنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها،

(1) تراجع هذه الترجمة فى الإحاطة ج 1 ص 247 - 267.

(2)

توجد من هذه الرسالة نسخة مخطوطة ضمن مجموعة تحفظ بمكتبة الإسكوريال (رقم 1785 الغزيرى).

(3)

تراجع هاتان القصيدتان فى الإحاطة ج 1 ص 252 - 254 و 255 - 257

ص: 471

وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها، وعقد جيدها المنصوص، وتمام زينتها على المعلوم والمخصوص؛ ثم أنتم مدار أفلاكها، وسر سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذى عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها". وقد رد عليه ابن الخطيب برسالة مؤثرة كذلك تفيض بلاغة وبياناً (1).

- 2 -

نعرض بعد ذلك، إلى ألمع فترة فى الحركة الفكرية، فى ظل مملكة غرناطة، وهى الحركة التى كان قطبها ومحورها، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم شعرائها وكتابها، فى القرن الثامن الهجرى، ونعنى لسان الدين بن الخطيب.

وقد أشرنا فيما تقدم إلى نشأة ابن الخطيب، واستعرضنا طرفاً من حياته السياسية، ونريد هنا أن نبسط القول فى حياته الفكرية والأدبية.

وهو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب؛ ولد فى لوشة من أعمال غرناطة، فى بيت من أكرم بيوت الأندلس فى شهر رجب سنة 713 هـ (1313 م)، ثم انتقل بيتهم من لوشة إلى غرناطة. وخدم أبوه عبد الله فى القصر والخاص فى عهد السلطان يوسف أبى الحجاج. وتلقى ابن الخطيب دراسة حسنة. ودرس الطب والفلسفة والشريعة والأدب، وبرز فى النثر والنظم منذ حداثته، ولما توفى أبوه فى سنة 741 هـ قتيلا فى موقعة طريف حل مكانه فى خدمة القصر، وهو فتى فى عنفوانه، وتولى أمانة السر للوزير أبى الحسن بن الجياب، وزير السلطان يوسف. ولما توفى ابن الجياب فى الوباء الكبير سنة 749 هـ، خلفه فى الوزارة والكتابة، إلى جانب كبير الوزراء الحاجب أبى النعيم رضوان، وندبه السلطان لبعض السفارات والمهام السياسية. ولما توفى السلطان أبو الحجاج يوسف (755 هـ)، وخلفه ولده محمد الغنى بالله، استمر الحاجب رضوان فى الاضطلاع برياسة الوزارة، واستمر ابن الخطيب إلى جانبه فى منصبه، وندب للوصاية على الأمراء القصر، وأرسله السلطان لأول ولايته (أواخر سنة 755 هـ) سفيراً إلى السلطان أبى عنان المرينى سلطان المغرب، على رأس وفد من وزراء

(1) راجع الإحاطة حيث يورد رسالة ابن خاتمة ورد ابن الخطيب عليها ج 1 ص 261 - 267

وكذلك أزهار الرياض ج 1 ص 265 - 270. وراجع عن ابن خاتمة نفح الطيب ج 2 ص 184

و411 ما بعدها؛ وكذلك بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 259

ص: 472

الأندلس، يستنصره ويستغيث به على مقاومة طاغية قشتالة، وأنشد ابن الخطيب بين يدى السلطان قصيدة يقول فيها:

خليفة الله ساعد القدر

علاك ما لاح فى الدجى قمر

ودافعت عنك كف قدرته

كلا ليس يستطيع دفعه البشر

وجهك فى النائبات بدر دجى

لنا وفى المحل كفك المطر

والناس طرا بأرض أندلس

لولاك ما أوطنوا ولا عمروا

وجملة الأمر أنه وطن

فى غير علياك ما له وطر

فاهتز السلطان لقصيدته، ووعدهم بإجابة ملتمسهم وتحقيق رغباتهم (1).

ثم وقعت الثورة فى غرناطة فى شهر رمضان سنة 760 هـ (1359 م)، وقتل الحاجب رضوان، وأقصى الغنى بالله عن الملك، وفر إلى وادى آش، وخلفه على العرش أخوه اسماعيل، وولى ابن الخطيب الوزارة للملك الجديد حيناً، ولكن سرعان ما غضب عليه، وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله. ويصف لنا ابن الخطيب فى ترجمته لنفسه، فى نهاية كتاب الإحاطة، هذه المراحل الأولى من حياته فى قوله:"فقلدنى السلطان سره (يريد أبا الحجاج) ولما يستكمل الشباب، واستعملنى فى السفارة إلى الملوك، واستنابنى بدار ملكه، ورمى إلى بخاتمه وسيفه، وائتمننى على صون حضرته وبيت ماله، وسجوف حرمه. ومعقل امتناعه. ولما هلك السلطان، ضاعف ولده حظوتى، وأعلى مجلسى، وقصر المشورة على نصحى، إلى أن كانت الكائنة، فاقتدى فى أخوه المتغلب على الأمر، فسجل الاختصاص وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أعوان ثورته، على القبض علىّ، فكان ذلك".

وتدخل السلطان أبو سالم ملك المغرب، فى شأن السلطان المخلوع الغنى بالله، وكانت تربطه به مودة وصداقة، مذ كان أيام محنته يلوذ بحمايته بغرناطة، وأرسل إلى ملك غرناطة الجديد سفيراً يطلب إجازة الغنى بالله ووزيره المعتقل إلى المغرب، فأجابه السلطان اسماعيل إلى مطلبه، وجاز الغنى بالله وابن الخطيب إلى المغرب ووصلا إلى فاس فى أوائل شهر المحرم سنة 761 هـ، واستقبلهما السلطان أبو سالم بترحاب، واحتفل بقدومهما فى يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب يومئذ قصيدته المشهورة، التى يدعوه فيها لنصرة سلطانه وهذا مطلعها:

(1) راجع نفح الطيب ج 3 ص 53؛ وابن خلدون ج 7 ص 333

ص: 473

سَلا هل لديها من مخبرة ذكر

وهل أعشب الوادى ونم به الزهر

وهل باكر الوسمىُّ داراً على اللوى

عفت آيها إلا التوهم والذكر

بلادى التى عاطيت مشمولة الهوى

بأكنافها والعيش فينان مخضر

وجوّى الذى ربى جناحى وكره

فها أنا ذا ما لى جناح ولا وكر

ومنها:

قصدناك يا خير الملوك على النوى

لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر

كففنا بك الأيام عن غلوائها

وقد رابنا منها التعسف والكبر

وعُذنا بذاك المجد فانصرم الردى

ولذنا بذاك العزم فانهزم الشر

ولما أتينا البحر يرهب موجه

ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر

ومنها:

وأنت الذى تدعى إذا دهم الردى

وأنت الذى ترجى إذا أخلف القطر

ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا

بيالمرين جاءه العز والنصر

وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره

ففى ضمن ما تأتى به العز والأجر (1).

وكان لإنشاد ابن الخطيب فى السامعين أعظم وقع. ويقول لنا ابن خلدون، وقد كان من شهود ذلك الحفل، إن ابن الخطيب أبكى سامعيه تأثراً وأسى. وكان هذا أول لقاء بين هذين المفكرين العظيمين، اللذين تجمع بينهما مشابهات عدة. فقد كان كلاهما أستاذ عصره فى التفكير والكتابة، وقد خاض كلاهما نفس الحياة السياسية المضطربة، وأخذ بقسط بارز فى حوادث عصره، وفى توجيه شئونه؛ وكان ابن خلدون يشغل فى دول المغرب، نفس المركز الذى يشغله ابن الخطيب بالأندلس، وقد استأثر فى المغرب بزعامة التفكير والكتابة، التى يستأثر بها ابن الخطيب فى الأندلس. وتوثقت بين المفكرين العظيمين مدى حين، أواصر المودة والصداقة، ثم فرقت بينهما عوامل الغيرة والتنافس، حينما عبر ابن خلدون بعد ذلك إلى الأندلس، واتصل بسلطانها الغنى بالله. وكان كل منهما يقدر صاحبه ويُجل مواهبه، وقد ترجم كلاهما صاحبه بما ينم عن هذا التقدير والإجلال، فيقول لنا ابن خلدون مثلا فى ترجمته لابن الخطيب إنه "بلغ فى الشعر والترسل حيث لا يجارى فيهما، وملأ الدولة بمدايحه، وانتشرت فى الآفاق قدماه". ثم ينوه بعد ذلك

(1) تراجع هذه القصيدة بأكملها فى نفح الطيب ج 3 ص 45 - 47، وأزهار الرياض ج 1 ص 196 - 200

ص: 474

بروعة رسائله السلطانية، وبراعته فى الإدارة والحكم (1).

ويصف لنا الأمير أبو الوليد اسماعيل بن الأحمر، معاصر ابن الخطيب، خلاله ومواهبه "فى كتابه نثير الجمان" فى تلك العبارات الرنانة:

"هو شاعر الدنيا، وعلم الفرد والثنيا، وكاتب الأرض إلى يوم العرض، لا يدافع مدحه فى الكتب، ولا يمنح فيه إلى العتب، آخر من تقدم فى الماضى، وهو نفيس العدوتين، ورئيس الدولتين، بالاطلاع على العلوم العقلية، والإمتاع بالفهوم النقلية " ثم يشير بعد ذلك إلى قسوته فى الهجاء، وإلى كونه قد هجا ابن عمه سلطان الأندلس بما لا يليق ويجمل (2).

وتجول ابن الخطيب حيناً بالمغرب، واستقر بسلا، وتوالت مدائحه للسلطان أبى سالم، ومنها قصيدة طويلة يهنىء فيها السلطان بفتح تلمسان (761 هـ) هذا مطلعها:

أطاع لسانى فى مديحك إحسانى

وقد لهجت نفسى بفتح تلمسان

فأطلعتها تفتر عن شنب المنى

وتسفر عن وجه من السعد حيانى

كما ابتسم النوار عن أدمع الحيا

وجف بخد الورد عارض نيسان

كما صفقت ريح الشمال شمولها

فبان ارتياح السكر فى غصن البان (3)

وبعث إلى السلطان فى الوقت نفسه من سلا، برسالة بليغة يهنئه فيها بذلك الفتح الكبير (4).

أنفق ابن الخطيب ومليكه فى المنفى زهاء عامين ونصف، حتى مهدت حوادث الأندلس لسقوط المغتصب، واستطاع الغنى بالله بمعاونة الوزير عمر المتغلب على المغرب، أن يسترد ملكه، وذلك فى جمادى الآخرة سنة 763 هـ (1361 م)، ورد السلطان وزيره ابن الخطيب إلى سابق مكانته فى الوزارة، ولكنه لم ينعم تلك المرة بسابق حظوته ونفوذه، إذ كان ينافسه فى السلطة شيخ الغزاة عثمان بن يحيى، الذى قربه السلطان وأولاده عطفه، لما قام به

(1) كتاب العبر ج 7 ص 332 وما بعدها.

(2)

راجع نفح الطيب ج 3 ص 334، حيث ينقل تلك الفقرات. وتوجد من كتاب "نثير الجمان" نسخة خطية وحيدة بدار الكتب المصرية تحفظ برقم 1863 آداب.

(3)

وردت هذه القصيدة بأكملها فى نفح الطيب ج 3 ص 16 - 19؛ وفى بعض أجزائها ينحو

ابن الخطيب نحو أبى البقاء فى مرثيته الأندلسية.

(4)

وردت هذه الرسالة فى نفح الطيب ج 3 ص 19 و 20

ص: 475

من معاونته فى استرداد ملكه. ونشبت بين الرجلين منافسة شديدة، وما زال ابن الخطيب يحرض السلطان ويحذره من نفوذ عثمان وآله، ويذكره بسابق غدرهم، حتى استجاب السلطان إلى تحريضه ونكبهم (رمضان سنة 764 هـ)، وبذا خلا له الجو، وتبوأ ذروة النفوذ والسلطان.

ويصف لنا ابن الخطيب، جهوده وعمله فى الوزارة يومئذ فى قوله: "ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة، بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان، وعفاف الحاشية، والأمن، وروم الثغور، وتثمير الجباية، وإنصاف الحماة والمقاتلة، ومقارعة الملوك المجاورة، فى إيثار المصلحة الدينية، والصدع فوق المنابر، ضماناً من السلطان، بترياق سم الثورة، وإصلاح بواطن الخاصة والعامة

" (1).

غير أن معظم الروايات تدل من جهة أخرى، على أن ابن الخطيب جنح عندئذ إلى الاستبداد وسوء المسلك والسيرة. وإليك كيف يصف صديقه ومعاصره ابن خلدون هذه الرحلة من حياته:

"وغلب على هوى السلطان، ودفع إليه تدبير الدولة، وخلط بنيه بندمائه وأهل حكومته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد، وانصرفت إليه الوجوه، وعلقت به الآمال، وغشى بابه الخاصة والكافة، وغصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفننوا فى السعاية فيه"(2).

وأنفق ابن الخطيب بضعة أعوام أخرى فى الوزارة وهو يستأثر بكل سلطة ويتصرف تصرف الحاكم المطلق، ويثير حوله ضراماً من البغضاء والحسد. وكان السلطان يعرض فى البداية عن الإصغاء لأعدائه والوشاة به، ولكنه بدأ فى النهاية يتأثر بسعايتهم. وشعر ابن الخطيب أنه قد بدأ يتغير عليه، وخشى العاقبة، فعول على مغادرة الأندلس، واستأذن السلطان فى تفقد الثغور الغربية، وسار إليها فى نفر من خاصته ومعه ولده على، وما كاد يصل إلى جبل الفتح (جبل طارق)، حتى عبر البحر إلى سبتة (772 هـ)، وذلك بتفاهم سابق بينه وبين السلطان عبد العزيز المرينى، ملك المغرب، وكان يقيم يومئذ فى تلمسان عقب افتتاحه لها، فقصد إليها ابن الخطيب، واستقبله السلطان بحفاوة، وأنزله أكرم منزل، وبعث سفيراً إلى الأندلس ليسعى فى استقدام أسرة الوزير المنفى، فأتى بها معززة مكرمة،

(1) نفح الطيب ج 3 ص 41.

(2)

ابن خلدون فى كتاب العبر ج 7 ص 335

ص: 476

وتبوأ ابن الخطيب فى بلاط ملك المغرب أسمى مكانة. وغص خصوم ابن الخطيب بغرناطة، بنجاته على هذا النحو، فعولوا على ملاحقته وسحق هيبته، فاتهموه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، والطعن فى النبى، والقول بالحلول، وسلوك مذهب الفلاسفة الملحدين، واستندوا فى ذلك إلى بعض أقوال وردت فى رسائله ومقالاته أوّلوها وفق مقاصدهم. وكان تلميذه وخلفه فى الوزارة أبو عبد الله بن زمرك، أكبر مروج لهذه الدعاية، وتولى صوغ الإتهام القاضى أبو الحسن على بن عبد الله النباهى عدو ابن الخطيب الألد، وأفتى بوجوب حرق كتبه التى تتناول العقائد والأخلاق، فأحرقت فى غرناطة بمحضر من الفقهاء والمدرسين والعلماء "لما تضمنته من المقالات التى أوجبت ذلك عندهم وحققته لديهم"(سنة 773 هـ)(1). ووجه أبو الحسن إلى ابن الخطيب بالمغرب رسالة شديدة، ينوه فيها بما ارتكبه من الطعن فى حق النبى، ويقول:"فإنه نقل عنكم فى هذا الباب أشياء منكرة، يكبر فى النفوس التكلم بها، أنتم تعلمونها وهى التى زرعت فى القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم، مع استشعار الشفقة والوجل، من وجه آخر عليكم، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص السلطة عنكم، لكانت الأمة المسلمة امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت بهذه الجهات لطلب الحق منكم". ثم يعدد مثالبه فى الحكم قائلا: "فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول، ما صدر من العبث، فى الإبشار والأموال، وهتك الأعراض وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر والحيل والغدر، فى غالب الأحوال، للشريف والمشروف والخادم والمخدوم"(2). وسجل القاضى أبو الحسن تهمة الزندقة على ابن الخطيب، وصادق السلطان على حكمه، وأرسل القاضى رسله إلى السلطان عبد العزيز، يطالب بتنفيذ حكم الشرع فى الوزير الملحد وهو الإعدام، فأنف السلطان لطلبه وعنف رسل الأندلس، وقال لهم:"هلا أنفذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم، وأنتم عالمون بما كان عليه" وردهم خائبيين، وزاد فى إكرام ابن الخطيب ورعايته (3).

(1) كتاب المرقبة العليا، أو تاريخ قضاة الأندلس لأبى الحسن النباهى المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال ص 202.

(2)

نفح الطيب ج 3 ص 69.

(3)

راجع ابن خلدون فى كتاب العبر ج 7 ص 235 و 236، ونفح الطيب ج 3 ص 67 و 68

ص: 477

ولما توفى السلطان عبد العزيز بعد ذلك بقليل (774 هـ)، وخلفه ولده السعيد طفلا على العرش، غادر بلاطُ المغرب تلمسان، وسار ابن الخطيب برفقة الوزير أبى بكر بن غازى القائم بالدولة، ونزل بفاس، واقتنى الضياع والدور، واستمر على مكانته فى الدولة. ولكن حوادث المغرب ما لبثت أن تمخضت عن انقلاب جديد. ذلك أن الثورة نشبت فى شمال المغرب، على يد بعض الزعماء من بنى مرين. وعضدت حكومة الأندلس هذه الحركة وأمدتها بالعون، ونادى الثوار بولاية الأمير أحمد بن السلطان أبى سالم. وحاول الوزير ابن غازى مقاومة الثوار فلم يفلح، واقتحم الخوارج فاس فأذعن الوزير، وخلع الملك الطفل السعيد، وجلس السلطان أحمد على العرش وذلك فى أوائل سنة 776 هـ (1374 م).

وكان ابن الخطيب قد لجأ فى أثناء ذلك إلى البلد الجديد (ضاحية فاس)، وكان التفاهم قد تم بين السلطان ابن الأحمر (الغنى بالله) وزعماء الفتنة، بشأن ابن الخطيب ومصيره؛ فلما وقع الانقلاب بادر السلطان الجديد بالقبض على ابن الخطيب واعتقاله، تنفيذاً للعهد الذى قطعه لابن الأحمر، ولم يدخر وزيره سليمان بن داود، وقد كان من ألد خصوم ابن الخطيب، جهداً فى تشديد النكير عليه وتدبير مصرعه. وكان ابن الأحمر يتوق إلى الانتقام من وزيره السابق، لما نمى إليه من أنه كان يحرض السلطان عبد العزيز على غزو الأندلس. وبعث ابن الأحمر وزيره أبا عبد الله بن زمرك إلى فاس ليعمل على تحقيق هذه الغاية، وعقد السلطان أحمد مجلساً من رجال الدولة وأهل الشورى، استدعى إليه ابن الخطيب لمناقشته، ومواجهته بالتهم المنسوبة إليه، وأخصها تهمة الزندقة، استناداً إلى ما ورد فى بعض رسائله، وعزر ابن الخطيب وعذب أمام الملأ، وأفتى بعض الفقهاء المتعصبين بوجوب قتله، ودس عليه الوزير سليمان بعض الأوغاد فقتلوه خنقاً فى سجنه، وأخذت جثته فى الغد وأضرمت فيها النار، ثم دفنت خارج فاس على مقربة من باب المحروق؛ وما زال قبره المتواضع قائماً هنالك فى مكانه حتى يومنا (1).

وهكذا ذهب الكاتب والمفكر الكبير، ضحية الجهالة والتعصب والأحقاد

(1) كتبت ترجمة مستفيضة لحياة ابن الخطيب، والحوادث السياسية التى تقلب فيها، صدّرتُ بها كتاب "الإحاطة فى أخبار غرناطة"، الذى عنيت بتحقيقه، وصدر منه الجزء الأول بالقاهرة فى سنة 1956 (ص 30 - 82)

ص: 478

السياسية الوضيعة؛ وقد نقل إلينا صديقه ابن خلدون عنه أبياتاً من الشعر، كان يرددها وهو فى سجنه، ويرثى بها نفسه توقعاً لمصيره المحزن:

بعدنا وإن جاورتنا البيوت

وجئنا بوعظ ونحن صُموت

وأنفاسنا سكنت دفعة

كجهر الصلاة تلاه القنوت

وكنا عظاماً فصرنا عظاما

وكنا نقوت فها نحن قوت

وكنا شموس سماء العلا

غربن فناحت عليها البيوت

فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذى لا يفوت

فمن كان يفرح منكم له

فقل يفرح اليوم من لا يموت (1).

ومن الصعب علينا أن نلم بمجهود ابن الخطيب الفكرى والأدبى فى هذا المقام الضيق. والحقيقة أن ابن الخطيب كان عبقرية متعددة الجوانب، فكان طبيباً وفيلسوفاً وشاعراً وكاتباً، وكان سياسياً ومؤرخاً، وقد ترك لنا تراثاً ضخماً منوعاً، من مؤلفات عديدة، أدبية وتاريخية وطبية، وطائفة كبيرة من غرر القصائد والموشحات، ورسائل أدبية وسياسية لا تحصى؛ ومن أشهر رسائله بنوع خاص رسائله السلطانية، التى كان يكتبها عن حوادث عصره برسم ملوك المغرب، وتلك التى كان يوجهها إلى أهل الأندلس من وقت إلى آخر، يحثهم فيها على الجهاد، والذود عن وطن يتربص به العدو، ويعتزم القضاء عليه، وهى رسائل تدلى بما كان لابن الخطيب من فكر ثاقب وبصيرة نافذة، هذا فضلا عما تمتاز به من روعة البيان والأسلوب.

ونستطيع أن نذكر من مؤلفات ابن الخطيب الكتب الآتية:

الإحاطة فى أخبار غرناطة وهو أشهر آثاره التاريخية والأدبية. التاج المحلى فى مساجلة القدح المعلى. ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، وهو يضم طائفة من أشهر رسائله السلطانية. اللمحة البدرية فى الدولة النصرية. رقم الحلل فى نظم الدول، وهو تاريخ شعرى لدول الإسلام والأندلس. نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب، وفيه يصف أحواله وأخباره أثناء إقامته منفياً بالمغرب. كناسة الدكان بعد انتقال السكان. معيار الاختيار فى ذكر المشاهد والديار. السحر والشعر، وهو من مختاراته الشعرية. ويوجد من هذه الآثار كلها نسخ مخطوطة بمكتبة دير الإسكوريال

(1) كتاب العبر ج 7 ص 341، و 352؛ وأزهار الرياض ج 1 ص 231

ص: 479

والكتيبة الكامنة فى أدباء المائة الثامنة. وأعمال الأعلام، وكلاهما يوجد بمكتبة أكاديمية التاريخ الملكية بمدريد.

ومن مؤلفاته الطبية: عمل من طب لمن حب، وهو كتاب فى وصف الأمراض والعلاج ألفه للسلطان أبى سالم المرينى (ومنه نسخة خطية بخزانة القرويين وأخرى بمكتبة مدريد الوطنية). والرجز فى عمل الترياق. رسالة تكوين الجنين.

الوصول لحفظ الصحة فى الفصول. مُقنعة السائل فى المرض الهائل، وفيه يصف أعراض الوباء الكبير فى سنة 749 هـ (ومنه نسخة بمكتبة الإسكوريال).

ومن مؤلفاته السياسية: رسالة فى السياسة. كتاب الإشارة إلى أدب الوزارة، (وهما أيضاً بالإسكوريال) وقد نقلهما المقرى فى نفح الطيب (1).

وله ديوان شعر عنوانه: "الصيب والجهام، والماضى والكهام " توجد منه نسخة مخطوطة بخزانة جامع القرويين بفاس.

ولابن الخطيب تراث حافل من الرسائل الأدبية والسياسية التى وردت فى مختلف مؤلفاته، وقد نقل إلينا المقرى منها العدد الجم، ونقل إلينا ابن خلدون بعض ما كان يتبادله معه من رسائل خاصة (2).

ويفرد المقرى فى كتابه نفح الطيب مجلدين كاملين (هما الثالث والرابع) لابن الخطيب وأخباره، وشعره ونثره، وشيوخه وتلاميذه؛ وقد نقل إلينا فيهما، من مختلف كتبه ورسائله، فصولا وشذوراً لا تحصى، كما نقل إلينا وصيته لأولاده، وهى من أبدع ما كتب (3).

وكان ابن الخطيب من أئمة الموشحات الأندلسية، ومن أشهر نظمه الموشحة الذائعة الصيت التى مطلعها:

جادَك الغيث إذا الغيث هَمَى

يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلماً

فى الكرى أو خُلسة المختلس

(1) يراجع الثبت الكامل لمؤلفات ابن الخطيب وأمكنة وجودها، وما نشر منها وما لم ينشر، فى مقدمة كتاب الإحاطة الذى سبقت الإشارة إليه (ج 1 ص 68 - 78).

(2)

راجع كتاب العبر ج 7 ص 421 - 430، وكذلك التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا (القاهرة 1951). وقد أورد لنا المقرى فى أزهار الرياض ثبتاً لآثار ابن الخطيب (ج 1 ص 189 و 190).

(3)

راجع نفح الطيب ج 4 ص 419 - 426

ص: 480

إذ يقود الدهر أشتات المُنى

ينقل الخطو على ما يَرْسمُ

زُمراً بين فرادى وثُنا

مثل ما يدعو الوفودَ الموسمُ

والحيا قد جَلَّل الروض سَنا

فثغور الزهر منه تبسم (1).

- 3 -

كان ابن الخطيب قطب الشعر والنثر فى عصره، وكان محور الحركة الفكرية الأندلسية كلها، فى أواسط القرن الثامن الهجرى، تجتمع إليه وتلتف حوله؛ وقد أتينا على ذكر بعض أكابر الشعراء من معاصريه، المتقدمين عنه، مثل ابن الجياب وابن سلبطور وابن خاتمة. وسنأتى هنا على ذكر أقطاب الشعر والأدب من معاصريه المتأخرين عنه. بيد أنه يجب أن نلاحظ أن عبقرية ابن الخطيب الأدبية، قد طبعت هذه المرحلة كلها، من تاريخ الحركة الفكرية الأندلسية، بطابعها القوى، وبعثت إليها كثيراً من أسباب القوة والروعة، حتى ليسوغ لنا أن نقول إن مدرسة ابن الخطيب الأدبية، امتدت منذ عصره إلى أواخر القرن الثامن، وأوائل القرن التاسع الهجرى.

بل يلوح لنا أن الأثر القوى الذى بثته هذه المدرسة الأدبية الباهرة، لم يقتصر على مملكة غرناطة، بل تعدى حدود الأندلس المسلمة إلى قواعد الأندلس الذاهبة، التى دخلت فى حوزة النصارى وتدجن أهلها، فبدا بها شعاع ضئيل من النبوغ الأدبى القديم، وظهر فيها بعض الشعراء الموهوبين، بالرغم من مضى أكثر من قرن على خضوعها لحكم اسبانيا النصرانية. فمثلا نجد بين كتاب بلنسية وشعرائها يومئذ، الفقيه أبا جعفر بن عبد الملك العذرى، ومما كتبه لابن الخطيب فى بعض الشئون:

إنى بمجدك لم أزل مستيقناً

أن لا يهدم بالتغير ما بنى

إذ أنت أعظم ماجد يعزى له

صنع وأكرم من عفا عمن جنى

وكتب له أيضاً:

إن كان دهر قد أساء وجارا

فذمام مجدك لا يضيع جارا

فلأنت أعظم ملجأ ينجى إذا

ما الدهر أنجد مُوعداً وأغارا (2)

(1) راجع هذه الموشحة بأكملها فى نفح الطيب ج 4 ص 198 وما بعدها.

(2)

راجع نفح الطيب ج 3 ص 426

ص: 481

وكان الوزير ابن زَمرك، تلميذ ابن الخطيب وخلفه فى الوزارة، أعظم شخصية تزعمت من بعده الحركة الأدبية بالأندلس. وهو محمد بن يوسف بن محمد الصريحى الشهير بأبى عبد الله بن زمرك، أصله من شرقى الأندلس، ونزحت أسرته إلى غرناطة. واستقرت بربض البيازين حى غرناطة الشمالى. وبه ولد أبو عبد الله سنة 733 هـ (1333 م) ودرس دراسة حسنة فى غرناطة وفاس، وخدم حيناً فى بلاط السلطان أبى سالم المرينى. ولما نفى السلطان الغنى بالله إلى المغرب، اتصل به ابن زمرك وانقطع إليه. ثم عاد حين استرد ملكه، فولاه كتابة السر وغمره بعطفه.

وظهر ابن زمرك يومئذ ببارع أدبه، وروعة نظمه ونثره؛ وينوه ابن الخطيب

فى الإحاطة بذكائه وخلاله، وتفوقه فى الدرس والأدب، ويصفه بالعبارات الآتية: "شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل، مع حياء وحشمة

ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النبل، بعيد مدى الإدراك "ثم يصف شعره بأنه" مترام إلى هدف الإجادة، كلف بالمعانى البديعة، والألفاظ الصقيلة، غزير المادة".

وعمل ابن زَمرك فى كتابة السر فى كنف ابن الخطيب وتحت رعايته. ولكنه

كان ضالعاً مع خصومه، فلما انقضت العاصفة على ابن الخطيب وأصابته المحنة، كان ابن زمرك فى طليعة أعدائه الساعين إلى هلاكه. وقد خلفه فى الوزارة عقب فراره، وهو الذى تولى مهمة السعى لدى بلاط فاس فى محاكمته وإعدامه حسبما أسلفنا.

واستمر ابن زمرك على حظوته ونفوذه أعواماً طويلة، ولكنه كان لطغيانه وغطرسته وحدة لسانه، يثير حوله كثيراً من البغض والخصومة. وفى أواخر عهد الغنى بالله فقد حظوته ونفوذه، واعتقل ونفى خارج غرناطة، ولكنه عاد بعد وفاته إلى الحضرة. وفى بداية عهد السلطان محمد بن يوسف الثانى، أعيد إلى الوزارة، فأساء السيرة، واشتد عيثه وطغيانه، وكثر خصومه. وفى ذات ليلة من أواخر سنة 797 هـ (1395 م) دهمه فى منزله جماعة من المتآمرين، فقتلوه وولديه وخدمه شر قتلة. وينوه المقرى بما فى ذلك من عبر الدهر، إذ كان ابن زمرك هو الساعى إلى مقتل أستاذه ابن الخطيب، فكان أن دارت عليه الدائرة، وقتل مثله ولكن بصورة أقسى وأشنع (1).

(1) نفح الطيب ج 4 ص 286 - 290، وينقل إلينا المقرى ترجمة ابن زمرك عن كتاب معاصره الأمير اسماعيل بن الأحمر، وينقل إلينا فى أزهار الرياض كثيراً من موشحاته (ج 2 ص 177 =

ص: 482

ولابن زَمرك شعر كثير جيد نقل إلينا المقرى منه قصائد وموشحات عديدة، فمن شعره قوله يمتدح سلطان الأندلس الغنى بالله فى سنة 765 هـ:

لعل الصبا إن صافحت روض نعمان

تؤدى أمان القلب عن ظبية البان

وماذا على الأرواح وهى طليقة

لو احتملت أنفاسها حاجة العانى

وما حال من يستودع الريح سره

وبطلبها وهى النوم بكتمان

وكالطيف أستقريه فى سنة الكرى

وهل تنفع الأحلام غلة ظمآن

إمام أعاد الملك بعد ذهابه

إعادة لا تأبى الحسام ولا وانى

فغادر أطلال الضلال دوارسا

وجدد للإسلام أرفع بنيان

وشيدها والمجد يشهد دولة

محافلها تزاهى بيمن وإيمان

ومن قوله من قصيدة طويلة يصف فيها دار الملك (الحمراء):

فكم فيه للأبصار من متنزه

تجد به نفس الحليم الأمانيا

وتهوى النجوم الزهر لو ثبتت به

ولم تك فى أفق السماء جواريا

به البهو قد حاز البهاء وقد غدا

به القصر آفاق السماء مباهيا

وكم حلة قد جللت بحليها

من الوشى تنسى السابرى اليمانيا

وكم من قسى فى ذرة ترفعت

على عمد بالنور باتت حواليا

فتحسبها الأفلاك دارت قسيها

تظل عمود الصبح إذ بات باديا

سوارى قد جاءت بكل غريبة

فطارت بها الأمثال تجرى سواريا

بل المرمر المجلو قد شف نوره

فيجلو من الظلماء ما كان داجيا

به البحر دفاع العباب تخاله

إذا ما انبرى وفد النسيم مباريا

إذا ما جلت أيد الصبا متن صفحة

أرتنا دروعاً أكسبتنا الأباديا

ومن قوله يشيد بأعمال الأميرين سعد ونصر، ولدى السلطان، فى ميدان الجهاد:

يا آل نصر أنتم سُرج الهدى

فى كل خطب قد تجهم مظلم

الفاتحون لكل صعب مقفل

والفارجون لكل خطب مبهم

والباسمون إذا الكماة عوابس

والمقدمون على السواد الأعظم

أبناء أنصار النبى وحزبه

وذوى السوابق والجوار الأعظم

ومن قوله فى الغزل:

= وما بعدها). وقد أورد المستشرق بروكلمان (ج 2 ص 229) تاريخ مقتله فى سنة 795 هـ (1393 م) ُولكن رواية ابن الأحمر هى الأرجح

ص: 483

قيادى قد تملكه الغرام

ووجدى لا يطاق ولا يرام

ودمعى دونه صوب الغوادى

وشجوى فوق ما يشكو الحمام

إذا ما الوجد لم يبرح فؤادى

على الدنيا وساكنها السلام

ولابن زمرك موشحات كثيرة رائعة، ومنها موشحته الشهيرة فى الإشادة بغرناطة ومحاسنها إذ يقول:

نسيم غرناطة عليل

لكنه يبرىء العليل

وروضها زهره بليل

ورشفه ينقع الغليل

سقى بنجد ربا المصلى

مباكراً روضه الغمام

سقى بنجد ربا المصلى

تبسم الزهر فى الكمام

والروض بالحسن قد تجلى

وجرد النهر عن حسام

ودوحها ظله ظليل

يحسن فى ربعه المقبل

والبرق والجو مستطيل

يلعب بالصارم الصقيل

عقيلة تاجها السبيكة

تطل بالمركب المنيف

كأنها فوقه مليكة

كرسيها جنة العريف

تطلع من عسجد سبيكة

شموسها كلما تطيف

أبدعك الخالق الجميل

يا منظراً كله جميل

قلبى إلى حسنه يميل

وقلبنا قد صبا جميل (1).

ونكتفى بما تقدم فى الاقتباس من شعر الوزير ابن زمرك. ويلوح لنا أنه قد يتفوق فى شاعريته على أستاذه ابن الخطيب، وأن إنتاجه الشعرى ولاسيما فى الموشحات قد يتفوق على إنتاج أستاذه، على أنه لا ريب أنه يقصر عن مجاراة ابن الخطيب، فى كثير من نواحى التفكير والإنتاج الأخرى.

وظهر من أعلام تلك المدرسة الزاهرة، إلى جانب ابن الخطيب وابن زمرك، عدة آخرون من الشعراء والكتاب، منهم أبو سعيد فرج بن لب؛ ولد سنة 701 هـ وتوفى سنة 782 هـ (1380 م)، وكان من أشهر أساتذة المدرسة النصرية (جامعة غرناطة)، وقد ولى خطابة الجامع الأعظم حيناً، وكان فوق تضلعه فى الفقه شاعراً مجيداً، وقد ترك لنا مجموعة من الفتاوى المشهورة، وطائفة من الشعر الجيد، ومن نظمه قوله:

(1) راجع ترجمة ابن زمرك وهى التى نقلها المقرى عن ابن الأحمر، فى نفح الطيب ج 4 ص 87 وما بعدها، وقد نقل إلينا المقرى كثيراً من قصائده وشعره (ج 4 ص 296 - 354)

ص: 484

خذوا للهوى من قلبى اليوم ما أبقى

فما زال قلبى كله للهوى رقا

دعوا القلب فى لظى الوجد ناره

فنار الهوى الكبرى وقلبى هو الأشقى

سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا

فكل الذى يلقون بعض الذى ألقى

فإن كان عبد يسأل العتق سيداً

فلا تبغى من مالكى فى الهوى عتقا (1).

ومنهم القاضى أبو محمد بن عطية بن يحيى المحاربى كاتب الإنشاء، وكان بارعاً فى النظم والنثر وخطيباً مفوهاً، أصله من وادى آش وبها ولد سنة 709 هـ، وتولى القضاء بها. ووفد على غرناطة سنة 756 هـ ودرس على ابن الخطيب وغيره من أكابر الشيوخ، وتولى الكتابة السلطانية حيناً. ومن شعره قوله:

ألا أيها الليل البطىء الكواكب

متى ينجلى صبح بليل المآرب

وحتى متى أرعى النجوم مراقباً

فمن طالع منها على إثر غارب

أحدث نفسى أن أرى الركب سائراً

وذنبى يقصينى بأقصى المغارب

فلا فزت من نيل الأمانى بطائل

ولا قمت فى حق الحبيب بواجب (2)

ومنهم الأمير الأديب أبو الوليد اسماعيل بن يوسف بو محمد بن الأمير الرئيس أبى سعيد فرج أمير مالقة المعروف بالأمير ابن الأحمر، قد سبقت الإشارة إليه. وكان أديباً ضليعاً، وقد تناول فى كتابه "نثير فرائد الجمان فى نظم فحول الزمان"(3)، أكابر الكتاب والشعراء فى القرن الثامن الهجرى، وأفاض بنوع خاص فى ذكر ابن الخطيب وتلميذه ابن زمرك، ونقل عنه المقرى فى كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض، معظم ما كتب عن أدباء عصره، ونقل عنه بالأخص كثيراً مما كتبه عن ابن زمرك حسبما بينا فى موضعه، وللأمير ابن الأحمر كتاب آخر عنوانه "نثير الجمان فى شعر من نظمنى وإياه الزمان" يحتوى على اثنتى عشر بابا، يتحدث فيها عن شعر ملوك بنى الأحمر، وشعر ملوك بنى حفص، وبنى مرين، وبنى عبد الواد، وعن شعر وزراء الأندلس وقضاتها وكتابها، وكتاب وقضاة المغرب فى عصره (4). ولمع الأمير ابن الأحمر

(1) راجع نفح الطيب ج 3 ص 267 و 268.

(2)

نفح الطيب ج 4 ص 362 - 365.

(3)

وتوجد منه نسخة بدار الكتب المصرية تحفظ برقم 7913 أدب.

(4)

وتوجد منه نسخة وحيدة مخطوطة بدار الكتب المصرية ناقصة الأول وتحفظ برقم 1863 آداب اللغة العربية

ص: 485

فى أواخر القرن الثامن، وتوفى سنة 807 هـ (1404 م)(1).

ومنهم أبو عبد الله الشريشى تلميذ ابن الخطيب ومساعده (أمينه)، وكان مؤدباً لأبناء السلطان، وهو الذى تولى نقل كتاب الإحاطة لابن الخطيب من مسوداته، بتكليف منه لاشتغاله بشئون الوزارة، فجاء فى ستة مجلدات، وكان الشريشى فى الوقت نفسه من علماء القرآن والسنة (2).

ونستطيع أن نذكر إلى جانب هذه الجمهرة الممتازة من الشعراء والأدباء، عدة من الفقهاء والمؤرخين، منهم ابن فرحون برهان الدين ابراهيم بن على اليعمرى الأندلسى المتوفى سنة 799 هـ (1397 م)، وكان فقيهاً ومؤرخاً، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "الديباج المذهب فى معرفة علماء أعيان المذهب"، وهو تراجم طبقات المالكية. وقد طبع مراراً بالمغرب ومصر، وكتاب "طبقات علماء العرب" ومنه نسخة بالإسكوريال (3).

ومنهم أبو الحسن على بن عبد الله بن محمد الجذامى المالقى النباهى، ولد بمالقة سنة 713 هـ ودرس على أشياخها. ثم وفد على غرناطة، وتولى القضاء، ثم عين كاتباً بالديوان. وانتهى إلى ولاية قضاء الجماعة وغرناطة. ونشبت بينه وبين ابن الخطيب خصومة شديدة، وتبادلا الطعن والهجاء اللاذع فى عدة رسائل ومقالات، ولما نكب ابن الخطيب وغادر الأندلس، كان النباهى فى مقدمة متهميه بالكفر والزندقة والساعين إلى هلاكه حسبما قدمنا. وتوفى فى أواخر القرن الثامن. ومن آثاره الباقية كتاب يسمى "بالإكليل فى تفضيل النخيل" وهو كتاب أدبى وضعه مؤلفه على لسان نخلة وكرمة. ويعرف أحياناً "بنزهة البصائر" وهو العنوان الذى تحمله نسخته الخطية الموجودة بمكتبة الإسكوريال. وقد وردت به نبذة حسنة عن تاريخ الدولة النصرية حتى عصر المؤلف (4). وكتاب "المرقبة العليا فيمن يستحق

(1) وللأمير ابن الأحمر أيضاً كتاب فى تاريخ بنى مرين عنوانه "النفحة النسرينية واللمحة المرينية" وهو كتاب صغير الحجم ومنه نسخة مخطوطة بالإسكوريال (رقم 1769 الغزيرى).

(2)

نفح الطيب ج 4 ص 757.

(3)

راجع نفح الطيب ج 3 ص 298 و 299؛ وبروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 263.

(4)

تحفظ هذه النسخة بمكتبة الإسكوريال برقم 1653 الغزيرى. وهى قديمة وتحمل تاريخاً لقراءتها هو سنة 781 هـ (1379 م). وتوجد منه نسخة خطية أخرى بخزانة الرباط

ص: 486

القضاء والفتيا" وهو تاريخ لقضاء الأندلس (1).

ومنهم الفقيه أبو القاسم بن سلمون الكنانى الغرناطى قاضى الجماعة بغرناطة المتوفى سنة 767 هـ (1365 م)، ومن آثاره كتاب "العقد المنظم للحكام فيما يجرى بين أيديهم من الوثائق والأحكام (2)؛ وأبو عبد الله محمد بن على بن إسحق الرندى المتوفى سنة 792 هـ (1389 م)، وكان من أقطاب التصوف، وقد كتب كتاب "الرسائل الكبرى" و "غاية المواهب العلية بشرح الحكم العطائية" (3).

وأما فى ميدان العلوم فلم نعثر على ما يدل على ازدهارها فى تلك الفترة؛ على أننا نستطيع أن نذكر أن ابن الخطيب كان إلى جانب أدبه الممتاز، عالماً بالطب والفلسفة، وكان من تلاميذه الطبيب العالم ابن المهنا شارح ألفية ابن سينا، وشرحه عليها من أقيم الشروح (4).

(1) وقد قام على نشره الأستاذ ليفى بروفنسال، ونشره بعنوان "تاريخ قضاة الأندلس". (القاهرة سنة 1948). وراجع فى ترجمة النباهى الكتاب المشار إليه (المقدمة)، وأزهار الرياض ج 2 ص 5 - 7. وراجع بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 262.

(2)

بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 264.

(3)

بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 265.

(4)

راجع نفح الطيب ج 4 ص 756

ص: 487