المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(4) باب الأقضية والشهادات - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٨

[الطيبي]

الفصل: ‌(4) باب الأقضية والشهادات

الفصل الثالث

3757 -

عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من شفع لأحد شفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها؛ فقد أتى بابا عظيما من أبوبا الربا)) رواه أبو داود. [3757]

(4) باب الأقضية والشهادات

الفصل الأول

3758 -

عن ابن عباس [رضي الله عنهما] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين علي المدعي عليه)). رواه مسلم. وفي ((شرحه للنووي)) أنه قال: وجاء في رواية ((البيهقي)) بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس مرفوعا: ((لكن البينة علي المدعي، واليمين علي من أنكر)).

ــ

الفصل الثالث ظاهر

باب الأقضية والشهادات

الأقضية وهي ما يرفع إلي الحاكم. قال الأزهري: القضاء في الأصل إحكام الشيء والفراغ منه. فيكون القضاء أمضاء الحكم. ومنه قوله تعالي: {} ويسمى الحاكم قاضيا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها ويكون قضى بمعمى أوجب، فيجوز أن يكون سمي قاضيا لإيجابه الحكم علي من يجب عليه، وسمي حاكما لمنعه الظالم من الظلم. ومنه حكمة الدابة لمنعها من ركوبها رأسها، وتسمى الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها.

والشهادات: ((غب)): الشهود والشهادة والمشاهدة الحضور مع المشاهدة أما بالبصر أو بالبصيرة، وشهدت حار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة، ويقال: أشهد بكذا ولا يرضي من الشاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول: أشهد. المغرب: الشهادة الإخبارية بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان، يقال: شهد عند الحاكم لفلان علي فلان بكذا شهادة فهو شاهد وهم شهود وأشهاد وهو شهيد وهم شهداء.

الفصل الأول

الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((كن البينة)) المغرب: البينة الحجة

ص: 2608

3759 -

وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف علي يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)). فأنزل الله تصديق ذلك: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} إلي آخر الآية. متفق عليه.

ــ

فيعلة من البينونة أو البيان. ((مح)): هذا الحديث قاعدة شريفة كلية من قواعد إحكام الشرع، ففيه لأنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلي بينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة من كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح، ولا يتمكن المدعى عليه من صون ماله ودمه.

وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور علي أن اليمين تتوجه علي المدعى عليه، سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا. وقال مالك وأصحابه والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا علي من بينه وبينه الخلطة؛ لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد؛ فاشترطت الخلطة دفعا لهذه المفسدة. واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو شاهدين. وقيل: تكفي الشبه. وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها علي مثله. ودليل الجمهور هذا الحديث، ولا أصل لتلك الشرطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع.

الحديث الثاني عن ابن مسعود: قوله: ((علي يمين)) ((نه)): الحلف هو اليمين فخالف بين اللفظين تأكيد لعقده، وهذا أولي مما ذهب إليه الشيخ التوربشتي حيث قال: أقام اليمين مقام المحلوف عليه؛ لما جاء في حديث عبد الله بن إنيس في الفصل الثاني ((وما حلف حالف بالله يمين صبر)). ((مح)): يمين صبر بالإضافة. ((نه)): أي ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم. وقيل لها: مصبورة، وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من اجلها أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيف إليه مجازا.

قوله: ((فاجر)) فيه أن الكذب في الشهادة نوع من أنواع الفجور و ((يقتطع بها)) حال من الراجع إلي المبتدأ في ((فاجر)) فهي حال مؤكدة تصويرا لشناعتها، وهو المعنى باليمين الغموس، وذلك لأن من ارتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى، حيث انتهك حرمة بعد حرمة إحداها: اقتطاع المال لم يكن له ذلك. والثانية: الاستحقاق بحرمة وجب عليه رعايتها، وهي حرمة الإسلام وحق الأخوة. والثالثة: الإقدام علي اليمين الفاجرة [وقوله: ((وهو عليه غضبان)) أي ينتقم منه لأن الغضب إذا أطلق علي الله كان محمولا علي الغاية.

ص: 2609

3760 -

وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه؛ فقد اوجب الله له النار، وحرم الله عليه الجنة)). فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيبا من أراك)). رواه مسلم.

3761 -

وعن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له علي نحو ما أسمع منه. فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)). متفق عليه.

ــ

الحديث الثالث عن أبي أمامة:] * قوله: ((من اقتطع)) ((تو)): أي ذهب بطائفة من ماله ففصلها عنه، قال: اقتطعت من الشيء قطعته. ((مح)): فيدخل في قوله: ((حق امرئ مسلم)) أن من حلف علي غير مال كجلد الميتة والسرجين، وير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحق القذف ونصيب الزوجة في القسم وغير ذلك. قوله:((وحرم عليه الجنة)) يدل علي التأبيد بعد احتمال الخروج من قوله: ((أوجب الله عليه النار)).

قيل: في تأويله وجهان أحدهما: أنه محمول علي المستحيل لذلك وإذا مات عليه. وثإنيهما: أنه قد استحق النار ويجوز العفو عنه، وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين. وأما تقييده صلى الله عليه وسلم بالمسلم فلا يدل علي عدم تحريم حق الذمي، بل لتفظيع شأن مرتكب هذه الفظيعة، كما مر؛ لأن أخوة الإسلام تقتضي القيام بحقه ومراعاة جانبه في سائر ما له وعليه. وهذه الفائدة كافية في التقييد فلا يذهب إلي العمل بالمفهوم.

الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: ((ألحن)) ((غب)): اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم، وذلك أكثر استعمالا، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلي تعريض وفحوى، وهو محمود من حيث البلاغة، وإياه قصد الشاعر بقوله:

وخير الحديث ما كان لحنا

وكذا قوله تعالي: {ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ} ومنه قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام: لحن. ومنه الحديث ((ألحن بحجته)) أي ألسن وأفصح وأبين كلاما وأقدر علي الحجة.

ص: 2610

((مح)): وإنما ابتدأ في الحديث بقوله: ((إنما أنا بشر)) تنبيها علي أن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان، وان الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور إلا ظواهرها، وأنه خلق خلقا لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء. ومن الجائز أن يسمع الشيء فيسبق إلي وهمه أنه صدق، ويكون الأمر بخلاف ذلك، بمعنى: إني إن تركت علي ما جبلت عليه من القضايا البشرية، ولم أأيد بالوحي السماوي طرأ علي منها ما يطرأ علي سائر البشر.

فإن قيل: أو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مصونا في أقواله وأفعاله معصوما علي سائر أحواله؟ قلت: إن العصمة تتحقق فيما يعد عليه دينا ويقصد قصدا، وما نحن فيه فليس بداخل في جملته؛ فإن الله تعالي لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره وهو الاجتهاد في الإصابة. يدل عليه ما روى عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه، وهو في حسان هذا الباب ((إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي)).

((مح)) فيه تنبيه علي حاله البشرية وان البشر لا يعلم من الغيب وبواطن الأمور شيئا، إلا أن يطلعه الله علي شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز علي غيره، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولي السرائر، فيحكم بالبينة واليمين مع إمكان خلاف الظاهر. وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم:((أمرت أن أقاتل الناس – إلي قوله – وحسابهم علي الله)) ولو شاء الله لأطلعه صلى الله عليه وسلم علي باطن أمر الخصمين، فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلي شهادة أو يمين، ولكن لما أمر الله تعالي أمته بإتباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى عليه حكمهم من عدم الاطلاع علي باطن الأمور؛ ليكون للأمة أسوة به في ذلك؛ وتطييبا لنفوسهم في الانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلي الباطن.

فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه يقع منه صلى الله عليه وسلم حكم في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون علي أنه صلى الله عليه وسلم لا يقر علي الخطأ في الأحكام. فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصول؛ لأن مرادهم فينا حكم فيه باجتهاده فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف، الأكثرون علي جوازه.

وأما الذي في الحديث فليس من الاجتهاد في الشيء؛ لأنه حكم بالبينة واليمين، فلو وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء علي ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلا فإن كانا شاهدي زور ونحو ذلك، فالتقصير منهما، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عتب عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، وفيه دلالة علي أن حكم الحاكم لا يحل حراما، فإذا شهد شاهد زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم له، لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهد عليه بقتل لم يحل للوالي قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا علي أنه طلق امرأته، لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها. انتهي كلامه. وإليه

ص: 2611

3762 -

وعن عائشة [رضي الله عنها]، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم)) متفق عليه.

3763 -

وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. رواه مسلم.

ــ

الإشارة بقوله: ((فمن قضيت له بشيء)) إلي أخره، يعني إن قضيت له يظاهر يخالف الباطن فهو حرام، فلا يأخذن ما قضيت له؛ لأنه اخذ ما يؤول به إلي قطعة من النار. فوضع المسبب – وهو قطعة من النار – موضع السبب وهو ما حكم به له.

الحديث الخامس عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((الألد الخصم)) تو)): الألد الشديد الخصومة، والأصل في الألد الشديد اللديد، وهو صفحة العنق. وذلك لما لا يمكن صرفه عما يريده، والخصم المختص بالخصومة، فالأول منبئ عن الشدة، والثاني عن الكثرة. أقول: هذا إذا قيد الألد بالخصومة فرارا عن التكرار وإذا ترك علي أصله يكون المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته، فلا يلزم التكرار، وعليه قوله تعالي:{وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ} الكشاف: أي شديد الجدال. وإضافة ((الألد)) بمعنى ((في)) أو جعل الخصام ألد علي المبالغة.

الحديث السادس عن ابن عباس: قوله: ((بيمين وشاهد)) ((مظ)): يعني كان للمدعي شاهد واحد، فأمره رسول الله ص أن يحلف علي ما يدعيه بدلا من الشاهد الآخر، فلما حلف قضى واحد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ادعاه. وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين، بل لابد من شاهدين، وخلافهم في الأموال. فأما إذا كانت الدعوى في غير الأموال، فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق.

((تو)): وجه هذا الحديث عند من لا يرى القضاء باليمين والشاهد الواحد علي المدعي عليه، أنه يحتمل أن يكون قضى بيمين المدعى عليه بعد أن أقام المدعي شاهدا واحدا، وعجز عن أن يتم البينة وذلك لأن الصحابي لم يبين في حديثه صفة القضاء، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بطرق مرضية أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد، وهذه الرواية تقوي ذلك الاحتمال، فلا يترك مع وجود ذلك الاحتمال ما ورد به التنزيل، قال الله تعالي:{واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ} فلما ورد التوفيق بذلك، لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به.

ص: 2612

3764 -

وعن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني علي أرض لي فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، ليس له فيها حق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم

ــ

واستدلوا أيضا بحديث علقمة بن وائل الذي يتلو حديث ابن عباس هذا. وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألك بينة)) قال: لا. قال: ((فلك يمينه)). فلما أعاد عليه القول، قال:((ليس لك منه إلا ذلك)).

أقول: قوله: إلا بدليل مقطوع به يقال له: هل يجاء بأقطع من هذا الحديث صحة ونصا، أما الصحة فقد رواه مسلم في صحيحة. قال الشيخ محي الدين: وجاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله ابن عمرو والمغيرة رضوان الله عليهم أجمعين، وهو حجة جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار.

وأما ظاهر النص فإن ((قضى)) يستعمل بالباء واللام وعلي، والباء للسببية، فإذا قلت: قضى للمدعي علي المدعى عليه بسبب البينة واليمين استقام وصح. ولو قلت: قضى للمدعى عليه بسبب يمينه وشاهد للمدعي أبعدت المرمى وركبت شططا، ولكن أولائك الرامية في حذف البان الحائزة بصب السبق في حلبة الميدان، السابقون والمصلون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أصابوا المخبر وركبوا متن الصواب، فعلي هذا أنى يكون للاحتمال فيه مجال.

وأما قوله: ((ألك بينة)) التنكير فيه للشيوع أي ألك بينة ما، فقوله:((لا)) يريد به أن ليس لي بينة أصلا، فكيف يستدل بهذا علي المطلوب؟ إذ لو كان له شاهد واحد لم يقل للمدعي فلك يمينه، بل فعليك اليمين.

الحديث السابع عن علقمة: قوله: ((وهو عنه معرض)) هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته] *، نحوه قوله تعالي:{ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} و ((غلبني علي أرض)) أي غصبها مني قهرا. ((مح)) وفي رواية ((علي أرض لأبي)). وفيه أنواع من الفوائد منها: أن صاحب اليد أولي من أجنبي يدعي عليه. ومنها: أن المدعي عليه يلزمه اليمين إذا لم يقر، ومنها: أن البينة تقدم علي اليد ويقضى بها لصاحبها بغير يمين. ومنها أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل، ويسقط عنه المطالبة بها.

ص: 2613

للحضرمي: ((ألك بينة؟)) قال: لا. قال: ((فلك يمينه)) قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر، لا يبالي علي ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء قال:((ليس لك منه إلا ذلك)). فانطلق ليحلف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: ((لئن حلف علي ماله ليأكله ظلما؛ ليلقين الله وهو عنه معرض. رواه مسلم.

3765 -

وعن أبي ذر [رضي الله عنه]، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من ادعى ما ليس له؛ فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار)) رواه مسلم.

3766 -

وعن زيد بن خالد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) رواه مسلم.

ــ

ومنها: أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه: إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه. ومنها: أن الوارث إذا ادعى شيئا لمورثه، وعلم الحاكم أن مورثه مات ولا وارث له سواه، جاز الحكم له به ولم يكلفه حال الدعوى ببينة علي ذلك، وموضوع الدلالة أنه قال:((غلبني علي أرض لي كانت لأبي)) فقد أقر بأنها كانت لأبيه، فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأنه ورثها وحده، لطالبه ببينة علي كونه وارثا وبينة أخرى علي كونه محقا في دعواه علي خصمه.

الحديث الثامن والتاسع عن زيد: قوله: ((يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) ((مح)): فيه تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي، أنه محمول علي من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه، فيخبره بأنه شاهد له؛ لأنها أمانة له عنده. والثاني أنه محمول علي شهادة الحسبة في غير حقوق الآدميين، كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلي القاضي وإعلامه به، قال تعالي:{وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} ، وحكي تأويل ثالث أنه محمول علي المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها، كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال، أي يعطي سريعا عقيب السؤال من غير توقف، وليس هذا في الحديث مناقضة للحديث الآخر من قوله صلى الله عليه وسلم:((يشهدون ولا يشهدون)). قال أصحابنا: إنه شاهد زور فيشهد بما لا أصل له، ولم يستشهد. وقيل: هو الذي انتصب شاهدا وليس من أهل الشهادة.

ص: 2614

3767 -

وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)) متفق عليه.

3768 -

وعن أبي هريرة [رضي الله عنه] ، أن انبي صلى الله عليه وسلم عرض علي قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف. رواه البخاري.

الفصل الثاني

3769 -

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((البينة علي المدعي، واليمين علي المدعى عليه)).رواه الترمذي [3769]

3770 -

وعن أم سلمه [رضي الله عنها]، عن النبي صلى الله عليه وسلم: في رجلين اختصما إليه في مواريث لم تكن لهما بينة إلا دعواهما. فقال: ((من قضيت له بشيء من حق

ــ

الحديث العاشر عن ابن مسعود: قوله: ((خير الناس قرني)) ((نه)): القرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار كل زمان، مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم.

قوله: ((تسبق شهادة أحدهم يمينه)) ((قض)): هم الذين يحرصون علي الشهادة مشغوفين بترويجها، يحلفون علي ما يشهدون به، فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون. ((مظ)): هذا يحتمل أن يكون مثلا في سرعة الشهادة واليمين، وحرص الرجل عليهما والشروع فيهما، حتى لا يدري لأنه بأيهما يبتدئ، فكأنه تسبق شهادته يمينه ويمينه شهادته من قلة مبالاته بالدين. ((مح)): واحتج به المالكية في رد شهادة من لف معها، والجمهور علي أنها لا ترد.

الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((فأمر أن يسهم بينهم)) ((مظ)): صورة المسالة أن رجلين إذا تداعيا متاعا في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة، وقال الثالث: لم أعلم بذلك. فحكمها أن يقرع بين المتداعيين، فأيهما خرجت له القرعة يحلف معها، ويقضي له بذلك المتاع، وبهذا قال علي رضي الله عنه. وعند الشافعي يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين.

الفصل الثاني

الحديث الأول والثاني عن أم سلمه: قوله: ((إلا دعواهما)) هو من باب التعليق بالمحال مبالغة، كقوله تعالي:{لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلَاّ المَوْتَةَ الأُولي} أي لم تكن لهما بينة إلا الدعوى، وقد علم أن الدعوى ليست ببينة فيلزم أن لا يكون لهم بينة قط. وقوله:((كل واحد منهما)) بدل من ((الرجلان)) أي قال كل واحد من الرجلين.

ص: 2615

أخيه؛ فإنما اقطع له قطعة من النار)). فقال الرجلان كل واحد منهما: يا رسول الله حقي هذا لصاحبي فقال: لا، ولكن اذهبا، فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم أستهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه)). وفي رواية، قال:((إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي فيه)) رواه أبو داود. [3770]

3771 -

وعن جابر بن عبد الله: أن رجلين تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي في يده. رواه في ((شرح السنة)). [3771]

3772 -

وعن أبي موسى الأشعري: أن رجلين ادعيا بعيرا علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين. رواه أبو داود وفي رواية له وللنسائي، وابن ماجه: أن رجلين ادعيا بعيرا ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. [3772]

ــ

قوله: ((توخيا الحق)) ((نه)): يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيا إذا قصدت إليه وتعمدت فعله وتحريت فيه. أي اقصدا الحق فيما تصنعانه من القسمة، وليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة قبل أمرها بالتوخي في معرفة مقدار الحق. وذلك يدل علي أن الصلح لا يصح إلا في الشيء المعلوم ثم ضم إليه القرعة؛ لأن التوخي طلب الظن، والقرعة نوع من البينة فهي أقوى، ثم أمر بالتحليل ليكون افتراقهما عن يقين براءة وطيبة نفس.

الحديث الثالث عن جابر: قوله: ((أن رجلين تداعيا)) ((حس)): قالوا: إذا تداعى رجلان دابة أو شيئا وهو في يد احدهما فهو لصاحب اليد، ويحلف عليه إلا أن يقيم الآخر بينة فيحكم له به، فلو أقام كل واحد بينة ترجح بينة ذي اليد. وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي أن بينة ذي اليد غير مسموعة وهو للخارجي، إلا في دعوى النتاج إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة ملكه نتجها، وأقام بينة علي دعواه يقضي بها لصاحب اليد. وإن كان الشيء في أيديهما فتداعيا حلفا، وكان بينهما مقسوما بحكم اليد، وكذلك لو أقام كل واحد بينة، ومعنى ((نتجها)) أي ولدها ومصدره النتج.

الحديث الرابع عن أبي موسى: قوله: ((فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما)) هذا مطلق يحمل علي المقيد الذي يليه في قوله: ((أستهما علي اليمين)).

ص: 2616

3773 -

وعن أبي هريرة، أن رجلين اختصما في دابة، وليس لهما بينة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((أستهما علي اليمين)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [3773]

3774 -

وعن ابن عباس: أن انبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل حلفه: ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عندك شيء)) يعني للمدعي. رواه أبو داود. [3774]

3775 -

وعن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:((ألك بينة؟)) قلت: لا. قال لليهودي: ((احلف)) قلت: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالي:{إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} الآية، رواه أبو داود، وابن ماجه. [3775]

3776 -

وعنه، أن رجلا من كندة، ورجلا من حضر موت، اختصما إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض من اليمن. فقال الحضرمي: يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده. قال:((هل لك بينة؟)) قال: لا، ولكن أحلفه، والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه؟ فتهيأ الكندي لليمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا يقطع أحد مالا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم)) فقال الكندي: هي أرضه. رواه أبو داود. [3776]

ــ

الحديث الخامس إلي السابع عن الأشعث: قوله: ((فأنزل الله تعالي)) فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: ((إذن يحلف ويذهب بمالي))؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: كأنه قيل للأشعث: ليس لك عليه إلا الحلف فإن كذب فعليه وباله. وثإنيهما: لعل الآية تذكار لليهود بمثلها في التوراة من الوعيد. ((حس)): فيه دليل علي أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم. أقول: قد جاء في آخر هذا الحديث في أكثر نسخ المصابيح ((صح)) أو ((صحيح)) وليس في سنن أبي داود وابن ماجه وشرح السنة ذلك.

الحديث الثامن عن الأشعث: قوله: ((والله ما يعلم)) ما هو اللفظ المحلوف به أي أحلفه بهذا. والوجه أن تكون الجملة القسمية منصوبة المحل علي المصدر، أي أحلفه هذا الحلف. وقوله:((وهو أجذم)) أي أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده.

الحديث التاسع عن عبد الله: قوله: ((واليمين الغموس)) ((نه)): هي اليمين الكاذبة الفاجرة التي

ص: 2617

3777 -

وعن عبد الله بن إنيس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة، إلا جعلت نكتة في قلبه إلي يوم القيامة)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [3777]

3778 -

وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلف أحد عند منبري هذا علي يمين آثمة، ولو علي سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار)). رواه مالك، وأبو داود، وابن ماجه. [3778].

ــ

يقتطع بها الحالف مال غيره. سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار وفعول للمبالغة. ((مظ)): قوله: ((فأدخل فيها)) أي فأدخل في تلك اليمين شيئا من الكذب.

أقال: ذكر صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء وخص الأخيرة منها بالوعيد ليؤذن بأنها مثلها، وداخلة في أكبر الكبائر حذرا من احتقار الناس لها، وإنها ليست من الكبائر مثلها، ونحوه في الإلحاق قوله صلى الله عليه وسلم في حديث خريم بن فاتك:((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله)) ومعنى الانتهاء في قوله ((إلي يوم القيامة)) أن اثر تلك النكتة التي هي من الرين يبقي أثرها إلي يوم القيامة، ثم بعد ذلك يترتب عليه وبالها والعقاب عليها، فكيف إذا كان كذبا محضا.

الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((عند منبري هذا)) ((تو)): وجه ذكر المنبر فيه عند من يري ذلك تغليظا في اليمين ظاهر. وأما عند من لا يرى التغليظ يتأتي في شيء من الأزمنة والأمكنة، فالوجه فيه أن يقال: إنما جرى ذكر المنبر؛ لأنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذ في المسجد، فاتخذوا الجانب الأيمن منه وهناك المنبر محلا للأقضية، فذكر في الحديث علي ما كان. وارى هذا تأويلا حسنا لا يرى العدول عنه؛ لئلا يفتقر أن يعدل بالحلف بالله شيئا، واليمين الآثمة موجبة لسخط الله ونكاله علي أية صيغة كانت.

أقول: ولناصر القول الأول أن يقول: وصف المنبر باسم الإشارة بعد إضافته إلي نفسه ليس إلا للتعظيم، وان للمكان مدخلا في تغليظ اليمين. وقوله:((أخضر)) تتميم لمعنى التحقير في السواك؛ لأنه لا يستعمل إلا يابسا، يعني أن مثل هذا المحلوف عليه الذي لا يعتد به لليمين، بل يعد لغوا بسبب العرف، ولا يؤاخذ بها إذا ترتب عليه هذا الوعيد الشديد لأجل هذا المكان الرفيع فكيف بما هو فوقه؟ وفيه أن الإيمان إنما تصير مغلطة بحسب المكان والزمان، لا بحسب المحلوف عليه وإن كان عظيما.

ص: 2618

3779 -

وعن خريم بن فاتك، قال: صلي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما انصرف، قام قائما، فقال:((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله)) ثلاث مرات، ثم قرأ:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ} رواه أبو داود، وابن ماجه. [3779]

3780 -

ورواه أحمد، والترمذي عن أيمن بن خريم، إلا أن ابن ماجه لم يذكر القراءة. [3780]

3781 -

وعن عائشة [رضي الله عنها]، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا مجلود حدا، ولا ذي غمر علي أخيه، ولا ظنين في ولاء

ــ

الحديث الحادي عشر عن خريم بن فاتك: قوله: ((قام قائما)) هو اسم الفاعل أقيم مقام المصدر، وقد تقرر في علم المعإني أن كل عدول عن الظاهر لابد فيه من عكسه وفي عكسه، فكأن قيامه صلى الله عليه وسلم صار قائما علي الإسناد المجازي، كقولهم: نهاره صائم وليله قائم، وذلك يدل علي عظم شأن ما قام له وتجلد وتشمر بسببه.

و ((الزور)) من الزور والإزورار وهو الانحراف، وإنما ساوي قول الزور الشرك بالله؛ لأن الشرك من باب الزور؛ لأن المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة. وفي التنزيل عطف قول الزور علي عبادة الأوثان، وكرر الفعل استقلالا فيما هو مجتنب عنه في كونهما من وادي الرجس، الذي يجب أن يجتنب عنه فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور. واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة وما ظنك بشيء من قبيل عبادة الأوثان، وسمي الأوثان رجسا علي طريق التشبيه، يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبوه، فعليكم أن تنفروا من الأوثان مثل تلك النقرة. وقرر هذا المعنى تقريرا بعد تقرير بقوله:{حُنَفَاءَ} فإنه حال مؤكدة من الفاعل، واتبعه بقوله:{لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ} دلالة علي أن لا فرق بين الإشراك بالله وقول الزور. وإنهما سيان في الرجس الذي يجب أن يجتنب عنه، وفيه أن مراعاة حق العباد معادلة لحق الله تعالي.

الحديث الثاني عشر عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((لا تجوز شهادة خائن)) ((قض)): الخائن الذي يخون قيما ائتمنه عليه الناس، ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه، وهو الذي

ص: 2619

ولا قرابة، ور القانع مع أهل البيت)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ويزيدبن زياد الدمشقي الراوي منكر الحديث. [3781]

3782 -

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجوز شهادة الخائن، ولا خائنة، ولا زان، ولا زإنية، ولا ذي غمر علي أخيه)). ورد شهادة القانع لأهل البيت. رواه أبو داود. [3782]

ــ

يخون فيما ائتمن عليه سواء ما ائتمنه الله عليه من إحكام الدين، أو الماس من الأموال، قال الله تعالي:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} ويكون إفراد المجلود حدا وعطفه عليه لعظم خيانته، وهو يتناول الزإني غير المحصن والقاذف والشارب.

((مظ)): قال أبو حنيفة: إذا جلد قاذف لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب، وأما قبل الجلد فتقبل شهادته. وقال غيره: القذف من جملة الفسوق ولا يتعلق بإقامة الحدود بل إن تاب قبلت شهادته سواء جلد أو لم يجلد، وإن لم يتب لا تقبل شهادته سواء جلد أو لم يجلد. و ((الغمر)) بكسر الغين الحقد، أي لا تقبل شهادة عدو، سواء كلن أخاه من النسب أو أجنبيا. وعلي هذا إنما قال:((علي أخيه)) تليينا لقلبه وتقبيحا لصنيعه.

و ((الظنين)) المتهم، يعني من قال: أنا عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه، ولا تقبل شهادته لأنه فاسق؛ لأنه قطع الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بعتيقه كبيرة، وراكبها فاسق. وكذلك الظنين في القرابة وهو المدعي القائل أنا ابن فلان أو أنا اخو فلان من النسب والناس يكذبونه فيه.

والقانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت، والمراد به هاهنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته؛ لأنه يجر نفعا بشهادته إلي نفسه؛ لأن ما حصل للمشهود له من المال يعود نفعه إلي الشاهد؛ لأنه يأكل من نفقته. وكذلك لا تقبل شهادة من جر نفعا بشهادته إلي نفسه، كالوالد يشهد لولده أو الولد لوالده أو الغريم يشهد بمال المفلس علي أحد، وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافا لأبي حنيفة وأحمد. وتقبل شهادة الأخ لأخيه خلافا لمالك.

الحديث الثالث عشر عن عمرو: قوله: ((شهادة القانع لأهل البيت)) معنى ((مع)) في الحديث السابق بمعنى هذه اللام فيكزن حالا من القانع. والعامل الشهادة، أي لا تجوز شهادة القانع

ص: 2620

3783 -

وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا تجوز شهادة بدوي علي صاحب قرية)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [3783]

3784 -

وعن عوف بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالي يلوم علي العجز ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل)) رواه أبو داود. [3784]

3785 -

وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة. رواه أبو داود، وزاد الترمذي والنسائي: ثم خلي عنه. [3785]

ــ

مقارنة لأهل البيت. ويجوز أن يكون صفة للقانع، واللام موصولة وصلة الشهادة محذوف، أي لا يجوز شهادة الذي يقنع مع أهل البيت لهم.

الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لا تجوز شهادة بدوي)) ((مظ)): إنما لا تجوز شهادة البدوي لجهالتهم بأحكام الشريعة، وبكيفية تحمل الشهادة وأدائها وغلبة النسيان عليهم فإن علم كيفية تحمل الشهادة وأدائها بغير زيادة ونقصان، وكان عدلا من أهل قبول الشهادة جازت شهادته خلافا لمالك – انتهي كلامه -.

قيل: إن كانت العلة جهالتهم بأحكام الشريعة لزم أن لا يكون لتخصيص قوله:

((علي صاحب قرية)) فائدة. والوجه أن تكون العلة ما قاله التوربشتي وهو قوله: لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين. ويؤيده تعدية الشهادة بـ ((علي)) وفيه أنه لو شهد له تقبل، وقيل: لا يجوز لأنه يعسر طلبه عند الحاجة إلي أداء الشهادة.

الحديث الخامس عشر عن عوف: قوله: ((ولكن عليك بالكيس)) هو استدراك من العجز والمراد بالكيس هنا التيقظ في الأمر وإتيانه بحيث يرجى حصوله، فيجب أن يحمل العجز علي ما يخالف الكيسن وما هو سبب له من التقصير والغفلة، يعنى كان ينبغي لك أن تتيقظ في معاملتك، ولا تقصر فيها قيل من إقامة البينة ونحوها بحيث إذا حضرت القضاء كنت قادرا علي الدفع، وحين عجزت عن ذلك قلت: حسبي الله.

وإنما يقال: حسبي الله إذا بولغ في الاحتياط، وإذا لم يتيسر له طريق إلي حصوله كان معذورا فيه، فليقل حينئذ: حسبي الله ونعم الوكيل، فمعنى قوله:((إن الله يلوم علي العجز)) أي

ص: 2621