الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: الدّبر، للزنابير، وهو المشهور. فإنّ حمى الدّبر «1» ، إنما حمته الزنابير، لا النّحل.
وقيل: الخشرم: ذكر النّحل.
ويقال للجماعة من النحل: الثّول «2» ، ولا واحد له، ويقال لها:
الأوب «3» ، واحدها آيب. وتسمى أيضا: نوبا، واحدها: نائب، وقيل: النّوب من النحل التى فيها سواد.
وقال ابن قتيبة: «يقال لجماعة النّحل: دبر، وثول، وخشرم، ولا واحد لشىء من هذا» .
ومن النّحل: سود، وهى أصغر من الصّفر. والصّفر أكبر من السّود.
والنحل تلد من غير لقاح الذكور، وتتّخذ بيوتها مسدّسة.
وهو حيوان فهيم، فيه كيس «4» ، وشجاعة، ونظر في العواقب، ومعرفة بفصول السنة، وأوقات المطر، وتدبير المنزل، والطاعة الكبيرة، والاستكانة لأميره وقائده «5» .
[فصل في بيان أصناف النحل]
(فصل) النحل تسعة أصناف: منه ستّة يأوى بعضها إلى بعض، وهى تقسّم الأعمال
بينها، فمنها ما يبنى بالشّمع، ومنها ما يأتى بالعسل، ويمجّه في أبيات الشّهد، ومنها ما يأتى بالماء فيمدّ العسل به.
وهى في ألوانها ثلاثة أصناف: غبر وهى أصغرها، وسود وهى أوسطها، وصفر وهى أعظمها.
والنحل والنّمل: أكسب الحيوان كلّه، وأدأبه على عمله. والنحلة الكريمة تكون صغيرة مستديرة مختلفة اللّون؛ والنّحل المستطيل غير كريم، ولا عمول، ولا متقن لما يعمل؛ والنحل الصّغار يخرج تلك الطوال من أبياتها، وتطردها؛ وإذا قويت النّحل على ذلك فهو منتهى كرم النّحل.
والنحل الصّغير عمّال، وهى سود الألوان كأنها محترقة.
فأما النحل الصّافى النقى فإنها تشبّه بالنساء البّطالات التى لا تعتملن؛ والنحل تخرج ما كان بطّالا، وما لا يشفق على العسل.
والنحل التى تسرح في الجبال أصغر من نحل السّهل، وأكثر عملا، وقد جعل الله تعالى في النحل: الملك المطاع، يقال له: اليعسوب «1» ، يتوارث الملك عن آبائه وأجداده، لأن اليعاسيب لا تلد إلا اليعاسيب.
فاليعاسيب هى ملوكها، وقاداتها، وعليها تأتلف «2» النّحل، وتستقيم أمورها، وتنتقل حيث انتقل، وتقيم حيث يقيم، فاليعسوب فيها كالأمير المطاع.
ومن العجب: أنّ اليعسوب لا يخرج من الكور «3» ، ولا يذهب لرعى؛ لأنه إن خرج خرج معه جميع النّحل، فيقف العمل؛ ومتى عجز الواحد منها عن الطيران حملته النحل حملا.
وإن هلك يعسوب الخلية، أقامت النحل بعده متعطلة لا تبنى ولا تعسل،
وأكتأبت لذلك، وجعلت تطير مع وجه الأرض في التراب! فيعلم أنه قد مات اليعسوب، فتطلب يعسوبا آخر، فتأتى به فتجعله في تلك الخليّة، فتراجع النحل عملها.
فإن لم تقم لها يعسوبا فإنها تهلك عاجلا.
وجثة اليعسوب: مثل جثة نحلتين، وهو يأمرهم بالعمل، ويرتب على كل واحد ما يليق، فيأمر بعضها ببناء البيت، وبعضها بعمل العسل، ومن لا يحسن العمل يخرجه من الكور، ولا يتركه مع النحل فيبطّلهم، وينصّب بوابا على باب البيت ليمنع دخول ما وقع من النّحل على شىء من القاذورات.
واليعسوب إذا همّ بالخروج طنّ قبله بيوم أو يومين ليعلم الفراخ ما همّ به فتستعدّ له.
وأجناس النّحل كثيرة: فأما اليعاسيب فهى جنسان: أحدهما أحمر اللون وهو أفضل اليعاسيب، والآخر أسود مختلف اللون؛ ومنها ما تكون جثته مثل جثة أربع نحلات؛ وله حمة «1» ؛ وهو أسود النصف المقدّم، أحمر النصف المؤخر، وإنما كان أكثر من واحد صار مع كل يعسوب طائفة من النّحل؛ وإذا خرج اليعسوب من الخلية تبعته النحل كلها.
وإذا كان اليعسوب عظيما سمّى جحلا «2» بتقديم الجيم على الحاء.
وملوك النّحل لا تلذع، ولا تغضب لأنّ اليعسوب حليم جدا.
وإن في هذا القدر لعبرة؛ لأن هذا لو كان في واحد من عقلاء الإنس، الذين فضّلوا على جميع الحيوان؛ لكان ذلك عجبا؛ ولذلك قال الله تعالى بعدما قصّ علينا ما ألهمه هذا الحيوان على ضعفه
…
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*
«3» أى يعتبرون بما قد ألهمه «4» النحل من لطيف الصنعة، ودقّة الحيلة، مع ضعف
البنية.
ولذلك زعم بعض العلماء المتقدمين: «أن النحل أشبه الحيوان في تدبير أمرها بالإنسان» ثم قال: «أمرهنّ شبيه بأمير يسوس المدائن الكثيرة الأهل» .
والنحل تبنى لملوكها بيوتا على حدة تكون فيها؛ وكذلك تبنى لذكورها. وزعم بعضهم أن الذكور تنفرد ببناء بيوتها، والذكور لا تعمل شيئا، والعمل للإناث، وهى تقوّت ملوكها وذكورها. وليس للنّحل أقوات إلّا العسل.
والذّكور لا تكاد تخرج إلا إذا أحبّت أن تحرك أبدانها لتخفّ، فإنها حينئذ تخرج بأجمعها، فترتفع في الهواء فتدوّى، ثم ترجع، فتدخل الخليّة.
وإذا كان الزّمان جدبا، وقلّ العسل، قتلت النحل ذكورها، وكثيرا ما يهرب النحل الذّكور إذا أحسّت بذلك، فترى واقعة على ظهور الخلايا خارجا، وهذا شاهد على ما ذكروا من شحّ النحل على العسل وشفقتها عليه، والحرص على الادّخار، والأخذ بالوثيقة عند سوء الظنّ، مع طيب النفس، والسلس «1» عند رخاء البال، وإمكان الكسب، وإن هذا لخلق عجيب، وفهم لطيف.
وكذلك ما ذكروا من طردها ذوات البطالة منها، الكسالى، المتكلة على كسب غيرها، والمعوّلة على ذخائر سواها؛ ولو أننا استعملنا مثل هذا التدبير في كسالانا كان أحزم لنا وأنفع لهم.
ومن الشاهد على أنها لأنفسها ادّخرت ما في بيوتها، وما جمعت من كدّها لا لغير ذلك، شدّة شحّها عليه، وضنّها به، وذبّها عنه، وولهها إذا عرض له، وإلقاؤها أنفسها في المهالك، فإنها تقاتل كل شىء عرض لذخائرها، ثم لا تهرب منه- كائنا ما كان- إلا ما كان من أمثالها من النّحل؛ فإنه ربما أراد بعضها الغارة على بعض، فاقتتلت حتى يقتل بعضها بعضا، أو يهزمه، فيهرب المقهور منها- حينئذ- ويسلم حوزته.
قال ابن سينا «1» : «وقد قاتل النحل نحلا غريبا زاحمها في الخليّة وكان رجل يعين النحل الأهلىّ فلم تلسعه البتة» «2» .
والنحل إذا قويت على شىء لسعته أبدا حتى يموت أو يهرب، ولذلك احتالت الشارة لها بالدّخان حتى جلوها به، ووصلوا إلى العسل.
قال أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا في كتابه (الشفاء) : «وإذا لدغت النحلة حيوانا وخلّفت الإبرة فيه ماتت؛ وربما قتلت النحلة من تخلّف فيه الإبرة، وقد قتلت فرسا» قال: «وقد أخبرت بقرية فيها خلايا النّحل، أنهم غزوا مرة، وكاد الأكراد ينهبونهم، فسلّطوا عليهم النحل، فهزمت النحل أولئك الأكراد لسعا لهم، ولدوابّهم» «3» .
والنّحل إذا لسعت شيئا، فنشبت حمتها فيه لم تستطع رجع حمتها فتنصل، فإذا نصلت حمتها ماتت.
والحماة: الشّعر في أذنابها، التى بها تلسع؛ وهى إذا شاءت أخرجتها، وإذا شاءت ردتها.
وإنّما الحمة في العربيّة: السمّ، إلّا أنّ العامة تسمّى ذلك الشّعر حماة.
قال ابن سينا: «لا يبعد أن تكون إبرة النّحلة- مع أنها سلاح- نافعة في إحالة جوهر الرّطوبات إلى العسلية، بأن تأتيها وترسل فيها قوة ما» «4» .
وإذا دخّن عليها، فأحسّت بأنّه يوخذ ما في بيوتها من العسل بادرت إلى أكله، فتأكله أكلا ذريعا، حتّى لو أمكنها استنفاده لفعلت.
وفي ذكور النّحل صنف تخاتل «5» ، فتدخل في بيوتها، فتأكل العسل، وتسمّى
«اللصوص» ، فإذا قدرت النحل عليها، أو ظفرت بها في مثاويها «1» قتلتها. ولا تخلو مثاويها- إذا سرحت- من حفظة منها تكون فيها.
وإذا كان النحل كريما لم يترك في الخلية هامّة «2» تضر بالشّهد إلا قتلها أو أخرجها؛ وأما غير الكريم فإنّه يتوانى، ويتغافل ويترك أعماله تفسد، وتهلك.
ويعرض للخلية من بطالة النحل وتهاونها رائحة منتنة جدّا، فتفسد.
وجنس النحل ألطف أجناس الحيوان كلها، ولذلك تكره كلّ رعى يكون منتنا، أو زهم «3» الرائحة؛ ولا تقرب الأنتان والأقذار، وتكره أيضا الروائح الزهمة، والأدهان، وإن كانت عطرة، وتلسع المتدهّن إذا دنا منها.
وتوافقها الأصوات اللذيذة المطربة، ولا يضررن بشىء من معايش الناس.
والنحل يحب الصّعتر «4» ، وأجوده الأبيض.
والنحل تستتر عن الريح، وتشرب الماء الصّافى، ولا تشرب إلا بعد إلقاء التّفل.
والنحلة ذبابة ذات حمة، وألسنة.
وبهذا العضو توصّل جميع أجناس الأذية إلى غيرها، وبه توصّل أيضا الطّعم إلى أجوافها، لأن طعمها ليس سوى الرّطوبات؛ فبهذا العضو تمتصّها، ثم تردّ ألسنتها تلك في أوعيتها من أفواهها؛ وسمّيت ألسنة؛ وليست بألسنة، ولا خراطيم، ولكنّها بالألسنة أشبه.
وإذا ترشّفت النحل تلك الحلاوة من الأزهار، والأنوار، فجمعتها في صدورها، أقبلت إلى الشهد فأتاعته- أى: أفرغته، فى نخاريبه، والنخاريب «5» :
بالنون قبل الخاء المعجمة: الثقب المهيّأة من الشمع، وبالتاء المثناة من فوق: خروق كبيوت الزنابير.
والنّحلة إذا وقعت على ضرب من الزّهر فلم تكتف بما جرست «1» منه انتقلت إلى مثله من جنسه، ولم تنتقل إلى جنس آخر، إلى أن تراجع الخليّة فتمج ما استوعبت، ثم تعود إلى الرعى، فإذا امتلأت بيوت الشّهد من العسل ختمت على تلك النّخاريب بغطاء رقيق من الشمع، حتى يكون الشمع محيطا بها من جميع جوانبها، كأنّها رأس البرنيّة «2» مسدودة بالقراطيس، لينضج العسل، فإنها إن لم تفعل ذلك فسد الشّهد وتولد فيه دود يسمى «العنكوبت» فإن قويت على تنقيته منها، سلم الشّهد، وإلا فسد كله.
وإذا أزهرت الأعشاب عملت النحل الشمع؛ ولذلك ينبغى أن يؤخذ بعض الشمع في ذلك الإبّان، إن احتيج إليه، فإنها تعيده من ساعته.
والنحل تعمل في العسل في زمانين: فى الربيع، والخريف، والربيع أجوده وأكثره.
وهى تجىء إلى بيوتها بشىء آخر، ليس بشمع، ولا عسل، ولكن بينهما، كأنه خبيص «3» يابس، فيه بعض اللين، إذا غمزته تفرّق، وليس بشديد الحلاوة، ولا عذب، يشبّه القدماء حلاوته بحلاوة التّين، تجىء به النحل كما تجىء بالشمع، وتحمله على أعضادها، وسوقها.
والعرب تسمّيه: «الإكبر» «4» - بكسر الباء وضمها- وهو «الموم» «5» ؛ ويقال فيه: «العكبر» «6» ؛ فترى النّحلة تطير، وذلك العكبر متعلق منها،
فتجعله في نخاريب الشّهد مكان العسل، ولا تكثر النحل منه إلا في السّنة المجدبة، وأكثر ما تأتى بالعكبر من السّدر «1» ، والناس يأكلونه كما يؤكل الخبز فيشبع، ويحملونه في المزاود «2» إذا سافروا، وهو مفسد للعسل؛ والنّحل تأكله إذا لم تجد غيره.
والنحل تشرب من الماء ما كان صافيا عذبا، وتطلبه حيث كان، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، فإذا قل العسل في الخلية قرنه بالماء ليكثر؛ خوفا على نفسه من نفاده.
وللنحل نجو «3» ، وأكثر ما تقذف إذا كانت تطير في دفعات؛ لأن في زبلها نتنا، وهى تكره النتن؛ فإذا أنجت في الخلية أنجت في موضع معتزل لا يختلط ببنيانها، ولا يفسد من عسلها شيئا.
وإذا امتلأت نخاريب الشهد عسلا ختمتها، وتختم أيضا ما يكون فيه فراخها من النخاريب بأرقّ الشمع.
والختم: أن تسدّ أفواه النخاريب بشمع رقيق، ليكون الشمع محيطا بالعسل فى كل وجه، وربما لطّخ الختام- بعد الفراغ منه- بشىء أسود شديد السّواد، حريف الرّيح، شبيه بالشمع، وهو من الأدوية الكبار للضّرب «4» ، والجروح، ويسمى بالفارسية:«مياى» ، وهو عزيز قليل.
ومن خاصيته أنه يجذب الشوك والنصول، ويقال: من استصحبه أورثه الغم، ومنعه الاحتلام.
والنحل تحسّ بالبرد والمطر، وعلامة ذلك لزومها الخليّة. وفي لطف إحساس كثير من الحيوان عجب عجيب، وإن في ذلك لعبرة لأولى الألباب، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
«5» .