المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعالعصر الأخير والآثار الباقية - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٥

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصْر الرّابعنهَايَةُ الأَنْدَلُسْ وَتَارِيخ العَرَبْ المتنَصِّرِين

- ‌مقدمة

- ‌تصدير

- ‌تاريخ مملكة غَرناطة635 -897 هـ: 1238 - 1492 م

- ‌الكِتابُ الأول ممْلكة غَرناطةمنذ قيامها حتى ولاية السّلطان أبي الحسن635 -868 هـ: 1238 - 1463 م

- ‌الفصل الأوّل الأندلس الغاربة

- ‌الفصل الثانينشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصرية

- ‌الأندلس والممالك النّصرانية الإسبانيّة في أواخر عصْر الموحّدين (أوائل القرن الثالث عشر)

- ‌الفصل الثالثطوائف الأمة الأندلسية فى عصر الانحلال

- ‌الفصل الرابعطبيعة الصراع بين الأندلس واسبانيا النصرانية

- ‌الفصْل الخامسُتاريخ اسبانيا النصرانية منذ أوائل القرن الحادى عشر حتى قيام مملكة غرناطة

- ‌الفصل السادسمملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر وعصر الجهاد المشترك بين بنى الأحمر وبنى مرين

- ‌صورة: الملك ألفونسو العالم

- ‌الفصل السابعمملكة غرناطة فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى وذروة الصراع بين بنى مرين واسبانيا النصرانية

- ‌الفصْل الثامِنالأندلس بين المدّ والجزر

- ‌الفصْل التاسِعتاريخ اسبانيا النصرانية منذ قيام مملكة غرناطة حتى اتحاد مملكتى قشتالة وأراجون

- ‌1 - قشتالة

- ‌2 - أراجون

- ‌3 - اسبانيا النصرانية المتحدة

- ‌الكتاب الثانىنهاية دولة الإسلام فى الأندلس 868 - 897: 1463 - 1492 م

- ‌الفصل الأوّلالأندلس على شفا المنحدر

- ‌الفصل الثانىبداية النهاية

- ‌الفصل الثالثالصراع الأخير

- ‌الفصل الرابعختام المأساة

- ‌1 - قصر قمارش

- ‌2 - قصر السباع

- ‌مأساة الموريسكيّين أو العَرَب المتنصِّرين 897 - 1018 هـ: 1492 - 1609 م

- ‌الكتاب الثالثمراحل الاضطهاد والتنصير

- ‌الفصل الأولبدء التحول فى حياة المغلوب

- ‌الفصل الثانىديوان التحقيق الإسبانى ومهمته فى إبادة الأمة الأندلسية

- ‌الفصل الثالثذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين

- ‌الكتاب الرابعنهاية النّهاية

- ‌الفصل الأولتوجس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية

- ‌الفصل الثانىمأساة النفى

- ‌الفصل الثالثتأملات وتعليقات عن آثار المأساة

- ‌الكتابُ الخامسنظم الحكم والحياة الاجتماعية والفكريّة فى مملكة غرناطة

- ‌الفصل الأوّلنظم الحكم فى مملكة غرناطة وخواصها الإجتماعية

- ‌الفصل الثانىالحركة الفكرية فى مراحلها الأولى

- ‌الشعر والأدب

- ‌العلوم

- ‌الفصل الثالثعهد النضج والازدهار

- ‌الفصل الرابعالعصر الأخير والآثار الباقية

- ‌ثبت المراجع

- ‌مصادر مخطوطة

- ‌فهرست الموضوعات

- ‌فهرست الخرائط و‌‌الصورو‌‌الوثائق

- ‌الصور

- ‌الوثائق

الفصل: ‌الفصل الرابعالعصر الأخير والآثار الباقية

‌الفصل الرابع

العصر الأخير والآثار الباقية

ركود الحركة الفكرية. الشعراء الذين ظهروا فى هذا العصر. القاضى أبو بكر بن عاصم. ولده أبو يحيى. بعض الكتاب والأدباء. الشريف العقيلى وزير أبى عبد الله. ما حدث بعد سقوط غرناطة. القضاء على اللغة العربية. الألخميادو لغة الموريسكيين السرية. كتاب الألخميادو. الأدب الموريسكى وخصائصه. نماذج من تراث الألخميادو. الشهاب الحجرى وابن غانم. محاولة اسبانيا القضاء على تراث الأندلس. إيداع الكتب العربية الباقية بقصر الإسكوريال. المجموعة العربية فى الإسكوريال. حجبها عن أعين الباحثين. معجم الغزيرى. انتفاع البحث الحديث بالآثار الأندلسية. الفن فى الأندلس. تطوره منذ القرن الرابع الهجرى. ازدهاره أيام الناصر وابنه المستنصر. تقدمه أيام الطوائف. ركوده أيام المرابطين والموحدين. الفن فى مملكة غرناطة. الموسيقى الأندلسية. الآثار الأندلسية الباقية.

بدأت مملكة غرناطة منذ أوائل القرن التاسع الهجرى تستقبل عصرها الأخير، وأخذ الاستقرار، والسلم النسبى الذى تمتعت به حيناً فى أواخر القرن الثامن، وأوائل القرن التاسع، يتصرم شيئاً فشيئاً، وأخذت من ذلك الحين تواجه طائفة من الثورات والانقلابات الداخلية المتوالية، وتواجه فى الوقت نفسه طوالع الصراع الأخير بينها وبين اسبانيا النصرانية، التى أخذت منذ منتصف القرن التاسع (القرن الخامس عشر الميلادى) توثق أواصر اتحادها، وتستجمع قواها لإنزال ضربتها الأخيرة بعدوتها القديمة التالدة اسبانيا المسلمة.

وما كانت الحركة الفكرية لتزدهر فى مثل هذا الأفق الكدر، ولذا نجد فى هذا العصر فراغاً ملحوظاً فى ميادين التفكير والأدب فى الأندلس المحتضرة، ولا نعثر إلا بقلة من المفكرين والأدباء الذين ظهروا فى تلك الفترة متفرقين متباعدين.

وكان ممن ظهر فى ميدان التفكير والأدب فى تلك الفترة على بن عاصم شاعر السلطان يوسف الثانى وقد جمع له مجموعة شعرية فى سنة 793 هـ (1391 م)(1).

والقاضى أبو بكر محمد بن عاصم القيسى الغرناطى، وقد كان أعظم شخصية.

(1) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 259

ص: 488

ظهرت فى هذا الميدان فى مملكة غرناطة فى أوائل القرن التاسع الهجرى. ولد بغرناطة سنة 760 هـ (1358 م) وتوفى بها سنة 839 هـ (1426 م)، وبرع فى النحو والمنطق والبيان والفقه، وتولى الوزارة للسلطان يوسف الثانى سنة 793 هـ (1391 م) ثم ولى قضاء الجماعة بغرناطة، وبرز فى النثر والنظم، ووضع عدة قصائد وأراجيز، تناول فيها بعض مسائل من علم الأصول، والقراءات والفرائض والنحو وغيرها. وله كتاب "تحفة الأحكام فى نقط العقود والأحكام". وهو مختصر فى الفقه، وقد طبع بمصر وترجم إلى الفرنسية. وله أيضاً كتاب "حدائق الأزهار فى مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر " كتبه للسلطان يوسف. ويعرف بابن الخطيب الثانى لبراعته وجودة نثره ونظمه (1).

وكذلك برع ولده العلامة الفقيه أبو يحيى بن عاصم فى النثر والنظم، وتولى كأبيه منصب الكتابة والوزارة، وكتب شرحاً على كتاب أبيه "تحفة الأحكام " وكتب رسالة فلسفية تاريخية عن أحوال غرناطة فى عصره، وما دهاها من آثار التفرق والفتنة، ووصف فيها أساليب السياسة الإسبانية، فى الكيد والتفريق بين المسلمين، أسماها "جنة الرضى فى التسليم لما قدر الله وقضى". ونقل إلينا منها المقرى فى أزهار الرياض نبذاً عديدة تشهد بمقدرة صاحبها، وعميق تفكيره ورائق أسلوبه (2).

وأبو الحسن سلام بن عبد الله الباهلى الإشبيلى، وقد كتب سنة 839 (1425 م) كتاب "الذخائر والأعلاق فى أدب النفوس ومكارم الأخلاق"(3).

ومنذ منتصف القرن التاسع الهجرى، تضمحل الحركة الفكرية فى مملكة غرناطة شيئاً فشيئاً. ولا غرو فقد كانت غرناطة تخوض فى تلك الفترة بالذات، مرحلة الصراع الأخير، وكانت الحرب الأهلية تمزق أوصالها، وخطر الفناء الداهم يبدو لها قوياً فى الأفق. بيد أن شعاعاً أخيراً كان يبدو فى تلك الظلمات المدلهمة. فنرى فى أواخر

(1) راجع نفح الطيب ج 3 ص 8 و 9؛ وبروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 264.

(2)

راجع أزهار الرياض ج 1 ص 50 وما بعدها، وص 167 وما بعدها. وتوجد من هذه الرسالة نسخة خطية بالخزانة الملكية بالرباط.

(3)

بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 259. وقد طبع الكتاب المشار إليه بالقاهرة سنة 1928

ص: 489

القرن التاسع، فى الوقت الذى كانت غرناطة تسلم فيه أنفاسها الأخيرة، عدة من المفكرين والأدباء الذين يستحقون الذكر والتنويه.

وكان من هؤلاء القاضى أبو عبد الله محمد بن على بن محمد بن القاسم الأصبحى المعروف بابن الأزرق المتوفى سنة 895 هـ (1490 م)، أصله من وادى آش، وتولى قضاء الجماعة فى غرناطة. وكان بارعاً فى النثر والنظم والتاريخ. ومن آثاره كتاب فى السياسة الملكية عنوانه:"الإبريز المسبوك فى كيفية أدب الملوك "(سنة 838 هـ). وكتاب "بدائع السلك فى طبائع الملك" لخص فيه كثيراً من آراء ابن خلدون فى مسائل الرياسة والملك وعلق عليها، وأتى فى موضوعها بزيادات جديدة، وقسمه إلى أربعة كتب، الأول فى حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسة، والكتاب الثانى فى أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا، والثالث فيما يطالب به السلطان تيسيراً لأركان الملك وتأسيساً لقواعده، والرابع فى عوائق الملك وعوارضه (1). وله أيضاً كتاب "روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام". ولما ساءت الأحوال فى غرناطة وأشرفت على السقوط، عبر البحر إلى تلمسان، ثم ارتحل إلى المشرق، ونزل بالقاهرة فى عصر السلطان الأشرف قايتباى، واتصل به، وحاول أن يستحث همته لتسيير جيش إلى الأندلس لاسترداد غرناطة (2)؛ ومن شعره المؤثر حين نزل النصارى بمرج غرناطة:

مشوق بخيمات الأحبة مولع

تذكره نجد وتغريه لعلع

مواضعكم يا لائمين على الهوى

فلم يبق للسلوان فى القلب موضع

ومن لى بقلب تتلظى فيه زفرة

ومن لى بجفن تنهمى منه أدمع

رويدك فارقب للطائف موقعاً

وخل الذى من شره يتوقع

وصبراً فإن الصبر خير تميمة

ويا فوز من قد كان للصبر يرجع

وبت واثقاً باللطف من خير راحم

فألطافه من لمحة العين أسرع (3).

(1) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 266؛ وأزهار الرياض ج 1 ص 71، وج 3 ص 318 و 319. وقد طبع كتاب الإبريز المسبوك بالجزائر. وتوجد من كتاب "بدائع السلك" نسختان خطيان فى خزانة الرباط (المكتبة الجلاوية)، إحداها قديمة كتبت فى سنة 998 هـ، والأخرى حديثة.

(2)

راجع نفح الطيب ج 2 ص 49 - 51.

(3)

أزهار الرياض ج 3 ص 318، و 319

ص: 490

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الحداد الشهير بالوادى آشى، وهو أيضاً من أهل وادى آش، وكان أديباً بارعاً وله تعليقات كثيرة على أدباء عصره، وقد غادر غرناطة قبيل سقوطها بقليل ونزل بتلمسان (1).

وأبو الحسن على بن محمد القرشى البسطى، وقد ولد فى بسطة ودرس فى غرناطة وتلمسان وتونس، ورحل إلى المشرق وأدى فريضة الحج، ثم استقر بعد عوده فى غرناطة. ولما اشتد ضغط النصارى على غرناطة عبر البحر إلى تلمسان، وعاش هناك حيناً حتى توفى سنة 891 هـ (1486 م). وقد برع البسطى فى الرياضيات ووضع كتباً فى الحساب والجبر (2).

وأبو الحسن على بن قاسم بن محمد التجيبى الزقاق، وقد درس فى غرناطة وفاس وتولى الخطابة فى غرناطة. ولما سقطت غرناطة فى يد النصارى، عبر البحر إلى المغرب، وتوفى سنة 912 هـ (1506 م). ومن آثاره كتاب "المنهج المنتخب إلى أصول المذهب" فى الفقه المالكى (3).

ومن أواخر الشعراء الذين ظهروا فى هذه الفترة، فترة الانهيار الأخيرة، شاعر من نوع خاص، هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القيسى. وقد ترك لنا ديوانا، يضم قصائد عديدة تشير إلى بعض أحداث العصر مثل سقوط جبل طارق وحصار مالقة وسقوط أرشدونة وبلش وغيرهما من قواعد مملكة غرناطة؛ ويستدل من بعض إشاراته إلى أنه قضى ردحا من الزمن فى أسر القشتاليين؛ وهو يعترف لنا فى مقدمة ديوانه بأن شعره "منحط من الدرجة المتوسطة"، ولكنه مع ذلك مغتبط بنظمه وإنشاده. والظاهر أن عبد الكريم القيسى قد عاش حتى سقوط غرناطة أو قبله بقليل، إذ يضم ديوانه قصيدة فى رثاء ابن الأزرق، وهو قد توفى فى سنة 895 هـ، والديوان فى جملته يلقى أضواء كثيرة على أحداث الصراع الأخير الذى انتهى بسقوط غرناطة، وتشير قصائده إلى كثير من شخصيات العصر من قادة، وكتاب، وقضاة وغيرهم (4).

(1) راجع أزهار الرياض ج 1 ص 55 و 71.

(2)

بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 266.

(3)

بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 265.

(4)

توجد نسخة مخطوطة من هذا الديوان بخزانة الرباط رقم 198 ق (مخطوطات الأوقاف)، وهو يقع فى 153 صفحة من القطع المتوسط

ص: 491

ومن نظم عبد الكريم المذكور قوله:

خليلى ما مثلى يقوم ذليلا

ويحمل من ضيم الزمان ثقيلا

ويرضى بعيش يدال ببسطة

يحدد من خطب الهموم جليلا

فلا تعذل فى رحيلى عنكما

فإنى لما أنعى عزمت رحيلا

وقوله حينما اتصل به خبر سقوط جبل طارق فى يد الاسبان:

أوارى أوارى القلب مع شدة

اللفح فتبكه عين دمعها داهم السفح

وأخفى الذى ألقى من الحزن والأسى

وظاهر حالى الدهر يؤذن بالصفح

وأبدى من التقطب للفتح حالة تسوء صديقى فى مساء وفى صبح

على أن أعظم شخصية ظهرت فى تلك الفترة القاتمة فى ميدان التفكير والأدب هى شخصية الوزير والكاتب الشاعر أبى عبد الله محمد بن عبد الله العربى المعروف بالشريف العقيلى، وزير أبى عبد الله محمد آخر ملوك الأندلس وكاتبه. وكان فوق تضلعه فى الفقه، إمام عصره فى النثر والنظم، وقد وصفه الوادى آشى بأنه "شاعر العصر، مالك زمامى النظم والنثر" وبأنه "إمام هذه الصناعة، وفارس حلبة القرطاس والبراعة، وواسطة عقد البلاغة والبراعة". ووصفه أيضاً بحق بأنه خاتمة أدباء الأندلس.

ومن شعره يمدح السلطان أبا عبد الله حينما ولاه منصب الكتابة قوله:

أوجه سعدى انحط عنه اللثام

أم بدر أفقى فض عنه الغمام

كأنما أقبس نور البها مـ

ـن وجه مولانا الإمام الهمام

ابن أبى الحسن الأسرى الذى

قد كان للأملاك مسك الختام

ضرغام قد أنجب شهباً له

فى صدق بأس ومضاء اعتزام

دام له النصر الذى جاءه

والسيف من طلى أعاديه دام

ومنه قوله حينما نزل النصارى بمرج غرناطة:

بالطبل فى كل يوم

وبالنفير نراع

وليس من بعد هذا

وذاك إلا القراع

يا رب خيرك يرجو

من هيض منه الذراع

لا تسلبنى صبرا .. منه لقلبى ادراع

ص: 492

التى كتبها على لسان السلطان أبى عبد الله إلى سلطان المغرب، وعنوانها "الروض العاطر الأنفاس فى التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس" (1). ومهد لها بعد الديباجة بقصيدته الرائعة التى مطلعها:

مولى الملوك ملوك العرب والعجم

رعيا لما مثله يرعى من الذمم

بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن

جار الزمان عليه جور منتقم

وقد سبق أن أتينا على ذكر هذه الرسالة المؤثرة الفريدة، فى موضعها،

وأوردنا طرفاً من قصيدة العقيلى، ومن أقواله التى يخاطب بها السلطان أبو عبد الله سلطان فاس مستجيراً به، ملتجئاً إلى حمايته، ومعتذراً إليه عما بدر منه.

وعبر البحر إلى المغرب قبيل سقوط غرناطة وبعده جمهرة من العلماء والأدباء، هم البقية الباقية من مجتمع الأندلس الفكرى (2). وقد آثروا مغادرة الوطن القديم على التعرض لفقد الحرية، وامتهان الدين والكرامة القومية، ومذلة العبودية، فى ظل حكم يضطرم نحو الأمة المغلوبة بغضاً وتعصباً.

- 2 -

وكان سقوط غرناطة فى يد اسبانيا النصرانية فى سنة 897 هـ (1492 م)، نذيراً بانهيار صرح الأمة الأندلسية القومى والاجتماعى، وتبدد تراثها الفكرى والأدبى، وكانت اسبانيا النصرانية ترمى قبل كل شىء، إلى القضاء على خواص الأمة المغلوبة الدينية والفكرية، وعلى سائر الروابط الأدبية التى تربطها بماضيها المجيد؛ وقد نجحت السياسة الإسبانية، يدعمها طغيان الكنيسة وعسف ديوان التحقيق، فى تحقيق هذه الغاية إلى أبعد حد، فلم يمض على سقوط غرناطة نحو خمسين عاماً، حتى استحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، يستبدل دينه القديم -الإسلام- بالنصرانية المفروضة، ويتكلم القشتالية، وتغيض البقية الباقية من خصائصه القديمة، شيئاً فشيئاً، تحت ضغط التشريعات والإجراءات التعسفية المرهقة.

وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الإستشهاد المحزن، الذى فُرض عليها، تحاول بكل وسيلة أن تستبقى ما وسعت، من تراثها الفكرى والروحى القديم، فكان الموريكسيون بالرغم من دخولهم فى النصرانية، يتعلقون سراً بدينهم القديم، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية، وديوان التحقيق من ورائهم يطاردهم

(1) نشر المقرى هذه الرسالة بأكملها فى نفح الطيب ج 1 ص 617 - 628؛ وفى أزهار الرياض ج 1 ص 72 - 102.

(2)

راجع أزهار الرياض ج 1 ص 71

ص: 493

بمنتهى القسوة حسبما فصلنا فى موضعه. وكانوا يحافظون جهدهم على لغتهم العربية. ولكن السياسة الإسبانية المرهقة، فطنت منذ الساعة الأولى إلى أهمية اللغة فى تدعيم الروح القومية، فعولت على سحق العربية وكل آثارها، وصدر منذ أيام الإمبراطور شارلكان فى سنة 1526، أول قانون لتحريم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة. وكانت العربية ما تزال حتى ذلك الوقت لغة لأدب يحتضر، وكانت ما تزال لغة التعاقد والتعامل، لا فى أنحاء مملكة غرناطة القديمة وحدها، ولكن أيضاً فى مجتمعات المدجنين القاصية فى أراجون حسبما تدل عليه وثائق عثرنا عليها (1). وكان يوجد ثمة بين الموريسكيين من ينظم بها الشعر. وقد أشرنا فيما تقدم إلى القصيدة التى أرسلها الموريسكيون إلى السلطان بايزيد الثانى يلتمسون فيها النجدة والغوث، وهى قصيدة تنم بالرغم من ركاكتها عن روح شعرية مؤثرة. واستمر الموريسكيون عصراً آخر يوجهون رسائلهم العربية إلى مسلمى المغرب.

وكانت السياسة الإسبانية تضيق ذرعاً بالعربية، وتزداد منها توجساً. فعادت فى عهد فيليب الثانى لتتخذ خطوتها الحاسمة فى القضاء عليها. وصدر فى سنة 1566 قانون جديد صارم يحرم على الموريسكيين التخاطب بالعربية أو التعامل بها على نحو ما فصلنا، وطبق القانون بمنتهى الشدة. وكانت العربية قد أخذت تغيض شيئاً فشيئاً فى غمر العسف والاضطهاد، فجاء القانون الجديد ضربة قاضية لمظاهرها ْالباقية. وفى هذ الوقت بالذات نشهد نفثات العربية الأخيرة لدى الموريسكيين فى بعض قصائدهم السرية الثورية. وفى لغة الخطاب الذى نشرناه فيما تقدم لمولاى عبد الله آخر زعماء الثورة الموريسكية ما يوضح لنا مدى الانحلال الذى انتهت إليه اللغة العربية فى ذلك العصر.

ولم تمض فترة قصيرة على تطبيق القانون الجديد بتحريم العربية نهائياً، وفرض القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل على الموريسكيين، حتى اختفت المظاهر والآثار الأخيرة للعربية. ومع ذلك فقد وجد الموريسكيون فى قشتالة ذاتها متنفس تفكيرهم وأدبهم القديم، فكانوا يكتبون القشتالية سراً بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضى

(1) ومن ذلك وثيقة زواج بالعربية مؤرخة يوم الأحد 17 يوليه الموافق 10 رمضان سنة 928 هـ (1522 م) بين "الشب الكريم محمد خشان وبين المقدم القاضى ابراهم ذاعمر فى الشيبة الكريمة فاطمة بنت على سانته من ربض مسلمى من مدينة قلعة أيوب"، وهى بخط عربى ردىء (مكتبة مدريد الوطنية مجموعة الألخميادو رقم 4968 وثيقة نمرة 9)

ص: 494

الزمن عن خلق لغة جديدة اشتقت أصلا من القشتالية لغتهم المفروضة، واختلطت بها ألفاظ عربية وأعجمية مختلفة من اللهجات المعاصرة والقديمة، ولاسيما اللغة الرومانية. وكانت هذه اللغة الرومانية Lengua Romanica لغة المستعربين أيام الدولة الإسلامية، وكانت معروفة ذائعة فى قرطبة وغيرها من الحواضر الأندلسية التى تقيم بها طوائف كبيرة من النصارى المستعربين، وكان يتكلم بها بعض أكابر الصقالبة فى البلاط، ويعرفها بعض العلماء المسلمين. وكان المسلمون الأندلسيون، يستعملون أحياناً بعض عبارات من هذه اللغة الرومانية، ولاسيما فى الكتابات العلمية، ويسمونها فى كتبهم "باللطينية"، (أعنى اللاتينية)، وقد تسرب منها بمضى الزمن كثير من الألفاظ فى الزجل الأندلسى، ولاسيما زجل ابن قزمان. وفى مملكة غرناطة، كانت اللغة العربية الشعبية، يتسرب إليها كثير من الألفاظ الرومانية والقشتالية (1)، وهذه هى التى تسربت بالأخص فيما بعد إلى لغة الموريسكيين السرية، التى لجأوا إلى ابتكارها حينما حرمت عليهم لغتهم الأصلية، واحتفظوا لها بالأحرف العربية.

وتعرف هذه اللغة التى اتخذها الموريسكيون بالأخص متنفساً لدينهم القديم "بالألخميادو" Aljamiado، وهو تحريف اسبانى لكلمة "الأعجمية"، وقد لبثت زهاء قرنين سراً مطموراً حتى ظفر بعض العلماء الإسبان بمجموعة من مخطوطاتها فى أوائل القرن الماضى، وعندئذ ظهرت عنها المعلومات الأولى. ويقول العلامة مننديث إى بلايو فى تعريفها، بأنها هى اللغة الرومانية القشتالية

Romana Castelaa تكتب بأحرف عربية. ويقول المستشرق سافدرا فى تعليل قيامها " إن الطابع الدينى الذى كان يفصل بين الموريسكيين وباقى الإسبان يطغى على إنتاجهم الأدبى، وكأنما هو قرين طبيعى للمنتجات العربية، فهم لكى يحتفظوا بجذوة حية من العقيدة المحمدية، كتب العلماء والفقهاء كتباً "عما يجب أن يعتقده وأن يحفظه كل مسلم حسن الإيمان" عن صفات الله، وعن بعض المسائل الفقهية، وفقاً لمذهب مالك، وكتبوا عن التاريخ المقدس، والقصص الدينى، وتعبير الرؤيا وغير ذلك"(2).

(1) R. Menéndez Pidal: Origines del Espanol p. 418، 429 & 431

(2)

E. Saavedra: Discurso leido ante la Real Academia Espanola (Madrid

1878)

ص: 495

وهكذا كتب الموريكسيون القرآن سراً باللغة العربية، مقروناً بشروح وتراجم ألخميادية، وكتبوا سيرة الرسول والمدائح النبوية، وقصص الأنبياء، وبعض كتب الفقه والحديث بالألخميادو -وهو رسم لغتهم العزيزة-، مع كتابة البسملة والآيات القرآنية دائماً خلال هذه النصوص السرية باللغة العربية، ويلاحظ أن معظم كتب الألخميادو المذكورة تكتب بالشكل الكامل، حتى يمكن قراءتها بطريقة صحيحة.

واستعمل الموريسكيون الألخميادو فى أدبهم، وفى التعبير عن أفكارهم ومُثلهم فى النثر والنظم. ومن أشهر شعرائهم محمد ربدان Rabadan أو الراعى وقد كان حياً فى أوائل القرن السابع عشر، وأصله من روطة خالون من أراجون. وله نظم كثير، وقصائد قصصية، وأخرى دينية. ومن آثاره فى القصص الدينى كتاب عن "هول يوم الحساب" و "قصة النبى منذ بدء الخليقة" وأغنيات دينية، وأسماء الله الحسنى، وكلها بالنظم. وشعره يمتاز بالجزالة والسهولة. ومن شعراء الموريسكيين أيضاً ابراهيم دى بلفاد، وخوان ألفونسو، ومنهم الشاعر محمد الخرطوشى، وقد كان من أهل بيانة، ومنهم أخيراً شاعر موريسكى مجهول، عاش فى تونس فى أوائل القرن السابع عشر بعد النفى، واشتهر بنقده لمسرحيات "لوبى دى فيجا" شاعر اسبانيا الأكبر. ومن أشهر كتاب الألخميادو الكاتب الفقيه المسمى "فتى أبيرالو" El Mancebo de Avéralo، وهو مؤلف لكتب فى التفسير، وتلخيص السنة؛ وقد طاف بمعظم أنحاء اسبانيا، وشهد مصائب قومه ووصفها، وتلقى العلوم الإسلامية القديمة عن عالمتين بارعتين فى الشريعة هما "مسلمة أبده" La Mora de Ubéda، و "مسلمة آبلة" La Mora de Avila، وألف كذلك فى القصص الدينى.

وعنى الموريسكيون بنوع خاص بكتابة القصص وترجمته، ومن آثارهم المعروفة فى ذلك كتاب "حديث القصر الذهبى" Alhadiz de Alcazar del Oro وكتاب الحروب، و "حديث على والأربعين جارية"، بيد أن أعظم كتبهم القصصية الحماسية هو كتاب "قصة الإسكندر ذى القرنين"، والتنويه ببطولة الإسكندر يرجع إلى شخصيته، ولأنه ذكر فى القرآن، وأنه بعث لكى يحارب ملوك الأرض ويحطم الأصنام ويقتل عبادها.

ومن أشهر كتب الموريسكيين الألخميادية، كتب المدائح النبوية والأدعية،

ص: 496

الصفحتان الأوليان من كتاب فى "الأدعية النبوية" مكتوب بالألخميادو، وفى نهايته بالعربية الركيكة أنه كتب سنة 997 هـ (1579 م)، ومحفوظ بمكتبة مدريد الوطنية رقم 5306

ص: 497

والواقع أن كتابة المدائح النبوية باللغة القشتالية ترجع إلى عصر مبكر، وقد كتبها المدجنون بهذه اللغة منذ القرن الثالث عشر، وانتشرت بعد ذلك بين طوائف المدجنين فى مختلف مدن قشتالة وأراجون. ثم كتبها الموريسكيون بالألخميادو أو القشتالية العربية.

والظاهرة الواضحة فى الأدب الموريسكى، هو أن كُتاب الألخميادو كانوا يفكرون ويكتبون بالروح العربية، وإن كان تعبيرهم عن ذلك يجرى بالقشتالية، وأنهم كانوا يتأثرون فى الأسلوب بلهجات مقاطعاتهم المختلفة، أكثر من تأثرهم بقواعد اللغة.

ويرى النقدة أن نثر كتاب الألخميادو أفضل من نظمهم، وأنه نثر مطبوع خال من التكلف، ومن الملحوظ فيه بنوع خاص تسرب الألفاظ العربية الصحيحة إليه من آن لآخر، والأدب الموريسكى لا يتجه إلى مراعاة الرونق والتنميق، ولكنه يرمى قبل كل شىء إلى تصوير التاريخ والتقاليد القومية فى إطار دينى.

وبالرغم مما يغلب عليه من الضعف والركاكة بصفة عامة، فإنه يصل أحياناً إلى مرتبة الطلاوة، بل يصل أحياناً إلى مرتبة البلاغة. وأفضل مثل لذلك شعر ريدان (1).

كما يرى البعض، أنه وإن لم تكن للأدب الموريسكى ثروة من الجمال أو قيمة أدبية ذات شأن، فإن له قيمة تاريخية واجتماعية هامة، فى الكشف عن التقاليد والعادات، وأنه قد ترك أثره فى اللغة الإسبانية، وفى الشعر الإسبانى، وفى الأفكار الدينية وغيرها.

بل وقد نوه غير واحد من الكتاب الإسبان، بما كان عليه الأدب الموريسكى بالرغم من ضعفه وضآلة شأنه، من شاعرية، وشعور بالجمال، وخيال ممتع، وذوق سليم. ويعلق الدون برونات على اختفاء الموريسكيين واختفاء أدبهم بعبارات شعرية يقول فيها:"إن السياسة الإسبانية لم تكتف بنفى الموريسكيين، وما ترتب عليه من نضوب حقولنا ومصانعنا وخزائننا، ولم يقتصر الأمر على انتصار التعصب، وبربرية ديوان التحقيق، بل تعداه إلى اختفاء الشعر، وشعور الجمال الموريسكى، والأدب السليم الذى رفع سمعة تاريخنا".

(1) راجع: Menéndez y Pelayo: Historia de los Heterodoxes Espanoles p. 345 - 349، وكذلك E. Saavedra: ibid.

وراجع الموسوعة الإسبانية العامة تحت كلمة Aljamia

ص: 498

صفحتان من كتاب فى التفسير مكتوب بالألخميادو ومحفوظ بمكتبة مدريد الوطنية برقم 5252

ص: 499

ثم يقول: "إنه اختفى وطرد الموريسكيين، الأدب المعطر، والشاعرية الشعبية، والخيال الممتع، ومصدر الوحى الذى كانوا يمثلونه. وقد غاض باختفائهم من شعرنا هذا التلوين والفن والحيوية والإلهام والحماسة، التى كانت من خواصهم، وحل محلها الظلام فى الأفق الأدبى خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر"(1).

وقد اطلعنا خلال إقامتنا بمدريد على كثير من الكتب والوثائق الألخميادية ولاسيما فى المكتبة الوطنية التى تحتفظ منها بطائفة كبيرة، ومنها كتب صلوات وأدعية وفقه، ومعظمها يفتتح بالبسملة والصلاة على النبى، وقد لفت نظرنا بالأخص مخطوط منها، وهو كتاب فى الصلاة والأدعية، تدل عبارته الاختتامية على أن اللغة العربية كانت ما تزال بالرغم من تحريمها ومطاردتها، تدرس وتكتب سراً حتى أواخر القرن السادس عشر، وإليك نص العبارة المذكورة:

"أفرغ للعبد من الله تعالى المعترف بذنبه الراجى غفران ذنبه، على بن محمد بن محمد شُكار من بلاد مزماذيانتى اليوم الآخر من جمادى الثانى يوما أربعة ولعشرين من شهر ماروس من يوم من ثلث منه عام ثمانية وتسعين تسع مائة من الحجرة النبى صلى الله عليه وسلم. ولعددا من المسيح منه عام وتسع وثمانين ألف وخمسمائة آمين آمين يا رب العالمين. تمت بحمد الله وحسن عونه وكان الفراغة ثم صلاة العصر"(2).

واطلعنا كذلك على عدة من كتب الأدب الموريسكى، ومنها قطعة مخطوطة من كتاب يوسم بأنه "قصيدة يوسف"، وهو كتاب شعرى عن حياة يوسف لمؤلف مجهول (3).

وهناك أيضاً طائفة من الكتب الدينية، ومنها كتب فى السيرة النبوية والتفسير والحديث والصلوات، وعدد كبير من الوثائق الموريسكية المختلفة، وكثير منها يفتتح بالبسملة ويتخللها، اسم الله والصلاة على رسوله.

(1) D. Pascual Boronat: Los Moriscos Espanoles y su Expulsion.

p. 384، 386 & 389

(2)

يحفظ هذا المخطوط بالمكتبة الوطنية بمدريد برقم 5306 بفهرس المخطوطات العربية.

(3)

يحفظ هذا المخطوط بالمكتبة الوطنية برقم R. 247. وتوجد من هذا الأثر الموريسكى أيضاً قطعة مخطوطة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمجموعة جاينجوس، وقد وضع العلامة المؤرخ الأستاذ مننديث بيدال عن هذا المؤلف كتاباً نقدياً نشر فيه النص الألخميادى مقروناً بتخريج اسبانى بعنوان:

La Poema de Yuçuf (Granada 1952)

ص: 500

على أن هذه الآثار الدينية التى حاول الموريسكيون أن يدونوا فيها تعاليم الإسلام وسيرة النبى، تحتوى فى أحيان كثيرة على بعض التعاليم النصرانية، تمتزج بتعاليم الإسلام، وتعرض فيها المثل الإسلامية أحياناً فى صور المثل النصرانية، وقد يصور النبى العربى من بعض النواحى فى صور المسيح. ويرجع هذا المزيج الغريب إلى ظروف العصر، وإلى ضغط المطاردة الدينية التى لبث الموريسكيون تحت روعها، وإلى رهبة محاكم التحقيق التى استمرت فى عسفها ومطارداتها الدموية. بيد أن الآثار الدينية التى خلفها الموريسكيون تنم فى معظمها عن بغضهم للنصرانية ومثلها وتقاليدها، مما يدل على أن تسرب التعاليم النصرانية إلى كتبهم لم يكن سوى نتيجة لظروف العصر التى باعدت قسراً بينهم وبين تعاليم دينهم الحقيقية.

وقد وجدت فى أواخر القرن السادس عشر بدير ساكرومونتى القريب من غرناطة، ألواح من الرصاص عليها كتابات دينية باللاتينية والعربية، تتحدث عن حياة المسيح والرسل ومريم، وعن الإسلام وبعض قواعده، وتمزج فيها التعاليم الإسلامية بالتعاليم المسيحية. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه الألواح كتبها الموريسكيون، وفيها يحاول علماؤهم أن يجدوا حلا وسطاً للتوفيق بين الدينين، وأن يصنعوا مزيجاً معقولا من العقيدتين. وقد حملت هذه الألواح فيما بعد إلى رومة، وترجم قسمها اللاتينى، ثم حكم بأنها أوهام وخرافات وضعت لمسخ الدين المسيحى وهدمه (1).

هذا، ويوجد ثمة بعض الكتاب الموريسكيين، الذين استطاعوا أن يغادروا اسبانيا فى أواخر العهد الموريسكى، قبيل النفى بقليل، وأن يكتبوا بالعربية لغة آبائهم وأجدادهم، بعض الآثار التى انتهت إلينا، ولدينا من هؤلاء مثلان بارزان، الأول، هو باسمه الأندلسى، محمد بن عبد الرفيع الحسينى الأندلسى الذى سبقت الإشارة إليه، وقد هاجر قبل النفى إلى تونس، وترك لنا بالعربية كتابه "الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، وهو الذى اقتبسنا منه، ما كتبه فى خاتمته عن أحوال إخوانه الموريسكيين، وعن البواعث التى حملت اسبانيا على نفيهم (2).

(1) Menéndez y Pelayo: Historia de los Heterodoxes Espanoles. p. 354

(2)

وتوجد منه نسخة خطية بخزانة الرباط (المكتبة الكتانية رقم 1238)، ومذكور فى نهايته أنه تم تحريره بتونس فى سادس شعبان سنة 1044 هـ

ص: 501

والثانى هو حسبما يسمى نفسه باسمه الأندلسى، أحمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قاسم بن الشيخ الحجرى، ويعرف بالشهاب الحجرى، وكذلك بآفوقاى، وهو موريسكى من أحواز غرناطة، استطاع أن يغادر الأندلس فى سنة 1007 هـ (1598 م)، أعنى قبل النفى بثلاثة عشر عاما. ويروى لنا الشهاب، قصة فراره من اسبانيا فى خاتمة كتابه "العز والمنافع " الذى نتحدث عنه فيما بعد، على النحو الآتى:

"وأقول اعلم أن أول ما تكلمت به ببلاد الأندلس، كان بالعربية، وكانت النصارى دمَّارهم الله، تحكم فى من يجدوه يقرأ العربية، فتعلمت القراءة الأعجمية للأخذ والاعطى، ثم ألهمنى الله سبحانه أن أخرج من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين لما تحققت أن الكفار، كانوا فى الثغور يبحثون عن كل من يرد عليهم لعلهم يجدونه أندلسيا مخفيا ليحكموا فيه لأنهم كانوا منعوهم من الثغور ليلا يهربوا إلى بلاد المسلمين، فجلست سنين، نتعلم الكلام والأخذ فى كتبهم ليحسبوا أنى منهم إذ أمشى إلى بلادهم للخروج منها لبلاد الإسلام. ولما أن جئت إلى البلاد التى هى على حاشية البحر، حيث هو الحرس الشديد، وجلست بينهم فلم يشكوا فى بما رأوا منى من الكلام والحال والكتابة، وجئت من بينهم إلى بلاد المسلمين، وبهذه النية تعلمت وبلغت فى كتبهم. ولكل امرىء ما نوى. ثم رأيت أن بسبب التعليم انه كان بنية القرب من الله ببلاد المسلمين، فتح لى بذلك العلم المنهى عنه ببيان الملوك المسدودة عن كثير من الناس".

وقد اتصل الشهاب الحجرى، عقب وصوله إلى المغرب، بالسلطان أحمد المنصور، ملك المغرب يومئذ، واشتغل مترجماً للبلاط، فى عهد المنصور وولده السلطان مولاى زيدان المتوفى سنة 1037 هـ (1627 م)، إذ كان يجيد الإسبانية إلى جانب العربية. واستعمله السلطان فوق ذلك للسفارة عنه فى بعض البلاد الأوربية، ورحل الشهاب فى أواخر حياته إلى المشرق، وأدى فريضة الحج.

ولما عاد، نزل بتونس، وقربه أميرها الداى مراد يومئذ. وهنالك توثقت أواصر الصداقة بينه وبين زميل موريسكى مهاجر يسمى باسمه الأندلسى الرئيس ابراهيم ابن أحمد بن غانم بن محمد بن زكريا الأندلسى. وكان الرئيس ابراهيم هذا فيما يبدو من زعماء الجند، وقد ألف بالإسبانية (الأعجمية) كتابا فى فن الجهاد بالمدافع. فقام الشهاب الحجرى بترجمته إلى العربية، وسماه " كتاب العز والرفعة

ص: 502

والمنافع للمجاهدين فى سبيل الله بالمدافع"، ووصف نفسه فى صفحة العنوان بأنه "ترجمان سلاطين مراكش". وقد انتهى هذا الكتاب الفريد إلينا، وهو يحتوى على خمسين بابا فى وصف البارود، والآلات الحربية القاذفة، وتركيب المدافع واختلافها، ووصف أدواتها، وطرق تعميرها، والرمى بها إلى غير ذلك. ويتخلل ذلك رسوم توضيحية لمختلف أجزاء المدفع (1).

ويشير الشهاب فى كتابه المذكور إلى المقرى مؤرخ الأندلس، وإلى كتابه الجامع "نفح الطيب" فى قوله:"وقد صح من كتب التواريخ التى جمعها العلامة للشيخ أحمد المقرى فى كتابه بمصر فى الكتاب الجامع للتواريخ على بلاد الأندلس أعادها الله إلى الإسلام"، وقد عاش الرجلان فى نفس العصر. والظاهر أن الشهاب الحجرى قد لقى المقرى بمصر خلال مروره بها فى طريقه إلى الحج، أو خلال العود منه، وذلك فى نحو سنة 1040 هـ (1631 م) قبيل وفاة المقرى بقليل.

وقد كتب الشهاب الحجرى فوق ذلك كتابا آخر عنوانه "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب". والأحباب هنا فيما يبدو هم إخوانه المسلمون فيما وراء البحر فى عدوة المغرب، ولكن هذه " الرحلة " لم تصلنا مع الأسف، ولم يصل إلينا منها سوى شذور يسيرة جداً، نقلها بعض الكتاب المغاربة المتأخرين، وأكبر الظن أن رحلة الشهاب المفقودة كانت تحتوى على معلومات هامة ونفيسة عن أحوال مواطنيه العرب المتنصرين، ولعل البحث يظفر بها يوما ما.

ومما يلفت النظر من أقوال الشهاب عن أحوال اسبانيا يومئذ، ما نقله إلينا صاحب كتاب "نزهة الحادى" من الرحلة المذكورة، قول الشهاب "إن جزيرة الأندلس، استردادها من أيدى الكفار سهل، واسترجاعها منهم قريب. ولما دخلت فى أيام المنصور مراكش، وجدت عنده من الخيل نحوا من ستة وعشرين ألفاً، فلو تحركت هذه لفتحها لفتحتها، ولاستولى عليها فى الحين"(2).

(1) توجد منه نسخة مخطوطة بخزانة الرباط تحفظ برقم ج 87، وتقع فى 261 صفحة كبيرة، ومذكور فى صفحة العنوان أنه من تأليف الرئيس ابراهيم بن أحمد بن غانم بن محمد بن زكريا، كتبه بالأعجمية، وترجمه له بالعربية ترجمان سلاطين مراكش، أحمد بن قاسم بن أحمد الحجرى الأندلسى". وتوجد منه كذلك نسخة بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية رقم 97 فروسية. ونسخة أخرى بدار الكتب رقم 71 فنون حربية.

(2)

كتاب نزهة الحادى ص 99

ص: 503

وأخيراً، فقد وضع الشهاب أيضاً عقب عوده من الحج، كتابا عنوانه "ناصر الدين على القوم الكافرين" يؤيد فيه رسالة الإسلام، ويفند معتقدات النصارى.

- 3 -

وقد أبدت السياسة الإسبانية اهتماماً خاصاً بالقضاء على تراث الأندلس الفكرى، وبدأت بارتكاب فعلتها الشائنة فى سنة 1499 م أعنى لأعوام قلائل من سقوط غرناطة، فجمعت الكتب العربية، وأحرقت بأمر الكردينال خمنيس حسبما فصلنا من قبل، ولم تبق معاول التعصب والجهالة إلا على بقية صغيرة من الكتب العربية، جمعت فيما بعد من مختلف الأنحاء، وأودعت أيام فيليب الثانى فى قصر الإسكوريال على مقربة من مدريد، وحجبت عن كل باحث ومتطلع. وفى أوائل القرن السابع عشر، وقع حادث كان سبباً فى مضاعفة المجموعة العربية الإسبانية. ذلك أن السفن الإسبانية استطاعت أن تأسر مركباً مغربية لمولاى زيدان ملك المغرب "كانت مشحونة بالكتب ومختلف التحف، وبها ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة وغيرها. وتضع الرواية الإسبانية تاريخ هذا الحادث فى سنة 1612 فى عصر فيليب الثالث، وذلك حينما اشتد اضطراب العلائق بين اسبانيا والمملكة المغربية (1). وقد حملت هذه المجموعة النفيسة من الكتب العربية إلى اسبانيا، وأودعت قصر الإسكوريال، إلى جانب بقية التراث الأندلسى التى كانت مودعة فيه منذ أيام فيليب الثانى. وكانت مجموعة مولاى زيدان المغربية تحتوى عدد كبير من الكتب الأندلسية التى كثر استنساخها، "اقتنائها بالمغرب، بعد سقوط غرناطة.

ولبثت هذه المجموعة من المخطوطات العربية الأندلسية مودعة بمكتبة الإسكوريال الملكية حتى أواسط القرن السابع عشر، وكانت تبلغ يومئذ عدة آلاف، وكانت أغنى وأنفس مجموعة من نوعها بإسبانيا. ولكن محنة جديدة أصابت هذه البقية الباقية من تراث الأندلس. ففى سنة 1671 شبت النار فى الإسكوريال، والتهمت معظم هذا الكنز الفريد، ولم ينقذ منه سوى ألفين، هى التى مازالت تثوى حتى اليوم فى أقبية مكتبة الإسكوريال التى يشرف عليها الآباء الأوغسطنيون. وكانت الحكومة الإسبانية أثناء هذه العصور تحرص على إخفاء الآثار العربية عن كل قارىء

(1) الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوى ج 3 ص 128؛ وراجع ص 392 من هذا الكتاب

ص: 504

وباحث، كأنما كانت تخشى أن تتسرب روح التفكير الإسلامى إلى تفكير اسبانيا النصرانية، بعد أن بذلت لقتل هذا الروح كل وسيلة ممكنة. وكان الكُتّاب الإسبان أنفسهم، تحملهم نزعة الدين والجنس، يعرضون عن كل بحث وتنقيب فى هذه المصادر النفيسة، التى تلقى أكبر ضوء على تاريخ اسبانيا المسلمة وحضارتها فى العصور الوسطى، ويكتفون فى كتابة هذه المرحلة الطويلة الباهرة من تاريخ بلادهم، بالرجوع إلى المصادر الإسبانية التى تفيض بالتحامل والتعصب وغمر الخرافات. ولم تفق الحكومة الإسبانية من جمودها، ولم تفكر فى تنظيم تراث الأندلس الفكرى والتعريف به، قبل أواسط القرن الثامن عشر، فعندئذ انتدبت عالماً شرقياً يجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، هو ميخائيل الغزيرى اللبنانى، الذى يعرف فى الغرب باسم كازيرى Casiri، وعهدت إليه بدرس الآثار العربية، ووضع فهرس جامع لها. وكان الغزيرى بنشأته وثقافته الشرقية رجل المهمة، فلبى دعوة الحكومة الإسبانية، وعين فى سنة 1749 مديراً لمكتبة الإسكوريال، وأنفق هنالك بضعة أعوام يدرس المخطوطات العربية ويحققها، ثم بدأ بوضع فهرسه الجامع الذى عهد إليه بوضعه. وفى سنة 1760 صدر الجزء الأول من هذا الفهرس باللاتينية بعنوان Bibliotheca Arabico - Hispana Escurialensis " المكتبة العربية الإسبانية فى الإسكوريال"، وصدره الغزيرى بمقدمة طويلة تحدث فيها عن قيمة هذه المخطوطات العربية وأهميتها، وقسم هذه الآثار إلى عدة فنون، وبدأ بكتب اللغة وعلومها، ثم الشعر وأبوابه، ثم الفلسفة وما يتعلق بها، ثم الأخلاق فالطب والتاريخ الطبيعى، فالرياضة والهندسة والفلك، فالفقه وعلوم الدين والقرآن، وهى تشمل أكبر مجموعة. ثم الآثار النصرانية. وتبلغ محتويات هذا الجزء الأول من الفهرس 1628 مجلداً. وفى 1770 ظهر الجزء الثانى من الفهرس، محتوياً على كتب الجغرافيا والتاريخ ومنتهياً برقم 1851، وهو جملة ما أثبته الغزيرى فى فهرسه.

وكان أهم ما اتجهت إليه الأنظار بعد ظهور معجم الغزيرى، هو التنقيب فى مجموعة الإسكوريال عن الروايات العربية المتعلقة بتاريخ اسبانيا المسلمة، وسياسة الحكومات الإسلامية، وخواص المجتمع الإسلامى، فعنى طائفة من الباحثين الإسبان فى أواخر القرن الثامن عشر ومنهم أندريس وماسدى، ببحث تاريخ العلوم والآداب العربية، فأخرج أندريس كتابه عن "أصول الأدب"، وأخرج

ص: 505

ماسدى مؤلفه عن "تاريخ اسبانيا والحضارة الإسبانية"(1). ثم جاء العلامة كوندى فوضع لأول مرة تاريخاً لاسبانيا المسلمة (2)، يعتمد فيه على الروايات العربية، وظهر هذا المؤلف بين سنتى 1810 و 1812. وبالرغم من أن مؤلف كوندى يحتوى على كثير من الأخطاء التاريخية، فقد كان أول مجهود غربى من نوعه يعرض للغرب قضية العرب فى اسبانيا من الناحية العربية، وفيه يقف الغرب لأول مرة على وجهات النظر الأندلسية، وخواص النظم والسياسة الإسلامية. ويبدى كوندى فى كثير من المواطن حماسة فى الدفاع عن العرب، والإشادة بخلالهم ومواقفهم وحضارتهم، ويصدر فى بعض المواطن، أشد الأحكام على أمته وسياسة مواطنيه.

وأخذت المصادر العربية الأندلسية، تَمْثُل من ذلك الحين فى كل بحث يتعلق بتاريخ الأندلس. وكان العلامة المستشرق الهولندى رينهارت دوزى أعظم باحث غربى، توفر على دراسة التاريخ الأندلسى، ودراسة مصادره العربية والغربية، وكتابه القيم "تاريخ المسلمين فى اسبانيا حتى فتح المرابطين"(3)، من أنفس ما كتب فى هذا الباب، وذلك بالرغم مما يبدو فيه من آن لآخر من تعليقات يطبعها التحامل. وتوالت بعد ذلك جهود الباحثين الغربيين فى دراسة تاريخ اسبانيا المسلمة وكتابته. وصدرت بعد كتاب دوزى خلال القرن الماضى فى هذا الموضوع، عدة كتب قيمة، إسبانية وإنجليزية وفرنسية وغيرها، يمتاز الكثير منها بدقة البحث وروح الإنصاف.

وقام المستشرق الفرنسى هارتفج ديرنبور فى أواخر القرن الماضى بدراسة جديدة للمجموعة الأندلسية بالإسكوريال، ووضع لها فهرساً جديداً بالفرنسية عنوانه:"المخطوطات العربية فى الإسكوريال" Les Manuscrits Arabes de l'Escurial نحا فيه نحو الغزيرى فى ترتيبه وترقيمه، وعثر على نحو مائة مخطوط أخرى لم يثبتها الغزيرى فى معجمه. بيد أنه لم يصدر من هذا الفهرس الجديد سوى جزئين يشتملان على كتب اللغة والبلاغة والشعر والأدب والفلسفة والأخلاق والسياسة. وأصدر الأستاذ ليفى بروفنسال بعد وفاة ديرنبور جزءاً ثالثاً من هذا الفهرس مشتملا على

(1) Historia Critica de Espana y la Cultura espanola

(2)

Historia de la Dominacion de los Arabes en Espana

(3)

Histoire deds Musulmans d'Espagne jusqu'à la Conquete de l'Anda-

lousie par les Almoravides

ص: 506

كتب الدين والجغرافيا والتاريخ. ومازال هذا الفهرس الجديد لمجموعة الإسكوريال الأندلسية، ينقصه استعراض كتب الطب والتاريخ الطبيعى والرياضة والفقه، كما ينقصه ذكر الكتب التى غابت عن الغزيرى وعددها نحو مائة كتاب.

وقد كان التنقيب فى تراث الآثار الأندلسية، والتعريف بها على هذا النحو، فتحاً عظيما فى تاريخ اسبانيا المسلمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية. فقد كان الغرب حتى أواخر القرن الثامن عشر، لا يعرف من هذا التاريخ سوى ما تعرضه الرواية الإسبانية من شذور مشوهة مغرضة، وكانت مئات من الحقائق تغمرها حجب التعصب والتحامل، فجاءت وثائق الإسكوريال تبدد هذه الحجب، وتقدم الأدلة الساطعة على عظمة هذه الصفحة من تاريخ اسبانيا، وتعرض لنا مئات الحقائق عن تفوق الحضارة الأندلسية، ومبلغ ما وصلت إليه من الإزدهار والتقدم.

ومما هو جدير بالذكر أن ملوك المغرب بذلوا أكثر من محاولة لاسترداد الكتب العربية من اسبانيا، وكان يحدوهم فى ذلك شعور بأن هذا التراث الفكرى للأمة الأندلسية الشهيدة إنما هو تراثهم المشترك، وأن المغرب هو الوارث الطبيعى لهذا التراث، خصوصا وقد كان بين محتوياته مكتبة مولاى زيدان التى انتهبت فى عرض البحر حسبما قدمنا. ففى سنة 1102 هـ (1691 م) بعث مولاى اسماعيل عاهل المغرب العظيم، وزيره الكاتب محمد بن عبد الوهاب الغسانى سفيراً إلى كارلوس الثانى ملك اسبانيا، وكان من مهمته إلى جانب السعى فى تحرير الأسرى المغاربة، أن يسعى فى استرداد الكتب العربية، وقد نجح السفير فى تحقيق الشطر الأول من مهمته، ولكنه لم ينجح فى تحقيق الشطر الثانى. وفى سنة 1179 هـ (1765 م) أرسل مولاى محمد بن عبد الله سلطان المغرب، كاتبه أحمد بن مهدى الغزّال، سفيراً إلى كارلوس الثالث ملك اسبانيا ليضطلع بنفس المهمة المزدوجة، أعنى العمل على تحرير الأسرى المغاربة، واسترداد الكتب العربية، ولكنه لم يحرز فى مهمته بشأن الكتب نجاحا يذكر، وإن كان قد استطاع أن يحصل من الإسبان على قدر من الكتب العربية ليس بينها شىء من محتويات الإسكوريال (1).

(1) ترك لنا كل من هذين السفيرين كتابا عن مهمته: فكتب الوزير محمد بن عبد الوهاب كتابه المسمى "رحلة الوزير فى افتكاك الأسير"(تطوان 1939). وكتب الثانى أحمد الغزال كتابه "نتيجة الإجتهاد فى المهادنة والجهاد"(تطوان 1941)

ص: 507

- 4 -

بقى أن نتحدث عن الفن فى الأندلس، وسيكون حديثنا عن ذلك عاماً. ذلك أن الفن فى مملكة غرناطة آخر دول الإسلام بالأندلس، لم يكن له سوى المرحلة الأخيرة لسير الفن الأندلسى.

وقد نشأ الفن الإسلامى فى البداية نشأة متواضعة. ونريد بالفن هنا معناه الدقيق الخالص. فالتصوير والنحت والنقش والزخرفة والموسيقى والغناء وما إليها، مما ينعت فى عصرنا بالفنون الجميلة، يقع تحت هذا المعنى. بيد أن هنالك معنى أوسع للفن فقد يشمل فنون الهندسة والعمارة وما إليها، ولا بأس من أن نعامله بهذا المعنى الأعم فى الوقت نفسه. وهذه النشأة المتواضعة للفن الإسلامى ترجع بالأخص إلى عوامل دينية. فقد نشأ الإسلام خصيم الوثنية، يضطرم بغضاً لمظاهرها ورسومها، وقد كان النحت والتصوير والنقوش الرمزية، وقت ظهور الإسلام من مظاهر الوثنية ورسومها البارزة، فكان الإسلام يخاصمها ويطاردها. ولم يشأ الإسلام أن يفسح صدره لهذه المظاهر والرسوم كما فعلت النصرانية، حيث اعتنقتها وشملتها برعايتها، وازدانت بها كنائسها وهياكلها العظيمة منذ القرن الأول للميلاد. ثم غدت فيما بعد مثاراً للخلاف الطائفى، واعتبرت رمزاً لعبادة الصور، وثارت حولها تلك المناقشات والخصومات البيزنطية الشهيرة. بيد أن هذه الخصومة التى شهرها الإسلام فى عصره الأول على التماثيل والصور، رموز الوثنية ومظاهرها، لم تلبث أن خفت وطأتها منذ القرن الثانى للهجرة، حينما قامت الإمبراطورية الإسلامية، وأنشئت فى أرجائها الصروح الإسلامية العظيمة، وبدت الخلافة فى عظمتها الدنيوية، وأخذت بقسطها من الترف والبهاء والبذخ. عندئذ عنى الخلفاء بالفنون وازدانت قصورهم ومعاهدهم وحدائقهم، بمظاهر الفن الرفيع، واعتمد على الاقتباس بادىء بدء من تراث الفنون الفارسية واليونانية والرومانية، والبيزنطية بنوع خاص، واقتبس عرب الأندلس أيضاً من تراث الفن القوطى. ولم يمض بعيد حتى امتزج الاقتباس بالابتكار، وبدأ الفن الإسلامى فى مظاهره المستقلة. وبلغ منذ القرن الثالث للهجرة، سواء فى بغداد أو قرطبة مستوى رفيعاً من الروعة والبهاء. وبرع المسلمون فى صنع الزخارف والنقوش والرسوم والصور الدقيقة، وانتهوا فى الموسيقى إلى ذروة الافتنان والبراعة، وازدهر الفن الإسلامى فى المشرق والمغرب أيما ازدهار

ص: 508

وبلغ الفن الإسلامى فى الأندلس أوج ازدهاره فى القرن الرابع الهجرى. ويجب أن نلاحظ أن مسلمى الأندلس كانوا أسبق الأمم الإسلامية إلى صنع التماثيل والصور وقد زينوا قصورهم ومعاهدهم منذ القرن الثالث، بالتماثيل والصور والنقوش، التى تمثل الحيوان والنبات والطير. أما التماثيل والصور البشرية، فكانت تلقى نوعاً من التحريم العام. وفى عصر عبد الرحمن الناصر (300 - 350 هـ) خطا الفن الأندلسي خطوة أخرى، فصنعت التماثيل والصور البشرية، وزينت بها القصور والمعاهد الخلافية، وكما أن عصر الناصر كان أعظم عصور الدولة الإسلامية فى الأندلس، فكذلك كان أعظم عصور الفن الأندلسى.

وقد كان عصر قرطبة الكبير حتى عهد الناصر، موضع العناية والرعاية من جميع أمراء بنى أمية، وكان مجمع البهاء والرواء والفن. ولكن الناصر آثر أن ينشىء له ضاحية ملوكية جديدة، تكون آية فى الفخامة والبهاء، فأنشأ مدينة الزهراء وقصورها ومعاهدها الباهرة، وأفاض عليها من ألوان البذخ والبهاء، وبدائع الفن والزخرف، آيات رائعات. وكانت نقوش الزهراء ورسومها وتماثيلها، أبدع ما أخرج الفن الإسلامى فى الأندلس. ولا يتسع المقام للإفاضة فى وصف عظمة الزهراء، وروائعها الفنية، فنحيل القارىء إلى ما أورده صاحب نفح الطيب فى هذا الشأن من مختلف الروايات والفصول (1). ولكنا نخص بالذكر هنا مثلين رائعين من آيات الفن الباهر، التى زينت بها قصور الزهراء، فمن ذلك أسد عظيم الصورة بديع الصنعة شديد الروعة، لم يشاهد أبهى منه فيما صنع الملوك الأوائل، مطلى بالذهب، وعيناه جوهرتان لهما ضوء ساطع، قد أقيم على بحيرة قصر الناعورة، يجوز الماء إلى مؤخره من قناة تحمل إليه الماء العذب، من جبل قرطبة على حنايا معقودة، فيدفع الماء إلى البحيرة فى منظر رائع (2). ومن ذلك الحوض البديع الذى جلبه الناصر لاستحمامه، وأقيم عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر، مرصعة بالدر النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة: أسد إلى جانبه غزال ثم تمساح، يقابلها ثعبان وعقاب وفيل، وفى الجانبين حمامة وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحدأة ونسر، كلها من ذهب مرصع بالجوهر النفيس، وتخرج الماء من أفواهها (3).

(1) نفح الطيب ج 1 ص 245 و 246 و 264 - 266؛ وابن خلدون ج 4 ص 144؛

وراجع Murphy: Mohamedan Empire in Spain، p. 167-174

(2)

نفح الطيب ج 1 ص 264.

(3)

نفح الطيب ج 1 ص 264

ص: 509

وهنا أيضاً أعنى فى عصر الناصر، نرى لأول مرة فيما يظهر، تماثيل الإنسان وصوره تمثل فى الفن الأندلسى، إلى جانب تماثيل الحيوان وصوره. فيروى أن الناصر أمر أن تنقش صورة جاريته وحظيته "الزهراء" على باب قصر الزهراء، وهذه الجارية فيما يروى هى التى حملته على بناء الزهراء وتسميتها باسمها (1). وزينت أبهاء الزهراء بتماثيل وصور بشرية (2). فكانت ظاهرة فنية جديدة.

يقول العلامة الأثرى الإسبانى الأستاذ مورينو مشيراً إلى عصر عبد الرحمن الناصر: "جاء هذا الملك، وقد دخل الشرق الإسلامى فى دور الانحطاط، ودخل العهد البيزنطى بالعكس فى أسطع مراحله، وعمل الخليفة الإسبانى، وهو حليف القيصر اليونانى على إحياء الحضارة، فعادت بفضله تزدهر فى جانبى البحر المتوسط، وتولت قرطبة بقوتها الروحية زعامة العالم، ووصلت اسبانيا المسلمة فى عهد الناصر إلى ذروة التماسك والتناسق الاجتماعى والرخاء؛ وآل ذلك إلى ولده الحكم، فاستعمله فى أعمال الحضارة، وهكذا تحقق قيام بلاط جديد فى الزهراء الرائعة التى بدأت أطلالها الآن تبدو للعيان، وبعد ذلك زيد المسجد الجامع، وأسبغت عليه آيات الفخامة والروعة.

على أن الفن القرطبى يصل إلى ذروته فلا طراز العقود المتشابكة المتقاطعة فى تشكيلات هندسية، وهو ما يخدم نفس الأغراض التى تقوم بها العقود القوطية، متقدمة عليها قرنين، وخاضعة لمبدأ أساسى زخرفى، ومنسقة مع طرازها القرطبى" (3).

وبلغ الفن الأندلسى فى عصر الناصر وابنه الحكم المستنصر، ذروة القوة والبهاء، ومازالت اسبانيا النصرانية تحتفظ ببعض تحف فنية نادرة من تراث ذلك العصر، نذكر منها وعل الزهراء الشهير، وهو تمثال وعل من البرونز زين جسمه بالنقوش والزخارف العربية البديعة، وتاج عمود من المرمر به زخارف دقيقة مدهشة، وقد نقش عليه اسم الحكم المستنصر بالله واسم حاجبه، وقد وجد كلاهما فى حفائر مدينة الزهراء، وكلاهما يحفظ اليوم بمتحف قرطبة، ومنها صندوق من العاج البديع نقشت عليه صور فرسان وأشخاص ووعول آية فى الدقة، وذكر عليه اسم

(1) نفح الطيب ج 1 ص 245.

(2)

نفح الطيب ج 1 ص 265 و Murphy: ibid، p. 292

(3)

M. Gomez Morena: "La Civilizacion arabe y sus Monumentos en

Espana" Art. en "Arquitectura" (Nov. 1919)

ص: 510

صاحبه وهو عبد الملك بن أبى عامر ولد الحاجب المنصور، وتاريخ صنعه وهو سنة 395 هـ (1005 م)، ويحفظ اليوم بمتحف كنيسة بنبلونة العظمى، ويوجد فى مدينة جيرونة صندوق بديع الصنع من أيام الحكم الثانى، وفى كتدرائية مدينة سمورة صندوق آخر يرجع إلى نفس العصر. ويوجد من تحف العهد الغرناطى كثير من النقوش والزخارف المرمرية التى تحفظ اليوم بمتحف غرناطة، وفى متحف مدريد الوطنى مصباح برونزى رائع الصنع أصله من مصابيح مسجد الحمراء؛ وتوجد فى متحف الحمراء جرة كبيرة من القيشانى الملون زينت بزخارف مذهبة رائعة، وهى من مخلفات قصر الحمراء. هذا إلى طائفة كبيرة أخرى من التحف البرونزية والمعدنية والخزفية، والبسط والأنسجة الأندلسية والموريسكية، مبعثرة فى مختلف المتاحف الإسبانية. وقد أتيح لنا أن نشاهد معظم هذه التحف الفريدة، وأن نتأمل روائعها (1).

هذا وقد برع الأندلسيون فى الصناعات الفنية الدقيقة، مثل صناعة الحلى الفائقة والتحف العاجية والجلدية، ونافسوا فيها صناعة بيزنطية. ومازالت بعض المدن الأندلسية القديمة مثل قرطبة وطليطلة وغرناطة تحتفظ حتى اليوم فى بعض صناعاتها الدقيقة، ببقية من هذه البراعة الفنية الأندلسية. فما زالت طليطلة تشتهر حتى يومنا بصناعة الأسلحة المزخرفة، وتشتهر قرطبة بصناعة الجلود الدقيقة المزخرفة. وكانت غرناطة بالأخص تتفوق فى صنع الأقمشة الحريرية المذهبة، والبسط الأنيقة، والتحف البرونزية والزجاجية والأساحة، وكانت أنسجتها المطرزة بالذهب تخلب ألباب الشعوب الأوربية. وهى مازالت حتى اليوم تتفوق فى أصناف من الدانتلا الرائعة. وهذه الصناعات اليدوية الدقيقة مازالت متأثرة بجمال الزخرف الإسلامى أعظم تأثير. وكانت القصور والمعاهد العامة، والمساجد الجامعة بالأندلس فى تلك العصور، معرضاً لأبدع ما تمخض عنه الفن الرفيع يومئذ من صنوف الزخارف والرسوم والتحف الفنية. ومن ذلك أنه كان بجامع قرطبة تنور من نحاس أصفر يحمل ألف مصباح، وقد زين بصور ونقوش رائعة، يعجز عن وصفها القلم (2). وقد امتازت المدرسة المحافظة بالتفوق فى نوع جديد

(1) نشرنا أوصاف هذه التحف الأثرية الأندلسية وصورها فى كتابنا الآثار الأندلسية الباقية فى اسبانيا والبرتغال - الطبعة الثانية. ص (37 و 43 و 181 و 320 و 337 و 355).

(2)

نفح الطيب ج 3 ص 245

ص: 511

من الزخارف، يقوم على رسوم الشجر والأوراق والأغصان والأشكال المتماثلة المبتكرة، دون الصور التى تمثل الإنسان والحيوان؛ ذلك لأنها كانت تقوم على احترام التقاليد الدينية القديمة، واشتهرت هذه المدرسة فى العصور الوسطى، وكان لها أثر عميق فى تطور الفن الأوربى، وما زالت تعرف بالنماذج العربية (الأرابسك)(1).

وسطع الفن الأندلسى أيام الطوائف مدى حين، ونثر ملوك الطوائف ولاسيما بنو عباد فى إشبيلية، وبنو ذى النون فى طليطلة، حولهم آيات من البذخ والترف والبهاء، وأغدقوا على قصورهم ومعاهدهم بدائع الفن وروائعه، مما أفاض فى وصفه المؤرخون والكتاب والشعراء. وكان بنو عباد فى إشبيلية أعظم حماة للفنون والآداب. وكان قصر المأمون بن ذى النون ملك طليطلة آية رائعة من آيات الفن والبهاء، وكان روشنه الشهير الذى بنى وسط بحيرة القصر، من الزجاج الملون المزين بالنقوش الذهبية، مستقى خصباً لخيال الشعراء، وكانت حافة البحيرة مزدانة بصفوف من تماثيل الأسود التى تقذف الماء من أفواهها، وهى لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلىء الحباب بعد ما نثر (2). وأنشأ المقتدر بالله أبو جعفر أحمد بن هود أمير سرقسطة فى أواخر القرن الحادى عشر الميلادى قصره الرائع المسمى "بقصر السرور"، وكان أروع ما فيه بهوه العظيم الذى زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة والذى كان يسمى لذلك "بمجلس الذهب". ولما سقطت سرقسطة فى يد النصارى شوهت معالم هذا القصر وأدخلت عليه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وبدائعه العربية. ومازال يقوم على موقعه السابق الصرح الذى يسمى اليوم بقصر الجعفرية Palacio Aljarafia. وقد اشتهر المقتدر بن هود، فى التاريخ وفى الشعر، بقصره الفخم ومجلسه الرائع، ذى النقوش والتحف الذهبية البديعة وهو القائل فى وصفه (3):

قصر السرور ومجلس الذهب

بكما بلغت نهاية الطرب

لو لم يحز ملكى خلافكما

لكان لدى كفاية الأرب

(1) Murphy: ibid ، p. 291 - Aschbach: Geschichte der Omajaden in Spanien ; B. II. p. 352.

(2)

نفح الطيب ج 1 ص 247 و 282؛ وقلائد العقيان للفتح بن خاقان ص 194 و 195.

(3)

نفح الطيب ج 1 ص 250. وراجع كتابى " دول الطوائف " ص 272

ص: 512

ولم يكن هذا الهوى الفنى قاصرأً على الأمراء والكبراء، فقد روى لنا المقرى أنه كان ببعض حمامات إشبيلية تمثال بديع الصنع، قال فيه الشاعر:

ودمية مرمر تزهو بجيد

تناهى فى التورد والبياض

لها ولد ولم تعرف حليلا

ولا ألمت بأوجاع المخاض

ونعلم أنها حجر ولكن

تتيمنا بألحاظ مراض

وفى عهد المرابطين والموحدين خبت دولة الفن الإسلامى فى الأندلس نوعاً، ذلك لأن أولئك الغزة البربر، الذين كانوا يضطرمون بروح دينية محافظة، لم يقدّروا الفنون والآداب على نحو ما كانت أيام الخلفاء الأندلسيين. ومع ذلك، فقد كان لدى الموحدين، بالرغم من طابعهم الدينى المحافظ، طموح فنى، ظهر أثره أولا فى إقامة المنشآت الدفاعية العظيمة، ثم ظهر فى إقامة المساجد والقصور، سواء فى المغرب أو الأندلس. وقد كان قصر إشبيلية، الذى أنشأه أبو يعقوب يوسف وجامع إشبيلية الأعظم، ومنارته العظيمة التى أنشأها ولده الخليفة المنصور، والتى مازالت قائمة إلى اليوم بعد أن حولت إلى برج لأجراس كنيسة إشبيلية العظمى، التى أقيمت فوق موقع المسجد الجامع: كانت هذه المنشآت العظيمة عنواناً لعظمة الفنون والزخارف الإسلامية فى عصر الموحدين. وازدهرت الفنون والآداب كرّة أخرى فى مملكة غرناطة. وكان بنو الأحمر حماة كرماء للفنون. ونلاحظ أن الفن الأندلسى بلغ فى هذا العصر ذروة التحرر والافتنان أيضاً، وتوسع الفنانون المسلمون فى تصميم المناظر والرسوم. ولم يقتصر الأمر على الصور والرسوم والتماثيل المفردة، بل تعداه إلى المناظر المصورة، وإلى المجموعات المنحوتة. وقد كانت مملكة غرناطة على صغر رقعتها، وضعفها من الوجهتين العسكرية والسياسية، تحدث من الناحية الحضارية والفنية فى قشتالة، جارتها الكبيرة القوية، أثرها العميق. يقول الأستاذ مورينو:"إنه منذ عهد سان فرناندو إلى عهد هنرى الرابع، كان الكثير من عناصر حضارة قشتالة، وهندستها المدنية، وفنونها الزخرفية الدينية، وكل ضروب الإناقة والمتعة فى الحياة - كانت كلها قائمة على الاقتباس من الأندلس"(1). وما زالت حمراء غرناطة، وما زالت أبهاؤها ومجالسها الرائعة، تنبىء عما انتهت إليه آخر دول الإسلام فى الأندلس من البذخ والبهاء، وعما بلغه الفن الأندلسى فى هذه المرحلة

(1) M. Gomez-Moreno: Arquitectura (Nov. 1919)

ص: 513

الأخيرة من حياة الإسلام فى اسبانيا، من الدقة والافتنان. وسوف يبقى قصر الحمراء، وما يحتويه من النقوش والزخارف والصور الفريدة، رمزاً خالداً للعمارة الإسلامية، ولروعة الفن الإسلامى فى الأندلس.

وقد كان لفنون العمارة الأندلسية فى مختلف عصورها أعمق الآثار داخل شبه الجزيرة الإسبانية، فكانت القصور الملكية فى الممالك الإسبانية النصرانية، نماذج من القصور الملكية الأندلسية؛ وتطورت فيها مظاهر الحصون الرومانية القديمة، وظهرت عليها مسحة أندلسية. وكان هذا التأثير أشد وأعمق فى حياة النبلاء القشتاليين، وفى طراز مساكنهم المدنية، فقد حل مكان المنزل المحزن الموحش، المكون من غرف قليلة الضوء قليلة التهوية، المنزل الذى تغمره أشعة الشمس، والذى تطل الأروقة الداخلية على فنائه، وفيه الماء الجارى، وفى داخل جدرانه الأربعة تتذوق الحياة كاملة، وتبدو عليه البسمة. وقد أسبغت هذه المنازل على اسبانيا طابعها الخاص (1). وما زال ظراز المنازل الأندلسية قائماً واضحاً فى مدن أندلسية قديمة مثل إشبيلية وغرناطة وشريش، وهذا الطراز من المنازل تفضله الأرستقراطية بنوع خاص. بل لقد كان أثر الفن المعمارى الأندلسى قوياً فى الكنائس ذاتها؛ ففى كثير من الكنائس الإسبانية والبرتغالية الأثرية ترى خطة المسجد ظاهرة فى عقودها وأروقتها. وقد أقيمت أبراج كثير من الكنائس الشهيرة على نمط المنارة الإسلامية، واتخذت منارة الخيرالدا الشهيرة بإشبيلية نموذجاً لكثير من الأبراج فى كنائس اسبانيا الجنوبية. بل لقد تسرب تأثير الفن الإسلامى إلى الهياكل ذاتها، فنرى مثلا مصلى دير "الهولجاس" أو المدير الملكى فى مدينة برغش، وقد صنعت على الطراز الإسلامى، وعليها قبة عربية مقرنصة ْالزخارف. ولما تضاءلت رقعة اسبانيا المسلمة، وسقطت معظم القواعد الأندلسية فى يد الإسبان، لبث المدجنون عصوراً ينقلون الفنون الإسلامية إلى صروح اسبانيا النصرانية. وكانت غرناطة ترسل العرفاء إلى قشتالة ليقوموا بإصلاح الصروح الإسلامية القديمة فى المدن الأندلسية القديمة التى استولت عليها قشتالة.

نعرض بعد ذلك لناحية أخرى من الفن الإسلامى فى الأندلس هى الموسيقى.

وقد كان للموسيقى بين فنون الحضارة الإسلامية أيما شأن، وكان ازدهارها بالأخص فى بغداد وقرطبة، حيث بلغت حضارة الإسلام ذروة العظمة والنضج.

(1) M. Gomez-Moreno: Arquitectura (Nov. 1919)

ص: 514

وكان ازدهارها فى عصر مبكر جداً منذ أواخر القرن الثانى للهجرة، فى ظل الدولة العباسية الفتية. وكان أول من كتب عن الموسيقى من المسلمين، الكندى والفارابى، وقد ترجمت كتبهما إلى اللاتينية منذ القرن الحادى عشر الميلادى. ويبدو أثر الموسيقى الشرقية واضحاً فى الكتابات الموسيقية اللاتينية؛ وفضلا عن الكتابة، فقد كانت الطرائق والمعارف الموسيقية المشرقية تنقل إلى الغرب عن طريق السماع والاتصال الشخصى؛ وينطبق ذلك بنوع خاص على اسبانيا المسلمة، حيث ازدهرت الموسيقى، وتنوعت طرائقها منذ القرن التاسع الميلادى. وكانت الأندلس قد تلقت منذ أوائل هذا القرن قبساً من النهضة الموسيقية المشرقية، فنزح زرياب الموسيقىّ غلام الموصليين (1) أساطين الموسيقى والغناء لهذا العهد، إلى الأندلس فى عصر عبد الرحمن بن الحكم (أوائل القرن الثالث)، فاستقبله بنفسه وبالغ فى إكرامه، وأغدق عليه العطف والبذل. وكان زرياب موسيقياً عظيما ومغنياً ساحراً، فذاع فنه فى الأندلس والمغرب، وأنشأ بالأندلس مدرسة موسيقية وغنائية باهرة، استطال نشاطها وأثرها حتى عصر الطوائف، وازدهرت أيام الطوائف فى إشبيلية فى ظل بنى عباد بنوع خاص (2). وسطع فى مملكة غرناطة قبس من هذه النهضة، وظهر أثر الموسيقى الأندلسية فى تطور الموسيقى والغناء، فى قشتالة وغيرها من أنحاء اسبانيا فى عصر مبكر، ثم انتقل هذا الأثر إلى أوربا، واشتهرت الموسيقى الأندلسية فى غرب أوربا فى العصور الوسطى، وكان لها أثرها فى تطور الموسيقى الغربية. ويقول لنا الأستاذ مورينو إن الأغانى الأصلية للموسيقى الحديثة، كانت اقتباساً أندلسياً، وانها كانت فى الأصل تكتب بلغة "الرومانش" اللاتينية التى كانت تغلب فى اللهجة الشعبية الأندلسية، ومع أنه لم يبق لنا حتى اليوم شىء من هذا الشعر الرومانشى، فإن آثاره تكثر فى أزجال شاعر قرطبى هو "ابن قزمان"(3). وبرع المسلمون فى العزف على كثير من الآلات الموسيقية المعروفة حتى اليوم، واخترعوا الكثير منها ولاسيما "القيثارة" التى كانوا يعتبرونها أجمل الآلات الموسيقية. وكان للموسيقى الأندلسية أثر كبير فى تطور الموسيقى الإسبانية القديمة، وما يزال كثير من الأوضاع

(1) ابراهيم الموصلى وولده إسحاق وولده حماد.

(2)

ابن خلدون، المقدمة ص 357؛ ونفح الطيب ج 2 ص 109 وما بعدها.

(3)

M. Gomez-Moreno: Arquitectura (Nov. 1919)

ص: 515

والتقاليد الموسيقية الأندلسية، تمثل مثولا قوياً فى فنون الموسيقى والرقص والغناء الإسبانية الحديثة (1).

وقد كانت الأمة الأندلسية أمة مرهفة الشعور والحس، تعشق الفن الجميل، وتحب الحياة الناعمة المترفة، وتجنح إلى المرح والطرب. وقد وصف لنا ابن الخطيب لمحة من هذا الترف، الذى كان عنواناً لحياة الأمة الأندلسية فى عصورها الأخيرة، وذكر لنا كيف كان الشعب يعشق الغناء والموسيقى، وكيف كانت غرناطة تموج بالمقاهى الغنائية التى يؤمها الشعب من سائر الطبقات (2). وقد اشتهر الرقص الأندلسى بجماله وافتنانه فى مجتمعات العصور الوسطى، وما زال شعب غرناطة المرح الطروب مقبلا خلال كفاحه الطويل، على حياته المترفة الناعمة، حتى أصبح العدو على الأبواب.

وللأندلسيين آثار قيمة فى الموسيقى العلمية والعملية. وفى مكتبة الإسكوريال مخطوط عربى نفيس للفيلسوف أبى نصر الفارابى عن الموسيقى وعناصرها ومبادئها وأوضاعها وأنغامها، وكذلك عن الآلات الموسيقية المختلفة وأشكالها وتراكيبها (3).

وهو دليل على ما بلغه المسلمون فى هذا الفن من الرسوخ والابتكار.

وقد يرى بعض الباحثين الغربيين أن الأندلسيين تلقوا معظم تراثهم الفنى، عن الفن النصرانى. وفى هذا الرأى مبالغة، فقد اقتبس الأندلسيون من فنون القوط والفرنج والبيزنطيين والبنادقة، ولكنهم كانوا مبتكرين أيضاً، وكانوا منشئين لفن إسلامى محض، بما أسبغوه عليه من ألوان الإفتنان الرائع التى اختصوا بها، وتميز بها تراثهم الفنى مدى الأحقاب.

- 5 -

هذا. وقد غاضت اليوم من الأندلس كل مظاهرها القديمة، وأصبحت سائر القواعد الأندلسية القديمة اليوم، مدناً اسبانية نصرانية، وقد اختفت معظم الصروح والآثار الأندلسية، ولم تبق منها اليوم سوى بقية صغيرة، متناثرة هنا وهناك؛ وإذا تركنا جامع قرطبة (وهو اليوم كنيسة قرطبة العظمى)، وحمراء

(1) Murphy: ibid ; p. 296، وهذا ما يستطيع أن يلاحظه كل من زار اسبانيا وشهد حفلاتها الموسيقية والغنائية.

(2)

راجع الإحاطة ج 1 ص 142 و 143.

(3)

وعنوانه "اسطقسات علم الموسيقى"(معجم الغزيرى ج 1 ص 347)

ص: 516

غرناطة، ومنار إشبيلية (وهو اليوم برج الأجراس لكنيستها العظمى)، إذا تركنا هذه الصروح الأندلسية العظيمة الباقية جانباً، كان معظم الصروح والآثار الأندلسية التى قدر لها أن تنجو من أحداث الزمن، يتمثل فى بضعة أنواع معينة من المنشآت الأثرية يمكن حصرها فيما يلى:

أولا - القصبات الأندلسية، والقصبة هى القلعة وملحقاتها، وكانت تبنى عادة فوق أعلى ربوة تشرف على المدينة، وتستعمل للسيطرة عليها والدفاع عنها، كما تستعمل مقراً للأمير أو الحاكم، ويلحق بها عادة قصر ومسجد. والقصبة هى أكثر الآثار الأندلسية ذيوعاً، ولا تكاد تخلو قاعدة أندلسية قديمة حتى اليوم من القصبة أو بعض أطلالها، وتوجد أشهر القصبات الأندلسية اليوم فى مالقة وألمرية وجبل طارق وشاطبة وبطليوس وماردة باسبانيا، وشلب وأشبونة وشنترة وشنترين بالبرتغال.

ثانياً - القصور، وهى الكلمة التى حرف الإسبان مفردها إلى كلمة Alcazar أى القصر. وتوجد فى طليطلة وإشبيلية وغرناطة، وإطلاق هذه الكلمة الإسبانية على صرح من الصروح الأثرية، يفيد فى الحال أنه يرجع إلى أصل أندلسى أو أنه أنشىء على أنقاض قصر أندلسى، كما هو الشأن فى قصر إشبيلية Alcazar de Sevilla.

ثالثاً - القناطر الأندلسية، وتوجد منها نماذج فى طليطلة، وقرطبة، ورندة، وغرناطة. كذلك يوجد كثير من بقايا الأسوار والأبواب والحمامات الأندلسية القديمة، والأطلال التى تركت إلى جانب بعض الكنائس، التى أقيمت فوق أنقاض المساجد القديمة، من منارات حولت إلى أبراج للأجراس، ومن عقود أو أسوار أو مشارف دارسة، كما يوجد عدد عديد من الذخائر والتحف واللوحات الأندلسية المبعثرة هنا وهناك، وفى بعض الكنائس والمتاحف الإسبانية، وهذا كله إلى ما خلفه الفن الأندلسى من أثر خالد، فى طراز كثير من الصروح الإسبانية التاريخية، من كنائس وقصور وأبواب وعقود، وفى زخارفها ونقوشها، وما خلفه فن المدجنين الذى اشتق من الفن الأندلسى، من الآثار الظاهرة، فى طراز كثير من الصروح التى أنشئت فى مختلف المدن الإسبانية، منذ القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر وذلك حسبما أشرنا من قبل

ص: 517

على أن هذه البقية الباقية من الآثار الأندلسية تمثل بالرغم من قلتها، العصور والأطوار المختلفة للفن الأندلسى، ومنها نستطيع أن نقف على خصائص كل عصر وأطواره. وليس هنا مقام التحدث عن هذه الآثار، فقد أفردنا لذلك مؤلفاً خاصاً، تناولنا الحديث فيه عن الآثار الأندلسية الباقية فى سائر قواعد الأندلس القديمة (1)، ولكنا نود أن نسجل هذه الحقيقة، التى يشعر بها السائح المتجول، كما يشعر بها العالم الباحث، وهى أن هذه الآثار والأطلال الصامتة، كلها تشهد بما كان هذا الشعب الأندلسى الذكى النبيل، من قدم راسخ فى ميدان العلوم والفنون، وكلها تبدو بما يتجلى فيها من روعة أثرية، ومن براعة علمية وفنية، عنواناً لحضارة عظيمة.

(1) هو كتاب "الآثار الأندلسية الباقية فى اسبانيا والبرتغال"(القاهرة سنة 1956 و 1961)

ص: 518