الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(4) باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد
الفصل الأول
3533 -
عن عكرمة، قال: أتي علي بزنادقة، فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه البخاري.
ــ
أنا أبو النجم وشعري شعري
يعني ليس لنا شاهدان وهم أدهي وأنكر من أن يباشروا قتل المسلمين بما يؤاخذون.
وقوله: ((وقد يجترئون علي أعظم من هذا)) يعني من أهل النفاق ومخادعة الله ورسوله، وقتل الأنبياء بغير حق وتحريف الكلم عن مواضعه. والله أعلم بالصواب.
باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد
الفصل الأول
الحديث الأول عن عكرمة: قوله: ((بزنادقة)) ((قض)): الزنادقة قوم من المجوس يقال لهم: الثنوية، يقولون بمبدأين: أحدهما النور وهو مبدأ الخيرات، والثاني الظلمة وهو مبدأ الشرور.
ويقال: إنه معرب مأخوذ من الزند، وهو كتاب بالفهلوية كان لزرادشت المجوسي، ثم استعمل لكل ملحد في الدين. وجمعه الزنادقة والهاء فيه بدل الياء المحذوفة، فإن أصله زناديق.
والمراد به قوم ارتدوا عن الإسلام؛ لما أورد أبو داود في كتابه: أن عليا رضي الله عنه أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام.
وقيل: قوم من السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، أظهر الإسلام ابتغاء للفتنة وتضليلا للأمة، فسعى أولا في إثارة الفتنة علي عثمان، حتى جرى عليه ما جرى، ثم انصرف إلي الشيعة واخذ في تضليل جهالهم حتى اعتقدوا أن عليا رضي الله عنه هو المعبود، فعلم بذلك علي فأخذهم واستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفرا وأشعل النار فيها، ثم أمر بأن يرمى بهم فيها.
والإحراق بالنار وإن نهي عنه كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما، لكن جوز للتشديد بالكفار والمبالغة في النكاية والنكال كالمثلة.
أقول: فإن قلت: ((ولقتلهم)) عطف علي جواب ((لو)) فلم أتى باللام في الثاني وعدل عن الأول؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن ((لو)) لما لم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة قبلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث تعليق أحد الأمرين بالآخر، افتقرت في الجواب إلي ما ينصب علما علي هذا التعليق وهو اللام. فإذا حذفت بعد ذلك لم يبال بإسقاطه استغناء
3534 -
وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن النار لا يعذب بها إلا الله)) رواه البخاري.
3535 -
وعن علي [رضي الله عنه]، قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز أيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) متفق عليه.
ــ
لشهرة أمره، علي أن الجواب منفي ب ((لم)) وهي مانعة لدخولها. وثإنيا: أن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخل في الثاني، لأن القتل أهم وأحرى من غيره لورود النص ((إن النار لا يعذب بها إلا الله)) لأنه أشد العذاب؛ ولذلك أوعد بها الكفار، والاجتهاد يضمحل عنده. ولعل عليا رضي الله عنه لم يقف عليه واجتهد.
((تو)): كان ذلك منه عن رأي واجتهاد لا عن توقيف؛ ولهذا لما قول ابن عباس رضي الله عنهما: ((لو كنت أنا لم احرقهم)) الحديث، قال: ويح أم ابن عباس. وأكثر أهل العلم علي أن القول ورد مورود المدح والإعجاب بقوله. وينصره ما جاء في رواية أخرى عن شرح السنة: فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس رضي الله عنهما. وقوله: ((لو كنت أنا)) تأكيد للضمير المتصل، والخبر محذوف أي لو كنت أنا بدله.
الحديث الثاني والثالث عن علي رضي الله عنه: قوله: ((حداث الأسنان)) ((نه)): حداثة السن كناية عن الشباب وأول العمر، والسفه في الأصل الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربا لا استقامة له. والأحلام العقول واحدها حلم بالكسر. قوله:((من خير قول البرية)) وفي المصابيح ((من قول خير البرية)) ((شف)): المراد ب ((خير البرية)) النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الكتاب بتقديم الخير علي القول.
((مظ)): أراد بخير قول البرية القرآن. أقوال: وهذا الوجه أولي؛ لأن ((يقولون)) هنا بمعنى يحدثون أو يأخذون من خير ما يتكلم به البرية. وينصره ما روى في شرح السنة: وكان ابن عمر رضي الله عنهما يرى الخوارج شرار خلق الله تعالي، وقال: إنهم انطلقوا إلي آيات نزلت في الكفار فجعلوها علي المؤمنين. وما ورد في حديث أبي سعيد ((يدعون إلي كتاب الله وليسوا منا في شيء)).
قوله: ((حناجرهم)) ((نه)): الحنجرة رأس الغلصمة حيث تراه ناتئا من خارج الحلق، والجمع الحناجر. ((فا)): المروق الخروج، ومنه المرق وهو الماء الذي يستخرج من اللحم عند الطبخ
3536 -
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يكون أمتي فرقتين، فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق)) رواه مسلم.
3537 -
وعن جرير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: ((لا ترجعن بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض)) متفق عليه.
ــ
للائندام به. ((مظ)) *: أراد ب ((الدين)) الطاعة، أي إنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها.
قوله: ((من الرمية)) هي فعيلة بمعنى مفعول، والياء فيه لنقل اللفظ من الوصفية إلي الاسمية.
((نه)): الرمية الصيد الذي ترميه فتقصده، يريد أن دخولهم في الدين ثم خروجهم منه ولم يتمسكوا منه بشيء، كالسهم الذي دخل في الرمية ثم نفذ فيها وتخرج منها، ولم يعلق به منها شيء.
((مظ)) *: أجمع علماء المسلمين علي أن الخوارج – علي ضلالتهم – فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وقبول شهادتهم، وسئل علي رضي الله عنه عنهم فقيل: أكفار هم فقال: من الكفر فروا. فقيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا.
الحديث الرابع عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((يلي قتلهم)) أي يباشر قتلهم، يقال: ولي الرجل البيع ولاية. ((شف)): قوله: ((يلي قتلهم)) إلي آخره صفة ل ((مارقة)) أي يلي قتل المارقة وهي الخوارج أولي أمتي بالحق. أقول: ويحتمل أن يراد بالحق الله سبحانه وتعالي بدلالة قوله في الحديث الآتي: ((كان أولي بالله منهم)).
فإن قلت: قوله: ((من بينهما)) يقتضي أن تكون إحدى الفرقتين علي الحق، والأخرى علي الباطل. وقوله:((من بينهما)) يقتضي أن تكون المارقة خارجة منهما معا. قلت: هو كقوله تعالي: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ} ((الكشاف)): لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه، وتقول: خرجت من البلدة وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من دوره؛ ولهذا يحسن أن يرجع أحد الضميرين في الصفة إلي المارقة والآخر إلي قوله:((أمتي)).
3538 -
وعن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إذا التقى المسلمان حمل أحدهما علي أخيه السلاح؛ فهما في جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه، دخلاها جميعا)). وفي رواية عنه: قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار)) قلت: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال:((إنه كان حريصا علي قتل صاحبه)) متفق عليه.
3539 -
وعن أنس، قال: قدم علي النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل فأسلموا، فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوابها وألبانها، ففعلوا فصحوا،
ــ
الحديث الخامس عن جرير رضي الله عنه: قوله: ((لا ترجعن بعدي كفارا)) ((مح)): فيه سبعة أقوال: أحدهما: أن ذلك كفر في حق المستحيل بغير حق. وثإنيها: أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام. وثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. ورابعها: أنه فعل الكفار. وخامسها: نفي حقيقة الكفر أي لا تكفروا بل دوموا مسلمين. وسادسا عن الخطابي: معناه المتكفر بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه. وسابعها عنه أيضا: معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتل بعضكم بعضا. واظهر الأقوال القول الرابع، وهو اختيار القاضي عياض.
وقوله: ((يضرب)) بسكون الباء ضبطه بعض العلماء، قال أبو البقاء: هو جواب النهي علي تقرير الشرط، أي أن ترجعوا يضرب بعضكم. أقول: علي الرواية المشهورة استئناف وارد علي بيان النهي، أي أن كأن سائلا قال: كيف نرجع كفارا؟ فقيل: يضرب بعضكم رقاب بعض فعل الكفار، أو يقال: لم نرجع كفارا بعد كوننا مسلمين؟ قيل: ضرب بعضكم رقاب بعض يؤدي إلي الكفر.
الحديث السادس عن أبي بكرة: قوله: ((حمل أحدهما)) حال، و ((قد)) مقدرة، والمعنى إذا التقى المسلمان حاملان كل واحد منهما علي الآخر السلاح، ولابد من هذا التقدير ليطابق الشرط الجزاء، وهو قوله:((فهما في جرف جهنم)) والجرف ما يجرفه السيول من الأودية. وقوله: ((فإذا قتل)) مع جوابه عطف علي الشرط الأول. وقوله: ((هذا القاتل)) أي هذا الحكم ظاهر في شأن القاتل؛ لأنه ظالم فما بال المقتول المظلوم؟.
الحديث السابع عن انس رضي الله عنه: قوله: ((نفر)) ((قض)): النفر بالتحريك قوم من ثلاثة إلي عشرة، وقد قبل: إنهم كانوا ثمإنية. و ((عكل)) اسم قبيلة أو بلدة، والمراد بها هاهنا القبيلة، ((فاجتووا المدينة)) أي كرهوا هواء المدينة واستوخموها، ولم يوافقهم المقام بها.
وإنما مثل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نهيه عن المثلة، إما لعظم جرمهم؛ فإنهم جمعوا بين الارتداد ونبذ العهد والاغتيال، وقتل النفس ونهب المال، أو لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة فاقتص
فارتدوا، وقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم، فأتي بهم فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. وفي رواية: فسمروا أعينهم، وفي رواية: أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستقون فيما يسقون حتى ماتوا. متفق عليه.
الفصل الثاني
3540 – عن عمران بن حصين، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا علي الصدقة، وينهانا عن المثلة. رواه أبو داود. [3540]
3541 -
ورواه النسائي عن أنس. [3541]
3542 -
وعن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
ــ
منهم بمثل صنيعهم. و ((السمل)) فقأ العين، يقال: سملت عينه إذا فقأتها بحديدة محماة أو نحوها. وقوله: ((ثم لم يحسمهم)) أي لم يقطع دماً بالكي ونحوه حتى ماتوا.
((مح)): اختلفوا في معنى الحديث، فقيل: كان هذا قبل نزول الحدود، وآية المحاربة مع قطاع الطريق، والنهي عن المثلة فهو منسوخ. وقيل: ليس بمنسوخ، وفيه نزلت الآية. وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم قصاصاً. وقيل: النهي عن المثلة نهي تنزيه. وأما قوله: ((فما يسقون)) فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ولا نهي عن السقي. وقد أجمعوا علي أن من وجب عليه القتل واستسقى لا يمنع الماء قصداً فيجتمع عليه عذابان. وقيل: كان منع الماء هنا قصاصاً. وقال أصحابنا: لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه مرتداً يخاف الموت من العطش، ولو كان ذمياً أو بهيمة وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ.
واستدل أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث أن بول ما يؤكل وروثه طاهران. وأجاب أصحابنا وغيرهم من القائلين بنجاستهما بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى المسكرات، وإنما أجاز شربهم أبوال إبل الصدقة، لأنها للمحتاجين من المسلمين وهؤلاء منهم.
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن عبد الرحمن: قوله: ((فرأينا حمرة)) ((فا)): هي طائر صغير
سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها. فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:((من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)). ورأي قرية نمل قد حرقناها، قال:((من حرق هذه؟)) فقلنا: نحن. قال: ((إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)) رواه أبو داود. [3542]
3543 -
وعن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى
ــ
كالعصفور، وتكون دهساء وكدراء ورقشاء، والدهساء هي التي يكون لها غبرة تضرب إلي الحمرة. قوله:((تفرش)) ((نه)): هو أن تفرش جناحيها، وتقرب من الأرض وترفرف. والتفريش أن ترتفع وتظلل بجناحيها علي من تحتها.
قوله: ((لا ينبغي أن يعذب)) ((قص)): إنما منع التعذيب بالنار؛ لأنه أشد العذاب؛ ولذلك أوعد بها الكفار. أقول: لعل المنع من التعذيب بها في الدنيا؛ لأن الله تعالي جعل النار فيها لمنافع الناس وارتفاقهم، فلا يصح منهم أن يستعملوها في الإضرار، ولكن له أن يستعملها فيه؛ لأنه ربها ومالكها يفعل ما يشاء من التعذيب بها والمنع منه، وإليه أشار بقوله:((رب النار)) وقد جمع الله تعالي الاستعمالين في قوله: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ومَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ} أي تذكيراً لنار جهنم لتكون حاضرة للناس يذكرون ما أوعد به، وعلقنا بها أسباب المعايش كلها.
الحديث الثالث عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((سيكون في أمتي اختلاف)) فيه وجهان أحدهما: أن يقدر مضاف أي أهل اختلاف وفرقة. وقوله: ((قوم يحسنون)) إلي آخره، بدل منه وموضع له، وثإنيهما: أن يراد به نفس الاختلاف، أي سيحدث فيهم اختلاف وتفرق، فيتفرقون فرقتين فرقة حق وفرقة باطل. ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الفصل الأول:((تكون أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق)) فقوم مبتدأ موصوف بما بعده، والخبر ((يقرءون القرآن)) بيان لإحدى الفرقتين، وتركت الثانية للظهور. قوله:((يحسنون القيل)) أي القول، يقال: قلت قولا وقالا وقيلا، قال الله تعالي:{ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} .
قوله: ((لا يجاوز تراقيهم)) ((نه)): التراقي جمع ترقوه، وهي العظم الذي بين ثغر النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. ووزنها فعلوة – بالفتح – انتهي كلامه. وفيه وجوه أحدها:
يرتد السهم علي فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه. يدعون إلي كتاب الله وليسوا منا في شيء، من قاتلهم كان أولي بالله منهم)) قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: ((التحليق)) رواه أبو داود. [3543]
ــ
أنه لا يتجاوز أثر قراءتهم عن مخارج الحروف والأصوات، ولا يتعدى إلي القلوب والجوارح، فلا يعتقدون وفق ما يقتضي اعتقاداً، ولا يعملون بما يوجب عملاً. وثإنيهما: أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وكأنها لم تتجاوز حلوقهم. وثالثها: أنهم لا يعملون بالقرآن فلا يثابون علي قراءته، ولا يحصل لهم غير القراءة. قوله:((مروق السهم)) مصدر أي مثل مروق السهم، ضرب مثلهم في دخولهم في الدين وخروجهم منه بالسهم الذي لا يكاد يلاقيه شيء من الدم لسرعة نفوذه، تنبيهاً علي أنهم لا يتمسكون من الدين بشيء، ولا يلوون عليه. وقد أشار إلي هذا المعنى في غير هذه الرواية بقوله:((سبق الفرث والدم)).
قوله: ((حتى يرتد السهم علي فوقه)) كقوله تعالي: {ارْتَدُّوا عَلي أَدْبَارِهِم} والفوق موضع الوتر من السهم، وهذا من التعليق بالمحال علي رجوعهم إلي الدين بما يعد من المستحيلات؛ مبالغة في إصرارهم علي ما هم عليه حسما للطمع في رجوعهم إلي الدين، كما قال تعالي:{ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} وفيه من اللطف أنه راعى بين التمثيلين المناسبة في أمر واحد، مثل أولا خروجهم من الدين بخروج السهم من الرمية، وثإنياً فرض دخولهم فيه ورجوعهم إليه برجوع السهم علي فوقه إلي ما خرج منه من التوتر.
قوله: ((هم شر الخلق والخليقة)) ((نه)): ((الخلق)) الناس، و ((الخليقة)) البهائم. وقيل: هما بمعنى واحد ويريد بهما جميع الخلائق. ((تو)): ((الخليقة)) في الأصل مصدر وإنما جاء باللفظين تأكيداً للمعنى الذي أراده وهو استيعاب أصناف الخلق، ويحتمل أنه أراد بـ ((الخلقية)) من خلق، وبـ ((الخلق)) من سيخلق. ((قض)):((هم شر الخلق))؛ لأنهم جمعوا بن الكفر والمراء فاستبطنوا الكفر، وزعموا أنهم أعرف الناس بالإيمان وأشدهم تمسكاً بالقرآن فضلوا وأضلوا. قوله:((طوبى لمن قتلهم)) أصله فعلي من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واواً، والمعنى أصاب خيراً من قتلهم؛ فإنه غاز وإن قتلوه فإنه شهيد.
قوله: ((وليسوا منا في شيء)): ((شف)): هذا القول بعد قوله: ((يدعون إلي كتاب الله)) إرشاد إلي شدة العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كتاب الله، وإلا فمقتضى التركيب: ليسوا من كتاب الله في شيء. أقول: ولو قيل: ليسوا من كتاب الله في شيء، أوهم أن يكونوا جهالا ليس لهم نصيب من كتاب الله قط كأكثر العوام. وقوله:((ليسوا منا في شيء)) يدل علي أنهم ليسوا من عداد
3544 -
وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، زناً بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفي من الأرض أو يقتل نفساً فيقتل بها)) رواه أبو داود. [3544]
3545 -
وعن ابن أبي ليلي، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلي حبل معه، فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً)). رواه أبو داود. [3545]
3546 -
وعن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من أخذ أرضاً بجزيتها
ــ
المسلمين، ولا لهم نصيب من الإسلام. وهو ينظر إلي معنى قوله:((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)).
قوله: ((أولي بالله منهم)) ((شف)): الضمير في ((منهم)) عائد إلي الأمة، أي أن من قاتلهم من أمتي أولي بالله من باقي أمتي. أقول: هذا علي تأويل الوجه الأول في قوله: ((في أمتي اختلاف وفرقة)) أي أهل اختلاف. وأما علي الوجه الثاني فالضمير راجع إلي الفرقة الباطلة، ويكون أفعل كما في قوله تعالي:{أَيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا} وقولهم: العسل أحلي من الخل، فمعناه أن المقاتل أبلغ في الولاية منهم في العداوة.
قوله: ((التحليق)) أي علامتهم التحليق، وإنما أتى بهذا البناء إما لتعريف مبالغتهم في الحلق أو لإكثارهم منه. وفيه وجهان، أحدهما: استئصال الشعر من الرأس، وهو لا يدل علي أن الحلق مذموم، فإن الشيم والحلي المحمودة قد يتزين به الخبيث تلبيساً ترويجاً لخبثه وإفساده علي الناس، وهو كوصفهم بالصلاة والصيام. ثإنيهما: أن يراد به تحليق القوم وإجلاسهم حلقاً حلقاً.
الحديث الرابع عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((يشهد أن لا إله إلا الله)) صفة مميزة لـ ((مسلم)) لا كاشفة، يعني إظهاره الشهادتين كاف في حقن دمه. وقوله:((محارباً لله)) اللام صلة؛ لأن اسم الفاعل عمله ضعيف، فيؤتي بها توكيداً وهو من قوله تعالي:{إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ} الآية. وفي رواية المصابيح ((محارباً بالله)) فالباء زائدة في المفعول به، كقوله تعالي:{ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلي التَّهْلُكَةِ} .
فقد استقال هجرته، ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد ولي الإسلام ظهره)) رواه أبو داود. [3546]
3547 -
وعن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلي خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف
ــ
الحديث الخامس والسادس عن أبي الدرداء: قوله: ((بجزيتها)) يحتمل أن يكون صفة لـ ((أرضاً)) أي متلبسة بجزيتها. ((مظ)): معنى الجزية هاهنا الخراج، يعني المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر فإن الخراج لا يسقط عنه. وإلي هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة، والخراج عند الشافعي علي وجهين: أحدهما جزية، والآخر بمعنى الكراء والأجرة، فإذا فتحت الأرض صلحاً علي أن أرضها لأهلها، فما وضع عليها من خراج فمجراه مجرى الجزية التي تؤخذ من رءوسهم، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج، كما يسقط ما علي رقبته من الجزية، ولزمه العشر فيما أخرجت أرضه. ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل.
((تو)): أريد بالجزية في الحديث الخراج الذي يوضع علي الأرض التي تترك في يد الذمي فيأخذها المسلم عنه متكفلا بما يلزمه من ذاك. وتسميته بالجزية؛ لأنه يجري في الموضوع علي الأرض المتروكة في أيدي أهل الذمة، مجراها فيما يؤخذ من رءوسهم. وإنما قال:((فقد استقال هجرته)) لأن المهاجر له الحظ الأوفر والقدح المعلي في مال الفيء يؤخذ من أهل الذمة ويرد عليه، فإذا أقام نفسه في مقام الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج، فقد أحل نفسه في ذلك محل من عليه ذلك بعد أن كان له، فصار كالمستقيل عن هجرته بتبخيس حق نفسه.
((قض)): ومن تحمل جزية كافر وتحمل عنه صغاره، فكأنه ولي الإسلام من حيث إنه بذل إعزاز الدين بالتزام ذل الكفر وتحمل صغاره، وللعلماء في صحة ضمان المسلم عن الذمي بالجزية خلاف. ولمن منع أن يتمسك بهذا الحديث. أقول: قوله: ((ومن نزع صغار كافر)) إلي آخره تذييل وهو أن يقطع الكلام بما يعم ويشتمل علي المعنى السابق، وتوكيد لا محل له من الإعراب. وكذلك هنا؛ لأن معنى الأول أخص من الثاني، والثاني مقرر له ومؤكد لمعناه وأعم.
فإن قلت: قد تعورف واشتهر أن ضرب الجزية كناية عن الذلة والصغار، فما بال الهجرة كنى بها عن العزة؟ قلت: لأنها مبدأ عزة الإسلام ومنشأ رفعته؛ حيث نصر الله صاحبها بالأنصار وأعز الدين بهم، وفل شوكة المشركين وقطع شأفتهم واستأصلها.
الحديث السابع عن جرير رضي الله عنه: قوله: ((بنصف العقل)) ((مظ)): إنما لم يكمل لهم الدية بعد علمه صلى الله عليه وسلم بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا علي أنفسهم بمقامهم بين ظهرإني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره فتسقط حصة جنايته من الدية. ((تو)): قوله: ((أنا بريء)) يحتمل أن يكون المراد منه البراءة من دمه، وأن تكون البراءة من موالاته.
العقل، وقال:((أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين)) قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: ((لا تتراءى ناراهما)) رواه أبو داود. [3547]
3548 -
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)) رواه أبو داود. [3548]
ــ
قوله: ((لا تتراءى ناراهما)) هو علة لبراءته صلى الله عليه وسلم منهم، يعني لا يصح ولا يستقيم للمسلم أن يساكن الكافر ويقترب منه، ولكن يبعد بحيث لا تتراءى ناراهما، فهو كناية عن البعد البعيد. وذكروا فيه وجوهاً: أولها: قال أبو عبيدة: أي لا ينزل المسلم بالموضع الذي يرى ناره المشرك إذا أوقد، ولكنه ينزل مع المسلمين في دراهم؛ لأن المشرك لا عهد له ولا أمان. وثإنيها: قال أبو الهيثم: لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله، ولا يتخلق بأخلاقه من قولك: ما نار نعمك أي ما سمتها. وثالثها: قال أبو حمزة: أي لا يجتمعان في الآخرة لبعد كل منهما عن صاحبه.
ورابعها: قال في الفائق: معناه يجب عليهما أن يتباعد منزلاهما بحيث إذا أوقدت فيهما ناران لم تلج إحداهما للأخرى. وإسناد التراءى إلي النار كقولهم: دور بني فلان متناظرة. والتراءى تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم، إذا رأي بعضهم بعضاً. وخامسها: قال القاضي: أي ينبغي أن لا يسكن مسلم حيث كافر ولا يدنو منه حيث تتقابل نارهما وتقرب إحداهما من الأخرى، حتى يرى كل منهما نار الآخر، فنزل رؤية الموقد منزلة رؤيتها إن كان لها، وهو من قول أبي عبيدة. وسادسها: قال التوربشتي: أراد نار الحرب، أي هما علي طرفين متباعدين؛ فإن المسلم يحارب لله ورسوله مع الشيطان وحزبه، ويدعو إلي الله بحزبه، والكافر يحارب الله ورسوله ويدعو إلي الشيطان، فكيف يتفقان ويصلح أن يجتمعان.
((مظ)): فيه دليل علي أن المسلم إن كان أسيراً في أيدي الكفار، وأمكنه الخلاص والانفلات منهم، لم يحل له المقام معهم، وإن حلفوه أن لا يخرج كان الواجب أن يخرج إلا أنه إن كان مكرهاً علي اليمين لم تلزمه الكفارة.
الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((قيد)) أي منع. ((نه)): أي أن الإيمان يمنع من الفتك كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيداً. ومنه قولهم في صفة الفرس: هو قيد الأوابد يريدون أنه يلحقها بسرعة، فكأنها مقيدة لا تعدو والفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو عار غافل فيشتد عليه فيقتله. والغيلة أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي.
قوله: ((لا يفتك)) ((تو)): هو خبر معناه النهي أي لا يفعل ذلك؛ لأنه محرم عليه وهو ممنوع عنه، ويجوز فهي الجزم علي النهي، ومن الناس من يتوهم أنه علي بناء المفعول فيرويه كذلك، وليس بقويم رواية ومعنى.
فإن قيل: قد بعض رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الخزرجي في نفر إلي كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن عتيك الأوسي في نفر إلي رافع، وعبد الله بن إنيس الجهني إلي سفيان بن خالد، فكيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين تلك القضايا التي أمر بها؟ قلت: يحتمل أن النهي عن الفتك كان بعدها وهو الأظهر، لأن أولاها كانت في السنة الثالثة، والثانية في الرابعة، والثالثة بعد الخندق في الخامسة، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السابعة. ويحتمل أن يكون ذلك خصيصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أيده من العصمة ويحتمل أن تكون تلك القضايا بأمر سماوي؛ لما ظهر من المقتولين من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم والتعرض له بما لا يجوز ذكره من القول والمبالغة في الأذية والتحريض عليه.
واختار القاضي هذا الوجه ولخصه، وقال: المعنى أن الإيمان منع ذلك وحرمه فلا ينبغي للمؤمن أن يفعله، لأن المقصود به إن كان مسلماً فظاهر، وإن كان كافراً فلابد من تقديم تدبير واستتابة، إذ ليس المقصود بالذات قتله، بل الاستكمال والحمل علي الإسلام علي ما يمكن، هذا إذا لم يدع إليه داع، فإن كان كما إذا علم أنه مصر علي كفره حريص علي قتل المسلمين منتهز للفرص منهم، وأن دفعه لا يتيسر إلا بهذا فلا حرج فيه.
أقول: هذا هو الوجه، والذهاب إلي النسخ والتخصيص بعيد، لأن الظاهر يقتضي أن تذكر الجملة الأولي بعد الأخرى، فإن التعليل مؤخر عن المعلل، لكن قدمت اعتباراً للرتبة وبياناً لشرف الإيمان، وأن من خصائصه وخصائل أهله النصيحة لكل أحد حتى الكفار، كما ورد ((الدين النصيحة)) فعلي من اتصف بصفة الإيمان أن يتحلي بها ويجتنب عن صفة العتاة والمردة من الفتك، فإذا الكلام جار علي أصالة الإيمان، وذكر المؤمن تابع له، فإذا أخر كان بالعكس، فعلي هذا لا يفتقر في الحديث إلي إلزام النسخ والتكليف فيه من جهة المعإني.
وأما من جهة البيان، فإن التركيب من الاستعارة التمثيلية؛ فإنه صلى الله عليه وسلم شبه العادة المستمرة والشريعة الثابتة في الجاهلية من الفتك والغيلة، في اطرادها وإطلاقها بالوحوش الأوابد والإبل الشوارد، وشبه الإسلام بالخيل السوابق والجياد العواتق، وشبه نسخه لتلك الشريعة الباطلة وهدمه لتلك القاعدة الزائغة بالقيد علي تلك الأوابد. قال امرؤ القيس:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
ثم أدخل صورة المشبه في جنس صورة المشبه به ثم حذف المشبه به وجعل القرينة الدالة عليه ما يخص المشبه به من القيد، فإذا كان الشأن هذا فكيف يذهب إلي جعل الفتك من خصائص من بعث لإتمام مكارم الأخلاق، وقلع رذائلها من سنحها صلوات الله وسلامه عليه؟ والحديث من جوامع الكلم التي خص بها هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عرفه من ذاق معرفة خواص التركيب، واعتلي ذروة علم المعإني، وامتطى غارب علم البيان. والله أعلم.
3549 -
وعن جرير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا أبق العبد إلي الشرك فقد حل دمه)). رواه أبو داود. [3549]
3550 -
وعن علي رضي الله عنه، أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها. رواه أبو داود. [3550]
3551 -
وعن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حد الساحر ضربة بالسيف)). رواه الترمذي. [3551]
ــ
الحديث التاسع عن جرير: قوله: ((إلي الشرك)) ((نه)): أي إذا هرب مملوك إلي دار الشرك فظفر أحد من المسلمين بقتله فلا شيء عليه، فإن لم يرتد عن دينه فقد فعل ما يهدر به دمه من جواره المشتركين وتركه دار الإسلام، وقد سبق أنه لا تتراءى ناراهما.
الحديث العاشر عن علي رضي الله عنه: قوله: ((وتقع فيه)) عداه بـ ((في)) لتضمين معنى الطعن. ((نه)). يقال: وقعت فيه إذا اغتبته وذممته. ((مظ)): وفيه أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله ودينه، فهو حربي مباح الدم.
الحديث الحادي عشر عن جندب: قوله: ((ضربة السيف)) يروي بالتاء والهاء والثاني أولي، وكان من الظاهر أن يقال: حد الساحر القتل فعدل إلي ما هو عليه تصويراً له، وأن لا يتجاوز منه إلي أمر آخر. ((حس)): اختلفوا في قتله، فذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلي أنه يقتل، روى عن حفصة رضي الله عنها: أن جارية لها سحرتها فأمرت بها فقتلت. وروى أن عمر رضي الله عنه: كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر، وعند الشافعي رحمه الله يقتل إن كان الذي يسحر به كفرا إن لم يتب فإن لم يبلغ عمله الكفر فلا يقتل، وتعلم السحر ليس كفراً عنده، إلا أن يعتقد قلب الأعيان.
((قض)): الساحر إذا لم يتم سحره إلا بدعوة كوكب أو شيء يوجب كفراً يجب قتله، لأنه استعان في تحصيله بالتقرب إلي الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يتسب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط في النظام والتعاون، وبهذا يميز الساحر عن النبي والولي. وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام. وتسميته سحراً علي التجوز؛ لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل مما خفي سببه.
((مح)): يحرم فعل السحر بالإجماع. وأما تعليمه وتعلمه ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني مكروهان، والثالث مباحان. وقال أيضاً: اعلم أن التكهن وإتيان الكهان، والتنجيم، والضرب بالرمل، والشعير بالحصى، وبالشعبدة
الفصل الثالث
3552 -
عن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه)). رواه النسائي. [3552]
3553 -
وعن شريك بن شهاب، كنت أتمنى أن ألقى رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن الخوارج، فلقيت أبا برزة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، ورأيته بعيني: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقسمه، فأعطى من عن يمينه ومن عن
ــ
وتعليمها حرام. وأخذ العوض عليها حرام بالنص الصحيح في حلوان الكاهن، واعلم أن وراء العلوم الشرعية أشياء تسمى علوماً، منها حرام ومكروه ومباح، فالمحرم كالفلسفة والشعبدة، والرمل وعلوم الطبيعيين، وكذا السحر علي الصحيح، وتتفاوت درجات تحريمه، والمكروه كأشعار المولدين المشتملة علي الغزل والبطالة، والمباح كأشعارهم التي ليس فيها سخف، ولا ما ينشط إلي الشر ولا يثبط من الخير.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أسامة: قوله: ((خرج يفرق)) فيه شائبة من معنى أفعال المقاربة أي جعل يفرق، أو هو مطاوع خرجته فخرج أي مهر من صنعة التفريق بين المسلمين، فعلي هذا ((يفرق)) حال. ((مح)): فيه الأمر بقتال من خرج علي الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، فينبغي أن ينهي أولا وإن لم ينته قوتل، فإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتله كان هدراً.
الحديث الثاني عن شريك: قوله: ((أسأله)) إما صفة ((رجلا)) أو حال منه لوصفه، وقوله:((يذكر الخوارج)) حال مزال عن كونه مضافاً إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقديره: سمعت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم جيء بعده بـ ((يذكر)) جملة حالية دلالة علي المحذوف، وقوله:((أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال)) إلي آخره حال من مفعول ((رأيته)) أي رأيته في حالة كونه مأتيا بمال، وكل من ذكر قوله:((بأذني وبعيني)) وتكرير رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذان بتحقيق الأمر وتثبته في الرواية، وأنها مما لا يستراب فيه: قوله ((رجل أسود)) خبر مبتدأ محذوف وارد علي الذم والشتم؛ لأن دمامة الصورة تدل علي خباثة السريرة. قوله: ((مطموم الشعر)) ((نه)): يقال: طم شعره جذه واستأصله.
قوله: ((بعدي)) أي متجاوزاً عني. المغرب: يقولون: وإن كان ليس بالذي لا يعدله يعني ليس بنهاية في الجود، وكأنهم أخذوا من قولهم: هذا ليس مما ليس بعده غاية في الجود،
شماله، ولم يعط من وراءه شيئاً. فقام رجل من ورائه فقال: يا محمد! ما عدلت في القسمة. رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً وقال:((والله لا تجدون بعدي رجلاً هو أعدل مني)) ثم قال: ((يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم، هم شر الخلق والخليقة)). رواه النسائي. [3553]
3554 -
وعن أبي غالب، رأي أبو أمامة رءوساً منصوبةً علي درج دمشق، فقال أبو أمامة:((كلاب النار، شر قتلي تحت أديم السماء، خير قتلي من قتلوه)) ثم قرأ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ وتَسْوَدُّ وجُوهٌ} الآية. قيل لأبي أمامة: أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه. رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. [3554]
ــ
وربما اختصر الكلام فقالوا: ليس بعده، ثم أدخل عليه ((لا)) النافية للجنس، واستعملوه استعمال الاسم المتمكن انتهي كلامه. وقوله:((كأن هذا منهم)) أي من شيعتهم ومقتفي سيرتهم، كقوله تعالي:{الْمُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ} .
وقوله: ((هم شر الخلق)) جزاء للشرط، وإنما لم يؤت بالفاء؛ لأن الشرط ماض، كذا قال أبو البقاء في قوله تعالي:{وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ومع هذا لابد من التأويل، أي فإذا لقيتموهم فاعلموا أنهم شرار خلق الله تعالي فاقتلوهم، كما قال:((طوبى لمن قتلهم وقتلوه)). ووجه آخر أن يكون الجزاء محذوفاً والجملة بعده استئنافية لبيان الموجب، وعطف قوله:((الخليقة)) علي ((الخلق)) ولابد من المغايرة فلا يحمل الشر علي التفضيل مبالغة، أي هم شر سجية وشر خلقاً، وفي عكسه:((اللهم كما حسنت خلقي حسن خلقي)).
الحديث الثالث عن أبي غالب: قوله: ((علي درج دمشق)) الجوهري: قولهم: حل درج الضب أي طريقه والجمع الأدراج. وقولهم: رجعت أدراجي أي رجعت في الطريق الذي جئت منه، والدرجة المرقاة والجمع الدرج، ولعل المراد في الحديث هذا القول؛ لقوله:((منصوبة)). وقوله: ((كلاب النار)) خبر مبتدأ محذوف، ((وشر قتلي)) يجوز أنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر أو بدل، وقوله ((خير قتلي)) مبتدأ و ((من قتلوه)) خبره، وكان من الظاهر العكس ففعل اهتماماً، كقول الشاعر: