المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب القصاص الفصل الأول 3446 - عن عبد الله بن مسعود، قال: - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٨

[الطيبي]

الفصل: ‌ ‌كتاب القصاص الفصل الأول 3446 - عن عبد الله بن مسعود، قال:

‌كتاب القصاص

الفصل الأول

3446 -

عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزإني، والمارق لدينه التارك للجماعة)) متفق عليه.

ــ

بعثه إلي مسروق احتياطاً؛ لأنه كان أخذ من أم المؤمنين الصديقة رضي الله عنها. فعلي المفتي أن لا يستعجل في الفتوى بل يستشير ويرجع إلي النقل.

كتاب القصاص

المغرب: القص القطع، وقصاص الشعر مقطعه ومنتهي منبته من مقدم الرأس إلي حواليه، ومنه القصاص وهو مقاصة ولي القتيل القاتل والمجروح الجارح، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح، ثم عمم في كل مساواة.

الفصل الأول

الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قوله: ((مسلم)) ((قض)): هو صفة مقيدة لـ ((امرئ)) و ((يشهد)) مع ما هو متعلق به صفة ثإنية جاءت للتوضيح والبيان؛ ليعلم أن المراد بـ ((مسلم)) هو الآتي بالشهادتين، وأن الإتيان بهما كاف للعصمة. وأقول: الظاهر أن ((يشهد)) حال جيء بها مقيدة للموصوف مع صفته؛ إشعاراً بأن الشهادة هي العمدة في حق الدم. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة: كيف تصنع بلا إله إلا الله)).

قوله: ((إلا بإحدى ثلاث)) ((قض)): أي خصال ثلاث، قتل النفس بغير الحق وزنى المحصن والارتداد ففصل ذلك بتعداد المتصفين به المستوجبين القتل لأجله فقال:((النفس بالنفس)) أي يحل قتل النفس قصاصاً بالنفس التي قتلها عدواناً، وهو مخصوص بولي الدم لا يحل قتله لأحد سواه، حتى لو قتله غيره لزمه القصاص. و ((الثيب الزإني)) يريد به الزإني المحصن، وهو المكلف الحر الذي أصاب في نكاح صحيح ثم زنى، فإن للإمام رجمه، وليس لأحاد الناس ذلك. لكن لو قتله مسلم ففي وجوب القصاص عليه خلاف، والأظهر عندنا أنه يجب؛ لأن إباحة دمه لمحافظة أنساب المسلمين وكان له حق فيه. وأما لو قتله ذمي اقتص منه؛ لأنه لا تسلط له علي المسلم بحال. ((والمارق لدينه)) يريد التارك الخارج عنه، من المرق، وهو الماء الذي يخرج من اللحم عند الطبخ، وهو هدر في حق المسلمين لا قصاص علي من قتله، وفيما إذا قتله ذمي خلاف. ((والتارك للجماعة)) صفة مؤكدة لـ ((المارق)) الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم، وانفرد عن زمرتهم. وفي الحديث دليل لمن زعم أنه لا يقتل أحد دخل في الإسلام بشيء سوى ما عدد كترك الصلاة.

3447 -

وعن ابن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)) رواه البخاري.

3448 -

وعن عبد الله مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء)). متفق عليه.

3449 -

وعن المقداد بن الأسود، أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة،

ص: 2453

ــ

((مح)): المراد بقوله: ((النفس بالنفس)) القصاص بشرطه، قد يستدل به أصحاب أبي حنيفة في قولهم: يقتل المسلم بالذمي والحر بالعبد، والجمهور علي خلافه، منهم مالك والشافعي والليث وأحمد. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:((التارك لدينه المفارق للجماعة)) فهو عام في كل من ارتد عن الإسلام بأية ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلي الإسلام. قالوا: ويتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو نفي إجماع، كالروافض والخوارج وغيرهما. وقد خص من هذا العام الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هذه الثلاثة.

أقول: هذا التقرير أبين من تقرير القاضي؛ لأن الشيخ جعل قوله: ((النفس بالنفس)) كناية عن القصاص كأنه قيل لا يحل تعمد قتله قصداً بسبب من الأسباب إلا بسبب القصاص أو بالزنا بشرط الإحصان أو بالارتداد، وسمى المارق لدينا مسلما؛ لأنه مستثنى من قوله:((لا يحل دم امرئ مسلم)) مجازاً باعتبار ما كان عليه.

الحديث الثاني عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((في فسحة)) أي سعة من دينه ترجى رحمة الله ولطفه، ولو باشر الكبائر سوى القتل، فإذا قتل ضاقت عليه ودخل في زمرة الآيسين من رحمة الله تعالي، كما ورد في حديث أبي هريرة ((من أعان علي قتل مؤمن، ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله)). وقيل: المراد بـ ((شطر الكلمة)) قوله: اق. وهو من باب التغليظ، ويجوز أن ينزل معنى الحديث علي معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الفصل الثاني:((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً)) أي المؤمن لا يزال موفقاً للخيرات مسارعاً إليها ((ما لم يصب دماً حراماً)) فإذا أصاب ذلك أعيي وانقطع عنه ذلك بشؤم ما ارتكب من الإثم.

الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((أول ما يقضي)) ((مح)): هذا لتعظيم أمر الدماء وتأثير خطرها، وليس هذا الحديث مخالفاً لقوله:((أول ما يحاسب به العبد صلاته)) لأن ذلك في حق الله تعالي، وهذا فيما بين العباد.

الحديث الرابع عن المقداد: قوله: ((ثم لاذ مني بشجرة)) ((قض)): اللياذ العياذ. قوله: ((لا

ص: 2454

فقال: أسلمت لله – وفي رواية: فلما أهويت لأقتله قال: لا إله إلا الله – أأقتله بعد أن قالها؟ قال: ((لا تقتله)). فقال: يا رسول الله! إن قطع إحدى يدي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقتله)). فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)). متفق عليه.

3450 -

وعن أسامة بن زيد، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أناس من جهينة،

ــ

تقتله)) يستلزم الحكم بإسلامه، ويستفاد منه صحة إسلام المكره، وأن الكافر إذا قال: أسلمت أو أنا مسلم حكم بإسلامه، ومن نهيه عن القتل والتعريض له ثإنياً بعد ما كرر أنه قطع إحدى يديه، أن الحربي إذا جني علم مسلم ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص؛ إذا لو وجب لرخص له في قطع إحدى يديه قصاصاً. وقوله:((فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله)) لأنه صار مسلما معصوم الدم كما كنت معصوماً قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصاً، فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها؛ لأنك صرت مباح الدم كما كان هو مباح الدم قبل الإسلام. ولكن السبب يختلف، فإن إباحة دم القاتل بحق القصاص وإباحة دم الكافر بحق الإسلام. وقد تمسك به الخوارج علي تكفير المسلم بارتكاب الكبائر، وحسبوا أن المعنى به المماثلة في الكفر وهو خطأ؛ لأنه تعالي عد القاتل عمداً من أعداد المؤمنين، بل المراد ما ذكرناه.

أقول: ولو حمل علي التغليظ والتشديد كما في قوله تعالي: {ولِلَّهِ عَلي النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ} ، وقوله تعالي:{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفَاعَةٌ والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لجاز؛ فإنه جعل تارك الحج والزكاة في الآيتين من زمرة الكافرين تغليظاً وتشديداً، وإيذاناً بأن ذلك من أوصاف الكفار فينبغي للمسلم أن يحترز منه. وهذا المقام يقتضيه، لأنه أزجر وأردع مما ذهبوا إليه من إهدار الدم؛ ولأن جعله بمنزلة تصريح بأنه ليس علي الحقيقة بل نازل منزلته في الأمر الفظيع الشنيع، وكذلك هو بمنزلتك في الإيمان بواسطة تكلمه بكلمة الشهادة توهيناً لفعله وتعظيما لقوله، والأحاديث السابقة واللاحقة تشهد بصحة ذلك. والله أعلم.

ويقرب منه ما ذكره القاضي عياض، قيل: معناه أنك مثله في مخالفة الأمر وارتكاب الإثم، وإن اختلف الإثمان فيسمى إثمه كفراً وإثمك معصية. قوله:((أهويت لأقتله)) أهويت بالشيء إذا أو مأت به، ويقال: أهويت له بالسيف.

الحديث الخامس عن أسامة: قوله: ((فهلا شققت)) ((مح)): معناه أنك إنما كلفت العمل

ص: 2455

فأتيت علي رجل منهم، فذهبت أطعنه، فقال: لا إله إلا الله. فطعنته فقتلته، فجئت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:((أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟)) قلت يا رسول الله! إنما فعل ذلك تعوذاً. قال: ((هلا شققت عن قلبه؟!)). متفق عليه.

3451 -

وفي رواية جندب بن عبد الله البجلي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟)) قاله مراراً. رواه مسلم.

3452 -

وعن عبد الله بن عمرو [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة؛ وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفاً)). رواه البخاري.

ــ

بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلي معرفة ما فيه. فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال:((فهلا شققت عن قلبه))؟ تنظر هل قالها بالقلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن، بل جرت علي اللسان فحسب؟ يعني وأنت لست بقادر علي هذا، واقتصر علي اللسان ولا تطلب غيره. وفيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يحكم فيها بالظواهر، والله تعالي يتولي السرائر.

((مظ)): يشبه أن يكون المعنى فيه أن الأصل في دماء الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذاً من القتل لا مصدقاً به، فقتله علي أنه مباح الدم، وأنه مأمور بقتله، والخطأ عن المجتهد موضوع، أو تأول في قتله أن لا توبة له في هذه الحالة؛ لقوله تعالي:{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} . ((قض)): وأيضا هذا الرجل وإن لم يكن محكوماً بإسلامه بما قال، حتى يضم إليه الإقرار بالنبوة، لكنه لما أتى بما هو المقصود والعمدة بالذات كان من حقه أن يمسك عنه حتى يتعرف حاله.

أقول: ليس في سياق هذا الحديث وما تلفظ به صلى الله عليه وسلم إشعار بإهدار دم القاتل قصاصاً ولا بالدية، بل فيه الدفع عنه بشبهة ما تمسك به بقوله:((إنما فعل ذلك تعوذاً)) والزجر والتوبيخ علي فعله والبغي عليه بقوله: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله؟)).

الحديث السادس عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((من قتل معاهداً)((قض)): يريد بالمعاهد من كان له مع المسلمين عهد شرعي، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم. وقوله:((لم يرح)) فيه روايات ثلاث: بفتح الراء من راح يراح، وبكسر الراء من راح يريح،

ص: 2456

3453 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله،:((من تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسي سما فقتل نفسه؛ فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) متفق عليه.

3454 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار)) رواه البخاري.

ــ

وبكسره وضم الياء من أراح يريح، والمعنى واحد وهو أنه لم يشم رائحة الجنة ولم يجد ريحها. ولم يرد به أنه لا يجد أصلا بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر؛ توفيقاً بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية، علي أن صاحب الكبيرة إذا كان موحداً محكوماً بإسلامه لا يخلد في النار ولا يحرم من الجنة. وقوله:((أربعين خريفاً) أي عاماً.

الحديث السابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((من تردي من جبل)) ((قض)): التردي في الأصل التعرض للهلاك من الردي، وشاع في التدهور؛ لإفضائه إلي الهلكة. والمراد به هاهنا أن يتهور الإنسان فيرمي نفسه من جبل. والتحسى ولحسو واحد غير أن فيه تكلفاً. قوله:((ويتوجأ)) من الوجاء وهو الطعن والإجابة بالسكين ونحوه، كذا في جامع الأصول. وفي المصابيح ((يجأ)) علي وزن يجع، والأول أنسب للقرائن من قوله:((يتردى ويتحسى)) والضمير في ((بها)) للحديدة. ((قض)): وفي تعذيب الفساق بما هو من جنس أفعالهم حكم لا تخفي علي المتفكرين من أولي الألباب. والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلين له، وإن أريد منه العموم فالمراد من الخلود والتأبيد المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع له، واستمرار مديد ينقطع بعد حين بعيد لاستعمالها في المعنيين، فيقال: وقف وقفاً مخلداً مؤبداً، وأدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما؛ وللتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل. فإن قلت: ما تصنع بالحديث الذي يتلوه مروياً عن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم بادرني عبدي بنفسه. قلت هو حكاية حال فلا عموم فيها إذ يحتمل أن الرجل كان كافراً أو ارتد لشدة الجراحة أو قتل نفسه مستبيحاً، مع أن قوله:((فحرمت عليه الجنة)) ليس فيه ما يدل ظناً علي الدوام والإقناط الكلي فضلا عن القطع.

((تو)): لما كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر والحمق والغضب علي إتلاف نفسه، ويسول له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مطالب من قبل الخلق فإن الله يغفر له، أعلم النبي صلى الله عليه وسلم المكلفين أنهم مسئولون عن ذلك يوم القيامة، ومعذبون به عذاباً شديداً، فإن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس المحرمة.

ص: 2457

3455 -

وعن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكيناً، فحز بها يده فمارقأ الدم حتى مات. قال الله تعالي: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة)) متفق عليه.

3456 -

وعن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسي لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلي المدينة هاجر إليه، وهاجر معه رجل من قومه، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه، حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه. فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلي نبيه صلى الله عليه وسلم. فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اللهم وليديه فاغفر)) رواه مسلم.

ــ

الحديث الثامن والتاسع عن جندب: قوله: ((فما رقأ الدم)) ((نه)): يقال: رقأ الدمع والدم والعرق يرقأ رقواً انقطع، والاسم منه الرقو بالفتح.

الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((مشاقص)) ((نه)): المشقص نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. و ((البراجيم)) هي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم. والشخب السيلان، وأصل الشخب ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة. ((تو)): هذا الحديث وإن كان فيه ذكر رؤيا الصحابي للاعتبار بما يؤول تعبيره، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم وليديه فاغفر)) من جملة ما ذكرنا من الأحاديث الدالة علي أن الخلود غير واقع في حق من أتى بالشهادتين وإن قتل نفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للجإني علي نفسه بالمغفرة، ولا يجوز في حقه أن يستغفر لمن وجب عليه الخلود بعد أن نهي عنه، مع ما يدل علي كونه صحيح الحال في قصة الرؤيا من ذكر الهيئة الحسنة.

أقول: قوله: ((وليديه فاغفر)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت)) لأن التقدير: قيل لي غفرنا لك سائر أعضائك إلا يديك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اللهم ليديه فاغفر)) اللام متعلق بقوله: ((فاغفر)) والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: وما كان فلا تحرمه غفرانك، نحو قوله تعالي:{ورَبَّكَ فَكَبِّرْ} كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره؛ ففيه التأكيد والمبالغة ليطابق التشفع الوعيد بقوله: ((لن نصلح ما أفسدت))؛ فإن ((لن)) لتأكيد النفي في المستقبل.

ص: 2458

3457 -

وعن أبي شريح الكعبي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((ثم أنتم يا خزاعة! قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل)). رواه الترمذي، والشافعي. [3457]

وفي ((شرح السنة)) بإسناده. وصرح: بأنه ليس في ((الصحيحين)) عن أبي شريح، وقال:

3458 -

وأخرجاه من رواية أبي هريرة، يعني بمعناه.

3459 -

وعن أنس: أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بالحجارة. متفق عليه.

ــ

الحديث الحادي عشر عن أبي شريح: قوله: ((ثم أنتم يا خزاعة)) ((قض)): هذا من تتمة خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، ومقدمتها مذكورة في الفصل الأول في باب حرم مكة من كتاب الحج، وكانت خزاعة قتلت في عام الفتح في تلك الأيام بمكة رجلاً بقتيل لهم في الجاهلية، وأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عنهم. قوله:((وأنا والله عاقله)) أي مؤدي ديته من العقل وهو الدية، سميت به؛ لأن إبلها تعقل بقضاء ولي الدم؛ أو لأنها تعقل دم القاتل عن السفك.

وقوله: ((فأهله بين خيرتين)) يدل علي أن ولي الدم مخير بينهما، فلو عفي عن القصاص علي الدية أخذ بها القاتل، وهو المروي عن ابن عباس، وقول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وقتادة. وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل: لا تثبت الدية إلا برضي القاتل، وهو قول الحسن والنخعي، وإليه ذهب مالك وأصحاب أبي حنيفة.

((خط)): فيه دليل علي أن الدية مستحقة لأهله كلهم، ويدخل في ذلك الرجال والنساء والزوجات؛ لأنهم جميعاً أهله، وفيه دليل علي أن بعضهم إذا كان غائباً أو طفلاً لم يكن للباقين القصاص، حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب. وهو قول الشافعي.

الحديث الثاني عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((رض)) ((نه)): الرض الدق الجريش.

((حس)): فيه دليل علي أن الرجل يقتل بالمرأة كما تقتل المرأة به. وهو قول عامة أهل العلم إلا

ص: 2459

3460 -

وعنه، قال: كسرت الربيع – وهي عمة أنس بن مالك – ثنية جارية من الأنصار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أنس! كتاب الله القصاص)). فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من عباد الله من لو أقسم علي الله لأبره)). متفق عليه.

ــ

ما حكي عن الحسن البصري وعطاء. وفيه دليل علي أن القتل بالحجر المثقل الذي يحصل به القتل غالباً يوجب القصاص، وهو قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك والشافعي. ولم يوجب بعضهم القصاص إذا كان القتل بالمثقل، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. وفيه دليل علي جواز اعتبار جهة القتل، فيقتص من القاتل بمثل فعله.

((مح)): إذا كانت الجناية شبه عمد، فإن قتل بما لا يقصد به القتل غالباً فتعمد القتل به، كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة ونحوها، فقال مالك والليث: يجب فيه القود، وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، وغيرهم من الصحابة والتابعين: لاقصاص فيه. وفيه جواز سؤال الجريح من جرحك، وفائدته أن يعرف المتهم فيطلب، فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فعليه اليمين، ولا يلزم شيء بمجرد قول المقتول، وهو مذهب الجمهور. ومذهب مالك ثبوت القتل بمجرد قول المجروح، وتعلق بهذا الحديث في إحدى الروايتين عن مسلم.

الحديث الثالث عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((ثنية جارية)) ((قض)): الثنية واحدة الثنايا، والحديث يدل علي ثبوت القصاص في الأسنان. وقول أنس:((لا والله لا تكسر ثنيتها)) لم يرد به الرد علي الرسول صلى الله عليه وسلم والإنكار لحكمه، وإنما قاله توقعاً ورجاء من فضله تعالي أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبها أن تعفو عنها ابتغاء مرضاته؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رضي القوم بالأرش ما قال.

وقوله: ((كتاب الله القصاص)) أي حكمه أو حكم الكتاب علي حذف المضاف، ويكون إشارة إلي قوله تعالي:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وقوله تعالي: {وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} وقوله تعالي: {والْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أو إلي قوله تعالي: {وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ – إلي قوله - والسِّنَّ بِالسِّنِّ} . إن قلنا: بأنا متعبدون بشرع من قلبنا ما لم يرد له نسخ في شرعنا. أقول: ((لا)) في قوله: ((لا والله))

ص: 2460

3461 -

وعن أبي جحيفة، قال: سألت علياً [رضي الله عنه]: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا

ــ

ليس رداً للحكم بل نفي لوقوعه، وقوله:((والله لا تكسر)) إخبار عن عدم الوقوع، وذلك بما كان له عند الله من القرب والزلفي والثقة بفضل تعالي ولطفه في حقه أنه لا يخيبه بل يلهمهم العفو، يدل عليه ما في رواية لمسلم ((لا والله لا يقتصن منها أبداً)) ولذلك أتبعه بقوله:((إن من عباد الله من لو أقسم علي الله لأبره)) حيث جعله من زمرة عباد الله المخلصين وأولياء الله المصطفين.

((مح)): فيه جواز الحلف فيما يظن الإنسان وقوعه، وجواز الثناء علي من لا يخاف الفتنة بذلك، واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة في العفو، وأن الخيرة في القصاص والدية إلي مستحقه لا إلي المستحق عليه، وإثبات القصاص بالرجل والمرأة، ووجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه إذا قلعها كلها، وفي كسر بعضها وكسر سائر العظام خلاف، والأكثرون علي أنه لا قصاص.

الحديث الرابع عشر عن أبي جحيفة: قوله: ((فلق الحبة)) ((تو)): أي شقها فأخرج منها النبات الغض و ((برأ النسمة)) أي خلقها، والنسمة النفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، يشير بذلك إلي أن المحلوف به سبحانه هو الذي فطر الرزق وخلق المرزوق، وكذلك كان يحلف إذا اجتهد في يمينه.

قوله: ((إلا فهما)) ((خط)): يعني ما يفهم من فحوى كلامه ويستدرك من باطن معإنيه التي هي غير الظاهر من نصه والمتلقي من لفظه. ويدخل في ذلك جميع وجوه القياس والاستنباط التي يتوصل إليها من طريق الفهم والتفهم.

((قض)): إنما سأله ذلك؛ لأن الشيعة يزعمون أنه صلى الله عليه وسلم خص أهل بيته – لاسيما علياً رضي الله عنه – بأسرار من علم الوحي لم يذكره لغيره؛ أو لأنه كان يرى منه علما وتحقيقاً لا يجده عند غيره، فحلف أنه ليس عنده شيء من ذلك سوى القرآن؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوماً دون قوم، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط، فمن رزق فهما وإدراكاً وفق للتأمل في آياته والتدبر في معإنيه فتح عليه أبواب العلم. واستثنى ما في الصحيفة احتياطاً؛ لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون عند غيره، فيكون منفرداً بالعلم به. والظاهر أن ((ما في الصحيفة)) عطف علي ((ما في القرآن)) [وإلا ففيه استثناء منقطع وقع استدراكاً عن مقتضى الحصر المفهوم من قوله: ((ما عندنا إلا ما في القرآن] فإنه إذا لم يكن عنده إلا ما في القرآن، والقرآن كما هو عنده فهو عند غيره، فيكون ما عنده من العلوم يكون عند غيره، لكن التفاوت واقع غير منكر ولا مدافع، فبين أنه جاء من قبل الفهم والقدرة علي الاستنباط واستخراج المعإني وإدراك اللطائف والرموز.

ص: 2461

فهما يعطي رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: ما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري.

وذكر حديث ابن مسعود: ((لا تقتل نفس ظلماً)) في ((كتاب العلم)).

ــ

قيل: ((الصحيفة)) صحيفة كانت في علاقة سيفه، وكان فيها من الأحكام غير ما ذكر في الحديث، ولعله لم يذكر جملة ما فيها؛ إذ التفصيل لم يكن مقصودا، أو ذكر ولم يحفظه الراوي. والعقل الدية، يريد أن فيها ذكر ما يجب – كدية النفس والأعضاء – من الإبل، وذكر أسنانها وعددها وسائر أحكامها، و ((فكاك الأسير)) أي فيها حكمه والترغيب فيه، وأنه من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به.

((ولا يقتل مسلم بكافر)) عام يدل علي أن المؤمن لا يقتل بكافر قصاصاً، سواء الحربي والذمي. وهو قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وعكرمة والحسن وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري وابن شبرمة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل: يقتل بالذمي، والحديث مخصوص بغيره، وهو قول الشعبي والنخعي، وإليه مذهب (مالك) وأصحاب أبي حنيفة؛ لما روى عبد الرحمن بن السلمإني أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال:((أنا أحق من أوفي بذمته)) ثم أمر به فقتل.

وأجيب عنه بأنه منقطع لا احتجاج به، ثم إنه أخطأ؛ إذ قيل: إن القاتل كان عمرو بن أمية الضمري، وقد عاش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم سنين، ومتروك بالإجماع؛ لأنه روى أن الكافر كان رسولا فيكون مستأمنا، والمستأمن لا يقتل به المسلم وفاقاً، وإن صح فهو منسوخ؛ لأنه روى أنه كان قبل الفتح وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في خطبة خطبها علي درج البيت:((ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)).

((شف)): فيه إرشاد للعالم أن الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه، ويستنبط بفكره وتدبره ما لم يكن منقولا من المفسرين، لكن بشرط موافقته للأصول الشرعية، ففيه فتح الباب علي ذوي الألباب. أقول: قول القاضي: والظاهر أن ((ما في الصحيفة)) عطف علي ((ما في القرآن)) لعله تعريض بتوجيه الشيخ التوربشتي، حيث قال: حلف حلفه أن ليس عنده من ذلك شيء سوى القرآن ثم استثناه استثناءً أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم معرفته، فقال:((إلا فهما يعطي رجل في كتابه)) والمعنى أن التفاوت في العلوم لم يوجد من قبل البلاغ، وإنما وقع من قبل الفهم، ثم قرن بذلك ((ما في الصحيفة)) احتياطاً في يمينه وحذراً من أن يكون ما في الصحيفة عند غيره، فحسب أنه عطف علي قوله:((إلا فهما)) ولو ذهب إلي إجراء المتصل مجرى المنقطع علي عكس قول الشاعر:

ص: 2462

الفصل الثاني

3462 – * عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لزوال الدنيا أهون علي الله من قتل رجل مسلم)). رواه الترمذي، والنسائي. ووقفه بعضهم، وهو الأصح. [3462]

3463 -

ورواه ابن ماجه عن البراء بن عازب. [3463]

ــ

وبلدة ليس فيها إنيس إلا اليعافير وإلا العيس

فيؤول قوله: ((إلا فهما يعطي)) بقوله: ما يستنبط من كلام الله تعالي بفهم رزقه الله تعالي لم يستبعد، فيكون المعنى: ليس عندنا شيء قط إلا ما في القرآن، وما في الفهم من الاستنباط منه، وما في الصحيفة. وقد علم وحقق أن الاستنباط من القرآن منه، وأن ما في الصحيفة لا يخلو من أن يكون منصوصاً في القرآن أو مستنبطاً منه، فليزم أن لا شيء خارجاً عنه كما قال تعالي:{ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} . وهذا فن غريب وأسلوب عجيب، فحينئذ يحسن رد زعم من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم خص أهل بيته من علم الوحي بما لم يفض به إلي غيرهم، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم جعله خليفة بعده.

قال أبو الحسن الصنعإني في الدر الملتقط: ومن الموضوع قولهم: قال في المرض الذي توفي فيه: يا علي! ادع بصحيفة وداوة، فأملي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب علي وشهد جبريل، ثم طويت الصحيفة. قال الراوي: فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها وكتبها وشهدها فلا تصدقوه. وقولهم: وصيي وموضع سري وخليفتي في أهلي، وخير من أخلف بعدي، علي بن أبي طالب. والله أعلم.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((لزوال الدنيا)) الدنيا هنا عبارة عن الدار القربى التي هي معبر إلي دار الأخرى وهي مزرعة لها، وما خلقت السموات والأرض إلا لتكون مسارح أنظار المتبصرين ومتعبدات المطيعين، وإليه الإشارة بقوله تعالي:{ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} أي بغير حكمة، بل خلقتها لأن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم علي معرفتك، فمن حاول قتل من خلق الدنيا لأجله فقد حاول زوال الدنيا. وبهذا لمح ما ورد في الحديث الصحيح ((لا تقوم الساعة علي أحد يقول: الله الله)).

قوله: ((ووقفه بعضهم)) أي بعض الرواة لم يرفع الحديث إلي النبي صلى الله عليه وسلم بل وقفه علي الصحابي.

ص: 2463

3464 -

وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [3464]

3465 -

وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، يقول: يا رب! قتلني، حتى يدنيه من العرش)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [3465]

3466 -

وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن عثمان بن عفان [رضي الله عنه] أشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زني بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به))؟ فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا ارتددت منذ

ــ

الحديث الثاني عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: قوله: ((لأكبهم الله)) كبه لوجهه أي صرعه فأكب هو، وهذا من النوادر أن يكون أفعل لازما وفعل متعدياً، قاله الجوهري. وقال الزمخشري: لا يكون بناء أفعل مطاوعاً لفعل، بل همزة أكب للصيرورة أو للدخول، فمعناه صار ذا كب أو دخل في الكب، ومطاوع فعل انفعل نحو كب وانكب وقطع وانقطع.

((تو)): والصواب كبهم الله، ولعل ما في الحديث سهو من بعض الرواة. أقول: وفيه نظر؛ لم لا يجوز هذا علي الأصل؟ وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أولي أن يتبع؛ ولأن الجوهري ناف والرواة مثبتون. قوله: ((لو أن أهل السماء)) ((لو)) للمضي و ((أن أهل السماء)) فاعل، والتقدير لو ثبت اشتراك أهل السماء والأرض.

الحديث الثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((وأوداجه)) ((نه)): هي ما أحاط العنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها ودج بالتحريك. وقيل: الودجان عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر. وقيل: عبر عن المثني بصيغة الجمع للأمن من الالتباس، كقوله تعالي:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . وقوله: ((وناصية رأسه بيده)) جملة اسمية وقعت حالا من الفاعل أو المفعول، وقد اكتفي فيها بالضمير. ويجوز أن يكون استئنافاً علي تقدير السؤال عن كيفية المجيء به.

الحديث الرابع عن أبي أمامة: قوله: ((فقتل به)) تقرير ومزبته توضيح للمعنى.

ص: 2464

بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قتلت النفس التي حرم الله فبم تقتلونني؟ رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه وللدارمي لفظ الحديث. [3466]

3467 -

وعن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً، ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح)) رواه أبو داود. [3467]

3468 -

وعنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو من يقتل مؤمناً متعمداً)). رواه أبو داود. [3468]

ــ

الحديث الخامس عن أبي الدرداء: قوله: ((معنقاً)) ((قض)): المعنق المسرع في المشي من العنق وهو الإسراع والخطو الفسيح، وجمعه معإنيق. والتبليح الإعياء، والمعنى أن المؤمن لا يزال موفقاً للخيرات مسارعاً إليها ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب ذلك أعيي وانقطع عنه ذلك؛ لشؤم ما ارتكب من الإثم. وقال أبو عبيدة: معنقاً منبسطاً في سيره، يعني في القيامة. ((تو)): لا أرى هذا سديداً؛ لأن قوله: ((معنقاً)) مشروط بقوله: ((ما لم يصب دماً حراماً)) ولا يصح أن يصيب دماً حراماً في القيامة.

أقول: لعل مراده أن هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحوال الآتية، أي لا يزال المؤمن منبسطاً في سيره يوم القيامة ما لم يصب في الدنيا دماً حراماً، ونحوه في المعنى حديث أبي هريرة:((من أعان علي قتل المؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله)). ويجوز أن يقع السبب والمسبب في الدنيا، والمعنى لا يزال المؤمن في سعة من دينه ترجى له رحمة الله ولطفه، ولو باشر الكبائر سوى القتل، فإذا قتل أعيي وضاقت عليه، علي ما سبق في الحديث الثاني من الفصل الأول.

الحديث السادس عن أبي الدرداء: قوله: ((إلا من مات)) ((شف)): لا بد من إضمار مضاف إما في المستثنى أو في المستثنى منه، أي كل قارف ذنب أو إلا ذنب من مات مشركاً ((مظ)):((ومن يقتل مؤمناً متعمداً)) أي إذا كان مستحلا دمه. أقول: قوله: ((إلا من مات مشركاً)) من قوله تعالي: {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} وقوله: {ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} من قوله تعالي: {ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} الآية، وقد ثبت عند المعتزلة أن حكم الشرك بما دونه من الكبائر سواء، لا يغفران قبل التوبة ويغفران بعدها، وظاهر الحديث يساعد قولهم.

ص: 2465

3469 -

ورواه النسائي عن معاوية. [3469]

ــ

الكشاف في قوله تعالي: {ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا} : فإن قلت: هل فيها دليل علي خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل فيها، وهو تناول قوله:((ومن يقتل)) أي قاتل كان من مسلم أو كافر تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم علي التائب فليأت بدليل مثله. وقد أتينا في فتوح الغيب بالدليل، وهو أن الذي يقتضيه نظم الآيات أن الآية من أسلوب التغليظ كقوله تعالي:{ولِلَّهِ عَلي النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ - إلي قوله - ومَن كَفَرَ} وبيان أن قوله تعالي: {ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} دل علي أن قتل المؤمن ليس من شأن المؤمن، ولا يستقيم منه ولا يصح له ذلك؛ فإنه إن فعل خرج عن أن يقال: إنه مؤمن؛ لأن ((كان)) هنا نحو ((كان)) في قوله تعالي {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ} والمعنى فلم يصح ولم يستقم، وقد نص علي هذا في الكشاف.

ثم استثنى من هذا العام قتل الخطأ تأكيداً ومبالغة، أي لا يصح ولا يستقيم إلا في هذه الحالة، وهذه الحالة منافية لقتل العمد، فإذا لا يصح منه قتل العمد البتة، ثم ذيل هذه المبالغة تغليظاً وتشديداً بقوله:{ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} يعني كيف يستقيم القتل من المؤمن عمداً، وإنه من شأن الكفار الذين جزاؤهم خلود في النار وحلول غضب الله ولعنه عليهم؟ وعلي هذا الأسلوب فسر قوله تعالي:{الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ - إلي قوله - والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} جعل ترك الزكاة من صفات الكفار، أي الكافرون هم الذين يتركون الزكاة، فعلي المؤمن أن لا يتصف بصفتهم. وكتابه سبحانه مشحون من هذا الأسلوب، فعلي هذا الحديث كالآية في التغليظ.

والحق أنه إن صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب، فحكمه إلي الله تعالي إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلي الجنة. فإن قلت: لم خص إحدى القرينتين يعني من مات بالماضي والأخرى بالمضارع؟ قلت: تقرر عند علماء المعإني أن نحو فلان يقرى الضيف ويحمي الحريم يفيد الاستمرار، وأن ذلك من شأنه ودأبه، وقد سبق آنفاً أن قتل العمد من شأن الكفار ودأبهم، وليس من شأن لمؤمن؛ فلذلك كان بالمضارع أجدر.

ص: 2466

3470 -

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد)). رواه الترمذي، والدارمي. [3470]

3471 -

وعن أبي رمثة، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي، فقال:((من هذا الذي معك؟)) قال: ابني أشهد به. قال: ((أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)). رواه أبو داود، والنسائي. وزاد في ((شرح السنة)) في أوله قال: دخلت مع أبي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأي أبي الذي بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب. فقال: ((أنت رفيق والله الطبيب)). [3471]

ــ

الحديث السابع عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((لا تقام الحدود)) ((مظ)): أي صيانة للمساجد وحفظ حرمتها، هذا علي سبيل الأولوية، أما لو التجأ من عليه القصاص إلي الحرم فجائز استيفاؤه منه في الحرم، سواء كان القصاص واجباً عليه في النفس أو في الطرف. فتبسط الأنطاع ويقتل في الحرم تعجيلاً لاستيفاء هذا الحق، هذا علي مذهب الشافعي. وعند أبي حنيفة يستوفي قصاص النفس في الحرم، بل يضيق عليه الأمر حتى يخرج بنفسه فيقتل.

قوله: ((ولا يقاد بالولد)) ((شف)): يجوز أن يكون المعنى لا يتقص والد بقتله ولده، وأن يكون معناه لا يقتل الواحد بعوض الولد الذي وجب عليه القصاص بأن قتل الولد أحداً ظلماً، وكان في الجاهلية أن يقتل الابن بالقصاص الواجب علي الأب وبالعكس، فنهي الشرع عن ذلك. أقول: والوجه الأول أوجه، وعلل بأن الوالد سبب وجوده فلا يجوز أن يكون سبباً لعدمه. وحكم الأجداد والجدات مع الأحفاد حكم الوالد مع الوالد بخلاف العكس.

الحديث الثامن عن أبي رمثة: قوله: ((أشهد به)) تقرير لقوله: ((ابني)) وفائدته التزام ضمان الجنايات عنه علي ما كانوا عليه في جاهليتهم من مؤاخذة كل واحد من المتوالدين بجناية الآخر؛ ولهذا رد صلى الله عليه وسلم عليه بقوله: ((أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)) وهو يحتمل وجهين، أي أنه لا يجني جناية يكون القصاص أو الضمان فيها عليك، أو أن لفظه خبر ومعناه نهي، أي لا يجني عليك ولا تجني عليه، وهذا المعنى لا يناسب ما قبله ولا الباب.

قوله: ((الذي بظهر سول الله صلى الله عليه وسلم) يريد بن خاتم النبوة وكان ناتئاً، وظن أن سلعة تولدت من فضلان البدن، فرد صلى الله عليه وسلم كلامه بأن أخرجه منه مدرجاً إلي غيره، يعني ليس هذا مما يعالج

ص: 2467

3472 -

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن سراقة بن مالك، قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه. رواه الترمذي، وضعفه. [3472]

3473 -

وعن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي. وزاد النسائي في رواية أخرى:((ومن خصى عبده خصيناه)). [3473]

ــ

بل يفتقر كلامك إلي العلاج، حيث سميت نفسك بالطبيب والله هو الطبيب، فهو من الأسلوب الحكيم في الصنعة البديعية.

قوله: ((أنت رفيق)) ((حس)): أي أنت ترفق بالمريض وتحميه ما يخشى أن لا يحتمل بدمه، وتطعمه ما ترى أنه أرفق به. والطبيب هو العالم بحقيقة الداء والدواء، والقادر علي الصحة والشفاء، وليس ذلك إلا الله. الواحد القهار.

((مظ)): تسمية الله تعالي بالطبيب أن يذكر في حال الاستشفاء اللهم أنت المصحح والممرض والمداوي والطبيب ونحو ذلك. ولا يقال: يا طبيب، كما يقال: يا حكيم، يا رحيم؛ فإن ذلك بعيد من الأدب؛ ولأن أسماء الله تعالي توقيفية، قال الله تعالي:{ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} .

الحديث التاسع عن عمرو: قوله: ((يقيد)) ((نه)): القود القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وقد أقدته به أقيده إقادة، واستقدت الحاكم سألته أن يقيدني.

الحديث العاشر عن الحسن: قوله: ((قتلناه)) ((خط)): هذا زجر ليرتدعوا فلا يقدموا علي ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم في شارب الخمر:((إذا شرب فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه)) ثم قال في الرابعة أو الخامسة: ((فإن عاد فاقتلوه)) ثم لم يقتله حين جيء به وقد شرب رابعاً أو خامساً. وقد تأوله بعضهم علي أنه إنما جاء في عبد كان يملكه، فزال عن ملكه فصار كفؤاً له بالحرية. وذهب بعضهم إلي أن الحديث منسوخ بقوله تعالي:{الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} وقوله تعالي: {والْجُرُوحَ قِصَاصٌ} . ((حس)): فذهب عامة أهل العلم إلي أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد، فيثبت بهذا الاتفاق علي أن الحديث محمول علي الزجر أو الردع، أو هو منسوخ.

ص: 2468

3474 -

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من قتل متعمداً دفع إلي أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية: وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. وما صالحوا عليه فهم لهم)). رواه الترمذي. [3474]

3475 -

وعن علي [رضي الله عنه] عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد علي من سواهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده)). رواه أبو داود، والنسائي. [3475]

ــ

الحديث الحادي عشر عن عمرو: قوله: ((وأربعون خلفة)) ((نه)): الخلفة بفتح الخاء وكسر اللام الحامل من النوق، وتجمع علي خلفات وخلائف، وقد خلفت إذا حملت.

الحديث الثاني عشر عن علي رضي الله عنه قوله: هذا الحديث من جملة ما قد كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيفه، قوله:((تتكافأ دماؤهم)) ((فا)): التكافؤ التساوي أي تتساوي في القصاص والديات لا فضل فيها لشريف علي وضيع.

((حس)): يريد به أن دماء المسلمين متساوية في القصاص، يقاد الشريف منهم بالوضيع والكبير بالصغير والعالم بالجاهل والرجل بالمرأة، وإن كان المقتول شريفاً أو عالماً والقاتل وضيعاً أو جاهلاً، لا يقتل به غير قاتله، علي خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية، وكانوا لا يرضون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع. حتى يقتلوا عدة من قبيلة القاتل.

قوله: ((ويسعى بذمتهم)) ((فا)): الذمة الأمان، ومنها سمى المعاهد ذمياً؛ لأنه أومن علي ماله ودمه للجزية، أي إذا أعطى أدنى رجل منهم أماناً فليس للباقين إخفاره. ((حس)): أي إن واحداً من المسلمين إذا أمن كافراً حرم علي عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم، مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً، أو نحو ذلك، فلا تخفروا ذمته.

قوله: ((ويرد عليهم أقصاهم)) فيه وجهان، أحدهما: أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار عن بلاد الكفر إذا عقد للكافر عقداً في الأمان، لم يكن لأحد منهم نقضه وإن كان أقرب داراً من المعقود له.

وثإنيهما: إذا دخل العسكر دار الحرب، فوجه الإمام سرية منهم، فما غنمت من شيء أخذت

ص: 2469

3476 -

ورواه ابن ماجه عن ابن عباس. [3476]

ــ

منه ما سمى لها، ويرد علي العسكر الذين خلفهم؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة كانوا ردء السرايا، وكذا في النهاية، وهو اختيار القاضي. والأول هو الظاهر لما يلزم من الثاني التعمية والألغاز؛ لأن مفعول ((يرد)) غير مذكور، وليس في الكلام ما يدل عليه بخلاف الأول؛ لأنه يدل عليه قوله:((ويسعى بذمتهم)) وليس بين القرينتين تكرار؛ لأن المعنى يجير بعهدهم أدناهم منزلة وأبعدهم منزلا، وينصر الوجه الثاني الحديث السادس من الفصل الثاني في باب الديات وسيجيء بيانه.

قوله: ((وهم يد علي من سواهم)) قال أبو عبيدة: إن المسلمين لا يسعهم التخاذل بل يعاونون بعضهم بعضاً علي جميع الأديان والملل، وقد سبق تحقيق هذا التركيب وبيان مجازه. قوله:((ولا ذو عهد في عهده)) ((قض)): أي لا يقتل في كفره ما دام معاهداً غير ناقض. وقالت الحنفية: معناه ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر قصاصاً، ولا شك أن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد هو الحربي، دون الذمي فينبغي أن يكون المراد بالكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ضعيف؛ لأنه إضمار من غير حاجة، ولا دليل يقتضيه، وأن التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه غير لازمة، ثم إنه يفضى إلي أن يؤول قوله:((لا يقتل مؤمن بكافر)) إلي أنه لا يقتل بحربي فيكون لغواً لا فائدة فيه. ((تو)): لولا أن المراد ما ذهب إليه الأصحاب لكان الكلام خالياً عن الفائدة؛ لحصول الإجماع علي أن المعاهد لا يقتل في عهده.

((حس)): فائدته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسقط القود عن المسلم إذا قتل الكافر أوجب ذلك توهين حرمة دماء الكفار، فلم يؤمن من وقوع شبهة لبعض السامعين في حرمة دمائهم، وإقدام المسرع من المسلمين إلي قتلهم، فأعاد القول في خطر دمائهم؛ دفعاً للشبهة وقطعاً لتأويل المتأول.

أقول: هذا هو الذي يقتضيه سياق الحديث ونظم الكلام؛ فإن قوله: ((المسلمون تتكافؤ دماؤهم – إلي قوله – وهم يد علي من سواهم)) يدل علي إعلاء كلمة الإسلام وإعزاز أهله، وتوهين أمر الكفر وإرغام حزبه. فإذا قتل بعد ذلك لا يقتل من أعزه الله بالإسلام ورفع درجته بمن ضربت عليه الذلة والمسكنة بتنافر النظام. وإذا ذهب إلي ما ذكره محيي السنة كان ذلك تتميما لمدحهم وصوناً لهم من نقض العهد، فتتجاوب مقدمة الكلام وسياقته، ونحوه قوله تعالي:{إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} فإن هذا القول يوهم أن قولهم: {نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} هو المراد بما كذبوا به، فاستدرك ذلك بقوله:{واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ} صيانة لذلك التوهم. وقوله:

فسقى ديارك غير مفسدها صوب الغمام وديمة تهمي

3477 -

وعن أبي شريح الخزاعي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أصيب بدم أو خبل – والخبل: الجرح – فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا علي يديه: بين أن يقتص أو يعفو، أو يأخذ العقل. فإن أخذ من ذلك شيئاً؛ ثم عدا بعد ذلك فله النار خالداً فيها مخلداً أبداً)). رواه الدارمي. [3477]

3478 -

وعن طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من قتل في عمية في رمي يكون بينهم بالحجارة، أو جلد بالسياط، أو ضرب بعصاً؛ فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ. ومن قتل عمداً فهو قود. ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل)) رواه أبو داود، والنسائي. [3478]

ص: 2470

ــ

فإن قوله: غير مفسدها تتميم للصيانة.

((شف)): قال الحافظ أبو موسى: يحتمل هذا الحديث وجهاً آخر. وهو أن يكون معناه لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار ولا معاهد ببعض الكفار وهو الحربي، ولا ينكر أن يكون لفظة واحدة يعطف عليها شيئان، يكون أحدهما راجعاً علي جميعها والآخر علي بعضها.

الحديث الثالث عشر عن أبي شريح: قوله: ((أو خبل)) الخبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الباء فساد الأعضاء، يقال: خبل الحب قبله إذا أفسده، خبله ويخبله خبلا، ورجل خبل ومختبل، أي من أصيب بقتل نفس أو قطع عضو، يقال: بنو فلان يطالبون بدم أو خبل أي بقطع أيد وأرجل. أقول: قوله: ((بين أن يقتص)) بدل من قوله: ((بين إحدى ثلاث)) وتوضيح لما أريد من التقسيم الحاصر، وقوله:((فإن أراد الرابعة)) يدل علي الحصر، فيكون قوله:((فإن أخذ)) إلي آخره أيضاً كالتوضيح لقوله: ((فإن أراد الرابعة فخذوا علي يديه)) يعني من أراد الرابعة فهو متعد متجاوز طوره فيستحق النار، وهو من قوله تعالي:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ - إلي قوله - فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . وبيان الخلود والتأبيد قد سبق في الفصل الأول في حديث أبي هريرة.

الحديث الرابع عشر عن طاوس: قوله: ((في رمي)) إلي آخره. كالبيان لقوله: ((في عمية)) ((قض)): أي في حال يعمى فيها أمره، فلا يتبين قاتله ولا حال فتله. يقال: فلان في عميته أي جهله، ويقال: العمية أن يضرب الإنسان بما لا يقصد به القتل كحجر صغير وعصا خفيفة. فأفضى إلي القتل، من التعمية وهو التلبيس، والقتل بمثل ذلك تسميه الفقهاء شبه عمد.

ص: 2471

3479 -

وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية)). رواه أبو داود. [3479]

3480 -

وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [3480]

الفصل الثالث

3481 -

عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة. وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لتقلتهم جميعاً. رواه مالك. [3481]

3482 -

وروى البخاري عن ابن عمر نحوه.

ــ

وقوله: ((ومن قتل عمداً فهو قود)) ((من)) مبتدأ متضمن لمعني الشرط؛ ولذا جاء الفاء في خبره، وهو مبتدأ ثان راجع إلي ((من)) و ((قود)) خبره، أي بصدد أن يقاد منه واستوجب له، أطلق المصدر علي المفعول واستعمله باعتبار ما يؤول إليه للمبالغة. و ((من حال دونه)) أي منع المستحق من القصاص فعليه ما عليه.

الحديث الخامس عشر عن جابر: قوله: ((لا أعفي)) ((قض)): أي لا أدع القاتل بعد أخذ الدية فيعفي عنه ويرضي منه بالدية لعظم جرمه. والمراد منه التغليظ عليه والتفظيع لما ارتكبه.

الحديث السادس عشر عن أبي الدرداء: قوله: ((فتصدق)) مرتب علي قوله:

((يصاب)) ومخصص له؛ لأن المصاب به يحتمل أن يكون سماوياً، وأن يكون من العباد، فخص بالثاني لدلالة قوله:((فتصدق)) وهو العفو عن الجإني.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن سعيد: قوله: ((غيلة)) ((نه)): أي في خفية واغتيال، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد. والغيلة فعلة من الاغتيال. وقوله:((تمالأ عليه أهل صنعاء)) أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا – انتهي كلامه. وتخصيص ذكر صنعاء إما لأن هؤلاء الرجال منها أو هو مثل عند العرب في الكثرة، وصنعاء موضع باليمن.

ص: 2472

3483 -

وعن جندب، قال: حدثني فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: قتلته علي ملك فلان)). قال جندب: فاتقها. رواه النسائي. [3483]

3484 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أعان علي قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله، مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)). رواه ابن ماجه. [3484]

3485 -

وعن ابن عمر [رضي الله عنهما] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي تقل ويحبس الذي أمسك)). رواه الدارقطني.

ــ

الحديث الثاني عن جندب: قوله: ((علي ملك فلان)) فإن قلت: كيف طابق هذا قوله: ((فيم قتلني))؛ لأنه سأل عن سبب قتله وأجاب بما لا يطابقه؟ قلت: قوله: ((علي ملك فلان)) معناه علي عهد ملك فلان من السلاطين وزمانه أي في نصرته، لقوله تعالي:{مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلي مُلْكِ سُلَيْمَانَ} فالضمير في قوله: ((فاتقها)) عائد إلي النصرة، كأن جندباً ينصح رجلا أراد هذه الفعلة، واستشهد بهذا الحديث، ثم قال: فإذا سمعت بذلك فاتقها، هذا إذا كانت الرواية بضم الميم في الملك، وإذا روى بالكسر كان المعنى قتلته علي مشاجرة بيني وبينه في ملك زيد، فالضمير في ((فاتقها)) راجع إلي المشاجرة. والله أعلم بالمراد.

الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((شطر كلمة)) يراد به ((اق)) من اقتل. وقوله: ((آيس من رحمة الله)) كناية عن كونه كافراً؛ لقوله تعالي: {إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلَاّ القَوْمُ الكَافِرُونَ} يعني يفضحه علي رءوس الأشهاد بهذه السمة الفظيعة بين كريمتيه، وهذا من باب التغليظ والتشديد ولا يرى أبلغ منه.

الحديث الرابع عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((ويحبس الذي أمسك)) ((قض)): لو أمسك أحد رجلاً حتى قتله آخر فلا قود علي الممسك كما لو أمسك امرأة حتى زنى بها آخر لا حد علي الممسك وقال مالك: إن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعاً، وإن أمسكه وهو يرى أنه يريد الضرب، فإنه يقبل الضارب ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة.

ص: 2473