المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(2) باب الشفاعة في الحدود - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٨

[الطيبي]

الفصل: ‌(2) باب الشفاعة في الحدود

3609 -

وعن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر)) قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: ((كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف)) – يعني القبر – قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((عليك بالصبر)) قال حماد ابن أبي سليمان: تقطع يد النباش؛ لأنه دخل علي الميت بيته. رواه أبو داود.

(2) باب الشفاعة في الحدود

الفصل الأول

3610 -

عن عائشة [رضي الله عنها]، أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتشفع في حد من حدود الله؟)) ثم قام فاختطب، ثم قال: ((إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله،

ــ

المسامحة فيه، ولو صدر ذلك عن بضعة منى لقطعتها، وكأنه صلى الله عليه وسلم لمح إلي قوله تعالي:{ولا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} .

الحديث الثالث عن أبي ذر: قوله: ((بالوصيف)) ((نه)): الوصيف العبد والأمة وصيفة وجمعهما وصفاء ووصائف يريد أنه يكثر الموت، حتى يصير موضع قبر يشتري بعبد من كثرة الموتى، وقبر الميت بيته – انتهي كلامه. واستدل حماد بتسمية القبر البيت علي أن القبر حرز للميت فتقطع يد النباش. وقوله ((بيته)) يجوز أن يكون مجروراً علي البدل من ((الميت))، ومنصوباً علي التفسير والتمييز كقوله تعالي:{ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أو علي تقدير ((أعنى)) والله أعلم.

باب الشفاعة في الحدود

الفصل الأول

الحديث الأول عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((أهمهم)) ((تو)): يقال: أهمني الأمر إذا أقلقك وأحزنك، والمرأة المخزومية هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة، وإنما ضرب المثل بفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت أعز أهله عليه ثم لأنها كانت سمية

ص: 2536

لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم ذكر الحديث بنحو ما تقدم.

الفصل الثاني

3611 -

عن عبد الله بن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله. ومن خاصم في باطل وهو يعلمه؛ لم يزل في سخط الله تعالي حتى ينزع. ومن قال في مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال)). رواه أحمد، وأبو داود. وفي رواية للبيهقي في

ــ

لها. قوله: ((ومن يجترئ عليه إلا أسامة)) عطف علي محذوف أي لا يجترئ عليه منا أحد لمهابته، ولما لا تأخذه في دين الله رأفة، وما يجترئ عليه إلا أسامة.

((مح)): معنى يجترئ يتجاسر عليه بطريق الإدلال، وهذه منقبة ظاهرة لأسامة. وقوله:((تستعير المتاع)) المراد أنها قطعت بالسرقة، وإنما ذكرت العارية تعريفاً لها لا لأنها سبب القطع. وإنما لم تذكر السرقة في هذه الرواية؛ لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الإخبار عن السرقة.

قال الجمهور: لا قطع علي من جحد العارية، وقال أحمد وإسحاق: يجب القطع في ذلك، وقد أجمعوا علي تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلي الإمام لهذا الحديث، وعلي أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل البلوغ فقد أجاز فيها أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، وأما المعاصي التي يجب فيها التعزيز فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون، بل هي مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((من حالت شفاعته دون حد)) أي قدامه فيحجز عن الحد بعد وجوبه عليه بأن بلغ الإمام، وإنما قال:((فقد ضاد الله)) لأن حدود الله حماه ومن استباح حمى الله وتعدى طوره، ونازع الله تعالي فيما حماه فقد ضاد الله. قوله:((ردغة الخبال)) ((نه)): جاء تفسيرها في الحديث أنها عصارة أهل النار، والردغة – بسكون الدال وفتحها – طين ووحل كثير، ويجمع علي ردغ ورداغ. والخبال في الأصل الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول. ((قض)): وخروجه مما قال أن يتوب عنه ويستحل من المقول فيه.

ص: 2537

((شعب الإيمان)): ((من أعان علي خصومة لا يدري أحق أم باطل؛ فهو في سخط الله حتى ينزع)).

3612 -

وعن أبي أمية المخزومي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلص قد اعترف اعترافاً، ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما إخالك سرقت)). قال: بلي، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يعترف، فأمر به فقطع، وجيء به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((استغفر الله، وتب إليه)). فقال: استغفر الله، وأتوب إليه، فقال رسول الله

ــ

((شف)): ويجوز أن يكون المعنى أسكنه الله ردغة الخبال ما لم يخرج من إثم ما قال، فإذا خرج من إثمه أي إذا استوفي عقوبة إثمه لم يسكنه الله ردغة الخبال، بل ينجيه الله تعالي منه ويتركه.

أقول: ((حتى)) علي ما ذهب إليه القاضي غاية فعل المغتاب، فيكون في الدنيا فيجب التأويل في قوله:((أسكنه الله ردغة الخبال)) بسخط الله تعالي وغضبه الذي هو سبب في إسكانه ردغة الخبال، يؤيده القرينة السابقة واللاحقة؛ لأن النزع في القرينة الأولي مفسر بترك الخصومة الباطلة، وعلي هذا في الثالثة، والحيلولة بالشفاعة أعظمها؛ لأنها مضادة الله تعالي ولم يذكر فيه النزع. ثم الاغتياب لوضع المسبب موضع السبب تصويراً لتهجن أمر المغتاب، وكأنه فيها الآن. – والله أعلم.

الحديث الثاني عن أبي أمية: قوله: ((ما إخالك سرقت)) ((قض)): إخال من خال يخال إذا ظن. والعرب يكسرون الهمزة فيه غير بني أسد، فإنهم يفتحونها علي القياس، وبهذا الحديث يستشهد علي أن للإمام أن يعرض للسارق بالرجوع، فإن رجع بعد الاعتراف قبل الحكم لا يسقط الحد كما في الزنا، وهو أصح القولين المحكيين عن الشافعي رضي الله عنه.

ولمن زعم أن السرقة لا تثبت بالإقرار مرة واحدة – كأحمد وأبي يوسف وزفر – أن يتمسك به أيضاً؛ لأنه لو ثبت بإقراره الأول لوجب عليه إقامة الحد ويحرم تلقينه بالرجوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر: ((تعافوا في الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)). وجوابه أنه صلى الله عليه وسلم إنما لقنه لما رأي أن له مخرجاً عنه بالرجوع، وقد قال صلى الله عليه وسلم:((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرجاً فخلوا سبيله)) وإنما لم يجب حيث لم يكن له مخرج.

((خط)): وجه قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما إخالك سرقت)) عندي أنه ظن بالمعترف غفلة عن السرقة وأحكامها أو لم يعرف معناها، فأحب أن يتبين ذلك منه يقيناً، وقد نقل تلقين السارق عن جماعة من الصحابة. أقول: ويمكن أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم ظن ما ظن لما اعترف الرجل ذلك الاعتراف، والحال أنه لم يوجد معه متاع أي متاع ما، فإن هذه الإمارة كافية في الظن بالخير بالمسلمين.

ص: 2538