الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومع كل هذا كان مشتغلا بضرب الرمل، وقد تولى الحسبة بالقاهرة فى آخر أيام الظاهر برقوق.
وقد توفى رحمه الله فى عصر الخميس سادس عشر من رمضان سنة خمس وأربعين بالقاهرة بعد مرض طويل وكان عن عمر يناهز الثمانين.
ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوفية البيبرسية- رحمه الله.
وصف المخطوطات:
وصلتنا مجموعة من رسائل المقريزى على ميكروفيلم رقم 4657 من المكتبة الوطنية بباريس L La Bibliothe que National de France LL وهى نسخة مكتوبة بالخط النسخى المعتاد، مسطرتها فى الغالب 24 سطرا، فى كل سطر من ثمانى إلى عشر كلمات.
وبعد تفريغ الميكرو فيلم على الورق تمهيدا لتحقيقه، فوجئنا بأن بعض الرسائل مطموس تماما فى بعض صحائفه، والبعض الآخر ساقط منه كلمات من الوسط وهو ما يخل بسياق الكلام وبمضمونه.
وحيث إن هذه الرسائل يصعب الحصول عليها جميعها للمقارنة مثلما يفعل فى أى مخطوطة، فقد نحيّنا المخطوطات المشوّهة واستعنا ببعض رسائل المقريزى المطبوعة للتوثيق ومراجعة النص الأصلى عليها.
وقمنا بعمل الآتى:
1-
رد كل آية إلى اسم سورتها وإثبات رقم الآية.
2-
تخريج الأحاديث، وكانت هناك فى بعض المخطوطات نصوص لأحاديث ليس لها لفظ مشابه فخرجناها تخريجا محكما.
3-
تخريج البلدان والأصقاع والنواحى.
4-
ترجمة الأعلام والمشاهير ممن ذكرهم فى رسائله.
5-
تفسير المعجم من غريب اللغة من معاجم اللغة العربية، كالقاموس المحيط واللسان والمعجم العربى الأساس ومختار الصحاح والمخصص وخلافه.
6-
إصلاح الإسقاطات والتنبيه على المحو والطمس فى موضعه.
مقدمات
تحتل رسائل المقريزى مكانة مرموقة بين المخطوطات، خاصة التاريخية منها، وهى مجموعة رسائل متنوعة الموضوعات، غزيرة المادة العلمية فى بعضها، ضئيلة فى أخريات منها.
والمقريزى عالم جليل، تارة تراه مؤرخا عندما يتناول موضوعا مثل «التنازع بين بنى أمية وبنى هاشم، وتارة تراه كيميائيا عندما يكتب عن الأجسام المعدنية والفلزات، وتراه فى الباقيات فقيها محدثا.
وقد عكف بعض العلماء الأجلّاء على تحقيق بعض رسائله الصغيرة، ولكن فى اعتقادى أنه لم يتناولها أحد حتى الآن كاملة كمجموعة، وقد أعاننا الله على تحقيق جزء كبير منها- هو الذى بين يدى القارئ- والله أسأله أن يتمم لنا تحقيق الباقى إن شاء الله.
والرسائل التى قمنا بتحقيقها مجموعها حوالى أربع عشرة رسالة، مختلفة الموضوعات، سهلة التناول، جيدة الصياغة، اللهم إلا بعض الإسقاطات والتصحيفات التى سننوّه عليها فى مواضعها، وهذه الرسائل بالترتيب هى: - 1- التنازع والتخاصم بين بنى أميّة وبنى هاشم، وهو يتناول النزاع القبلى بين القبيلتين، وكيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ملّك بنى أمية على مكة والمدينة وحضر موت وجعل لهم السيطرة والغلبة ويسرد- فى أسلوب شائق- ما فعله أبو العباس السفاح مؤسس دولة بنى العباس من انتهاكاته للحرمات وسطوته وجبروته.
2-
أما الرسالة الثانية فهى تجريد التوحيد، وفيها يتناول الفروق بين الشرك والتوحيد، ويأتى بأنواع الشرك مثل: الشرك فى الألفاظ، والسجود لغير الله، وشرك القدرّية، والشرك فى الربوبية، ويسوق أقوال كل من القدرية والجبرية فى الحكمة والتعليل.
3-
والثالثة: البيان والإعراب عمّن فى أرض مصر من قبائل الأعراب، يتعرض فى هذه الرسالة عن البطون والأفخاذ والعشائر والقبائل والفصائل، ويسرد لأسماء بعض القبائل العربية التى ما زالت لهم ضياع وأموال حتى الآن فى شتى
محافظات مصر من شمالها إلى جنوبها، ويحكى بطريقة تاريخية رائعة عن كيفية قدومهم من الجزيرة العربية إلى الوطن العربى عامة ومصر خاصة.
4-
والرابعة: هى النقود القديمة الإسلامية، وقد سبق المقريزى فى تناول هذا الموضوع العلّامة البلاذرى برسالة أسماها:«النقود» ، ويتعرض المقريزى للنقود القديمة التى كانت تستعمل فى صدر الإسلام وأيام الخلافة الإسلامية والعباسية.
ويفرقّ بين الدرهم البغلى والدرهم الجواز، وبين معانى كل من كلمة النصّ والأوقية والرطل والدانق والقيراط، ويحكى أن كل خليفة من الخلفاء كان يضرب نوعا من النقود مثل سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه، عندما ضرب درهما نقش عليه:«الله اكبر» .
ونقش معاوية دنانير، نقش عليها تمثالا متقلدا سيفا.
5-
الخامسة: رسالة فى فضل آل البيت على من عداهم رضى الله عنهم أجمعين، وساق أدلته جميعا من كتاب الله وأحاديث رسول الله، كما أنه عقد مقارنة بين نصوص القرآن الكريم وتفسيرها فى أكثر من مرجع كالقرطبى وابن عطية.
6-
السادسة: رسالة المقاصد السنّية فى معرفة الأجسام المعدنية، وههنا يبدو لنا المقريزى كعالم كيميائى بحت، فهو يشرح الأجسام المتولدة ويقسمها بين نامية وغير نامية.
كما أنه شرح أقسام المعادن التى تتولد من الأبخرة والأدخنة المحبوسة فى الأرض.
وفى آخر فصل يتحدث عن الفلزات كالزئبق والكبريت والفضة والنحاس وطريقة تكوين كل معدن منهم فى الأرض.
7-
السابعة: رسالة عن الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام.
فى هذه الرسالة إشارات لطيفة عن ألفاظ البطريق، وهى رتبة من الرتب الكهنوتية لدى النصارى، ولفظ الحطى وهى بلغة الأحباش تعنى: السلطان.
ويتعرض لبعض الفرق كاليعقوبية، والملكانية.
8-
الثامنة: رسالة قصيرة عن حرص النفوس على بقاء الذكر.
9-
التاسعة: عن حسن الخاتمة.
10-
العاشرة: رسالة عن حل لغز الماء.
11-
الحادية عشرة: نحل عبر النحل، وهى رسالة ممتازة وجديرة بالدراسة وقد نما إلى علمى مؤخرا أن أحد المحققين قام بتحقيقها بمفردها.
وهذه الرسالة يشرح فيها المقريزى النحلة طبيا، وأوصافها، وأسماءها، وأنواع العسل، وفوائده الطبية، وباختصار كل ما يهم القائمين على تشريح النحل ومنتجاته.
والله أسأل أن يجعله فى ميزان حسناتنا إنه نعم الوكيل.
وأشكر شكرا خاصا للأستاذ الحاج/ عاطف محمود مصطفى، مدير دار الحديث على تبنيه هذا العمل وإخراجه إلى النور، بارك الله لنا فيه، آمين.
المحققان رمضان محمد على البدرى واحمد مصطفى أحمد قاسم الطهطاوى
التنازع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم (1)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المعطى ما شاء لمن شاء، لا مانع لعطائه ولا راد لمراده وقضائه، أحمده بما هو أهله من المحامد، وأشكره على فضله المتزايد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا معاند، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيّه وخليله، اللهم صلّ عليه وعلى آله وأصحابه ومحبيه وأهل طاعته وسلم وشرّف وكرّم.
أما بعد، فإنى كثيرا ما كنت أتعجب من تطاول بنى أمية «1» إلى الخلافة مع بعدهم من جذم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرب بنى هاشم وأقول: كيف حدّثتهم أنفسهم بذلك، وأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه «2» من هذا الحديث مع تحكم العداوة من بنى أمية وبنى هاشم فى أيام جاهليتها، ثم شدة عداوة بنى أمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومبالغتهم فى أذاه وتماديهم على تكذيبه فيما جاء به منذ بعثه الله عز وجل بالهدى ودين الحق إلى أن فتح مكة، شرّفها الله تعالى، فدخل من دخل منهم فى الإسلام كما هو معروف مشهور.
وأردد قول القائل:
وكم من بعيد الدار نال مراده
…
وآخر دانى الدّار وهو بعيد
فلعمرى لا بعد أبعد مما كان بين بنى أمية وبين هذا الأمر؛ إذ ليس لبنى أمية سبب إلى الخلافة ولا بينهم وبينها نسب إلا أن يقولوا: إنا من قريش فيساوون فى
هذا الاسم قريش الظواهر، لأن قوله صلى الله عليه وسلم:«الأئمة من قريش» «1» واقع على كل قرشى، ومع ذلك فأسباب الخلافة معروفة وما يدّعيه كل جيل معلوم، وإلى كل ذلك قد ذهبت الناس، فمنهم من ادعاها لعلى بن أبى طالب، رضى الله عنه، باجتماع القرابة والسابقة والوصية بزعمهم، فإن كان الأمر ذلك، فليس لبنى أمية فى شىء من ذلك دعوى عند أحد من أهل القبلة، وإن كانت إنما تنال الخلافة بالوراثة، وتستحق بالقرابة، وتستوجب بحق العصبة، فليس لبنى أمية فى ذلك متعلق عند أحد من المسلمين.
وإن كانت لا تنال إلا بالسابقة فليس لهم فى السابقة قديم عهد مذكور ولا يوم مشهور، بل لو كانوا إذ لم تكن لهم سابقة، ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة، ولم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع كان أهون وكان الأمر عليهم أيسر.
فقد عرفنا كيف كان أبو سفيان «2» فى عداوته للنبى صلى الله عليه وسلم وفى محاربته وفى إجلابه عليه وغزوه إيّاه، وعرفنا إسلامه كيف أسلم، وخلاصه كيف خلص، على أنه إنما أسلم على يدى العباس «3» رضى الله عنه، والعباس هو الذى منع الناس من قتله «4» وجاءه............... ............... .......
رديفا «1» إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وسأل أن يشرّفه وأن يكرمه وبنيه به، وتلك يد بيضاء، ونعمة غراء، ومقام مشهور، وخير نمير منكور، فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليا «2» وسمّوا الحسن «3» ............... ................
وقتلوا الحسين «1» وحملوا النساء «2» على الأقتاب «3» وكشفوا عن عورة على بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه كما يصنع بذرارى «4» المشركين إذا دخلت ديارهم عنوة، وبعث معاوية بن أبى سفيان إلى اليمن بشر بن أرطاة فقتل ابنى عبيد الله ابن عباس وهما غلامان لم يبلغا الحلم، فقالت أمهما عائشة بنت عبد الله بن عبد الدار بن الدبان ترثيهما:
يا من أحسّ ببنىّ اللذين هما
…
كالدرّتين تشفى عنهما الصدف
انجى على ودجى طفلى مرهقة
…
مطرورة وعظيم الإثم يعترف
وقتلوا لصلب على بن أبى طالب رضى الله عنه تسعة، ولصلب عقيل بن أبى طالب رضى الله عنه تسعة، ولذلك قالت نائحتهم:
عين جودى بعبرة وعويل
…
واندبى إن ندبت آل الرسول
تسعة منهم لصلب على
…
قد أصيبوا وتسعة لعقيل
هذا وهم يزعمون أن عقيلا «1» أعان معاوية على علىّ، فإن كانوا كاذبين فما أولاهم بالكذب، وإن كانوا صادقين فما حاذوه خيرا قد ضربوا عنق مسلم بن عقيل «2» صبرا وقتلوا معه هانئ «3» بن عروة؛ لأنه آواه ونصره، قال الشاعر:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظرى
…
إلى هانئ في السوق وابن عقيل
ترى بطلا قد هشّم السيف رأسه
…
وآخر يرمى من طمار قتيل «4»
وأكلت هند «5» كبد حمزة «6» ،
فمنهم............... ...............
آكلة الأكباد «1» ، ومنهم كهف النفاق «2» ، ونقروا «3» بين نحيتى الحسين رضى الله عنه ونبشوا زيدا «4» ............... ............... .........
وصلبوه «1» وألقوا رأسه في عرضة الدار تطؤه الأقدام وتنقر دماغه الدجاج حتى قال الفرس:
اطرد الديك عن ذؤابة «2» زيد
…
طال ما كان لاقطه الدجاج
وقال شاعر بنى أمية:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة
…
ولم تر مهديا على الجذع يصلب
وقتلوا على بن عبد الله بن العباس «3» بالسياط مرتين على أن يزّوج ابنة عمه الجعفرية التى كانت عند عبد الملك بن مروان «4» ، وعلى أن يحلّوه قتل سليط، وسمّوا أبا هاشم بن محمد بن على، وضرب سليمان بن حبيب بن المهلب أبا جعفر المنصور «5» بالسياط قبل الخلافة.
وقتل مروان الحمار «6» ............... ............... ........
الإمام إبراهيم «1» بن محمد بن على، أدخل رأسه في جراب نورة «2» حتى مات، وقتلوا يوم الحرة «3» عون بن عبد الله بن جعفر، وقتلوا يوم الطف مع الحسين أبا بكر بن عبد الله بن جعفر، وقتلوا يوم الحرّة الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبى لهب، وعبد الرحمن بن العباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
ومع ذلك فإن عبد الملك بن مروان أبو الخلف من بنى مروان أغرق الناس في الكفر «4» لأن جده لأبيه............... ............... ..........
الحكم بن أبي العاص «1» لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريده، وجده لأمه معاوية «2» بن المغيرة بن أبي العاص، طرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قتله على «3» وعمار صبرا، ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان وأقدمهم فيه.
هذا وبنو أمية قد هدموا الكعبة «4» وجعلوا الرسول دون الخليفة «5» وختموا في
أعناق أصحابه «1» وغيّر أوقات الصلاة، ونقشوا أكّف المسلمين، ومنهم من أكل وشرب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهبت الحرم ووطئت المسلمات في دار «2» الإسلام بالبقيع في أيامه، وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكر ملوك بنى أمية قال: كان عبد الملك جبّارا لا يبالى ما صنع، وكان الوليد «3» مجنونا، وكان سليمان «4» همه بطنه وفرجه، وكان عمر «5» عور بين عميان، فإن قيل: عدل، قيل: إن من
عدله أن لا يقبلها ممن لم يكن لها أهلا ويتولاها بغير استحقاق «1» وكان رجلهم هشام «2» . وقد صدق أبو جعفر وكان يقال لهشام: الأحول السرّاق؛ لأنه ما زال يدخل عطاء الجند شهرا في شهر حتى أخذ لنفسه مقدار أرزاق سنة، فلذلك قالوا الأحول السراق، وقال خاله إبراهيم بن هشام المخزومى: ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين فإن الحادى «3» حدا به مرة فقال:
إن عليك أيها البختى «4»
…
أكرم من تمشى به المطى
فقال: صدق قولك، وقال مرة وأيدّه لأشكون سليمان بن عبد الملك يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وهذا ضعف شديد وجهل عظيم، وكان هشام يقول: والله إنى لأستحيى من الله أن أعطى رجلا أكثر من أربعة آلاف درهم. وقدم هشام ابنه سعيد على حمص فرمى بالنسب، فكتب أبو الجعد الطائى إلى هشام مع يحيى وأعطاه فرسا على أن يبلغ الكتاب وفيه:
أبلغ لديك أمير المؤمنين فقد
…
أمددتنا بأمير ليس عتيدا
طورا يخالف عمرا في خليلته
…
وعند رابحة يبغى الأمر والدينا
فعزله وقال: يابن الخبيثة تزنى وأنت ابن أمير المؤمنين، أعجزت أن تفجر فجور قريش قبل هذا، وأظنه قال: لا يلى لى عملا أبدا. وحسبك من عبد الملك بن مروان قيامه على منبر الخلافة وهو يقول: «ما أنا بالخليفة المستضعف ولا بالخليفة المداهن «5» ولا بالخليفة المأفون «6» » «7» ، وهؤلاء هم سلقته وأئمته وبشفعتهم
قام ذلك المقام، وبتأسيسهم وتقديمهم نال تلك الرئاسة، ولولا العادة المتقدمة والأجناد المجندة، والصفائح «1» القائمة لكان أبعد خلق الله من ذلك المقام، فالمستضعف عنده، عثمان بن عفان رضى الله عنه، والمداهن عنده معاوية رضى الله عنه، والمأفون عنده يزيد بن معاوية، والضعيف لا يكون خليفة؛ لأنه الذى ينال القوى منه عند انتشار الأمر عليه، والمداهن لا يكون إماما ولا يوثق منه بعقد ولا بوفاء عهد، ولا بضمير صحيح ولا بعيب كريم، والمأفون لا يكون إماما وهذا الكلام «2» نقض لسلطانه، وعداوة لأهله، وإفساد لقلوب شيعته، وقرة عين عدّوه، وعجز في رأيه، فإنه لم يقدر على إظهار قوته إلا بأن يظهر عجز أئمته، وقد كانت المنافرة لا تزال بين بنى هاشم وبنى عبد شمس، بحيث إنه يقال: إن هاشما وعبد شمس ولدا توأمين، خرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم وقد لصقت إصبع أحدهما بجبهة الآخر، فلما نزعت دمى المكان، فقيل: سيكون بينهما وولديهما دم فكان كذلك.
وقيل: إن عبد شمس وهاشما كانا يوم ولدا
…
«3» وكانت جباههما ملصقة بعضها ببعض فأخذ السيف ففرّق بين جباههما بالسيف، فقال بعض العرب: ألا فرّق ذلك بالدرهم، فإنه لا يزال السيف بينهم في أولادهم إلى الأبد فكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف وأخيه، وإن هاشما كانت إليه الرفادة «4» التى سنّها جده قصى «5» بن كلاب بن مرة مع السقاية «6» ؛ وذلك أن أخاه عبد شمس كان يسافر وقلّ ما يقيم بمكة، وكان رجلا مقلا وله ولد كثير، فاصطلحت قريش على أن ولىّ هاشم
السقاية والرفادة، وكان هاشم رجلا موسرا فكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال:«يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وإنكم يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصكم الله بذلك وأكرمكم حفظه منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزواره فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر «1» كالقداح وقد أزحفوا وتقلوا وقملوا وأرسلوا فأقرّوهم وأغنوهم وأعينوهم» «2» .
فكانت قريش ترافل «3» على ذلك حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشىء اليسير على قدرهم فيضمه هاشم إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس فأعجز كمله، وكان هاشم يخرج في كل سنة مالا كثيرا، وكان قوم من قريش يترافدون، فكانوا أهل يسار، فكان كل إنسان منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية «4» ، فكان هاشم يأمر بخياض من أدم «5» فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر «6» زمزم ثم يسقى فيها من البيار التى بمكة فيشرب الحاج، وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية «7» بيوم بمكة ويطعمهم بمنى وبعرفة (وكان)«8» يثرد «9» لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق «10» والتمر، ويحمل إليهم الماء حتى تنفرق الناس لبلادهم.
وكان هاشم يسمى عمرا، وإنما قيل له هاشم لهشمه الثريد «1» ، وهو أول من أطعم الثريد بمكة، وكان أمية بن عبد شمس ذا مال فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم من إطعام قريش، فعجز عن ذلك فشمت به ناس من قريش وعابوه لتقصيره، فغضب ونافر «2» هاشما على خمسين ناقة سود الحدق وتنحر بمكة وعلى جلاء عشر سنين وجعلا بينهما الكاهن الخزاعى عبد عمرو بن الحمق وكان منزله عسفان، وخرج من أمية أبو هممة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك الفهرى فقال: الكاهن والقمر الباهر والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغابر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر أول منه وآخر وأبو هممة بذلك خابر، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام به عشر سنين، فكان هذا أول عداوة وقعت في بنى هاشم وبنى أمية، ولم يكن أمية في نفسه هناك وإنما رفعه أبوه وبنوه وكان مصفوفا، وكان صاحب عمار، يدل على ذلك قول ثقيل بن عبد العزّى جد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين تنافر إليه حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم، فنفر عبد المطلب وتعجب من إقدامه عليه وقال:
أبوك معاهر وأبو غف
…
وذاد الفيل عن بلد حرام
وذلك أن أمية كان يعرض لامرأة من بنى زهرة فضربه رجل منهم ضربة بالسيف، وأراد بنو أميّة ومن تابعهم إخراج زهرة من مكة، فقام دونهم قيس بن عدى السهمى، وكانوا أخواله، وكان منيع الجانب شديد العارض «3» ، حمّى الأنف، أبى النفس فقام دونهم وصاح: أصبح ليل، فذهبت مثلا، ونادى: ألا أن الظاعن «4» مقيم، ففى هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة:
مهلا أمية إن البغى مملكة
…
لا يكسبنك يوما سدّه ذكره
يتدركوا إليه والشمس طالعة
…
يصب في الكأس منه.... «5»
وصنع أمية في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب، زوّج ابنه عمرو بن أمية امرأته في حياة منه.... «1» فى الإسلام هم الذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن من بعد موتهن، وأما أن تزوجها في حياته وبنى عليها وهو يراه، فإن هذا لم يكن قط، وأمية قد جاوز هذا المعنى ولم يرض بهذا المقدار حتى نزل عنها وزوجها منه، وأبو معيط بن أبى عمرو بن أمية قد زاد في المقت درجتين، ثم نافر حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم، فما زال أمية يغزى حتى قتل وأخذ ماله فى خبر طويل، وتمادت العداوة بين البيتين حتى قام سيد بنى هاشم أبو القاسم محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب بن هاشم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يدعو قريشا إلى توحيد الله جلت قدرته، وترك ما كانت تعبد من دون الله، فانتدب لعداوته صلى الله عليه وسلم جماعة من بنى أمية منهم: أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية حتى هلك على كفره بالله فى أول سنة من الهجرة أو في سنة اثنتين وهو يحاد الله ورسوله، ومنهم: عقبة ابن أبى معيط «2» أبان بن عمرو بن أمية وكان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدى إلى أن قاتل يوم بدر فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أرشر فأمر بضرب عنقه، فجعل يقول: يا ويلتى علام أقتل من بين هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لعداوتك لله ولرسوله» ، فقال: يا محمد، منك أفضل، فاجعلنى كرجل من هؤلاء من قومى وقومك يا محمد، من للصبية، قال:«النار» «3» وضرب عنقه.
وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به فصلب فكان أول مصلوب «4» فى الإسلام.
وقال عطاء بن الشعبى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعقبة بن أبى معيط يوم بدر:
«والله لأقتلنك» ، فقيل: أقتلته من بين قريش؟ قال: «نعم إنه وطئ على عنقى وأنا ساجد «1» فما رفعت حتى ظننت أن عينى قد سقطتا.
وجاء يوما وأنا ساجد بسلا «2» شاة فألقاه على رأسى «3» فأنا قاتله» «4» ومنهم:
الحكم بن العاص بن أمية، وكان عارا في الإسلام، وكان مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يشتمه ويسمعه ما يكره، فلما كان فتح مكة أظهر الإسلام خوفا من القتل فلم يحسن إسلامه، وكان مغموصا «5» عليه في دينه، ثم قدم المدينة فنزل على عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية رضى الله عنه وكان يطالع الأعراب والكفار بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى ذات يوم مشى الحكم خلفه فجعل يختلج «6» بأنفه وفمه كأنه يحاكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتفكك ويتحايل، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه، فقال له:«كن كذلك» «7» . فما زال بقية عمره على ذلك، واطلع يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجرة بعض نسائه فخرج إليه بعثرة، فقال: من هذا؟ لو أدركته لفقأت عينه «8» .
وقال زهير بن محمد عن صالح بن أبي صالح قال: حدثنى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فمرّ الحكم بن أبي العاص، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
«ويل لأمتى مما في صلب هذا» «1» ، ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم:«لعنه وما ولد» «2» وغرّبه عن المدينة «3» ، فلم يزل خارجا عنها بقية حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فلما استخلف عثمان رضوان الله عنه، ردّه إلى المدينة وولده، فكان ذلك مما أنكره الناس على عثمان، وكان أعظم الناس شؤما على عثمان وأنهم جعلوا إدخاله المدينة بعد إطراد النبى صلى الله عليه وسلم إياه وبعد امتناع أبي بكر «4» وعمر رضى الله عنهما من ذلك أكبر الحجج «5» على عثمان رضى الله عنه، ومات في خلافته فضرب على قبره فسطاط «6» ، وقد قالت عائشة رضى الله عنها لمروان بن الحكم:
أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه «1» .
وقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت لمروان بن الحكم:
إن اللعين أباك فارم عظامه
…
إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يضحى خميص «2» البطن من عمل التقى
…
ويظل من عمل الخبيث بطينا
وكان الحكم هذا يقال له: طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه، وهو والد مروان «3» ابن الحكم الذى صارت إليه الخلافة بالغلبة وتوارثها بنوه من بعده، وكان رجلا لا فقه له، ولا يعرف بالزهد ولا برواية الآثار «4» ولا بصحبته، ولا بعد علمه، وإنما ولى رستاقا «5» من رساتيق درا بجرد «6» لابن عبد مر، ثم ولى البحرين لمعاوية، وقد كان أصحابه ومن تابعه ليبايع ابن الزبير حتى عبيد الله بن زياد، وقال يوم مرج راهط والروس تنبذ عن كواهلها (شعرا) :
وما لهم غير حبس النفوس
…
أى غلامى قريش غلب
وهذا كلام من لا يستحق أن يلى ربعا من الأرباع أو خمسا من الأخماس، فكان مروان أول من شق عصا الإسلام بغير تأويل، وقال لخالد بن يزيد بن معاوية وأم خالد عنده:«اسكت يا ابن الرطبة «1» » ، فكان حنقه في هذه الكلمة وكتب عبد الملك بن مروان إلى محمد بن الحنفية «2» ، فلما نظر إلى عنوان الصحيفة استرجع وقال: انطلقا والعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الناس، والذى نفسى بيده إنها لأمور لا يقر قرارها.
ومنهم: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية أحد من عادى الله ورسوله إلى أن قتل ببدر كافرا «3» ، قتله حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، وعتبة هذا هو أبو هند بنت عتبة التى لاكت كبد «4» حمزة رضى الله عنه واتخذت مما قطعت منه مسكين «5» ومعضدين «6» وخدمتين «7» «8» ، وأعطت وحشيا قاتل حمزه حليا كان عليها من ورق «9» وجدع وخواتيم ورق كانت في أصابع رجليها، كل ذلك شماتة بحمزة رضى الله عنه من أجل أنه قتل أباها عتبة رأس الكفر في يوم بدر، وقيل:
بل قتل عبيدة بن الحارث بن المطلب وأنشدت هند (شعرا)«10» :
عينى جودى «1» بدمع سرب
…
على خير خندق «2» لم ينقلب
تداعى به رهطه نصرة «3»
…
بنو هاشم وبنو المطلب
وقيل: إن عليا لما فرغ من الوليد بن عتبة واجتمع مع عبيدة على عتبة فقتلاه «4» ، وهند هذه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بقتلها فأسلمت، ولما حضرت مع النساء تبايع بيعة الإسلام كان مما قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تقتلن أولادكن فقالت: ربيناهن صغارا وقتلتهن كبارا «5» ؛ وهى أم معاوية بن أبى سفيان الذى قاتل على بن أبى طالب رضى الله عنه، وأخذ الخلافة من الحسين بن على رضى الله عنهما واستلحق زياد بن سمية مرزيته واستخلف على الأمة ابنه يزيد «6» القرود ويزيد الخمور «7» .
ومنهم: الوليد بن عتبة بن ربيعة وقتل ببدر كافرا، قتله علّى رضى الله عنه، والوليد هذا هو خال معاوية.
ومنهم: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس عم هند أم معاوية، وكان يجتمع مع قريش فيما يكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، وقتله الله يوم بدر فيمن قتل من أعدائه.
ومنهم: أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية وقائد الأحزاب الذى قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقتل من خيار أصحابه سبعين بين مهاجرى وأنصارى، وكتب إليه «باسمك اللهم أحلف باللات والعزّى وإساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك، أريد استئصالكم، فأراك قد اعتصمت بالخندق، فكرهت لقاءنا، ولك منى كيوم أحد، وبعث بالكتاب مع أبى أسامة الحيثمى فقرأه على النبى صلى الله عليه وسلم وقال: قد أتانى كتابك، وقد نما عزك بأحمق بنى غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل لنا العاقبة، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإساف ونائلة وهبل يا سفيف بنى غالب، ولم يزل يحادد الله ورسوله حتى سار رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، فأتى به العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أردفه؛ وذلك أنه كان صديقه ونديمه في الجاهلية، فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ويلك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال: بأبى أنت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئا، فقال: يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله؟ فقال: بأبى أنت وأمى، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه ففى النفس منها شىء. فقال له العباس: ويلك، اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك، فشهد وأسلم «1» . فهذا حديث إسلامه كما ترى واختلف فى حسن إسلامه فقيل: إنه شهد حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأزلام «2» معه يستقسم بها، وكان كهفا للمنافقين «3» ، وأنه كان في الجاهلية زنديقا، وفي خبر عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت، قال أبو سفيان: إيه بنى الأصفر فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان (شعرا) :
وبنو الأصفر ملوك الروم
…
لم يبق منهم ملك مذكور
فحدث به ابن الزبير وقال: قاتله الله
…
يأبى الإنفاقا أولسنا خيرا له من بنى الأصفر «4» ،............... ............... ............... ....
وذكر عبد الرزاق «1» عن ابن المبارك «2» عن مالك بن مغول «3» عن ابن أبى بجير «4» قال: لما بويع لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، جاء أبو سفيان إلى على رضى الله عنه فقال: أغلبكم على هذا الأمر أقل بيت في قريش، أما والله لأملأنها خيما ورجالا إن شئت، فقال على رضى الله عنه، ما زلت عدوا للإسلام وأهله، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا.
إنا رأينا أبا بكر لها أهلا، وذكر المدائنى «5» عن أبى زكريا العجلانى عن أبى حازم «6» عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: حج أبو بكر رضى الله عنه ومعه أبو سفيان، فرفع صوته على أبى سفيان. فقال أبو قحافة: اخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب. فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا أبا سفيان، إن الله بنى بالإسلام بيوتا كانت غير مبنية. وبيت أبى سفيان مما هدم، فليت شعرى بعد هذا بأى وجه
يبنى بيت أبى سفيان بعد ما هدمه الله.
وروى عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان رضى الله عنه حين صارت الخلافة إليه بعد تيم وعدى فأدارها كالكرة، وفي رواية فترقفوها ترقف الكرة، واجعل أوتادها بنى أمية فإنما هو الملك ولا أدرى ما جنّة ولا نار «1» ، فصاح به عثمان رضى الله عنه: قم عنى فعل الله بك وفعل، وأبو سفيان هذا هو أبو معاوية، ولم يزل بعد إسلامه بعد هو وابنه معاوية من المؤلّفة.
ومنهم: معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية «2» وهو الذى جذع أنف حمزة رضى الله عنه ومثّل به فيمن مثّل، فلما انهزم يوم أحد دخل على عثمان بن عفان رضى الله عنه ليخبره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بطلبه فأخرج من دار عثمان وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبه لعثمان رضى الله عنه، وأقسم لئن وجد بعد ثلاث بالمدينة وما حولها ليقتلن، فخيّره عثمان وسار في اليوم الرابع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن معاوية أصبح قريبا لم ينفذ فاطلبوه واقتلوه» فأصابوه، فأخذه زيد بن حارثة وعمار ابن ياسر فقتلاه «3» ، وقيل: بل قتله على رضى الله عنه.
ومعاوية هذا هو أبو عائشة أم عبد الملك بن مروان، فعبد الملك بن مروان أغرق الناس في الكفر، لأن أحد أبويه الحكم بن أبي العاص لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريده، والآخر معاوية بن المغيرة.
ومنهم: حمّالة الحطب، واسمها: أم جميل بنت حرب بن أميّة، كانت تحمل
أغصان العضاه «1» والشوك فتطرحها على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك «2» عن ابن عباس «3» ، وقال مجاهد: حمّالة النميمة «4» ، تحطّب على ظهرها، وإيّاها عنى الله تعالى بقوله في سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
قيل: عنى أن في جيدها سلسلة من نار أى من سلاسل جهنم. والجيد: العنق.
ولما نزلت سورة «5» تبت يدى أبى لهب
…
إلى آخرها، قالت امرأة أبى لهب:
قد هجانى محمد، والله لأهجونه، فقالت مما قلنا: وديعة أبينا وأمره عصينا «6» وأخذت فهرا «7» لتضربه به فأغشى الله عليها «8» عنه وردّها بغيظها ولم تزل على كفرها حتى هلكت، وما أحد من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم إلا وقد بذل جهده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغ في أذى من اتبعه وآمن به، ونالوا منهم من ألسنتهم وأنواع العذاب حتى فروا منهم مهاجرين إلى بلاد الحبشة، ثم إلى المدينة، وأغلقت أبوابهم بمكة، فباع أبو سفيان بن حرب بعض دورهم، وقضى من ثمنها دينا عليه، وهمّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وتناظروا في أمره ليخرجوه من مكة أو يقيدوه
ويحبسوه حتى يهلك أو يندبوا لقتله من كل قبيلة رجلا حتى يتفرق دمه في القبائل وبالغ كل واحد منهم في ذلك بنفسه وماله وأهله وعشيرته، ونصب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحبائل بكل طريق سرا وجهرا ليقتلوه، فلما أذن الله له في الهجرة وخرج من مكة، ومعه صاحبه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى غار ثور وجعلوا لمن جاء بهما أو قتلهما ديتهما، ويقال: يعلو المائة بعير، ونادوا بذلك في أسفل مكة وأعلاها، كل ذلك حسدا منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغيا، ويأبى الله إلا تأييد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته حتى صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وظهر أمر الله وهم كارهون، كما ذكرت ذلك في كتاب «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع» صلى الله عليه وسلم، ولله درّ القائل (شعرا) :
عبد شمس قد أضمرت كبنى ها
…
شم حربا يشيب منه الوليد
فابن حرب للمصطفى وابن هند
…
لعلى وللحسين يزيد
وما الأمر إلا كما قال القائل الأخطل (شعرا) :
إن العداوة تلقاها وإن قدمت
…
كالعرق يكمن أحيانا وينتشر
وأقول: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبعد بنى أمية عنه وأخرجهم من ذوى «1» قرباه؛ لما أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى- رحمه الله فى كتاب فرض الخمس من الجامع الصحيح فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان رضى الله عنه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بنى المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو عبد المطلب وبنو هاشم شىء واحد «2» .
وقال الليث: حدثنى يونس وزاد: قال جبير: ولم يقسم النبى صلى الله عليه وسلم لبنى عبد شمس ولا لبنى نوفل، قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم:
عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
وذكره البخارى في مناقب قريش «1» وقال في غزوة خيبر «2» : حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال: أتيت أنا وعثمان إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقلنا: أعطيت بنى المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك، فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد. قال جبير: ولم يقسم النبى صلى الله عليه وسلم لبنى عبد شمس وبنى نوفل شيئا.
وقد خرّج أبو داود «3» رحمه الله هذا الحديث من طريق الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: حدثنى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبنى عبد شمس ولا لبنى نوفل شيئا من الخمس كما قسّم لبنى هاشم ولبنى المطلب، قال: وكان أبو بكر رضى الله عنه يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يكن يعطى قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان عمر رضى الله عنه يعطيهم، ومن كان بعده منه. واعلم أن قوله عن أبى بكر رضى الله عنه أنه لم يكن يعطى ذوى القربى كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعطيهم، إنما هو مما كان صلى الله عليه وسلم يعود به عليهم من سهمهم.
وكانت حاجة المسلمين أيام أبى بكر أشد، [لا]«4» لأنه رضى الله عنه منعهم الحق المفروض لهم الذى سماه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم، فقد أعاذه الله من ذلك.
وخرج أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهرى عن سعيد بن المسيب، قال: أخبرنى جبير بن مطعم قال: فلما كان يوم خيبر وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذى القربى في بنى هاشم وبنى المطلب، وترك بنى نوفل «5» وبنى عبد شمس،
فانطلقت أنا وعثمان رضى الله عنه حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا تنكر فضلهم للموضع الذى وضع الله به منهم، فما بال إخواننا بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شىء واحد وشبك بين أصابعه «1» .
وخرّجه إسحاق بن راهويه عن الزهرى عن ابن المسيب عن جبير، مثل ما تقدم وفيه قال: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس من القمح والتمر والنوى.
وقال الحسن بن صالح عن السدّى، فى ذى القربى: هم بنو عبد المطلب وخرّج النسائى من حديث سفيان عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد عن قول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
«2» قال: هذا مفتاح كلام الله ولله الدنيا والآخرة «3» .
قال: اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: سهم الرسول وسهم ذى القربى، فقال قائل: سهم الرسول للخليفة من بعده «4» ، وقال قائل: سهم ذى القربى لقرابة الرسول «5» ، وقال قائل: سهم ذى القربى لقرابة الخليفة فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدّة في سبيل الله فكان ذلك في خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
وقد روى من بعض طرق ابن إسحاق عن الزهرى عن ابن المسيب، أن عثمان وجبير بن مطعم رضى الله عنهما كلّما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهم ذى القربى فقالا:
قسمته بين بنى هاشم وبنى المطلب بن عبد مناف، ونحن وبنو المطلب إليكم سوى
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وهم لم نزل في الجاهلية شيئا واحدا وكانوا معنا في الشّعب. كذا وشبّك أصابعه «1» .
وكان من حديث الشّعب على ما ذكر محمد بن إسحاق «2» وموسى بن عقبة «3» فذكر ابن إسحاق أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قضى على الذى بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه وأبوا أن يسلموه، فهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم اتقوا أن يشتدوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعل ذلك بنو هاشم وبنو المطلب، وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم معهم، أجمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا.
قال ابن عقبة: واجتمعت قريش ومكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله، واجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا، فلما عرفت قريش أن القوم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع المشركون مع قريش، واجتمع رأيهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلون من بنى هاشم أبدا صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركون طعاما يقدم مكة إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن إسحاق القصة في دخولهم الشعب وما بلغوا من الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهتهم لصحيفتهم المظلّة.
قال موسى بن عقبة: فلما كان بعد ثلاث سنين تلاوم رجال من بنى عبد مناف، ومن بنى قصى ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من هاشم ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستحقوا بالحق واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من العذر والبراءة منه، وبعث الله عز وجل على صحيفتهم التى المكر فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم الأرضة «1» فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق فلم تترك اسما لله عز وجل إلا لحسته وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، وأطلع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم على الذى صنع بصيحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبنى، وانطلق يمشى بعصابة من بنى المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل «2» من قريش، فلما رأوهم عامدين جماعتهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التى تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم فوضوعوها بينهم وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطعه بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه حظرا لهلكة قومكم وعشيرتكم.
فقال أبو طالب: ما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى قد أخبرنى ولم يكذبنى أن الله عز وجل برىء من هذه الصحيفة التى في أيديكم، ومحا كل اسم له فيها، وترك فيها عدوكم وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلّمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان ما قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، قالوا: رضينا بالذى تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق الصدوق قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذى قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا «3» وعادوا أشّر مما كانوا عليه من كفرهم والشدة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والقيام بما تعاهدوا عليه، فقال أولئك النفر من بنى عبد المطلب: إن أولى بالكذب غيرنا، فكيف ترون وإنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت «1» والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهى في أيديكم طمس الله ما فيها من اسم له، وما كان من بقى تركه أفنحن السحرة أم أنتم، فقال النفر من بنى عبد مناف وبنى قصى ورجال من قريش، ولدتهم نساء من بنى هاشم، منهم: أبو البخترى، ومطعم بن عدى، وزهير بن أمية بن المغيرة بن زمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عنده وفي رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل.
قال موسى بن عقبة: ولما أفسد الله صحيفة مكرهم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطه فعاشوا وخالطوا الناس «2» .
فانظر- رحمك الله- كيف لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القرابة في النسب وحدها قرابة معتبرة في أحكام الله عز وجل ما لم تقترن بها القرابة الدينية، فإنه كما قد رأينا أخرج بنى أمية من ذى القربى مع كونهم بنى أبيه عبد مناف بن قصى لما كان من عداوتهم له في دين الله تعالى وتكذيبهم لما جاء به من النبوة والرسالة، وكيف جعل بنى المطلب بن عبد مناف من ذى القربى؛ لأجل مسالمتهم له في الجاهلية وتسرعهم إلى مناصرته ومؤازرته وموالاته ومعاضدته، قال الأعشى:
لا تطلبن الرد من متباعد
…
ولا تنامن ذى بغضة إن يقرب
فإن القريب من يقرب نفسه
…
لعمر أبيك لا من تنسب
فإذا أقرب الوسائل المودة وأبعد النسب العقوق، وقد قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
«3» فقاربت ولاية الإسلام بين الغرباء، وتأمل ذلك يظهر لك منه إحداهما:
أن القرابة بقرابة الدين لا بقرابة الطين، والثانية: أن مجرد القرابة ليس بشىء، وقد قيل: أقرب الوسائل المودة وأبعد النسب البغضة، قال القائل:
إن القرابة لا تقرب قاطعا
…
وأرى المودة أكبر الأنساب
ثم إنى أقول: يا عجب، كيف يستحق خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» على أمته شرعا من لم يجعل الله له حقا في سهم ذى القربى، أم كيف يقيم دين الله من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونابذه وكابده وبذل جهده في قتله. وليت بنو أمية الخلافة، عدلوا وأنصفوا، بل حادوا في الحكم «2» وتعسفوا واستأثروا بالفىء «3» كله، وحرموه بنى هاشم جملة، وزادوا في العتو والتعدى حتى قالوا: إنما ذو القربى قرابة الخليفة منهم، حتى قرروا عند أهل الشام أنه لا قرابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يرثونه إلا بنى أمية، فلما قام بالأمر أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس المنعوت بالسفاح «4» ، وقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلائف بنى أمية وأزال دولتهم، دخل عليه مشيخة من أهل الشام فقالوا: والله ما علمنا أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة إلا بنى أمية حتى وليتم، فقال إبراهيم بن مهاجر (شعرا) :
أيها الناس اسمعوا أخيركم
…
عجبا زاد على كل عجب
عجبا من عبد شمس إنهم
…
فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيها زعموا
…
دون عباس وعبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه
…
يحرز الميراث إلا من قرب
وحتى صعد الحجاج بن يوسف يوما أعواد منبره وقال على رؤوس الأشهاد:
أرسولك أفضل من خليفتك، يعرض بأن عبد الملك بن مروان بن الحكم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعه جبّله بن «1» .... قال: لله علىّ أن لا أصلى خلفه أبدا، وأنا رأيت من يجاهده مجاهدة، ولقد اقتدى بعدو الله الحجاج في كفره ابن شقى الحميرى، فإنه قام مجلس هشام بن عبد الملك وقال: أمير المؤمنين خليفة الله وهو أكرم على الله من رسوله، فأنت خليفة ومحمد رسول الله، وحتى أن يوسف ابن عمر عامل هشام قال في خطبته يوم الجمعة: إن أول من فتح للناس باب الفتنة وسفك الدماء على وصاحبه الزنجى- يعنى: عمار بن ياسر رضى الله عنهما، فهكذا كما ترى وإلى الله المشتكى.
وقد خرّج الحاكم من حديث سعيد عن أبى إسحاق عن عمرو ذى مرّ عن على ابن أبى طالب رضى الله عنه في قوله عز وجل: وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
«2» قال: هما الأفجران من قريش وبنى المغيرة، فأما بنو المغيرة فقد قطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين «3» .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وسئل على رضى الله عنه عن بنى أمية وبنى هاشم فقال: هم أكثر وأنكر وأمكر، ونحن أنصح وأصبح وأسمح.
وقال أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا حشرج «4» بن نباته قال: حدثنى سعيد بن
جهمان «1» ، قلت لسفينة «2» : إن بنى أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من أشر ملوك، وأول الملوك: معاوية «3» .
فصل: وما زلت طوال الأعوام الكثيرة أعمل فكرى في هذا وأشباهه على مدة يطول ذكرها، وأذاكر به من أدركت من مشيخة العلم، ومن لقيت من حملة الآثار ونقلة الأخبار، فلا أجد في عمرى سوى رجلين: إما رجل عراه ما عرانى، وساءه ما قد دهانى، فهو يحذو في المقال حذوى ويشكو من الألم شكوى، وإما رجل يرتع في ميدان تقليده ويجول في عرصات تهوره وتفنيده فلا يزيدنى على التهويل والهدر التطويل إلى أن اتضح لى والحمد لله وحده سبب أخذ بنى أمية الخلافة ومنعها بنى هشام؛ وذلك أن أعجب الأمور لا تزال أبدا تالية بصدورها، والأسافل من كل شىء تابعة لأعاليها، وكل أمر كان خافيا إذا انكشف سببه زال التعجب منه، وما بعد على من بعد سبب.
أخذ بنو أمية الخلافة وتقدمهم فيها على بنى هاشم إلا من أجل الإعراض عن الاعتناء بتعرف أوائل ذلك، وقلة البحث عن غوامضه، وأن الشىء لم يوضع في موضعه، وإنما سلك فيه الكافة إلا قليلا مذهب التعصب، والواجب على العاقل بعد معرفة ما خفى عن السبب الإذعان والتسليم وترك الاعتراض.
فماذا بعد الحق إلا الضلال، وذلك أنه لا خلاف بين أئمة الحديث ونقّاد الأخبار وعلماء السير والآثار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى وعامله على مكة أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد «4» بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى الأموى، أحد من أسلم يوم فتح مكة، وأنه لم يزل على مكة منذ فتحها الله على رسوله صلى الله عليه وسلّم
عام ثمان من الهجرة إلى أن توفاه «1» الله عز وجل، فأقر أبو بكر الصديق رضى الله عنه عتابا حتى ماتا في يوم واحد «2» .
وكان صلى الله عليه وسلم قد قسّم اليمن بين خمسة رجال، خالد بن سعيد «3» على صنعاء، والمهاجر بن أمية «4» على جنده، وزياد بن لبيد على حضر موت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبو موسى الأشعرى على زبيد ورمع وعدن، وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنعاء اليمن كما تقدم: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، بعثه صلى الله عليه وسلم إليها سنة عشر من الهجرة فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالد على اليمن، وكان أبان بن سعيد بن العاص «5» ابن أمية على البحرين: برّها وبحرها منذ عزل العلاء بن الحضرمى «6» حليف بنى أمية، وقيل: بل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلاء على البحرين، وكان عمرو بن سعيد ابن العاص بن أمية على تيماء وخيبر وتبوك وفدك،
فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع خالد بن سعيد وأبان وعمرو عن عمالتهم، فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: ما لكم رجعتم عن عمالتكم، ما أحد أحق بالعمل من عمّال رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بنو أبى حيحة «1» لا نعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، ثم مضوا إلى الشام وقاتلوا فقتلوا في مغازيها «2» ، ويقال: ما فتحت بالشام كورة «3» من كور الشام إلا وجد عندها رجل من بنى سعيد ابن العاص ميتا، وكان أبو سفيان بن حرب بن أمية على نجران، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها، وقيل: بل كان على نجران لما توّفى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن حزم ابن زيد بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك ابن النجار الأنصارى «4» . وروى الواقدى «5» ، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأربعة من بنى أمية عمّاله: عتاب بن أسيد على مكة، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وخالد ابن سعيد على صنعاء، وأبو سفيان بن حرب على نجران «6» .
قال الواقدى: أصحابنا يجمعون على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وأبو سفيان حاضر، وقال ابن الكلبى «7» : كان أبو سفيان غائبا، فلما قدم قال: كيف رضيتم يا بنى عبد مناف أن يلى أمركم غيركم «8» ، وقوم يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولّى
أبا سفيان صدقات خولان ونخلة، وولى يزيد بن أبى سفيان «1» على نجران، والله أعلم.
وكان حرش سعيد بن القشب الأسدى حليف بنى أمية فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها، وكان المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم المخزومى أخو أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها صدقات كنده والصدف، ثم ولاه أبو بكر الصديق رضى الله عنه اليمن، وكان عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد ابن سهم السهمى «2» حين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمان بعدما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم على سريّة نحو الشام إلى إخوال أبيه العاص بن وائل من بلىّ يدعوهم إلى الإسلام ويستفزهم إلى الجهاد، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بجليس فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه فصلوا خلفه، ثم عمل عمرو بن العاص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما. وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص «3» بن بشر بن عبد دهمان الثقفى، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسس هذا الأساس وأظهر بنى أمية لجميع الناس بتوليهم أعماله «4» فيما فتح الله عليه من البلاد كيف لا يقوى ظنهم
ولا ينبسط رجاهم، ولا يمتد في الولاية أملهم، أم كيف لا يضعف أمل بنى هاشم، وينقبض رجاهم ويقصر أملهم، وكبيرهم العباس بن عبد المطلب وابن أخيه على بن أبى طالب رضى الله عنهما، يريد أحدهما استعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته عن هذا الأمر هل هو فيهم أم في غيرهم، ويأبى الآخر ذلك كما خرّج البخارى من حديث الزهرى قال:«أخبرنى عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى أن عبد الله بن عباس رضى الله عنه، أخبره أن على بن أبى طالب رضى الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذى توفى فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده العباس بن المطلب رضى الله عنه وقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا «1» ، وإنى لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوفى في وجعه هذا، إنى لأعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله في من هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا، فقال على: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإنى والله لا أسألها من رسول الله صلى الله عليه وسلم» «2» ، رواه محمد بن إسحاق عن الزهرى، إلا أنه لم يذكر ما قال في العصا، وزاد في آخره: فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم «3» ، وفي رواية: وخلا العباس بعلى رضى الله عنهما، فقال له: هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى غيرك بشىء؟ فقال على: اللهم لا. خرج العباس على بغله حتى أتى عسكر أسامة بن زيد، فلقى أبا بكر وعمر وغيرهما فقال: هل أوصاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء؟ قالوا: لا، فرجع إلى على فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبوض فامدد يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعك أهل بيتك، فإن مثل هذا الأمر لا يؤخر، فقال: يرحمك الله، ومن يطلب هذا الأمر غيرنا يا عم؟! وفي رواية أن العباس قال لعلى رضى الله عنهما: هلم يدك أبايعك. فقال:
إن لى برسول الله شغلا، ومن ذاك الذى ينازعنا في هذا الأمر؟! «1» ، ورواية البخارى أثبت «2» .
وقال ابن سعد «3» : أنبأنا محمد بن عمر، حدثنى محمد بن عبد الله بن أخى الزهرى، يقول: حدثتنى فاطمة بنت الحسن، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس يا على: قم حتى أبايعك ومن حضر، فإن هذا الأمر إذا كان لم يرد مثله والأمر في أيدينا، فقال علّى: وأحد يطمع فيه غيرنا؟! فقال العباس: أظن والله سيكون. فلما بويع لأبى بكر رضى الله عنه ورجعوا إلى المسجد سمع علىّ التكبير فقال: ما هذا؟ فقال العباس: ما ورد مثل هذا قط، هذا ما دعوتك إليه فأبيت. قال على: أيكون هذا؟ فقال العباس: ما ورد «4» مثل هذا قطّ «5» .
وقال محمد بن عمر، قد خرج أبو بكر رضى الله عنه من عند النبى صلى الله عليه وسلم حين توفى، وتخلّف عنده علىّ والعباس، هذه المقالة خرّجها عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى بمعناه «6» .
قال عبد الرزاق: وكان معمر يقول لنا: أيهما كان أصوب عندكم رأيا؟
فنقول: العباس، فيأبى، ثم قال: لو أن عليا سأله عنها فأعطاه أياها فمنعه الناس كانوا قد كفروا، قال عبد الرزاق: فحدثنا به ابن عيينة فقال: قال الشعبى: لو أن عليا سأله عنها كان خيرا له من ماله وولده «7» .
وروى إسماعيل بن [أبى]«8» خالد «9» ............... ............... ....
عن الشعبى «1» قال: قال العباس لعلى رضى الله عنهما حين مرض النبى صلى الله عليه وسلم:
إنى أكاد أعرف في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت، فانطلق بنا إليه نسأله من يستخلف منا آنذاك، وإلا أوصى بنا، فقال على للعباس كلمة فيها جفاء، فلما قبض النبى صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلى: ابسط يدك فلنبايعك، فقبض يده، قال الشعبى: لو أن عليا أطاع العباس كان خيرا من حمر النعم «2» ، وقد رويت مع هذا الحديث أحاديث أخر إن كانت صحيحة فلا سبيل إلى ردها، وإن كانت «3» مفتعلة فقد صارت داعية إلى هذا الأمر الذى وقع النزاع [فيه]«4» وطال الخصام عليه.
منها: ما رواه ابن الكلبى عن الحكم بن هشام الثقفى قال: مات عبيد الله بن جحش عن أم حبيبة بنت أبى سفيان، وكانت معه بأرض الحبشة فخطبها النبى صلى الله عليه وسلم إلى النجاشى فدعا القرشيين، فقال: من أولادكم بأمر هذه المرأة؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص: أنا أولاهم بها. قال «5» : فزوج نبيكم. قال: فزوجه ومهر عنه النجاشى أربعمائة دينار.
وحملت إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومعهما الحكم بن أبي العباس فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يكثر النظر إليه، فقيل: يا رسول الله إنك لتكثر النظر إلى هذا الشاب، فقال: أليس ابن المخزومية؟ قالوا: بلى! قال: إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم، وكان مروان بن الحكم إذا جرى بينه وبين معاوية بن أبى سفيان كلام قال لمعاوية:
إنى والله لأبو عشيرة وأخو عشيرة وما بقى ألا عشرة حتى يكون إلا فيّ، فيقول معاوية. أخذها والله من عين صافية. فهذا الحديث كما نسمع «6» .
وقد روى أبو بكر بن أبى شيبة من حديث عبد الملك بن عمير «1» قال: قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة مذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ملكت يا معاوية فأحسن «2» ، وقال وكيع: ثنا الأعمش عن أبى صالح قال: كان الحادى يحدو بعثمان رضى الله عنه ويقول: إن الأمير بعده علىّ، وفي الزبير خلف. فقال كعب الأحبار: بل هو صاحب البغلة الشهباء «3» يعنى معاوية، فلقاه فقال: يا أبا إسحاق ما يقول هذا وهاهنا علىّ والزبير وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: أنت صاحبها «4» .
وقد جاء من طرق عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في النوم بنى الحكم أو بنى أبي العاص وآخرون على منبرى كما تتروا القردة قال: فما رؤى النبى صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفى «5» .
وعن سعيد بن المسيب قال: رأى النبى صلى الله عليه وسلم بنى أمية على منابرهم فساءه ذلك، فأوحى إليه إنما هى دنيا هى دنيا اعطوها فقّرت عينه، وهى قوله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
«6» يعنى: بلاء للناس «7» .
وقد روى أن رجلا قام إلى الحسن بن على رضى الله عنهما فقال: يا مسوّد وجه المؤمنين. فقال: لا تؤنبنى، رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى بنى أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
«1» والكوثر نهر في الجنة؛ ونزلت إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
«2» يعنى تملّك بنو أمية فحسب ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص «3» .
وعن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا «4» وعباد الله خولا «5» ومال الله دولا «6» » «7» .
قال الزبير بن بكار: قال عمى مصعب عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة أو غير عبد الله واحد، ثنيه محمد بن الضحاك الخزامى عن أبيه أن عمرو بن عثمان بن عفان اشتكى، وكان العوّاد يدخلون عليه فيخرجون ويتخلف مروان بن الحكم عنده فيطيل، فأنكرت رملة بنت معاوية ذلك- وهي امرأة عمرو بن عثمان فخرقت كوّة واستمعت على مروان فإذا هو يقول لعمرو: ما أخذ هؤلاء الخلافة إلا باسم أبيك فما يمنعك أن تنهض بحقك، فنحن أكثر منهم رجالا، منا فلان ومنهم
فلان، ومنا فلان ومنهم فلان، حتى عدّد رجالا ثم قال: ومنا فلان وهو فضل وفلان وهو فضل وفلان وهو فضل، حتى يعدد فضول رجال بنى أبي العاص على بنى حرب، فلما برأ عمرو وتجهز للحج وتجهزت رملة في جهازه، فلما تجهز وخرج عمرو إلى الحج فخرجت رملة إلى أبيها فقدمت عليه الشام، فقال لها معاوية: واسوأتاه وما للحرّة تطلق! طلقك عمرو؟ فأخبرته الخبر، وقالت: وما زال يعد رجال بنى أبي العاصى على بنى حرب حتى ابنى عثمان وخالد ابنى عمرو، فتمنيت أنهما ماتا، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم (شعرا) :
أواضع رجل فوق أخرى تعدّنا
…
عديد الحصى ما إن تزال تكاثر
وأمكم تزخر توما لبعلها
…
وأم أخيكم نزره الولد عاقر
واشهد يا مروان أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا، ودين الله دخلا، وعباد الله خولا، فكتب إليه مروان: أما بعد يا معاوية، فإنى أبو عشرة وعم عشرة والسلام «1» .
وروى عن معاوية أنه قال لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: أنشدك الله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا- يعنى: مروان بن الحكم، فقال: أبو الجبابرة الأربعة، فقال ابن عباس: اللهم نعم «2» .
وقد اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في ولاية الأعمال: أبو بكر الصديق رضى الله عنه فإنه لما استخلف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب قطع رضى الله عنه البعوث، وعقد أحد عشر لواء «3» على أحد عشر جندا، فعقد لخالد بن الوليد «4» المخزومى
وبعثه لقتال طلحة بن خويلد الأسدى، ثم مالك بن نويرة، وعقد لعكرمة بن أبى جهل «1» المخزومى، وبعثه لقتال مسيلمة بن ثمامة بن المطرح بن ربيعة بن الحارث «2» ، وعقد للمهاجر ابن أبى أمية المخزومى وبعثه لقتال جنود الأسود بن كعب بن عوف العنسى ومعونة الأبناء على قيس «3» بن المكشوح، وعقد الخالد بن سعيد بن العاص ابن أمية وبعثه إلى مشارف الشام، وعقد لعمرو بن العاص وبعثه إلى قضاعة، وعقد لحذيفة بن محصن العلقانى- من علقان- ابن شرحبيل بن عمرو بن مالك بن يزيد بن ذى الكلاع وبعثه إلى «دبا» وهى مدينة قديمة من مدن عمان، وعقد لعرفجة بن هرثمة وبعثه إلى مهرة، وبعث شرحبيل بن حسنة «4» فى أثر عكرمة بن أبى جهل، فإذا فرغ باليمامة لحق بقضاعة، وعقد لطرفة بن حاجب «5» وبعثه إلى بنى سليم ومن معهم من هوازن، وعقد لسويد بن مقرن بن عائد المزنى «6» ، وبعثه إلى عامل تهامة اليمن، وعقد للعلاء بن الحضرمى وبعثه إلى البحرين، فلحق كل أمير بجنده حتى انقضت حروب الردة، فبعث أبو بكر رضى الله عنه خالد بن الوليد لفتح العراق وأردفه بغيلان بن غنم بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال ابن وهب الفهرى وأمدها بالقعقاع بن عمرو، ووجه الجنود إلى الشام، فبعث خالد ابن سعيد بن العاص وأردفه بذى الكلاع، وعكرمة بن أبى جهل، وعمرو بن
العاص، والوليد بن عتبة، وعقد ليزيد بن أبى سفيان بن حرب على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه، وجهزه عوضا عن خالد بن الوليد، وعقد لأبى عبيدة ابن الجراح «1» وبعثه إلى حمص، وأمد يزيد بن أبى سفيان بأخيه معاوية بن أبى سفيان ومعه جيش، فنزل أبو عبيدة الجابية، وترك يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة الأردن، وقيل: بصرى، ونزل عمرو بن العاص القربات. ولما مات أبو بكر رضى الله عنه واستخلف من بعده عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كانت عماله على مكة:
نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص بن أمية ثم سفيان بن عبد الله الثقفى «2» ، وعلى اليمن: يعلى بن منية «3» ، وعلى عمان واليمامة:
حذيفة بن محصن، وعلى البحرين: العلاء بن الحضرمى، ثم عثمان بن أبى العاص، وعلى الكوفة: سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، ثم المغيرة بن أبى شعبة «4» رضى الله عنه، ثم عمار ابن ياسر «5» رضى الله عنه، ثم أبو موسى الأشعرى «6» رضى