الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3744 -
وفي رواية رزين، عن نافع، أن ابن عمر قال لعثمان: يا أمير المؤمنين! لا أقضي بين رجلين. قال: فإن أباك كان يقضي. فقال: إن أبي لو أشكل عليه شيء سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أشكل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سأل جبريل عليه السلام، وإني لا أجد من أسأله، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من عاذ بالله، فقد عاذ بعظيم)) وسمعته يقول: ((من عاذ بالله؛ فأعيذوه)). وإني أعوذ بالله أن تجعلني قاضيا فأعفاه، وقال: لا تخبر أحد. [3744]
(3) باب رزق الولاة وهداياهم
الفصل الأول
3745 -
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيكم ولا أمنعكم، أنا قاسم أضع حيث أمرت)) رواه البخاري
ــ
جوابه. يقال: فلان حري بكذا أو حر بكذا بالحري أن يكون كذا، أي جدير وخليق. قيل:((حري)) إن كان اسم فاعل يكون مبتدأ خبره ((أن ينقلب)) والباء زائدة نحو بحسبك درهم، أي الخليق والجدير كونه منقلبا منه كفانا. وإن جعلته مصدرا، فهو خبر والمبتدأ ما بعده، والباء متعلق بمحذوف أي كونه منقلبا ثابت بالاستحقاق.
قوله
ك ((كفافا)) ((مظ)): الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو نصب علي الحال. وقيل: أراد مكفوفا عنه شره. وقيل: معناه أن لا ينال من القضاء ولا ينال منه أي يكف هو من القضاء ويكف القضاء عنه.
أقول: يعني أن من تولي القضاء واجتهد في تحري الحق، واستفرغ جهده فيه، حقيق أن لا يثاب ولا يعاقب، فإذا كان كذلك فأي فائدة في توليه؟ وفي معناه أنشد:
علي أنني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولا ليا
وقوله: ((فما راجعه)) أي فما رد عليه الكلام وما رجع إلي ما طلب منه. والله أعلم.
باب رزق الولاة وهداياهم
وهو من إضافة المصدر إلي الفاعل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من استعملناه علي عمل فرزقناه رزقا)) والرزق ما يعطى الأجناد من بيت المال. المغرب: الفرق بين الرزق والعطاء أن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين، والرزق ما يخرج له كل شهر.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أنا قاسم)) جملة مبينة للكلام السابق.
3746 -
وعن خولة الأنصارية، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق؛ فلهم النار يوم القيامة)) رواه البخاري.
ــ
وفيه معنى الاختصاص لتقديم الفاعل المعنوي كقولك: أنا كفيتك مهمتك. ولو لم يذهب إلي الاختصاص لم يستقم أن يكون بيانا؛ لأن المعنى ما أعطيتكم ما أعطيتكم، وما أمنعكم ما منعتكم، وإنما المعطي والمانع هو الله، وإنما أنا قاسم أقسم عليكم بأمر الله، وأضع حيث أمرت بيانا للبيان. وفيه حجة علي من قال: إن مثل: (إنما أنا عارف) لا يفيد الاختصاص؛ لأنه ليس بفعل مثل: أنا عرفت.
الحديث الثاني عن خولة: قوله: ((يتخوضون)) ((غب)): الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور وأكثر ما ورد فيما يذم الشروع فيه، نحو قوله تعالي:{ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} . قوله: ((فلهم النار)) خبر ((إن)) وأدخل الفاء لأن اسمها نكرة موصوفة.
الحديث الثالث عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((لقد علم قومي)) قيل: أراد ب (قومي) قريشا، والأظهر أنه أراد به المسلمين لقوله:((ويحترف للمسلمين فيه)) واللام في ((لقد علم)) قسمية أقسم أنه كان مشتهرا بين المسلمين في كونه كسوبا ومحصلا لمؤنة أهله وعياله بحرفة التجارة، ولم يكن عاجزا عن ذلك، وهذا تمهيد واعتذار منه في أخذه قدر ما يحتاج إليه أهله من بيت المال؛ ومن ثمة أتى بالفاء في قوله:((فيأكل)) لأنها فاء النتيجة.
((تو)): آل أبي بكر أهله وعياله. ويجوز أن يراد نفسه، وفي نسق الكلام من الدليل علي أنه أراد بآل أبي بكر نفسه، وهو قوله:((ويحترف للمسلمين)) أي يكتسب بالتصرف في أحوال المسلمين بدل ما يتناول ذلك. أقول: أراد بنسق الكلام أن ((يحترف)) مسند إلي ضمير ((أبي بكر)) وهو عطف علي ((فسيأكل)) فإذا أسند إلي الأهل تنافر وانخرم النظم.
((قض)): وآل أبي بكر أهله عدل عن التكلم إلي الغيبة علي طريقة الالتفات. وقيل: نفسه والآل مقتحم لقوله: ((ويحترف)) وليس بشيء بل المعنى إني كنت أكسب لهم فيأكلونه، والآن اكسب للمسلمين بالتصرف في أموالهم، والسعي في مصالحهم ونظر أحوالهم، فسيأكلون من مالهم المعد لمصالحهم، وهو مال بيت المال.
أقول: لابد في الانتقال من التكلم إلي الغيبة علي ما سماه التفاتا من فائدة. فقوله: ((آل أبي بكر)) من باب التجريد، جرد من نفسه شخصا متصفا بصفة أبي بكر من كونه كسوبا محصلا لمؤنة الأهل بالتجارة، ثم تكفل بهذا الأمر العظيم من تولي أمور المسلمين وامتنع من الاكتساب
3747 -
وعن عائشة، قالت لما استخلف أبو بكر [رضي الله عنه] قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه. رواه البخاري.
الفصل الثاني
3748 -
عن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من استعملناه علي عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)) رواه أبو داود. [3748]
ــ
لمؤنة أهله وجعله غيره، وهو هو. وفيه إشعار بالعلية وأن من اتصف بتلك الصفات حقيق بأن يأكل هو وأهله من بيت المال، وإذا كان كذلك فكيف يخالف المعنى الذي ذهب إليه الشيخ ونحوه في إطلاق آل مقحما كقوله تعالي:{وبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هَارُونَ} الكشاف ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون، و ((آل)) مقحم لتفخيم شأنهما. ومثله في الالتفات علي سبيل التجريد، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} بعد قوله:{إني رَسُولُ اللَّهِ} الكشاف: عدل عن الضمير إلي الاسم الظاهر ليجرى عليه الصفات التي أجريت عليه؛ ليعلم أن الذي وجب الإيمان به وإتباعه هو هذا الشخص المستقل، بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا للنصفة وتفاديا عن العصبية لنفسه؛ إذ لو قال:((آمنوا بالله وبي)) لم يقع هذا الموقع. وخص الأكل من بين المنافع بالذكر لكونه أعظمها وأهمها. ((تو)): فرض رضي الله عنه لنفسه مدين من طعام وإداما زيتا أو نحوه، وإزار ورداء في الصيف وفروة أو جبة في الشتاء، وظهر بعير لحاجته في السفر والحضر.
قوله: ((ويحترف للمسلمين)) فيه الضمير المجرور راجع إلي معنى قوله: ((فسيأكل)) أي فيما أكل من المال عوضا له وجيء بالحرفة مشاكلة لوقوعه في صحبته وقوله: ((إن حرفتي)) ((نه)): المراد باحترافه للمسلمين نظره في أمورهم وتثمير مكاسبهم وأرزاقهم. والحرفة الصناعة وجهة الكسب، وحريف الرجل معامله في حرفته. ((مظ)): وفيه بيان أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر ما يستحقه لعمالته، إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((فما أخذ بعد ذلك)) جزاء الشرط، و ((ما)) موصولة والعائد
3749 -
وعن عمر [رضي الله عنه]، قال: عملت علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعملني. رواه أبو داود. [3749]
3750 -
وعن معاذ، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي اليمن، فلما سرت، أرسل في أثري، فرددت. فقال:((أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني، فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك)) رواه الترمذي. [3750]
3751 -
عن المستورد بن شداد، قا: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا)). وفي رواية: ((من أتخذ غير ذلك فهو غال)). رواه أبو داود. [3751]
ــ
محذوف، فهو خبره وجيء بالفاء لتضمنه معنى الشرط. ويجوز أن نكون موصوفة. و ((الغلول)) الخيانة في الغنيمة وفي مال الفيء.
الحديث الثاني عن عمر رضي الله عنه: قوله: ((فعملني)) ((تو)): أي أعطإني عمالتي وأجرة عملي وكذا أعملني. وقد يكون عملني بمعنى ولإني وأمرني. أقول: الوجه الأول إذا التقدير عملت في أمور المسلمين ومصالحهم عملا فأعطإني عمالتي، والثاني لا يناسب الباب واللفظ ينبو عنه.
الحديث الثالث عن معاذ: قوله: ((في اثري)) ((تو)): أثر الشيء حصول ما يدل علي وجوده، ومن هذا يقال للطريق المستدل به علي من تقدم أثار. قوله:((لا تصيبن)) فيه إضمار تقديره بعثت إليك لأوصيك فأقول لك: لا تصيبن. قوله: ((يأت بما غل)) أراد بما غل ما ذكره في قوله صلى الله عليه وسلم ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته بعير له رغاء)) *.
الحديث الرابع عن المستورد: قوله: ((فليكتسب زوجة)) ((مظ)): أي يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من مال بيت المال قدر مهر زوجته ونفقتها وكسوتها، وكذلك ما لابد منه من غير إسراف وتنعيم، فإن اخذ أكثر ما يحتاج إليه ضرورة فهو حرام. أقول: وإنما وضع الاكتساب موضع العمالة والأجرة حسما لطمعه، وانه فاز بحظ جزيل يكتسب منه أنواع المنافع فقيل:
3752 -
وعن عدي بن عميرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((يأيها الناس من عمل منكم لنا عمل، فكتمنا منه مخيطا فما فوقه فهو غال، يأتي به يوم القيامة)). فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك. قال: ((وما ذاك؟)) قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال: ((وأنا أقول ذلك، من استعملناه علي عمل؛ فليأت بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهي)) رواه مسلم، رواه داود، واللفط له. [3752]
3753 -
وعن عبد الله بن عمرو، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي. رواه أبو داود، وابن ماجه. [3753]
ــ
ليس كسبك إلا هذا. ويفهم من تقييد القرينتين الأخيرتين بالشرط أن القرينة الأولي مطلقة، فإن كانت له زوجات يجوز أن يضيف إليها واحدة أو استغني بتقييد الأخيرتين عن تقييد القرينة الأولي، فهي مقيدة أيضا وفائدة ذكرها أن له مؤونة زوجة واحدة.
الحديث الخامس عن عدي: قوله: ((فما فوقه)) الفاء للتعقيب الذي يفيد الترقي، أي فوق المخيط في الحقارة نحو قوله تعالي:{إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} ((واقبل عني عملك)) أي أقلني منه ((وما ذاك)) إشارة إلي ما في الذهن، أي ما الذي حملك علي هذا القول. والإشارة بقوله:((ذاك)) إلي ما سبق من قوله: ((من عمل منكم)) الحديث: ((ومن استعملنا)) إلي آخره تكرير للمعنى ومزيد للبيان، يعني أنا أقول ذلك ولا أرجع عنه، فمن استطاع أن يعمل فليعمل ومن لم يستطع فليترك.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((الراشي والمرتشي)) ((فا)): الرشوة الوصلة إلي الحاجة بالمصانعة، من الرشاء وقد رشاه رشوا فارتشى، كما يقال: كساه فاكتسى. وقيل: هو من قولهم: رشا الفرخ إذا مد عنقه إلي أمه لتزقه. ((خط)): الراشي المعطي والمرتشي الآخذ، وإنما تلحقهما العقوبة إذا استويا في القصد والإرادة فرشا المعطي لينال به باطلا ويتوصل به إلي الظلم. فأما إذا أعطى ليتوصل به إلي حق أو ليدفع عن نفسه مضرة فإنه غير داخل في هذا الوعيد. ((تو)): وروي فيه أن ابن مسعود أخذ في شيء بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خلي سبيله.
3754 -
ورواه الترمذي عنه وعن أبي هريرة. [3754]
3755 -
ورواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ثوبان وزاد:((والرائش)) يعني الذي يمشي بينهما. [3755]
3756 -
وعن عمرو بن العاص، قال: أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن اجمع عليك سلاحك وثيابك، ثم ائتني)) قال: فأتيته وهو يتوضأ. فقال: ((يا عمرو! إني أرسلت إليك لأبعثك في وجه يسلمك الله ويغنمك، وأزغب لك زغبة من المال)). فقلت: يا رسول الله ما كانت هجرتي للمال، وما كانت إلا لله ولرسوله. قال:((نعما بالمال الصالح للرجل الصالح)). رواه في (شرح السنة)). وروى أحمد نحوه. وفي روايته: قال: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)). [3756]
ــ
الحديث السابع عن عمرو: قوله: ((أن اجمع عليك سلاحك)) ((أن)) يحتمل أن تكون مفسرة لما في ((أرسل)) من معنى القول، ومصدرية، أي أرسل إلي لجمع سلاحي. ويقال: زعبت زعبة من المال – بالزاي المنقوطة والعين المهملة – أي رفعت لك قطعة منه، والزعب بفتح الزاي وضمها الدفعة من المال. وقوله:((نعما بالمال)) ((ما)) في ((نعما)) غير موصولة ولا موصوفة. قالابن جنى: ((ما)) في ((نعما)) منصوبة لا غير، والتقدير نعم شيئا من المال الصالح. والباء زائدة مثلها في قوله:((كفي بالله)) وإنما قلنا: أنها ليست بموصولة ولا موصوفة لتعين الأول بالصلة والثانية بالصفة. والمراد الإجمال ثم التبيين، فما هنا بمنزلة تعريف الجنس في نعم الرجل؛ فإنه إذا قرع السمع أولا مجملا ذهب بالسامع كل مذهب. ثم إذا بين تمكن من ذهنه فضل تمكن، واخذ بمجامع القلب.
وفي هذا مدح عظيم للمال الصالح، والصلاح ضد الفساد وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل تارة في القرآن بالفساد وتارة بالسيئة، قال تعالي:{خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا} وقال: {ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا} وخلاصته أن الشيء إذا كان منتفعا به كان صالحا، والفساد بخلافه، فالرجل الصالح من علم الخير وعمل به، والمال الصالح ما يكسب من الحلال وينفق في وجوه الخيرات.