الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
528 - بَابُ مَا رُويَ فِي المَسْحِ إِلَى الآبَاطِ وَالمَنَاكِبِ
3124 -
حَدِيثُ عَمَّارٍ
◼ عَنْ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَّسَ بِأُولَاتِ (بِذَاتِ) 1 الجَيْشِ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ [زَوْجَتُهُ] 1، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ! ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِه صلى الله عليه وسلم [فَتَيَمَّمُوا] 2 رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ (التَّيَمُّمِ) 2 بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا (يَنْفُضُوا) 3 مِنَ التُّرَابِ شيئًا، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَ [ظَاهَرَ] 3 أَيْدِيَهُمْ إِلَى المَنَاكِبِ، وَمِنْ بِطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الآبَاطِ)).
[وَبَلَغَنَا
(1)
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ] 4.
[الحكم]:
منكرُ المتنِ، وإسناده مضطرب. وأنكره العلماءُ على الزهريِّ فيما حكاه إسماعيل بن أمية، وكذا أنكره: أحمدُ، وابن العربي، وعبد الحق الإشبيلي -وأقره ابنُ القطانِ-، وابن رجب، والمباركفوريُّ.
(1)
القائل هو الزهري، كما هو مبين في المصادر الأخرى.
وأشار لاضطرابه: أحمد، وأبو داود، والبزار، وابن عبد البر، وابن رجب، ابنُ حَجرٍ.
وكان الزهري يقول: "لا يَعتبر بهذا الناس"، وقال ابن عيينة:"لا يؤخذُ بهذا "، وقال أحمد:"ما أرى العمل عليه".
[اللغة]:
((عَرَّسَ)): "نزل ليلًا ليستريح"(النهاية 3/ 436).
و((الجَزع)) -بفتح الجيم وسكون الزاي-: "خرز يمني"(النهاية 1/ 744)
و((ظفار)) - بكسر الظاء أو فتحها-: "وهي اسم مدينة لحمير باليمن"(النهاية 3/ 352).
[الفوائد]:
قال الخطابيُّ رحمه الله: "لم يختلفْ أحدٌ من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين
…
" (معالم السنن 1/ 99).
وقال ابنُ بطَّالٍ: "وأما التيمم إلى المناكب، فالأمةُ في جميع الأمصار على خلافه"(شرح صحيح البخارى 1/ 480).
[التخريج]:
[د 320 (واللفظ له) / ن 319 (والرواية الثانية له، والزيادة الأولى له ولغيرِهِ) / كن 369 (والزيادة الثانية له) / جه (دار إحياء الكتب العربية 565)
(1)
/ حم 18322 (والزيادة الرابعة له ولغيرِهِ) / مش 449
(1)
سقط من طبعة (التأصيل)، وكذا من (التحفة)، ولكنه ثابت في غير ما طبعة من طبعات (سنن ابن ماجه)؛ كطبعة الرسالة، وطبعة دار الجيل، وطبعة دار الصديق، وغيرها بنفس الرقم المذكور.
(والزيادة الثالثة له ولغيرِهِ) / عل 1629 (والرواية الأولى له ولغيرِهِ)، 1633/ جا 121/ طح (1/ 110 - 111) / طحق 106/ ثعلب 1150، 1151/ هق 1018/ هقع (2/ 16 - 17/ 1571) / شب (1/ 348)(ليس فيه صفة التيمم) / عتب (صـ 58 - 59) / تمهيد (19/ 269 - 270، 284) / تحقيق 273/ شا 1024، 1040، 1041/ مع (مط 4097)، (خيرة 719)(مقتصرًا على الزيادة الأخيرة) / حد (صـ 155) / غحر (3/ 1079، 1128)(مقتصرًا على أوله)].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ تَيَمَّمْنَا إِلَى المَنَاكِبِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((تَيَمَّمْنَا (تَمَسَّحْنَا) مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالتُّرَابِ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى المَنَاكِبِ [وَالآبَاطِ])).
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[ن 320 (واللفظ له) / كن 370/ جه (دار إحياء الكتب العربية 566)
(1)
/ حب 1305/ عل 1609، 1631 (والرواية له ولغيرِهِ)، 1652/ بز 1403 (والزيادة له) / حمد 143/ طح (1/ 110، 111) / طحق 103 - 105/ شف 86 - 87/ خشف 74، 75/ مث 278/ هق 661، 1017/ هقع (2/ 14 - 16/ 1561، 1566) / طوسي 129/ عتب (صـ 58) / شا 1042/ فه (2/ 729) / تمهيد (19/ 283 - 284) / منذ 533/ فاصل 770/ فقط (أطراف 4228) / حرب (طهارة 321، 322)].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
(1)
سقط من طبعة (التأصيل)، وكذا من (التحفة)، ولكنه ثابت في غير ما طبعة من طبعات (سنن ابن ماجه)؛ كطبعة الرسالة، وطبعة دار الجيل، وطبعة دار الصديق، وغيرها بنفس الرقم المذكور.
رِوَايَةُ فَضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا ضَرْبَةً لِوُجُوهِنَا، وَضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا ضَرْبَةً إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ.
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَهَلَكَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَضَاءَ الفَجْرُ، فَتَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الرُّخْصَةُ فِي المَسْحِ بِالصُّعُدَاتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ، لَقَدْ نَزَلَ عَلَيْنَا فِيكِ رُخْصَةٌ، فَضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا [ضَرْبَةً] لِوُجُوهِنَا، وَضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا ضَرْبَةً إِلَى المَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ)).
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[حم 18888 (واللفظ له) / طبر (7/ 90) (والزيادة له) / مغلطاي (2/ 305)].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ ظَهْرًا وَبَطْنًا:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((كُنْتُ فِي القَوْمِ حِينَ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ فِي المَسْحِ بِالصَّعِيدِ إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ. قَالَ: فَضَرَبْنَا ضَرْبَةً [وَاحِدَةً] بِاليَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ لِلْوَجْهِ، فَمَسَحْنَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً.
قَالَ: ثُمَّ ضَرَبْنَا ضَرْبَةً أُخْرَى لِلْيَدَيْنِ فَمَسَحْنَاهُمَا بِهَا إِلَى المَنْكِبَيْنِ (المِرْفَقَيْنِ) ظَهْرًا وَبَطْنًا)).
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[عل 1630 (واللفظ له) / بز 1383 (والرواية له)، 1384/ طح (1/ 110) (والزيادة له ولغيرِهِ) / طحق 102].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ زَادَ: وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي سَفَرِهِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ احْتَبَسَ عَلَى قِلَادَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِذَاتِ الجَيْشِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ -أَوْ كَادَ- نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَمَسَحْنَا الأَرْضَ بِالأَيْدِي ثُمّ مَسَحْنَا الأَيْدِيَ إلَى المَنَاكِبِ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي سَفَرِهِ)).
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[واقدي (2/ 435)].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ ثُمَّ مَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى الإِبِطَيْنِ، أَوْ قَالَ: إِلَى المَنَاكِبِ
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ مَعَهُ عَائِشَةُ، فَهَلَكَ عِقْدُهَا، فَحُبِسَ النَّاسُ فِي ابْتِغَائِهِ حَتَّى أَصْبَحُوا، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ.
قَالَ عَمَّارٌ: فَقَامُوا فَمَسَحُوا، فَضَرَبُوا أَيْدِيَهُمْ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ثَانِيَةً، ثُمَّ مَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى الإِبِطَيْنِ، أَوْ قَالَ: إِلَى المَنَاكِبِ)).
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[حم 18891 (واللفظ له) / عل 1632/ عب 835/ منذ 532/ تمهيد (19/ 285) / جر 1902].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى المَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى المَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ)).
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[د 318 (واللفظ له) / حم 18893/ ني 1344].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ يَضْرِبُونَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَمْسَحُونَ بِهَا أَيْدِيَهُمْ إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ، ثُمَّ يُصَلُّونَ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((هَلَكَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ فِي سَفَرٍ مِنْ أَسْفَارِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَائِشَةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، فَالْتَمَسَتْ عَائِشَةُ عِقْدَهَا حَتَّى انْبَهَرَ اللَّيْلُ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ بِمَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ!! قَالَ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ الصَّعِيدِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أَنْتِ وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا عَلِمْتُ، مُبَارَكَةٌ! فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَكَانَ عَمَّارٌ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّاسَ طَفِقُوا يَوْمَئِذٍ يَمْسَحُونَ بِأَكُفِّهِمُ الأَرْضَ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَضْرِبُونَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَمْسَحُونَ بِهَا أَيْدِيَهُمْ إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ، ثُمَّ يُصَلُّونَ.
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[طي 672/ هق 1016].
[التحقيق]:
تقدم الكلام عليه في الرواية الأولى.
رِوَايَةُ لَمْ تُذْكر فيها المَنَاكِب وَالآبَاط
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((
…
فَأَمَرَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شيئًا، فَمَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ [إِلَى مَا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ المَنَاكِبَ وَالآبَاطَ].
[الحكم]:
منكرٌ.
[التخريج]:
[د 319 (والزيادة له) / جه 565 (واللفظ له)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ أُعِلَّ بعلتين:
العلة الأول: الاضطرابُ، فمدارُ الحديثِ على الزهريِّ، وقد اختُلِفَ عليه في سنده ومتنه اختلافًا شديدًا، أما السندُ فعلى ثلاثةِ وجوهٍ:
الوجه الأول: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمارٍ به.
أخرجه أبو داود في (سننه 320)، والنسائي في (الصغرى 320)، و (الكبرى 369)، وأحمد في (المسند 18322)، وغيرهم- من طرقٍ عن يعقوب بن إبراهيم،
ورواه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار 1/ 110) من طريق عبد العزيز الأويسي،
كلاهما (يعقوب، والأويسي) رواه عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن
عبيد الله عن ابن عباس عن عمار به، وذكر فيه التيمم إلى المناكب والآباط، ولم يقل فيه:"ضربتين".
وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، رجالُهُ كلُّهم ثقات.
ولذا قال الحازميُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ"(الاعتبار 50).
وقال العراقيُّ: "رواه أبو داود والنسائيُّ بإسنادٍ جيدٍ"(طرح التثريب 2/ 95)، وكذا قال القسطلانيُّ في (إرشاد الساري 1/ 366).
وقال العينيُّ: "سندٌ صحيحٌ متصلٌ"(عمدة القاري 4/ 18).
وقال الألبانيُّ: "إسنادُهُ صحيحٌ على شرطِ الشيخيِن"(صحيح أبي داود - الأم 2/ 128).
قلنا: وهو كما قالوا، لولا الاختلاف على الزهري كما سيأتي، وقد توبع صالح، فتابعه عبد الرحمن بن إسحاق كما عند أبي يعلى في (مسنده 1609، 1652). غير أن سندَهُ ضعيفٌ جدًّا، فيه يوسف بن خالد السمتي، تركوه، وكَذَّبه ابن معين (التقريب 7862).
وتابعهما معمر بن راشد من وجهٍ ضعيفٍ جدًّا، رواه الواقديُّ في (مغازيه 2/ 435)، وزاد فيه زيادات، والواقديُّ متروكٌ فلا يُعتبر بمتابعته، وقد خالفه عبد الرزاق فرواه عن معمر على وجهٍ آخرَ كما سيأتي.
وكذا تابعهم محمد بن إسحاق في سندِهِ، ولكن خالفهم في متنه.
أخرجه أبو يعلى في (مسنده 1630)، والبزارُ في (مسنده 1383، 1384)، والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار 1/ 110) من طرقٍ عن ابن إسحاق عن الزهري بسنده، ولكن جعل فيه:"التيمم ضربتين".
الوجه الثاني: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار.
وقد رواه عن الزهري أربعة:
الأول: مالك بن أنس: أخرجه النسائي في (الصغرى 3120)، و (الكبرى 370)، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحه 1305)، وغيرهم- من طرقٍ عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية بن أسماء.
ورواه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار 1/ 110) من طريق سعيد بن داود.
كلاهما (جويرية، سعيد) روياه عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار به مرفوعًا، ولفظه:((تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالتُّرَابِ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى المَنَاكِبِ)).
وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ.
وقال العينيُّ: "سندُهُ صحيحٌ"(عمدة القاري 4/ 18).
وقال الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ"(صحيح أبي داود - الأم 2/ 127).
الثاني: سفيان ابن عيينة: واختُلِفَ عليه، على وجُوهٍ:
منها ما رواه:
ابنُ ماجهْ في (سننه 566 دار إحياء الكتب العربية) عن محمد بن أبي عمر العدني.
والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار 1/ 111) من طريق إبراهيم بن بشار.
والفسويُّ في (المعرفة والتاريخ 2/ 729) عن الحميدي قال: عن بعض
أصحابنا.
فرواه ثلاثتُهم: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري به.
وخالفهم:
الحميديُّ كما في (مسنده 143) -ومن طريقه الفسويُّ في (المعرفة 2/ 729)، وغيره-.
والشافعيُّ كما في (مسنده 86، واختلاف الحديث 74) -ومن طريقه الحازمي في (الاعتبار صـ 58)، وغيره-.
ومحمد بن أبي عمر العدني -من وجهٍ آخرَ-، وأبو بكر بن خلاد كما عند ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني 278).
ومحمد بن عمرو الباهلي عند البزار في (مسنده 1403).
والزبير بن أبي بكر كما عند الطوسي في (مستخرجه 129).
ستتهم (الحميدي، والشافعي، والعدني، وابن خلاد، والباهلي، والزبير) عن سفيان عن الزهري به، لم يذكروا فيه عمرو بن دينار.
وهذا الوجهُ أرجحُ؛ ومما يؤكد ذلك، قول الحميدي عقبه:"ثم سمعتُ -بعد ذلك- بعضَ أصحابنا يقولُ: إنه دخل على سفيانَ في شفاعةٍ فسأله عن حديثِ التيممِ فحدَّثه به عن عمرو. فقلتُ للذي حدَّثني: ما أراه ذهب إلا إلى مسِّ الإبطِ، وأخبرتُه بعضَ هذه القصةِ أو بنحوٍ منها، ثم لم يزلْ في نفسي حتى سألتُ سفيانَ عنه فقال: هو عن الزهري، ليس عن عمرو، ولكن الذي حدثنا عمرو حديث الإبط. وأخبرته عن الرجل الذي حكى عنه، فقال سفيان: إما لم يحفظْ عليَّ وإما أن أكونَ أنا وهمتُ" (المعرفة
والتاريخ 2/ 729).
وقال الدارقطنيُّ: "تفرَّد به: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عنه"(أطراف الغرائب والأفراد 4228).
وحاولَ البيهقيُّ التوفيقَ بين هاتين الروايتين فقال: "هذا حديثٌ قد رواه ابنُ عيينةَ، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، ثم سمعه من الزهري فرواه عنه"(معرفة السنن والآثار 2/ 15).
ومنها:
ما رواه علي بن المديني عن سفيان فقال: "قلتُ لسفيانَ: عن أبيه، عن عمار. قال: أشك في: أبيه. قال علي: كان إذا قال: (حدثنا) لم يجعل عن أبيه"(معرفة السنن والآثار 2/ 15).
وثَم وجوهٌ أُخرُ عن سفيانَ، ولم نقفْ عليها، ولكن ذكرها أبو داود في (سننه) فقال:"وشَكَّ فيه ابنُ عيينةَ؛ قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه، أو عن عبيد الله، عن ابن عباس، ومرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس. اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري"(السنن 1/ 87)، وانظر (معرفة السنن للبيهقي 2/ 15 - 16).
الثالث: أبو أويس كما عند أبي يعلى في (مسنده 1631).
وإسنادُهُ ضعيفٌ، أبو أويس هو عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني، متكلَّمٌ فيه، انظر (تهذيب التهذيب 5/ 280)، وقال الدارقطنيُّ فيما سأله البرقانيُّ قال:"قلت: كيف حديثه عن الزهري؟ قال: في بعضها شيء"(سؤالات البرقاني 570).
الرابع: معمر بن راشد، رواه الشافعيُّ في (مسنده 87، واختلاف الحديث
75) -ومن طريقه البيهقيُّ في (معرفة السنن 2/ 16) - قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار بن ياسر به.
وهذا الطريقُ مخالفٌ، فقد رواه عبد الرزاق، وهو أوثقُ مَن رَوى عن معمرٍ كما في الوجهِ الثالثِ.
وهذا الوجهُ وإن كان مخالفًا للوجه الأول في شيخ عبيد الله بن عتبة، غير أن الإمامَ النسائيَّ رحمه الله قال:"كلاهما محفوظ"(السنن الكبرى 2/ 255).
بينما ذَهَبَ الإمامان الرازيان أبو زرعة وأبو حاتم إلى ترجيح طريق مالك ومَن تابعه.
فقال ابن أبي حاتم: "وسألتُ أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ في التيممِ؛ فقالا: هذا خطأ؛ رواه مالك وابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، وهو الصحيح، وهما أحفظ"(علل الحديث 61).
قلنا: وقد يُعَلُّ هذا الوجه بتفرد عبد الله بن عتبة راويه عن عمار، فلا يُعْلمُ له حديثٌ غير هذا عن عمار ولا سماعًا؛ ولذا قال البزار رحمه الله:"ولا نعلمُ روى عبد الله بن عتبة عن عمار إلا هذا الحديث"(المسند 4/ 239).
الوجه الثالث: عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار به، لم يذكر بين عبيد الله وعمار أحدًا.
رواه يونس بن يزيد، والليث بن سعد، ومعمر، وابن أبي ذئب، وغيرهم.
فأما رواية يونس، فرواها أحمدُ في (مسنده 18893)، وابنُ شبَّة النميريُّ
في (تاريخ المدينة)، والرويانيُّ في (مسنده) وغيرهما، عن عثمان بن عمر، (عن)
(1)
يونس عن الزهري بسنده، وذكر فيه ضربتين والمسح إلى المناكب.
ورواه ابنُ وهبٍ عن يونسَ، واختَلف عليه الرواةُ في ذِكرِ المناكبِ والآباطِ:
فرواه أحمد بن صالح عنه عن الزهري بنحو رواية عثمان بن عمر، رواه أبو داود في (سننه 318).
وخالفه عبد الملك بن شعيب، وسليمان بن داود الفهري، وأحمد بن عمرو بن السرح، فرووه عن ابن وهب عن يونس عن الزهري به، فذكروا ضربتين، ولم يذكروا المناكب والآباط، وقال شعيب: إلى المرفقين.
أخرجَ روايتَهم أبو داود في (سننه 319)، وابن ماجه في (سننه 571 دار إحياء الكتب العربية)
(2)
.
وأما روايةُ الليثِ، فأخرجها ابنُ ماجهْ في (سننه 565 دار إحياء الكتب العربية)
(3)
، وحربٌ الكرمانيُّ في (مسائله- كتاب الطهارة 322)، وغيرهما، من طرقٍ عن الليثِ عن الزهريِّ به مختصرًا في المسح على المناكب، ولم يذكرْ عدد الضربات.
(1)
سقطتْ أداةُ التحملِ هذه من الطبعة المعتمدة لمسند الروياني (طبعة قرطبة)، وهي مثبتة على الصواب في (طبعة دار الكتب العلمية).
(2)
سقط هذا الحديث من طبعة التأصيل، وهو مثبت في غيرها، كطبعة الصديق (571)، ودار الجيل (571)، والرسالة (571)، وغيرهما.
(3)
سقط هذا الحديث من طبعة التأصيل، وهو مثبت في غيرها، كطبعة الصديق (565)، ودار الجيل (565)، والرسالة (565)، وغيرهما.
وأما روايةُ معمرٍ، فرواها عبد الرزاق في (مصنفه 835) -وعنه أحمدُ في (المسند 18891)، ومن طريقه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد 19/ 285) -: عن معمر بنحو رواية يونس الأولى فذكر التيمم ضربيتين، ولكن شَكَّ في الإبطين أو المناكب.
وأما رواية ابنُ أبي ذِئبٍ، فاتفقَ أصحابُه عليه في السند، واختلفُوا عليه في متنه،
فرواه يزيد بن هارون عنه عن الزهري وذكر بنحو رواية يونس الأولى وجعله ضربة واحدة.
أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في (المسند 449)، وأبو يعلي في (مسنده 1633)، وغيرهما من طرقٍ عن يزيدَ به.
ورواه أحمدُ في (المسند 18888) عن حجَّاجٍ.
والطبريُّ في (تفسيره 7/ 90) من طريق صيفي بن ربعي.
ورواه مغلطاي في (شرح ابن ماجه 2/ 305) من طريق عبد الصمد بن النعمان.
ثلاثتهم رووه عن ابن أبي ذئب وقالوا فيه: التيمم ضربتان.
وتابعهم أبو داود الطيالسي في (مسنده 672) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبير 1016) -، ولكن زاد فيه:"ثم يصلون".
وذكرَ البيهقيُّ متابعةً للأربعة المذكورين عن الزهري فقال: "وكذلك رواه معمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، وجعفر بن بُرْقان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن عمار، وحفظ فيه معمر ويونس ضربتين كما حفظهما ابن أبي ذئب" (السنن الكبير 2/ 138).
وذكر لهم ابنُ أبي حاتم متابعةً سابعةً فقال: "قد رواه يونس، وعقيل، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب الكتب!
فهؤلاء السبعة (يونس، ومعمر، والليث، وابن أبي ذئب، وعقيل، وابن أخي الزهري، وابن برقان) رووه عن الزهري عن عبيد الله عن عمار به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير أنه منقطعٌ؛ فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدركْ عمارًا، قاله المزيُّ في (تحفة الأشراف 7/ 481).
ولذا أعلَّه بالانقطاعِ: المنذريُّ في (مختصر سنن أبي داود 1/ 200) - وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام 3/ 140)، والزيلعيُّ في (نصب الراية 1/ 155)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود 2/ 126) -، وابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق 1/ 372)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه 2/ 304)، وابنُ رجبٍ في (فتح الباري له 2/ 252)، وابنُ حَجرٍ في (العجاب في بيان الأسباب 2/ 879)، وبدرُ الدينِ العينيُّ في (شرح أبي داود 2/ 119).
قلنا: وهم جماعةٌ، وروايتُهم أَوْلى بالترجيحِ على مَن سبقَ، ومع ذلك رجَّحَ أبو حاتم وأبو زرعة روايةَ مالكٍ ومَن معه وقالا:"وهما أحفظ"، فأجابهما ابنُ أبي حاتم قائلًا:"قد رواه يونس، وعقيل، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب الكتاب))، فقالا: "مالكٌ صاحبُ كتابٍ وصاحبُ حفظٍ" (علل ابن أبي حاتم
61).
قلنا: ومَن سماهم ابنُ أبي حاتم ومعهم الليث ومعمر- هؤلاء ثقات أثبات حفَّاظ، فليس من المعقول اجتماع هؤلاء على الخطأ، وقد قال النسائيُّ -في (الكبرى)، بعد أن ذكر رواية صالح ورواية مالك-:((وكلاهما محفوظٌ))؛ وذلك لأن صالحًا ثقةٌ ثبتٌ، وقد تُوبع عليه، فعلى هذا رواية يونس ومَن معه أَوْلى بأن تكون محفوظة؛ إذ هم أكثر عددًا وأتقنُ تثبُّتًا وحفظًا.
وهذا المسلكُ -وهو أن جميعَ الوجوهِ محفوظةٌ عن الزهريِّ- أصحُّ وأولى مما قاله أبو زرعة وأبو حاتم؛ حتى لا نُوهِّم الثقاتَ الحفَّاظَ بلا دليلٍ، والله أعلى وأعلم.
وعلى هذا فيكون الاضطراب فيه من الزهري.
قلنا: أما الاضطرابُ في المتنِ، فقد تقدَّم اختلافُ أصحابِ الزهريِّ في ذكرِ عددِ الضرباتِ في التيممِ، وكذا في ذكر المناكب من عدمها، والله أعلم.
قلنا: نظرًا لهذا الاختلافِ الشديدِ على الزهريِّ في السند والمتن- قد أعلَّه جماعةٌ بذلك.
فقال الإمامُ أحمدُ: "ليس بشيء"، وقال:"اختلفوا في إسنادِهِ" كما في (فتح الباري 2/ 252 لابن رجب).
وأشارَ لذلك أبو داود في (سننه 1/ 86 - 87)، والبزارُ في (مسنده 4/ 221).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "أحاديثُ عمارٍ في التيممِ كثيرةُ الاضطرابِ، وإن كان رواتُها ثقاتٌ"(الاستذكار 3/ 165).
وقال ابنُ رجبٍ: "قد اختُلِفَ في إسنادِهِ على الزهريِّ"(فتح الباري 2/ 251).
وقال ابنُ حَجرٍ: "وذكر أبو داود عِلَّته والاختلافَ فيه"(الدراية 1/ 68).
العلة الثانية: المخالفة، وهذه المخالفةُ في حديثِ عمارٍ تثبتُ من وجهين:
الوجه الأول: في سبب الحديث، وذلك لما في (الصحيحين) من حديث عائشة رضي الله عنها لما انقطع عِقدها بذات الجيش، فقام المسلمون بالتماسه حتى فقدوا الماء فنزلتْ أيةُ التيمم، وصاحبة القصة هي عائشة رضي الله عنها، وقد روتْها كما في (الصحيحين)، وليس في حديثها ما في حديث عمار هذا من أمر التيمم، فلو كان عندها لنُقل، وقد رواه عنها عروةُ والقاسمُ وغيرُهُما، ولا مطعنَ في روايتِهِم، فكيف ينقل عمارٌ أمرًا عامًّا وتجهله عائشة، وليس ذلك أمرًا خاصًّا بالرجالِ حتى تجهله، بل أمرٌ يَعُمُّ المسلمينَ جميعًا ومنهم عائشة، إلا أن يكون عندها ثم نُسِخَ كما سيأتي عن الشافعيِّ في توجيه هذا الحديث، ولا دليلَ على ذلك.
قال المنذريُّ: "وقد أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، والنسائيُّ، حديثَ عائشةَ في انقطاعِ العِقدِ، وليس فيه كيفية التيمم"(مختصر سنن أبي داود 1/ 202).
الوجه الثاني من المخالفة: أن حديثَ عمَّارٍ رضي الله عنه في (الصحيحين) وغيرهما، لم يذكر فيه:"ضربتين"، ولا التيمم إلى المناكب.
انظر في ذلك (صحيح البخاري 339، 347) و (صحيح مسلم 368)، وسبق تخريجه وتحقيقه بتوسع تحت باب جامع في صفة التيمم.
والمسلمون جميعًا منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على ذلك.
قال الخطابيُّ: "لم يختلفْ أحدٌ من أهل العلم أنه لا يلزمُ المتيمم أن يمسحَ بالترابِ ما وراء المرفقين"(معالم السنن 1/ 99).
وقال ابنُ بطَّالٍ: "وأما التيمم إلى المناكب، فالأمةُ في جميعِ الأمصارِ على خلافِهِ"(شرح صحيح البخارى 1/ 480).
ولذا قال ابنُ عبدِ البرِّ: "أكثرُ الآثارِ المرفوعة عن عمَّارٍ في هذا الحديث إنما فيها ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ واليدينِ، وكلُّ ما يُروى في هذا البابِ عن عمَّارٍ فمضطربٌ مختلفٌ فيه"(التمهيد 19/ 287).
بل كان عمار بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يفتي بما رواه في الاقتصار على الوجه والكفَّين.
قال ابنُ حَجرٍ رحمه الله: "ومما يقوِّي رواية (الصحيحين) في الاقتصارِ على الوجهِ والكفَّينِ كون عمار كان يُفْتي بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وراوي الحديث أعرفُ بالمرادِ به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد"(فتح الباري 1/ 445).
قلنا: ولهذا استنكرَ هذا الحديثَ جماعةٌ من أهل العلم على الزهريِّ، بل الزهريُّ نفسُه كان ينكرُ عملَ الناسِ به، فكان يقول:"لا يعتبر الناس بهذا. أو: لا يغتر الناسُ بهذا"(سنن أبي داود 1/ 87)، و (مسند أحمد 30/ 260).
وكان سفيانُ بنُ عيينةَ يقول: "لا يؤخذُ بهذا"(المستخرج للطوسي 1/ 385).
وقال الحميديُّ: "سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطانَ يسألُ سفيانَ -يعني ابنَ عُيينةَ- عن هذا الحديث: تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب؟ فقال سفيانُ: حضرتُ إسماعيل بنَ أمية أَتَى الزهريَّ، فقال: يا أبا بكر، إن الناسَ
يُنكرون عليك حديثين. قال: وما هما؟ فقال: تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب. فقال الزهريُّ: أخبرنيه عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: تيممنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب" (السنن الكبير للبيهقي 1/ 403)، وانظر (مسند الحميدي 143).
"وفي كتاب الكجي: قال سفيانُ: فرأيتُ إسماعيل بنَ أمية جاءَ إلى الزهريِّ فسأله عن هذا الحديث، فأبى أن يحدثه، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله بن عبد الله، فانظروا هل تجدونه من جانب آخر؟ "(شرح ابن ماجه لمغلطاي 2/ 305 - 306).
وقال الحافظُ ابنُ رَجبٍ -بعد أن ذكرَ الخلافَ فيه على الزهريِّ-: ((وهذا حديثٌ منكرٌ جدًّا، لم يَزَلِ العلماءُ يُنكرونه، وقد أنكره الزهريُّ راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس -ذكره الإمامُ أحمدُ وأبو داود وغيرهما-، ورُوي عن الزهريِّ أنه امتنعَ أن يُحدثَ به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله. ورُوي عنه أنه قال: لا أدري ما هو؟ !
ورُوي عن مكحولٍ أنه كان يغضبُ إذا حَدَّثَ الزهريُّ بهذا الحديثِ.
وعن ابن عيينة أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه.
وسئل الإمامُ أحمدُ عنه، فقال: ليس بشيء. وقال أيضًا: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه" (فتح الباري لابن رجب 3/ 25) اهـ.
وكان ابنُ العربي يقولُ: "لم يصحَّ"(القبس في شرح موطأ مالك صـ 178).
وقال: "فطائفةٌ أفرطتْ فمسحتْ أيديها إلى الآباط، وقد رُوي ذلك في الحديثِ، ولم يصحَّ"(المسالك في شرح موطأ مالك 2/ 235).
وقال ابنُ الملقنِ: "قال أبو عمر في (تمهيده): كلُّ ما يُروى عن عمارٍ في هذا مضطربٌ مختلفٌ فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه: ((ضربة واحدة للوجه واليدين))، وقاله أيضًا أحمد بن حنبل في (سؤالات أحمد بن عبيدة) "(البدر المنير 2/ 650).
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "الصحيحُ المشهورُ في صفة التيمم من تعليمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إنما هو للوجهِ والكفَّينِ"(الأحكام الوسطى 1/ 221)، وأقرَّه ابنُ القطانِ (2/ 430).
وذكر المباركفوريُّ في (شرح الترمذي): ((أن هذا الحديثَ لا يصلحُ للاحتجاجِ)). انظر: (تحفة الأحوذي 1/ 377)، وقوله بتمامه: "فظهرَ من كلامِ الحافظِ أن حديثَ عمارٍ الذي رواه البزارُ لا يصلحُ للاحتجاجِ وإن كان سندُهُ حسنًا، وقد تقرَّرَ أن حسن الإسناد أو صحته لا يستلزم حسن الحديث أو صحته.
وقد استدلَّ صاحبُ آثار السنن بحديثِ عمَّارٍ الذي رواه البزارُ، ونقلَ من (الدراية) قولَ الحافظِ بإسناد حسن، ولم ينقل قوله الباقي الذي يثبت منه ضعفه، وكذلك فَعَل صاحب (العَرْف الشذي)، وليس هذا من شأن أهل العلم".
قلنا: وقد حاولَ بعضُ العلماءِ دفعَ هذه المخالفة بنوعٍ منَ الجمعِ، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع:
فذَهَبَ الشافعيُّ وتابعه البيهقيُّ إلى النسخِ فقال: "فلو كان لا يجوزُ أن يكون تيمم عمار إلى المناكب إلا بأمرِ النبيِّ عليه السلام مع التنزيلِ، كان منسوخًا؛ لأن عمارًا أخبرَ أن هذا أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم، فكلُّ تيممٍ كان
للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بعده مخالف فهو ناسخٌ له" (اختلاف الحديث، صـ 74).
وفي (السنن الكبير للبيهقي) قال: "قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى في حديث عمار بن ياسر هذا: إن تيممهم إلى المناكب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منسوخ لأن عمارًا أخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم، فكل تيمم كان للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فخالفه فهو له ناسخ"(السنن الكبير 2/ 140).
قال ابنُ رجبٍ: " وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء"(فتح الباري 2/ 252).
وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان هذا حيثُ نزلتْ آيةُ التيممِ قبل تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عمَّارًا كيفية التيمم، ثم عَلَّمه ضربة واحدة للوجه والكفين، لما سأل عمار النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم"(صحيح ابنِ حِبَّانَ 1310).
وممن ذهبَ إلى النسخِ -أيضًا- الحازميُّ في (الاعتبار صـ 59) فقال: "حديثُ عمارٍ لا يخلو إما أن يكون عن أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو لا؛ فإن لم يكن من أمره فقد صَحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافُ هذا، ولا حجةَ لأحدٍ مع كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والحقُّ أحق أن يتبع، وإن كان عن أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو منسوخٌ، وناسخُه أيضًا حديثُ عمارٍ.
قلنا: هذا الكلامُ من الشافعيِّ رحمه الله مقبولٌ لو صَحَّ الحديثُ، فكيف وقد اضطرب في إسناده ومتنه كما تقدم، وأنكره العلماء على الزهري؟ !
أما الوجه الثاني من الجمع فهو ما ذهب إليه ابن راهويه وجماعة: ((أن حديثَ التيممِ إلى المناكبِ والآباطِ- ليس بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارًا لم يذكر أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى ما عَلَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
((الوجه والكفين))، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم أنه قال:((الوجه والكفين))، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما عَلَّمه النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه إلى ((الوجه والكفين))))، من (جامع الترمذي 1/ 270).
وهذا الوجهُ ذكره البيهقيُّ -أيضًا- عن الشافعيِّ فقال: "أو يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة فتيمموا فاحتاطوا، فأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرُّهم، كما لا يضرُّهم لو فعلوه في الوضوء. فلمَّا صاروا إلى مسألةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوا"(معرفة السنن والآثار 2/ 22).
وقال الأثرم: "فأما حديثُ عمارٍ في المناكبِ والآباطِ، فإنما حكى في هذا فعلهم دون النبي صلى الله عليه وسلم، كما حكى في حديثه الآخر أنه أجنب فتمعَّك، ثم حَكى تعْلِيمَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إيَّاه، فحَكى خِلافَ الفعلين جميعًا: أنه علَّمه ضربةً واحدةً للوجهِ والكفَّينِ" من (الإمام لابنِ دَقيقِ العيدِ 3/ 142).
وقال البغوي: "وما رُوي عن عمَّارٍ، أنه قال: ((تَيَمَّمْنَا إِلَى المَنَاكِبِ)) فهو حكاية فعله، لم ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حَكى عن نَفْسِهِ التمعك في حالِ الجنابةِ، فلما سَأَلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأمره بالوجه والكفَّين، انتهى إليه وأعرض عن فعله"(شرح السنة 2/ 114).
وأشارَ إلى هذا الوجه ابنُ عبدِ البرِّ فقال: "وقد يحتمل أن يكون مَن تيمَّمَ عند نزولِ الآيةِ إلى المناكبِ أَخَذَ بظاهرِ الكلامِ وما تقتضيه اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أُحكمتِ الأُمورُ بعدُ بفعلِ النبيِّ عليه السلام وأَمْره بالتيمم إلى المرفقين"(الاستذكار 3/ 166).
وقال ابنُ الجَوزيِّ: "ووجه هذا الحديث أنهم فعلوا هذا بآرائهم، فلما
عَرَّفهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم حَدَّ التيممِ، انتهوا إلى قوله" (التحقيق في أحاديث الخلاف 1/ 234).
وبمثل هذا قال الألبانيُّ في (صحيح أبي داود - الأم 2/ 131)، وذهب إلى تصحيح إسنادِهِ نافيًا عنه الاضطرابَ بترجيحِ ما رجَّحَه أبو حاتم.
قلنا: هذا الكلامُ يجابُ عنه بالحديثِ نَفْسِه، فقد جاءَ فيه أنهم قاموا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فمسحوا، أي: بحضورِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فكيفَ يُقالُ: أن ذلك من فعلهم، وإنهم اجتهدوا أو احتاطوا بدون الرجوع للنبي صلى الله عليه وسلم؟ !
فالصوابُ ما ذهبنا إليه من ضَعْفِ الحديثِ، ولا يلزمُ مع ضَعْفِه اللجوء إلى هذه الالتماسات التي لا طائلَ مِن ورائها، وقد تركَ المسلمونَ جميعًا العملَ بمقتضاها.
قال ابنُ رجبٍ: "قد سبقَ عن الزهريِّ أنه أنكرَ هذا القولَ، وأخبرَ أن النَّاسَ لا يعتبرون به، فالظاهرُ أنه رَجَعَ عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته. والله أعلم"(فتح الباري 2/ 253).
3125 -
حَدِيثُ عَائِشَةَ
• عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ((أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةٍ لَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالمُعَرَّسِ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ نَعِسْتُ مِنَ اللَّيْلِ، وَكَانَتْ عَلَيَّ قِلَادَةٌ تُدْعَى السِّمْطَ تَبْلُغُ السُّرَّةَ، فَجَعَلْتُ أَنْعَسُ، فَخَرَجَتْ مِنْ عُنُقِي! فَلَمَّا نَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَّتْ قِلَادَتِي مِنْ عُنُقِي، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أُمَّكُمْ قَدْ ضَلَّتْ قِلَادَتَهَا، فَابْتَغُوهَا))، فَابْتَغَاهَا النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَاشْتَغَلُوا بِابْتِغَائِهَا إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ، وَوَجَدُوا القِلَادَةَ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَيَمَّمَ إِلَى الكَفِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَيَمَّمَ إِلَى المَنْكِبِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى جَسَدِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ)).
[الحكم]:
منكرٌ بهذا السياقِ، وضَعَّفه بدرُ الدينِ العينيُّ.
[التخريج]:
[طح (1/ 111)].
[التحقيق]:
سبق تحقيقه تحت باب "بدء التيمم".