الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثانى
مأساة النفى
قضية الموريسكيين مشكلة قومية لإسبانيا. استحالة العرب المتنصرين إلى شعب جديد. تشعب الآراء حول التخلص منهم. ولاية فيليب الثالث. مشروع دوق دى ليرما للقضاء على الموريسكيين. تقرير المطران ربيرا ومقترحاته. مجلس الدولة يبحث مشروع نفى الموريسكيين. مقترحات اللجنة الملكية. قرار مجلس الدولة. الإستعداد للتنفيذ. صدور مرسوم النفى النهائى. ما يحتويه المرسوم من الأحكام. موقف الموريسكيين. تظلم المدجنين. بدء التنفيذ فى بلنسية. الرحيل إلى وهران وتلمسان. المنفيون من لقنت. مقاومة الموريسكيين فى بعض الأنحاء. إعلان قرار النفى فى قشتالة. إحصاءات عن المنفيين. إعلان قرار النفى غرناطة. إعلانه فى باقى الجهات. تفرق المنفيين فى مختلف الثغور. الإعتداء على المنفيين. عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا. رواية موريسكية عن أحوال الموريسكيين وظروف النفى. رواية المقرى عن مأساة النفى. روايات عربية أخرى. آثار الموريسكيين الأخيرة فى اسبانيا.
تلك هى البواعث والظروف التى حملت اسبانيا النصرانية، على التوجس من العرب المتنصرين، واعتبارهم خطراً قومياً يجب العمل على درئه والتخلص منه. وكان هذا التوجس يزيد على كر الأعوام، وتذكيه الحوادث المتوالية: ثورات الموريسكيين ولاسيما ثورة غرناطة الكبرى، وغارات القراصنة على الشواطىء الإسبانية، وصلات الموريسكيين الدائمة بمسلمى إفريقية وبلاط قسطنطينية؛ وسواء أكان هذا الخطر حقيقياً يهدد سلامة اسبانيا، أم كان للتحامل والبغض أثر فى تصويره، فقد غدت قضية العرب المتنصرين، غير بعيد فى نظر السياسة الإسبانية، مشكلة قومية خطيرة يجب التذرع لمعالجتها بأشد الوسائل وأنجعها.
وكانت السياسة الإسبانية، تعتزم منذ أواخر عهد فيليب الثانى، أن تتخذ خطوتها الحاسمة، فى شأن الموريسكيين. وكان هذا الملك المتعصب يعتزم نفى الموريسكيين بعد الذى عانته اسبانيا فى قمع ثورتهم، ووضع بالفعل فى سنة 1582 مشروعاً لنفيهم، ولكن مشاغل السياسة الخارجية حالت دون تحقيق مشروعه. وكان قد مضى يومئذ زهاء قرن على سقوط غرناطة، واستحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، لا تكاد تربطه بالماضى المجيد سوى ذكريات
غامضة. وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ، وغدا أبناء قريش ومضر بحكم القوة والإرهاق، نصارى يشهدون القداس فى الكنائس، ويتكلمون ويكتبون القشتالية، غير أنهم لبثوا مع ذلك فى معزل، وأبت اسبانيا النصرانية، بعد أن فرضت عليهم دينها ولغتها ومدنيتها، أن تضمهم إلى حظيرتها القومية. وكانت ما تزال ثمة منهم جموع كبيرة فى بلنسية ومرسية وغرناطة، وغيرها من القواعد الأندلسية القديمة، وكانوا ما يزالون رغم العسف والإرهاق، والاضطهاد والتشريد والذلة، قوة أدبية واجتماعية خطيرة، وعنصراً بارزاً فى إنتاج اسبانيا القومى، ولاسيما فى الصناعات والفنون. ولكن السياسة الإسبانية كانت تخشاهم بالرغم من ضعفهم وخضوعهم، بعد أن فشلت بوسائلها الهمجية البغيضة فى كسب محبتهم وولائهم. وكان ديوان التحقيق من جهة أخرى، ومن ورائه الأحبار والكنيسة، يعتبرهم بالرغم من تنصرهم، أبدا وصمة فى نقاء النصرانية، ويتصور الإسلام دائماً يجرى كالدم فى عروقهم.
وقد تضاربت آراء الساسة والأحبار الإسبان، فى شأن الخطوة الحاسمة التى يجب اتخاذها، للقضاء على خطر الموريسكيين. ورأى بعض أكابر الأحبار أن خطر الموريسكيين لا يزول إلا بالقضاء على الموريسكيين أنفسهم. وكان مما اقترحه المطران ربيرا أن يقضى عليهم بالرق، وأن يؤخذ منهم كل عام بضعة آلاف للعمل فى السفن ومناجم الهند، حتى يتم إفناؤهم بهذه الطريقة، وذهب البعض الآخر إلى وجوب قتل الموريسكيين دفعة واحدة، أو قتل البالغين منهم، واسترقاق الباقين وبيعهم عبيداً، وكان مما اقترحه بعض وزراء فيليب الثانى أن يجمع الموريكسيون، ويحملوا على السفن ثم يغرقوا فى عرض البحر (1). واستمرت السياسة الإسبانية حينا تتلمس المخرج وسط هذه الحلول الهمجية، حتى توفى فيليب الثانى (سنة 1598) وخلفه ولده فيليب الثالث. وكان هذا الملك الفتى، ضعيف الرأى والإرادة، يتأثر كأبيه بنفوذ الأحبار، ويخضع لوحى وزيره وصفيه الدوق دى ليرما. وكان الدوق من أشد أنصار فكرة القضاء على الموريسكيين، وقد أشار بها منذ سنة 1599، ووضع لتنفيذها مشروعاً، خلاصته أن الموريسكيين إنما هم عرب، ويجب أن يعدم الشبان والكهول منهم، ما بين الخامسة عشرة والستين، أو أن يسترقوا ويرسلوا للعمل فى السفن، وتنزع أملاكهم. أما الرجال والنساء الذين جاوزوا الستين،
(1) Dr. Lea: The Moriscos، p. 296-299
فينفوا إلى المغرب، وأما الأطفال فيؤخذوا ويربوا فى المعاهد الدينية، وهو مشروع أقره مجلس الدولة، وأخذ يعمل سراً لحشد القوى اللازمة لحصر عدد الموريسكيين فى اسبانيا.
وفى سنة 1601 قدم المطران ربيرا إلى الملك، تقريراً يقول فيه إن الدين هو دعامة المملكة الإسبانية، "وإن الموريسكيين لا يعترفون، ولا يتقبلون البركة ولا الواجبات الدينية الأخيرة، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون النبيذ، ولا يعملون شيئاً من الأمور التى يعملها النصارى " ثم يوضح الأسباب التى تدعو إلى عدم الثقة فى ولائهم بقوله: "إن هذا المروق العام لا يرجع إلى مسألة العقيدة، ولكنه يرجع إلى العزم الراسخ فى أن يبقوا مسلمين، كما كان آباؤهم وأجدادهم، ويعرف المحققون العامون أن الموريسكيين بعد أن يعتقلوا عامين وثلاثة وتشرح لهم العقيدة فى كل مناسبة، يخرجون دون أن يعرفوا كلمة منها. والخلاصة أنهم لا يعرفون العقيدة، لأنهم لا يريدون معرفتها، ولأنهم لا يريدون أن يعملوا شيئاً يجعلهم يبدون نصارى"(1)، ثم يقول المطران فى تقرير آخر، إن الموريسكيين كفرة متعنتون يستحقون القتل، وإن كل وسيلة للرفق بهم قد فشلت، وإن اسبانيا تتعرض من جراء وجودهم فيها، إلى أخطار كثيرة، وتتكبد فى رقابتهم، والسهر على حركاتهم، وإخماد ثوراتهم، كثيراً من الرجال والمال. ثم يقترح أن تؤلف محكمة سرية من الأحبار، تقضى بردة الموريسكيين وخيانتهم، ثم تحكم علناً بوجوب نفيهم ومصادرة أملاكهم، وأنه لا ضير على الملك فى ذلك ولا حرج، ولكن مشروع المطران لم ينفذ، لأن مجلس الدولة كان يرى أن يسير فى تحقيق غاياته سراً، وألا تصطبغ إجراءاته فى ذلك بالصبغة الدينية.
ومضت بضعة أعوام أخرى، والفكرة تبحث وتختمر وتتوطد، حتى كانت حوادث المغرب فى أواخر سنة 1607، وما نسب للموريسكيين من صلة بمولاى زيدان ومشاريعه لغزو اسبانيا، وعزمهم على الثورة. عندئذ بادر مجلس الدولة بالاجتماع فى أواخر يناير سنة 1608، واستعرضت جميع الآراء والمشاريع السابقة، وبحثت جميع الاقتراحات؛ وكرر المطران ربيرا اقتراحه بوجوب نفى الموريسكيين إلى المغرب، وقال بأن النفى أرفق ما يمكن عمله، وأيد رأيه معظم الأعضاء الآخرين وذكروا أن نفى الموريسكيين أصبح ضرورة لا مفر منها، لأنهم يتكاثرون بسرعة،
(1) P. Longas: Vida Religiosa de los Moriscos ; p. LXVIII
بينما يتناقص عدد النصارى القدماء. وبحثت تفاصيل المشروع ووسائله، وما يجب اتخاذه من التحوطات لضمان تنفيذه، خصوصاً وقد بدأت أنباء المشروع تتسرب إلى الموريسكيين، وظهرت بينهم أعراض الهياج فى سرقسطة وبلنسية. وكانت الخطوة التالية أن عُهد بدرس المشكل كله، إلى لجنة خاصة على رأسها الدوق دى ليرما، ووضعت هذه اللجنة أسس المشروع التمهيدية بعد كبير جدل، وخلاصتها أن يمنح الموريسكيون شهراً لبيع أملاكهم ومغادرة اسبانيا إلى حيث شاءوا، فمن جاز منهم إلى إفريقية منح السفر الأمين، ومن جاز إلى أرض نصرانية أوصى به خيراً، ومن تخلف عن الرحيل بعد انقضاء هذه المدة، عوقت بالموت والمصادرة؛ ولم يعترض أحد على هذه الأسس فى ذاتها، على أن هذه الأسس الرفيقة نوعاً لم يؤخذ بها.
وفى يناير سنة 1609 بحث مجلس الدولة المسألة لآخر مرة، وقدم تقريراً ينصح فيه بوجوب نفى الموريسكيين، لأسباب دينية وسياسية فصّلها، وأهمها تعرض اسبانيا يومئذ خطر الغزو من مراكش وغيرها، وقيام الأدلة على أن الموريسكيين جميعاً خونة مارقون، يستحقون الموت والرق، ولكن اسبانيا تؤثر الرفق بهم، وتكتفى بنفيهم من أراضيها. وتقرر أن ينفذ المشروع كله فى خريف هذا العام، وأرسلت الأوامر إلى حكام صقلية ونابولى وميلان، بإعداد جميع السفن الممكنة لنقل الموريسكيين، وجميع القوات اللازمة لحراستهم، واجتمعت منذ أوائل الصيف فى مياه ميورقة، عشرات من السفن المطلوبة، وسارت أهبة التنفيذ بسرعة ونشاط.
وهكذا انتهت السياسة الإسبانية بعد فترة من التردد، إلى اتخاذ خطوتها الحاسمة فى القضاء على البقية الباقية من الموريسكيين، وتحقيق أمنيتها القديمة، فى "تطهير" اسبانيا نهائيا من آثار الإسلام وآثار العرب، ومحو تلك الصفحة الأخيرة لشعب عظيم تالد.
- 2 -
وفى 22 سبتمبر سسنة 1609 أعلن قرار (مرسوم) النفى النهائى للموريسكيين أو العرب المتنصرين، فساد بينهم الروع والاضطراب، وإليك نصوص هذا القرار الشهير فى صحف المآسى والاستشهاد:
يبدأ القرار بالتنويه بخيانة الموريسكيين، واتصالهم بأعداء اسبانيا، وإخفاق كل الجهود التى بذلت لتنصيرهم، وضمان ولائهم، وما استقر عليه رأى الملك من نفيهم جميعاً إلى بلاد البربر (المغرب). وبناء على ذلك فإنه يجب على جميع
الموريسكيين من الجنسين، أن يرحلوا مع أولادهم، فى ظرف ثلاثة أيام من نشر هذا القرار، من المدن والقرى إلى الثغور التى يعينها لهم مأمورو الحكومة، والموت عقوبة المخالفين؛ وأن لهم أن يأخذوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم، وأن السفن قد أعدت لنقلهم إلى بلاد المغرب، وسوف تتكفل الحكومة بإطعامهم أثناء السفر، ولكن عليهم أن يأخذوا ما استطاعوا من المؤن، وأنه يجب عليهم أن يبقوا خلال مهلة الأيام الثلاثة فى أماكنهم رهن إشارة المأمورين، ومن وجد متجولا بعد ذلك يكون عرضة للنهب والمحاكمة، أو الإعدام فى حالة المقاومة. وقد منح الملك السادة كل الأملاك العقارية والأمتعة الشخصية التى لم تحمل، فإذا عمد أحد إلى إخفاء الأمتعة أو دفنها، أو أضرم النار فى المنازل أو المحاصيل، عوقب جميع سكان الناحية بالموت. ونص القرار على استبقاء ستة فى المائة فقط من الموريسكيين للانتفاع بهم فى صون المنازل، والعناية بمعامل السكر، ومحصول الأرز، وتنظيم الرى، وإرشاد السكان الجدد، وهؤلاء يختارهم السادة، من بين الأسر الأكثر خبرة وأشد ولاء للنصرانية. أما الأطفال فإذا كانوا دون الرابعة، فإنه يسمح لهم بالبقاء إذا شاءوا (كذا) ورضى آباؤهم أو أولياؤهم، وإذا كانوا دون السادسة، سمح لهم بالبقاء إذا كانوا من أبناء النصارى القدماء، (أعنى من غير العرب المتنصرين)، وسمح كذلك بالبقاء لأمهم الموريسكية؛ فإذا كان الأب موريسكياً والأم نصرانية أصيلة، نفى الأب وبقى الأولاد الذين دون السادسة مع أمهم.
كذلك يسمح بالبقاء للموريسكيين الذين أقاموا بين النصارى مدى عامين، ولم يختلطوا "بالجماعة" إذا زكاهم القسس. وحظر القرار إخفاء الهاربين أو حمايتهم.
ويعاقب المخالف بالأشغال الشاقة لمدة ستة أعوام. كذلك حظر على الجنود والنصارى القدماء، أن يتعرضوا للموريسكيين أو يهينوهم بالقول أو الفعل، وهدد المخالفون بالعقاب الصارم. وأخيراً نص على السماح لعشرة من الموريسكيين بالعودة عقب كل نقلة، لكى يشرحوا لإخوانهم كيف تم النقل إلى المغرب على أحسن حال.
وقع قرار النفى على الموريسكيين وقع الصاعقة، وسادهم الوجوم والذهول.
وكان عصر الثورة والمقاومة قد ولى، ونهكت قواهم، ونضبت مواردهم. وكانت الحكومة الإسبانية قد اتخذت عدتها للطوارىء، وحشدت قواتها فى جميع الأنحاء الموريسكية، واجتمع زعماء الموريسكيين وفقهاؤهم فى بلنسية، وقرروا أنه لا أمل فى المقاومة وأنه لا مناص من الخضوع، واستقر الرأى على أن يرحلوا جميعاً، وألا
يبقى منهم أحد، حتى ولا نسبة الستة فى المائة التى سمح ببقائها، وأن من بقى منهم اعتبر مرتداً مارقاً. ومع ذلك فقد وقعت ثورات محلية، وتأهبت بعض الجماعات المحتشدة فى المناطق الجبلية للمقاومة، وعاثت فى الأنحاء المجاورة، ولكنها كانت فورة المحتضر، فأخمدت حركاتهم بسرعة وقتل منهم عدد جم.
وتظلم كثير من المدجنين من قرار النفى، وقالوا إنهم اعتنقوا النصرانية طوعاً قبل التنصير الإجبارى، وغدوا نصارى واسبانيين قبل كل شىء، فصدر الأمر إلى الأساقفة ببحث ظلامتهم، وأن يسمح بالبقاء لمن توفرت فيه منهم شروط الولاء والإخلاص (1).
أما الكثرة الساحقة من الموريسكيين فقد هرعت إلى اتخاذ أهبة الرحيل، وأخذوا فى بيع ما تيسر بيعه من المتاع، وتدفقت السلع على الأسواق، من الماشية والحبوب والسكر والعسل والملابس والأثاث وغيرها، لتباع بأبخس الأثمان.
وبدىء بتنفيذ قرار النفى فى الجهات التى نشر فيها أولا، وهى أعمال بلنسية منذ أوائل أكتوبر (سنة 1609). وخرجت أول شحنة من هذه الكتلة البشرية المعذبة على سفن الحكومة من ثغر دانية وبعض الثغور القريبة، وقدرت بثمانية وعشرين ألف نفس، حملوا إلى ثغر وهران فى الضفة الأخرى من البحر، وقد كان يومئذ بيد الإسبان، ثم نقلوا إلى تلمسان بحماية فرقة من الجند المرتزقة، وهناك استظلوا بحماية السلطان؛ وعاد البعض منهم إلى اسبانيا ليروى عن رحيل الراحلين، وكيف وصلوا فى أمن وسلام. ومع ذلك فقد آثر معظم المهاجرين السفر بأجر، على سفن غير التى عينتها الحكومة، لنقل المهاجرين وإطعامهم دون أجر، واضطرت الحكومة تلقاء ذلك، أن تستدعى عدداً كبيراً من السفن الحرة، إلى مياه بلنسية، ورحل بهذه الطريقة من ثغر بلنسية زهاء خمسة عشر ألفا، معظمهم من الموسرين والمتوسطين؛ ورحل المنفيون من ثغر لقنت على عزف الموسيقى ونشيد الأغانى، وهم يشكرون الله على العود إلى أرض الآباء والأجداد، ولما سئل فقيه من زعمائهم عن سبب اغتباطهم، أجاب بأنهم كثيراً ما سعوا إلى شراء قارب أو سرقته، للفرار إلى المغرب، مستهدفين لكثير من المخاطر، فكيف إذا عرضت لنا فرصة السفر الأمين مجاناً، لا ننتهزها للعود إلى أرض الأجداد، حيث نستظل بحماية سلطاننا، سلطان الترك، وهنالك نعيش أحراراً مسلمين لا عبيداً كما كنا؟
(1) Dr. Lea: History of the Inquisition in Spain ; Vol. III. p. 399
صورة: الملك فيليب الثالث عن صورة بلاثكيث المحفوظة بمتحف البرادو بمدريد، وفيها يبدو أحمر الشعر واللحية والشارب، فوق جواد أشهب
وكانت الجنود تحرس المنفيين فى معظم الأحوال، حماية لهم من جشع النصارى الإسبان الذين انتظموا فى عصابات لمهاجمة المنفيين ونهبهم وقتلهم أحياناً. وفضلا عن ذلك فإن تنفيذ قرار النفى لم يجر دائماً فى يسر وسهولة، فقد رأينا أن كثيراً من الموريسكيين فى المناطق الجبلية أبوا الخضوع للأوامر لعدم ثقتهم فى ولاء الحكومة، وفضلوا المقاومة حتى الموت، واحتشدوا بالأخص فى "وادى أجوار" حيث اجتمع منهم زهاء خمسة عشر ألفاً، وفى مويلا دى كورتيس حيث اجتمع نحو تسعة آلاف فبادرت قوات الحكومة بمحاصرة وادى أجوار وفتكت بالموريسكيين العزل، وقتلت منهم بضعة آلاف، ومات كثير منهم من الجوع والبرد. وأخيراً سلم من بقى منهم وحملوا قسراً إلى ميناء السفر، وسبى الجند منهم كثيراً من النساء والأطفال، باعوهم رقيقاً، ولم يصل منهم إلى شواطىء المغرب سوى القليل، وفى مويلا دى كورتيس لم يبق منهم عند الإبحار سوى ثلاثة آلاف، ولبثت فلولهم تقاوم مستميتة، وتبث الاضطراب نحو عام حتى قضى عليها (1).
وصدر قرار النفى فى قشتالة فى 15 سبتمبر سنة 1609. ولكن أجل تنفيذه حتى ينفذ أولا فى بلنسية، ولم ينفذ بالفعل إلا فى أواخر ديسمبر، ومنح الموريسكيون فيه شهراً للسفر بنفس الشروط التى تضمنها قرار النفى فى الأندلس؛ وسافر منهم فى اتجاه الشمال إلى حدود فرنسا نحو أربعة آلاف عائلة، وسافر إلى قرطاجنة نحو عشرة آلاف بحجة السفر إلى الأراضى النصرانية، وذلك لكى يحتفظوا بأولادهم الصغار، ولكن تسرب الكثير منهم إلى الثغور المغربية.
وبلغ عدد المنفيين فى الثلاثة أشهر الأولى زهاء مائة وخمسين ألفاً، وسافر منهم ألوف كثيرة من الأغنياء والموسرين على نفقتهم الخاصة، وقصدت جموع كثيرة من الموريسكيين فى أراجون قدرت بنحو خمسة وعشرين ألفاً، إلى ولاية نافار الفرنسية، ودخل فرنسا من قشتالة نحو سبعة عشر ألفاً، وسمح لهم هنرى الرابع ملك فرنسا بالتوطن فيما وراء نهر الجارون، بشرط بقائهم على دين الكثلكة، وأن تهيىء السفن لمن أراد السفر منهم إلى شواطىء المغرب.
أما فى غرناطة وأنحاء الأندلس، فقد أعلن قرار النفى فى 12 يناير سنة 1610 بعد أن عدلت بعض أحكامه، وفيه يمنح الموريسكيون للرحيل ثلاثين يوماً، ويباح لهم أن يبيعوا سائر أملاكهم المنقولة وأخذ ثمنها، على أن يقتنى به عروض أو بضائع
(1) Dr. Lea: History of the Inquisition ; Vol. III. p. 397 & 398
اسبانية، ولا يسمح لهم بأن يحملوا معهم من النقد أو الذهب أو الحلى، إلا ما يكفى ئفقات الرحلة بالبر والبحر. وأما الأملاك العقارية فتصادر لجهة العرش. وقد استقبل الموريسكيون فى الأندلس قرار النفى بالاستبشار والرضى، ويقدر من نزح منهم إلى المغرب، سواء على سفن الحكومة أو السفن الحرة، بنحو مائة ألف نفس، وقد نزح معظمهم إلى مراكش.
ثم توالى إعلان قرار النفى، فى جميع الجهات التى تضم مجتمعات موريسكية، فى سائر أنحاء المملكة الإسبانية. فى قطلونية وأراجون فى مايو سنة 1610، ثم فى إشبيلية وإسترمادوره، ثم فى مرسية وغيرها. وتأخر تنفيذه فى مرسية نحو أربعة أعوام حتى يناير سنة 1614، وخرج من مرسية زهاء خمسة عشر ألفاً، واتجهت جموع كثيرة من الشمال إلى الثغور الجنوبية.
واتجهت بعض الجماعات منهم إلى الثغور الإيطالية مباشرة، أو عن طريق فرنسا، ومنها أبحرت إلى مصر والشام وقسطنطينية (1). وبلغ السلطان أحمد سلطان الترك، ما أصاب الكثير منهم فى أرض فرنسا من الاعتداء والنهب، فأرسل إلى ملكتها (وهى يومئذ مارى دى مديتشى الوصية على ولدها لويس الثالث عشر) يحتج على هذا الإيذاء، ويطلب حماية المنفيين (2). وكان بين هؤلاء الذين اتجهوا نحو المشرق، بعض طوائف اليهود الأندلسيين، ولاسيما طائفة "الحسديم" التى مازالت تقيم حتى اليوم فى قسطنطينية، ويقيم بعضها فى مصر.
ونفذ قرار النفى فى كل مكان بصرامة ووحشية، واستمرت السفن شهوراً بل أعواماً تحمل أكداساً من تلك الكتلة البشرية المعذبة، فتلقى بها هنا، وهنالك، فى مختلف الثغور الإفريقية، فى غمر من المناظر المروعة المفجعة.
وقد رويت روايات كثيرة محزنة عن مصير بعض جماعات المنفيين، فإن للذين نزلوا منهم فى وهران ليسيروا منها إلى داخل البلاد المغربية، اعتدت عليهم بعض العصابات الناهبة، لما كان معروفاً من أنهم يحملون أموالا وحلياً نفيسة، وسبى كثير من نسائهم. وقد كان منهم فى الواقع كثير من الأغنياء والأشراف القدماء، ولاسيما من أهل إشبيلية، وكتب الكونت أجيلار حاكم وهران، أن كثيرين منهم بقوا فى وهران، خوفاً من اعتداء الأعراب، وقيل إن ثلثى القادمين إلى وهران
(1) المقرى فى نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2)
Dr. Lea: The Moriscos ; p. 364
أو أكثر من ذلك، هلكوا من المرض أو نتيجة الاعتداء، ومن ثم فإن كثيرين منهم عادوا إلى اسبانيا، والتمسوا إلى السلطات أن يبقوا نصارى وأن يكونوا عبيداً. وقد ألفى هؤلاء بعض الأسر التى قبلت استرقاقهم، واعترض على ذلك رجال الدين، وصدرت الأوامر برفض نزولهم إلى الشواطىء الإسبانية، ولكن كثيرين تسربوا إلى أنحاء بلنسية وغيرها، وبقوا فى اسبانيا رغم جميع الجهود التى بذلت لإخراجهم (1).
وقد اختلف المؤرخون أيما اختلاف، فى تقدير عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا تطبيقاً لقرار النفى، ويقول ناباريتى وهو من أعظم مؤرخى اسبانيا، إنه قد نفى من اسبانيا فى مختلف العصور، نحو مليونين من اليهود، وثلاثة ملايين من الموريسكيين. ويقدر آخرون المنفيين من الموريسكيين بأربعمائة ألف أو تسعمائة ألف، ويقدرهم دون لورنتى مؤرخ "ديوان التحقيق" بمليون، ويقدرهم المستشرق فون هامار بثلاثمائة ألف وعشرة آلاف. وفى الرواية العربية الموريسكية التى نثبتها فيما بعد، يقدر عدد المنفيين الموريسكيين بستمائة ألف، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن عدد من نفى من الموريسكيين لا يمكن أن يتجاوز هذا القدر، وقد كان مجموعهم فى أواخر القرن السادس عشر لا يتجاوز ستمائة ألف حسبما قدمنا. ويقدر من هلك من الموريسكيين أو استرق منهم أثناء مأساة النفى بنحو مائة ألف نفس (2).
وقد عاد معظم الموريسكيين، الذين نفوا إلى إفريقية والمشرق، إلى الإسلام دين الآباء والأجداد، ولم تخمد مائة عام من التنصير المغصوب، والإرهاق المستمر جذوة الإسلام فى نفوسهم، وقد لبث على كر العصور متغلغلا فى أعماق سرائرهم.
وبذلك ينتهى الفصل الأخير من مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وتطوى إلى الأبد صفحة شعب، من أنبل وأمجد شعوب التاريخ، وحضارة من أزهر الحضارات.
- 3 -
وتقدم إلينا الرواية الغربية، تفاصيل ضافية عن مأساة الموريسكيين، منذ بدايتها إلى نهايتها، وتخصها بكثير من التعليق والنقد. ولكن الرواية الإسلامية مقلة فى هذا الموطن، شأنها فى تاريخ الأندلس منذ سقوط غرناطة، فهى لا تعنى بتتبع
(1) Lea: The Moriscos: p. 363 & 364. وراجع نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2)
راجع: Lea: The Moriscos ; p. 259
مصير العرب المتنصرين، كما تعنى الرواية الغربية، ولا تقدم إلينا عن مأساة النفى سوى بعض الشذور والإشارات الموجزة.
وأهم وأوفى ما وقفنا عليه من ذلك، رواية معاصرة عن أحوال الموريسكيين، ومساعيهم السرية للمحافظة على دينهم، وظروف نفيهم، كتبها موريسكى عاش فى جيان وغيرها من قواعد الأندلس الجنوبية فى أواخر عهد الموريسكيين، ثم هاجر إلى تونس قبيل النفى بقليل، وكتب فيما بعد بالعربية كتابا عنوانه:"الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، ويتحدث فى نهايته فى فصل خاص عن الموريسكيين المهاجرين، وشرف نسبهم، وينوه بحسن إيمانهم وتمسكهم بالإسلام دين آبائهم وأجدادهم، ووردت خلال هذا الفصل حقائق تاريخية هامة، عن النفى وأسبابه وملابساته. وقد رأينا أن ننقله فيما يلى:(1)
"قد كثر الإنكار علينا معشر أشراف الأندلس من كثير من إخواننا فى الله بهذه الديار الإفريقية من التونسيين وغيرهم، حفظهم الله تعالى، بقولهم من أين لهم هذا الشرف، وقد كانوا ببلاد الكفار، دمرهم الله، ولهم مئون من السنين كذا وكذا، ولم يبق فيهم من يعرف ذلك من مدة الإسلام وقد اختلطوا مع النصارى، أبعدهم الله تعالى، إلى غير ذلك من الكلام الذى لا نطيل به ولا أذكره هنا صونا لعرضهم وحبى فيهم.
"مع أنى صغير السن حين دخولنا هذه الديار عمرها الله تعالى بالإسلام وأهله بجاه النبى المختار فقد أطلعنى الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدى رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام وأقل، مع أنى كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم أرجع إلى بيتى فيعلمنى والدى دين الإسلام، فكنت أتعلم فيهما معاً، وسنى حين حملت إلى مكتبهم آربعة أعوام. فأخذ والدى لوحاً من عود الجوز كأنى أنظر الآن إليها مملسا، فكتب لى فيه حروف الهجاء وهو يسألنى حرفاً حرفاً
(1) مؤلف هذا الكتاب هو حسبما ورد فى نسخته المخطوطة، محمد بن عبد الرفيع بن محمد الشريف الحسينى الجعفرى الأندلسى، المتوفى سنة 1052 هـ (1652 م)، أعنى بعد نفى الموريسكيين باثنتين وأربعين عاما. وتوجد هذه النسخة الوحيدة بخزانة الرباط بالمكتبة الكتانية رقم 1238، ومذكور فى نهاية الكتاب، أنه قد تم تحريره بحضرة تونس سادس شعبان سنة 1044 هـ (1644 م).
ويشغل الفصل الخاص بأحوال الموريسكيين فيه من ص 319 إلى ص 336. وقد نقل هذا الفصل الشاعر المغربى محمد بوجندار مع بعض التصرف فى كتابه المسمى "مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح" (الرباط 1345 هـ) ص 200 - 214
عن حروف النصارى تدريباً وتقريباً، فإذا سميت له حرفاً أعجمياً كتب لى حرفاً عربياً، فيقول حينئذ هكذا حروفنا، حتى استوفى لى جميع حروف الهجاء فى كرتين؛ فلما فرغ من الكرة الأولى، أوصانى أن أكتم ذلك حتى عن والدتى وعمى وأخى، وجميع قرابتنا، وأمرنى أن لا أخبر أحداً من الخلق. وشدد على الوصية، وصار يرسل والدتى التى تسئلنى ما الذى يعلمك والدك فأقول لها لا شىء.
وكذا كان يفعل عمى وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتى إلى الدار فيعلمنى والدى إلى أن مضت مدة.
"وقد كان والدى رحمه الله، يلقننى حينئذ ما كنت أقوله حين رؤيتى للأصنام
…
فلما تحقق والدى أنى أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب فضلا عن الأجانب، أمرنى أن أتكلم بإفشائه لوالدتى وعمى، وبعض أصحابه الأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون فى أمر الدين، وأنا أسمع. فلما رأى حزمى مع صغر سنى، فرح كثيراً غاية، وعرفنى بأصدقائه وأحبائه وإخوانه فى دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدا واحدا، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار، من جيان، مدينة ابن مالك، إلى غرناطة، وإلى قرطبة وإشبيلية، وطليطلة، وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام، فتلخص لى من معرفتهم أنى ميزت سبعة رجال كانوا كلهم يحدثونى بأمور غرناطة وما كان بها فى الإسلام حينئذ، فباجتماعى بهم حصل لى خير كثير، وقد قرأوا كلهم على شيخ من مشايخ غرناطة، أعادها الله للإسلام، يقال له الفقيه اللوطورى رحمه الله تعالى ونفعنا به، فإنه كان رجلا صالحاً، ولياً لله، فاضلا زاهداً، ورعاً، عارفاً سالكاً، ذا مناقب ظاهرة مشهورة، وكرامات طاهرة مأثورة، قد قرأ القرآن الكريم فى مكتب الإسلام بغرناطة، قبل استيلاء أعداء الدين عليها، وهو ابن ثمانية أعوام وقرأ الفقه وغيره على مشايخ أجلا حسب الإمكان. ثم بعد مدة يسيرة، انتزعت غرناطة من أيدى المسلمين أجدادنا، وقد أذن العدو فى ركوب البحر والخروج منها لمن أراده، وبيع ما عنده، وإتيانه لهذه الديار الإسلامية وذلك فى مدة ثلاثة أعوام، ومن أراد أن يقيم على دينه وماله فليفعل، بعد شروط اشترطوها، وإلزامات كتبها عدو الدين على أهل الإسلام. فلما تحركوا لذلك أجدادنا، وعزموا على ترك ديارهم وأموالهم، ومفارقة أوطانهم للخروج من بينهم، وجاز إلى هذه الديار التونسية، والحضرة الخضراء بغتة من جاز إليها حينئذ، ودخلوا فى زقاق
الأندلس المعروف الآن بهذا الاسم، وذلك سنة اثنين وتسعمائة، وكذا للجزائر وتطاون وفاس ومراكش وغيرها، ورأى العدو العزم فيهم لذلك، نقض العهد، فردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهراً عن الخروج واللحوق بإخوانهم، وقرابتهم بديار الإسلام، وقد كان العدو يظهر شيئاً، ويفعل بهم شيئاً آخر، مع أن المسلمين أجدادنا استنجدوا مراراً ملوك الإسلام، كملك فاس ومصر حينئذ، فلم يقع من أحدهما إلا بعض مراسلات، ليقضى الله أمراً كان مفعولا.
"ثم بقى العدو يحتال بالكفر عليهم غصباً، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامى، والجماعات، والحمامات، والمعاملات الإسلامية، شيئاً فشيئاً، مع شدة امتناعهم والقيام عليه مرار، وقتالهم إياه، إلى أن قضى الله سبحانه ما قد سبق من علمه، فبقينا بين أظهرهم، وعدو الدين يحرق بالنار من لاحت عليه إمارة الإسلام، ويعذبه بأنواع العذاب، فكم أحرقوا، وكم عذبوا، وكم نفوا من بلادهم، وضيعوا من مسلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، حتى جاء النصر والفرج من عند الله سبحانه، وحرك القلوب للهروب، وكان ذلك سنة ثلاثة عشرة وألف، فخرج منا بعض للمغرب، وبعض للمشرق خفية، مظهراً دين الكفار أبعدهم الله، فخرج بعض أحبارنا وإخواننا وهو الفقيه الأجل محمد أبو العباس أحمد الحنفى، المعروف بعبد العزيز القرشى، ومعه أحد أخواله، إلى مدينة بلغراد من عمالة القسطنطينية، فالتقيا بالوزير مراد باشا وزير السلطان المعظم المرحوم السلطان أحمد بن السلطان محمد نجل آل عثمان نصرهم الله تعالى وأيدهم، فأخبراه بما حل بإخواننا بالأندلس من الشدة بفرانسة وغيرها، فكتب أمراً لصاحب فرانسة دمرها الله، بإعلام السلطان نصره الله، يأمره بأن يخرج من كان عنده من المسلمين بالأندلس وخدام آل عثمان، ويوجههم إليه فى سفن من عنده مع ما يحتاجون إليه. فلما قرىء الأمر السلطانى فى ديوان الفرنسيس، فسمعه من كان عنده مرسلا من قبل صاحب الجزيرة الخضراء، وهو اللعين فيليبو الثالث، فأرسل لسيده، يخبره بالواقع، وأن السلطان أحمد آل عثمان، أرسل أمره إلى فرانسة، وأمر صاحبها أن يخرج من كان عنده من الأندلس، فقبل كلامه، وأمر بإخراج المسلمين، وأذن لمن جاء من الأندلس بأن لا بأس عليهم، وأن يركبوا عنده فى سواحله مراكبه، ويبلغهم إلى حيث شاءوا من بلاد المسلمين. فلما أحس بهذا الأمر عدو الله فيليبو صاحب إسبانية، دخله الرعب والخوف الشديد، وأمر حينئذ فجمع أكابر
القسيسين والرهبان والبطارقة، وطلب منهم الرأى، وما يكون عليه العمل فى شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فبدا الشأن فى أهل بلنسية، فأخذوا الرأى، وأجمعوا كلهم على إخراج المسلمين كافة من مملكته، وأعطاهم السفن، وكتب أوامر وشروطاً فى شأنهم، وفى كيفية إخراجهم، وشدد على عماله بالوصية، والاستحفاظ على كافة المسلمين من الأندلس. نعم أريد أن أذكر لك نبذة يسيرة اختصرتها، وترجمتها، من جملة أسباب ذكرها الملك الكافر أبعده الله، فى أوامره، التى كتبها فى شأن إخواننا الأندلس حين إخراجهم من الجزيرة الخضراء، لتكون على بصيرة من أمرهم، وتعلم بعض الأسباب التى أخرجوا لأجلها على التحقيق، لا كما يزعم بعض الحاسدين، وليؤيد ما قدمناه آنفاً من أمر السلطان أحمد آل عثمان، وتكمل الفايدة، ولئلا يساء الظن بنا معشر الأندلس.
" قال الملك الكافر، أبعده الله تعالى وزلزله آمين: لما كانت السياسة السلطانية الحسنة الجيدة موجبة لإخراج من يكدر المعاش على كافة الرعية النصرانية، فى مملكتها التى تعيش عيشهاً رغداً صالحاً، والتجربة أظهرت لنا عياناً، أن الأندلس الذين هم متولدون من الذين كدروا مملكتنا فيما مضى، بقيامهم علينا، وقتلهم أكابر مملكتنا، والقسيسين والرهبان الذين كانوا بين أظهرهم، وقطعهم لحومهم، وتمزيقهم أعضاءهم، وتعذيبهم إياهم بأنواع العذاب، الذى لم يسمع فيما تقدم مثله، مع عدم توبتهم فيما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعاً صالحاً من قلوبهم، لدين النصرانية، وأنه لم ينفع فيهم وصايانا، ورأينا عيانا أن كثيراً منهم قد أحرقوا بالنار، لاستمرارهم على دين المسلمين، وظهر منهم العناد بعيشهم فيه خفية، واستنجادهم كذلك عون السلطان العثمانى، لينصرهم علينا، وظهر لى أن بينهم وبينه مراسلات إسلامية، ومعاملات دينية، وقد تيقنت ذلك من إخبارات صادقة وصلت إلىّ. ومع هذا أن أحداً منهم لم يأت إلينا ليخبرنا بما هم يدبرونه فى هذه المدة بينهم، وفيما سبق من السنين، بل كتموه بينهم؛ علمت بذلك أن كلهم قد اتفقوا على رأى واحد، ودين واحد، ونيتهم واحدة، وظهر لى أيضاً، ولأرباب العقول والمتدينين من القسيسين والرهبان والبطارقة الذين جمعتهم لهذا الأمر واستشرت، ومع أن من ابقائهم بيننا ينشأ عنه فساد كبير، وهول شديد بسلطنتنا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشىء من إبقائهم بمملكتى، أردت إخراجهم من سلطنتنا جملة، ليزول بذلك الكدر الواقع، والمتوقع للنصارى
الذين هم رعيتنا، طائعين لأوامرنا وديننا، ورميتهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم، لكونهم مسلمين. انتهى المراد بأكثر لفظه ولم أتعرض لذكر شروط كتبها ودققها.
' فانظر رحمك الله، كيف شهد عدو الدين، الملك الكافر، بأنهم مسلمون، واعترف أنه لم يقدر على إزالة دينهم من قلوبهم، وأنهم متمسكون كلهم به.
مع أنه كان يحرق منهم من ظهر عليه الدين، ثم وصفهم بالعناد لرؤيته فيهم لوائح المسلمين وإماراتهم، فأى علامة أكبر من صبرهم على النار لدين الحق، ومن استنجادهم ملك دين الإسلام المؤيد لحماية الدين، أمير المسلمين السلطان أحمد آل عثمان نصرهم الله تعالى، فهذا غاية الخير والعز والبركة لهذه الطائفة الطاهرة الأندلسية التى قال فيها شيخنا الأستاذ القطب الغوث سيدى أبو الغيث القشاش نفعنا الله به دنيا وأخرى فى بعض مكاتبه التى كان يكاتبهم بها، فقال لى وسلم على هؤلاء الأنصار الأطهار الأخيار فإنه لا يحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا منافق.
" فخرجوا كلهم سنة تسعة عشر وألف. ووجد فى دفاتر السلطان الكافر، أبعده الله تعالى، أن جملة من أخرج من أهل الأندلس كافة، نيف وستمائة ألف نسمة، كبيراً وصغيراً. فكانت هذه الواقعة، منقبة عظيمة، وفضيلة عجيبة، لجماعتنا الأندلس زادهم الله شرفاً بمنه. وأمر أيضاً بإخراج من كان مسجوناً فى كافة مملكته، وكل من كان أمر بإحراقه فأخرجه، وعفا عنه، وزوده وأرسله إلى بلاد الإسلام سالماً. ولا يخفى أن هذا أمر عظيم، ومحال عادة، فسبحان رب السموات ورب الأرض الذى إذا أراد أمراً قال له كن فيكون. فيالها من أعجوبة ما أعظمها، ومن فضيلة ما أشرفها، ومن كرامة ما أجملها، ومن نعمة ما أكبرها، فما سمع من أول الدنيا إلى آخرها مثل هذه الواقعة".
…
وقد صدر قرار النفى كما قدمنا فى 22 سبتمبر سنة 1609، وهو يوافق جمادى الثانية سنة 1018 هـ. ولكن الرواية الإسلامية تضع تاريخ القرار أحياناً فى سنة 1016 هـ أو 1017 هـ، وهو تحريف واضح. وأقرب إلى الصحة، ما ذكره ابن عبد الرفيع فى روايته المتقدمة وهو سنة 1019 هـ (1610 م).
قال المقرى مؤرخ الأندلس، وقد كان معاصراً للمأساة: "إلى أن كان إخراج النصارى إياهم (أى العرب المتنصرين) بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشرة وألف فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس
فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى فى الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المضرة. وأما الذين خرجوا بنواحى تونس، فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها، وكذلك بتطاون وسلا وفيجة الجزائر. ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جراراً وسكنوا سلا، كان منهم من الجهاد فى البحر، ماهو مشهور الآن.
وحصنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والحمامات والدور، وهم الآن بهذه الحال.
ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى، وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصفت" (1).
وقال ابن دينار التونسى، وقد كتب بعد المأساة بنحو سبعين عاماً، فى أخبار سنة 1017 هـ:"وفى هذه السنة والتى تلتها، جاءت الأندلس من بلاد النصارى، نفاهم صاحب إسبانية، وكانوا خلقاً كثيراً، فأوسع لهم عثمان داى فى البلاد، وفرق ضعفاءهم على الناس، وأذن لهم أن يعمروا حيث شاءوا، فاشتروا الهناشير وبنوا فيها، واتسعوا فى البلاد، فعمرت بهم، واستوطنوا فى عدة أماكن، وعمروا نحو عشرين بلداً، وصارت لهم مدن عظيمة، وغرسوا الكروم والزيتون والبساتين، ومهدوا الطرقات، وصاروا يعتبرون من أهل البلاد"(2).
وقال صاحب " الخلاصة النقية"، وهو من الكتاب المتأخرين:"وفى سنة ست عشرة وألف، قدمت الأمم الجالية من جزيرة الأندلس، فأوسع لهم صاحب تونس عثمان داى كنفه، وأباح لهم بناء القرى فى مملكته، فبنوا نحو العشرين قرية، واغتبط بهم أهل الحضرة، وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم"(3).
وهذه النصوص الموجزة، هى كل ما تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن نفى العرب المتنصرين، وقد لبثت رواية المقرى عن المأساة، مصدراً لكل ما كتبه الكتاب المتأخرون (4). وربما كان هذا النقص راجعاً إلى أنه لم يعن أحد من كتاب المغرب المعاصرين، باستيفاء التفاصيل الضافية المؤثرة عن المأساة، أو لعله قد ضاع ما كتبه المعاصرون عنها فيما ضاع، مما كتب عن المراحل الأخيرة لتاريخ الأندلس
(1) نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2)
المؤنس فى أخبار إفريقية وتونس (تونس) ص 193.
(3)
الخلاصة النقية (تونس) ص 91.
(4)
راجع الإستقصاء ج 3 ص 101، حيث تنقل هذه النصوص
والعرب المتنصرين، ولم تصلنا منه على يد المقرى سوى لمحات يسيرة.
وهكذا بذلت اسبانيا كل ما وسعت لإخراج البقية الباقية، من فلول الأمة الأندلسية، ولم تدخر وسيلة بشرية للقضاء على آثار الموريسكيين إلا اتخذتها.
ومع ذلك فإن آثار الموريسكيين لم تنقطع بعد النفى بصورة نهائية. فقد رأينا أن كثيرين من المنفيين قد عادوا إلى اسبانيا، فراراً مما لقوا فى رحيلهم من ضروب الإعتداء المفزع، وأسلموا أنفسهم رقيقاً يقتنى. كذلك كانت ثمة جماعات من الأسرى المسلمين، من مغاربة وغيرهم، ممن يؤخذون فى المعارك البحرية مع المغيرين، يباعون رقيقاً فى اسبانيا، ويفرض عليهم التنصير. ومع أنه صدر قرار يحظر وجودهم فى العاصمة الإسبانية، فإنه كان من الصعب إخراجهم من المملكة، نظراً لما ترتب لأصحابهم عليهم من الحقوق، وكان البعض منهم يفلح فى ابتياع حريته، ويعيد حياة الموريسكيين سراً، وأخيراً توجست الحكومة الإسبانية من وجودهم، فصدر قبله سنة 1712 قرار بنفيهم، خلال المدد التى يحددها القضاة المحليون، وسمح لهم بأن يأخذوا معهم أسرهم وأموالهم إلى إفريقية.
وقد كان من المستحيل بعد ذلك كله، أن يبقى فى البلاد أحد من الموريسكيين أو سلالتهم، وقد كانت ذكراهم أو أشباحهم، تثير حولها أيما توجس وتعصب. وكان من المتعذر أن يفلت أحد منهم من بطش ديوان التحقيق، وكان الديوان المقدس أبدا على أهبته لضبط أية قضية ضد موريسكى مختف أو عبد متنصر، لكن هذه القضايا كانت نادرة مما يدل على انقراض هذا العنصر بمضى الزمن. بيد أن أسرى المعارك البحرية الذين كانوا يكرهون على التنصير، كان بعضهم ينبذ النصرانية خفية، وكان معظم هؤلاء من الموريسكيين الذين عادوا إلى الإسلام، وخرجوا إلى الجهاد فى البحر، وكان ديوان التحقيق طوال القرن السابع عشر يجد بينهم فرائس من آن لآخر. وعلى الجملة فإن آثار الموريسكيين والإسلام لم تعف نهائياً من اسبانيا، وقد لبث كثير من الأسر والأفراد الموريسكيين، الذين اندمجوا فى المجتمع الإسبانى، على صلاتهم الخفية بالماضى البعيد، وقد ضبطت خلال القرن الثامن عشر أمام محاكم التحقيق بعض قضايا الموريسكيين، كانوا يجرون شعائر الإسلام خفية، وضبط فى سنة 1769 مسجد صغير فى قرطاجنة، أنشأه المتنصرون المحدثون، مما يدل على أنه كانت ما تزال ثمة آثار ضئيلة للموريسكيين والإسلام
ولا تقدم إلينا محفوظات ديوان التحقيق منذ أواخر القرن الثامن عشر، أى ذكر للموريسكيين، أو الإسلام والمسلمين، مما يدل على أن الآثار الأخيرة لمأساة الموريسكيين قد غاضت، وأسبل عليها الزمن عفاءه إلى الأبد (1).
على أن يقال أخيراً إنه ما زالت ثمة إلى اليوم، فى بلنسية وفى غرناطة ومقاطعة لامنشا، جماعات من الإسبان تغلب عليها تقاليد الموريسكيين فى اللباس والعادات، ويجهلون الطقوس النصرانية الخالصة (2).
والحقيقة أنه يصعب على الباحث أن يعتقد أن اسبانيا النصرانية، قد استطاعت حقاً بكل ما لجأت إليه من الوسائل المغرقة، أن تقضى نهائياً على آثار الأمة العربية فإن تاريخ الحضارة يدلنا على أنه من المستحيل، أن تجتث آثار السلالات البشرية، خصوصاً متى لبثت آماداً متخلفة متداخلة، وعلى أن حضارة أمة من الأمم إنما هى خلاصة لتفاعل الأجيال المتعاقبة، وفى وسع مؤرخ الحضارة أن يلمس فى تكوين المجتمع الإسبانى الحاضر، ولاسيما فى الجنوب فى ولايات الأندلس القديمة، وفى خصائصه وتقاليده، وفى حياته الاجتماعية، وفى حضارته على العموم، كثيراً من الخلال والظواهر، التى ترجع فى روحها إلى تراث العرب والحضارة الإسلامية (3).
(1) Lea: The Moriscos p. 391 & 392
(2)
Lea: ibid ; p. 365
(3)
استطعت خلال رحلاتى الأندلسية المتوالية أن أتبين هذه الظاهرة، وأن أشعر بها شعوراً قوياً، ولاسيما فى غرناطة، وقد تناولت مظاهرها المادية والأدبية فى فصل خاص فى كتابى " الآثار الأندلسية الباقية " الطبعة الثانية ص 436 - 444