المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(4) باب القتال في الجهاد - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٨

[الطيبي]

الفصل: ‌(4) باب القتال في الجهاد

(4) باب القتال في الجهاد

الفصل الأول

3937 -

عن جابر، قال: قال رجل إلي النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟ قال:((في الجنة)) فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل. متفق عليه.

3938 -

وعن كعب بن مالك، قال: لم يكن رسول اله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة – يعني غزوة تبوك – غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً، ومفازاً وعدواً كثيراً، فجلي للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد. رواه البخاري.

3939 -

وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحرب خدعة)) متفق عليه.

3940 -

وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم، ونسوة من الأنصار معه، إذا غزا يسقين الماء ويدوين الجرحى. رواه مسلم.

3941 -

وعن أم عطية، قالت: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم علي المرضي. رواه مسلم.

ــ

باب القتال في الجهاد

الفصل الأول

الحديث الأول والثاني عن كعب رضي الله عنه: قوله ((إلا ورى)) ((نه)): ورى بغيره أي ستره وكنى عنه، وأوهم أنه يريد غيره، وأصله من الوراء أي ألقى البيان وراء ظهره، والمفاز والمفازة البرية القفر والجمع المفاوز سميت بذلك؛ لأنها مهلكة من فوز إذا مات.

الحديث الثالث عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((خدعة)) ((تو)): روى ذلك من وجوه ثلاثة: بفتح الخاء وسكون الدال أي أنها خدعة واحدة من تيسرت حق له الظفر، وبضم الخاء وسكون الدال أي معظم ذلك المكر والخديعة، وبضم الخاء وفتح الدال أي أنها خداعة للإنسان بما يخيل إليه ويمينه، ثم إنه إذا لابسها وجد الأمر بخلاف ما خيل إليه.

((مح)): أفصح اللغات فيها فتح الخاء وإسكان الدال وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا علي جواز الخداع مع الكفار في الحرب كيف اتفق، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان. وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء. وقال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض وحقيقته لا تجوز، والظاهر إباحة حقيقة الكذب لكن الاقتصار علي المعاريض أفضل.

ص: 2701

3942 -

وعن عبد الله بن عمر، قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. متفق عليه.

3943 -

وعن الصعب بن جثامة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار يبيتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال:((هم منهم)) وفي رواية: ((هم من آبائهم)) متفق عليه.

3944 -

وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق، ولها يقول حسان:

وهان علي سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير

وفي ذلك نزلت {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلي أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ} .

ــ

الحديث الرابع عن أنس قوله: ((ونسوة)) إن روى بالجر عطفاً علي ((أم سليم)) لم يكن لقوله: ((معه)) زيادة فائدة؛ لأن الباء في ((بأم سليم)) بمعناه، والوجه أن يكون مرفوعاً علي الابتداء و ((معه)) خبره والجملة حالية ((مح)) هذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس البشرة إلا في موضع الحاجة.

الحديث الخامس إلي السابع عن الصعب: قوله: ((يبيتون)) هو علي صيغة المجهول حال من ((أهل الدار)) و ((من المشركين)) حال أخرى و ((من)) بيإنية. ((نه)): أي يصابون ليلا وتبييت العدو هو أن يقصد بالليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة وهو البيات. قوله: ((هم منهم)) أي النساء والصبيان من الرجال.

((قض)): أراد به تجويز سبيهم واسترقاقهم، كما لو أتوا أهلها نهاراً وحاربوهم جهاراً، أو أن من قتل منهم في ظلمة الليل اتفاقاً من غير قصد وتوجه إلي قتله فهدر لا حرج في قتله؛ لأنهم أيضاً كفار، وإنما يجب التحرز عن قتلهم حيث تيسر، وكذلك لو تترسوا بنسائهم وذراريهم لم يبال بهم.

((مح)): أما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلهم، وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف. قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح في مذهب الشافعي قتلهم.

وفيه أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا كحكم آبائهم، وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاث مذاهب: الصحيح أنهم في الجنة، والثاني: في النار، والثالث: لا يجزم فيهم بشيء.

الحديث الثامن عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((بالبويرة)) ((مح)): هي – بصم الباء الموحدة – موضع نخل لبنى النضير، و ((السراة)) بفتح السين أشراف القوم ورؤساؤهم. والمستطير المنتشر، وقصتهم مذكورة في سورة الحشر. واللينة المذكورة في القرآن هي أنواع

ص: 2702

3945 -

وعن عبد الله بن عون: أن نافعاً كتب إليه يخبره أن ابن عمر أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار علي بني المصطلق غارين في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية. متفق عليه.

3946 -

وعن أبي أسيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: ((إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل)). وفي رواية: ((إذا أكثبوهم فارموهم واستبقوا نبلكم)) رواه البخاري.

وحديث سعد: ((هل تنصرون))، سنذكره في باب ((فضل الفقراء)).

وحديث البراء: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً في باب ((المعجزات)) إن شاء الله تعالي.

الفصل الثاني

3947 -

عن عبد الرحمن بن عوف، قال: عبأنا النبي صلى الله عليه وسلم ببدر ليلاً. رواه الترمذي. [3947]

3948 -

وعن المهلب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن بيتكم العدو: فليكن شعاركم: حم لا ينصرون)). رواه الترمذي، وأبو داود. [3948]

ــ

التمر كلها إلا العجوة. وقيل: كل كرام النخل، وقيل: كل النخل، وقيل: كل الأشجار، وقيل: إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً. وفيه جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال الجمهور. وقيل: لا يجوز.

الحديث التاسع عن عبد الله رضي الله عنه: قوله: ((غارين)) حال من ((بني المصطلق)) والغار الغافل. والمريسيع اسم ماء لنبى المصطلق بالعصب وهو من نواحي قديد.

الحديث العاشر عن أبي أسيد: ((تو)): والراوي هو أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين، ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين، والأول أصح وأشهر. قوله:((إذا أكثبوكم)) ((نه)): وفي رواية ((إذا كثبوكم)) والكثب القرب، والهمزة في ((أكثبوكم)) للتعدية فلذلك عداها إلي ضمير ((كم)) قوله:((واستبقوا نبلكم)) النبل السهام العربية وهي ليست بالطوال كالنشاب. ((مظ)): أي لا ترموها كلها فإنكم إن رميتموها بقيتم بلا نبال.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((عبأنا)) ((تو)): عبأنا يهمز ولا يهمز يقال: عبأت الجيش وعبيتهم تعبية وتعبئة، أي هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح.

الحديث الثاني عن المهلب: قوله: ((شعاركم حم لا ينصرون)) ((قض)): أي علامتكم التي

ص: 2703

3949 -

وعن سمرة بن جندب، قال: كان شعار المهاجرين: عبد الله، وشعار الأنصار: عبد الرحمن. رواه أبو داود. [3949]

3950 -

وعن سلمة بن الأكوع، قال غزونا مع أبي بكر زمن النبي صلى الله عليه وسلم فبيتناهم

ــ

تعرفون بها أصحابكم هذا الكلام. والشعار في الأصل العلامة التي تنصب ليعرف الرجل بها رفقته. و ((حم لا ينصرون)) معناه بفضل السورة المفتتحة بـ ((حم)) ومنزلتها من الله لا ينصرون.

وقيل: إن الحواميم السبع سور لها شأن، قال ابن مسعود رضي الله عنه:((إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات)) فنبه صلى الله عليه وسلم علي أن ذكرها لعظم شأنها وشرف منزلتها عند الله تعالي مما يستظهر به المسلمون علي استنزال النصر عليهم والخذلان علي عدوهم، فأمرهم أن يقولوا:((حم)) ثم استأنف وقال: ((لا ينصرون)) جواباً لسائل عسى أن يقول: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: لا ينصرون. وقيل: ((حم)) من أسماء الله تعالي وأن المعنى: اللهم لا ينصرون. وفيه نظر؛ لأن ((حم)) لم تثبت في أسماء الله تعالي؛ ولأن جميع أسمائه مفصحة عن ثناء وتمجيد، و ((حم)) ليس إلا اسمى حرفين من الحروف المعجمة ولا معنى تحته يصلح لأن يكون بهذه المثابة، ولأنه لو كان اسما كسائر الأسماء، لأعرب كما أعربه الشاعر حيث جعله اسماً للسورة فقال:

يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم

ومنعه الصرف للعلمية والتإنيث، وقد نسب هذا الوجه إلي ابن عباس رضي الله عنهما، فإن صح عنه فتوجيهه أن يقال: أراد بـ ((حم)) منزل حم وهو الله تعالي، فلما حذف المضاف وأقام ((حم)) مقامه وأجرى علي الحكاية صار ((حم)) كالمطلق علي الله تعالي والمستعمل فيه، فعد من أسمائه بهذا التأويل.

((مظ)): بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عنه، فقال: معناه الخبر ولو كان بمعنى الدعاء لكان ((لا ينصروا)) مجزوماً، كأنه قال: والله لا ينصرون.

أقول: ويمكن أن يقال: نزل علي صيغة الإخبار تفاؤلا كأنه دعا فاستجيب له، ثم يخبر عن وقوعه كما يقول: يرحمك الله ويهديك ونحوه، لكن في معنى النهي كقوله تعالي:{لا تَعْبُدُونَ إلَاّ اللَّهَ} . ((الكشاف)): ((لا تعبدون)) إخبار في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، كأنه سورع إلي الانتهاء فهو يخبر عنه.

الحديث الثالث عن سلمة رضي الله عنه: قوله: ((أمت أمت)) قيل: المخاطب هو الله تعالي يعني أمت العدو وفي شرح السنة ((يا منصور أمت)) فالمخاطب كل واحد من المقاتلين.

ص: 2704

نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمت أمت. رواه أبو داود. [3950]

3951 -

عن قيس بن عباد، قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال. رواه أبو داود. [3951]

3952 -

وعن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم)) أي صبيانهم. رواه الترمذي، وأبو داود. [3952]

ــ

الحديث الرابع عن قيس رضي الله عنه: قوله: ((يكرهون)) ((مظ)): عادة المحاربين أن يرفعوا أصواتهم إما لتعظيم أنفسهم، وإظهارهم كثرتهم بتكثير أصواتهم، أو لتخويف أعدائهم أو لإظهار الشجاعة بأن يقول: أنا الشجاع الطالب للحرب، والصحابة كانوا يكرهون رفع الصوت بها بشيء منها؛ إذ لا يتقرب بها إلي الله تعالي بل يرفعون الأصوات بذكر الله؛ فإن فيه فوز الدنيا والآخرة.

الحديث الخامس عن سمرة رضي الله عنه: قوله: ((شيوخ المشركين)) قال أبو عبيد: أزاد بالشيوخ الرجال والشبان أهل الجلد منهم والقوة علي القتال، ولم يرد الهرمي الذين إذا سبوا لم ينتفع بهم للخدمة، وأراد بالشرخ الشبان أهل الجلد الذين يصلحون للملك والخدمة. قال أبو بكر: الشرخ أول الشباب فهو واحد يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، يقال: رجل صوم ورجلان صوم ورجال صوم، وامرأة صوم وقوم صوم. وقيل: إن الشرخ جمع شارخ كصاحب وصحب وراكب وركب.

((تو)): وفي الشيوخ وجه آخر وهو أن يقول: لم يرد استبقاء هؤلاء لملك والخدمة؛ لما في نفوسهم من العصبية ولاستمرارهم علي الكفر طوال العمر، ثم لما فيهم من المكر، والدهاء فلا تؤمن إذا غائلتهم ودخلتم وما يتولد منهم من فساد في الدين أو ثلمة في الإسلام، وهؤلاء غير الفتاة الذين لا يعبأ بهم ولا يكترث لهم، وهذا أولي مما يؤول عليه هذا الحديث؛ لئلا يخالف حديث أنس الذي في هذا الباب. وذلك ما روى عنه:((لا تقتلوا شيخاً فإنياً)) الحديث.

وقال أيضاً: قوله: ((أي صبيانهم)) ليس من متن الحديث، ولا من كلام الصحابي، فلعل بعض الرواة في بعض طرقه أدرجه في الحديث فوجده المؤلف فيما بلغه فذكره، والظاهر أنه من عند المؤلف. أقول: إنما فسر الشرخ بالصبيان ليقابل الشيوخ، فيكون المراد بالشيوخ الشبان وأهل الجلد فيصح التقابل.

ص: 2705

3953 -

وعن عروة، قال: حدثني أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه قال: ((أعز علي أبنى صباحاً وحرق)) رواه أبو داود. [3953]

3954 -

وعن أبي أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ((إذا أكثبوكم فأرموهم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم)) رواه أبو داود. [3954]

3955 -

وعن رباح بن الربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأي الناس مجتمعين علي شيء، فبعث رجلاً فقال: انظروا علي ما اجتمع هؤلاء؟)) فقال: علي امرأة قتيل. فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)) وعلي المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال:((قل لخالد: لا تقتل امرأة ولا عسيفاً)). رواه أبو داود. [3955]

3956 -

وعن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((انطلقوا باسم الله، وبالله وعلي ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فإنياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، أصلحوا، وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين)) رواه أبو داود. [3956]

3957 -

وعن علي [رضي الله عنه] قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة،

ــ

الحديث السادس عن عروة رضي الله عنه: قوله: ((عهد إليه)) أي أوصاه. قوله: ((علي أبنى)) ((نه)): هي بضم الهمزة والقصر اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة ويقال لها: يبنى بالياء. ((تو)): بضم الهمز موضع من بلاد جهينة. ومن الناس من يجعل بد الهمزة لا ما ولا عبرة به.

الحديث السابع إلي الثامن عن رباح: قوله: ((لتقاتل)) اللام هي الداخلة في خبر ((كان)) للتأكيد، كقوله تعالي:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ} و ((العسيف)) الأجير.

الحديث التاسع عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((بسم الله وبالله)) الأول اشمل لأنه مشتمل علي أسماء الله تعالي كلها و ((بالله)) مختص بهذا اللفظ، والثاني أبلغ لأنه ترق من الاسم إلي المسمى. وعطف ((علي ملة رسول الله)) صلى الله عليه وسلم وعلي ما قبله يأبي أن يكونا متعلقين بالفعل ويوجب أن يكونا حالين كأنه قيل: انطلقوا متبركين باسم الله مستعينين بالله ثابتين علي ملة رسول الله. والأحوال يجوز أن تكون مترادفات أو متدخلات. وقوله: ((وأصلحوا وأحسنوا)) تذييل للكلام السابق أي أصلحوا فيما بينكم من أمور دينكم ودنياكم؛ وأحسنوا أي وأخلصوا لله تعالي واعلموا أنه علي كل شيء وكيل. وقوله: ((فإن الله يحب المحسنين)) تتميم كالتعليل.

ص: 2706

وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((قم يا حمزة! قم يا علي! قم يا عبيدة بن الحارث)) فأقبل حمزة إلي عتبة، وأقبلت إلي شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا علي الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة. رواه أحمد وأبو داود. [3957]

3958 -

وعن ابن عمر، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فحاص الناس حيصة فأتينا المدينة، فاختفينا بها، وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! نحن الفرارون. قال: ((بل أنتم العكارون وأنا فئتكم)). رواه الترمذي. وفي رواية أبي داود نحوه وقال: ((لا، بل أنتم العكارون)) قال: فدنونا فقبلنا يده فقال: ((أنا فئة المسلمين)). [3958]

ــ

الحديث العاشر عن علي رضي الله عنه: قوله: ((فانتدب له)) ((نه)): يقال: ندبته فانتدب أي بغيته ودعوته فأجاب. قوله: ((فأقبل حمزة إلي عتبة وأقبلت إلي شيبة)) كذا في سنن أبي داود وشرح السنة، وفي بعض نسخ المصابيح ((إلي عتبة فقتله وأقبلت إلي شيبة فقتلته)). وقوله:((فأثخن)) أي أثقل بالجراح، والإثخان في الشيء المبالغة فيه والإكثار منه، يقال: أثخنه المرض أي أثقله ووهنه ((ثم ملنا علي الوليد)) أي حملنا مائلين أو ملنا حاملين عليه.

((حس)): فيه إباحة المبادرة في جهاد الكفار ولم يختلفوا في جوازها إذ أذن الإمام، واختلفوا فيها إذا لم تكن من إذن الإمام فجوزها جماعة، وإليه ذهب مالك الشافعي؛ لأن الأنصاريين كانوا قد خرجوا قبل حمزة وعلي وعبيدة رضي الله عنهم من غير إذن. وفيه دليل علي أن معونة المبارز جائزة إذا ضعف أو عجز عن قرينه، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الأزاعي: لا يعينونه لأن المبارزة إنما تكون هكذا.

الحديث الحادي عشر عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((فحاص الناس حيصة)) ((قض)): أي فمالوا ميلة من الحيص وهو الميل، فإن أراد بالناس أعداءهم فالمراد بها الحملة، أي حملوا علينا حملة وجالوا فانهزمنا عنهم وأتينا المدينة. وإن أراد به السرية فمعناها الفرار والرجعة أي مالوا عن العدو ملتجئين إلي المدينة. ومنه قوله تعالي:{ولا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} أي محيداً ومهرباً.

ص: 2707

وسنذكر حديث أمية بن عبد الله: كان يستفتح. وحديث أبي الدرداء ((ابغوني في ضعفائكم)) في باب ((فضل الفقراء)) إن شاء الله تعالي.

الفصل الثالث

3959 -

عن ثوبان بن يزيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق علي أهل الطائف. رواه الترمذي مرسلاً.

ــ

أقول: المعنى الأول لا تساعد عليه اللغة؛ الجوهري: حاص عنه يحيص حيصاً أي عدل وحاد، يقال للأولياء حاصوا عن الأعداء، والأعداء انهزموا. وفي الفائق: فحاص حيصة أي انهزم وانحرف، وروى ((فجاص جيضة)) بالجيم والضاد المعجمة وهي الحيدودة حذراً. وفي النهاية فحاص المسلمون حيصة أي جالوا جولة يطلبون الفرار، والمحيص المهرب والمحيد، اللهم إلا أن يعدل إلي المجاز إما بوضع أحد الضدين موضع الآخر أو لما أن في الحيدودة والجولة نوع ميلان. ولعله حمله علي ذلك إطلاقه وعدم تقييده بعن، والاختلاف في العبارة؛ حيث عدل من الغيبة إلي التكلم وجعله قرينة للمجاز ولم يلتفت إلي الالتفات الذي طبق المفصل وأصاب المخبر. فقال أولا:((الناس)) إيذاناً بأنه لم يكن الفرار منه ولم يرض به، وثإنياً ((فأتنيا)) دلالة وإشعار بأن التحيز والاعتصام كان منه وهو السبب فيه.

قوله: ((العكارون)) ((نه)): الكرارون إلي الحروب العطافون نحوها، يقال للرجل الذي تولي عن الحرب ثم لم يكن راجعاً إليها عكر واعتكر. و ((الفئة)) الفرقة والجماعة من الناس في الأصل، والطائفة التي تقيم وراء الجيش، فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجأوا إليه. ((فا)): ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((وأنا فئتكم)) إلي قوله تعالي: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إلي فِئَةٍ} يمهد بذلك عذرهم في الفرار، أي تحيزهم إلي فلا حرج عليكم.

((حس)): قال عبد الله بن مسعود: من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر، والفرار من الزحف من الكبائر، فمن فر من اثنين فليس له أن يصلي بالإيماء في الفرار؛ لأنه عاص كقاطع الطريق.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن ثوبان: قوله: ((المنجنيق)) ((نه)): المنجنيق مؤنثة وتفتح الميم وتكسر، وهي والنون الأولي زائدتان في قوله: قولهم: جنق يجنق إذا رمى. وقيل: الميم أصلية لجمعه علي مجإنيق، وقيل: هو أعجمي معرب. والله أعلم.

ص: 2708