المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كتاب الأيمان والنذور - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٨

[الطيبي]

الفصل: ‌كتاب الأيمان والنذور

الفصل الثالث

3403 -

عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري: أن أمه أرادت أن تعتق، فأخرت ذلك إلي أن تصبح، فماتت. قال عبد الرحمن: فقلت للقاسم بن محمد: أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال القاسم: أتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) رواه مالك. [3403]

3404 -

وعن يحيى بن سعيد، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نوم نامه، فأعتقت عنه عائشة أخته رقابا كثيرة. رواه مالك. [3404]

3405 -

وعن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اشترى عبدا فلم يشترط ماله فلا شيء له)). رواه الدارمي. [3405]

‌كتاب الأيمان والنذور

الفصل الأول

3406 -

عن ابن عمر [رضي الله عنهما]: أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: ((لا، ومقلب القلوب)). رواه البخاري.

ــ

الفصل الثالث

الحديث الأول والثاني والثالث عن يحيى بن سعيد: قوله: ((نامه)) أي نام فيه صفة مؤكدة لـ ((نوم)) والغرض بيانه أنه مات فجاءة، فيحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان عليه عتق فلم يتمكن من الوصية لما فاجأه، فأعتقت عنه رقابا كثيرة، وأن تكون فجعت عليه وحزنت؛ لأن موت الفجأة أسف من الله ففدت عنه رقابا كثيرة. والله أعلم بالصواب.

باب الأيمان والنذور

المغرب: اليمين خلاف اليسار، وإنما سمي القسم يمينا؛ لأنهم كانوا يتمساحون أيمانهم حالة التحالف، وقد يسمى المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها. وهي مؤنثة في جميع المعإني،

ص: 2435

3407 -

وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم. من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) متفق عليه.

3408 -

وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم)). رواه مسلم.

ــ

وتجمع علي أيمن كرغيف وأرغف، وأيم محذوف منه، والهمزة للقطع، وهو قول الكوفيين وإليه ذهب الزجاج. وعند سيبويه هي كلمة بنفسها وضعت للقسم، ليست جمعا لشيء والهمزة فيها للوصل. ((غب)): النذر أن توجب علي نفسك ما ليس بواجب؛ لحدوث أمر، يقال: نذرت لله نذرا، قال الله تعالي:{إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} .

الفصل الأول

الحديث الأول عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((أكثر ما كان)) ((أكثر)) مبتدأ و ((ما)) مصدرية، والوقت مقدر و ((كان)) تامة. ((ويحلف)) حال سد مسد الخبر. وقوله:((لا ومقلب القلوب)) معمول لقوله: ((يحلف)) أي يحلف بهذا القول، ولا نفي للكلام السابق، ((ومقلب القلوب)) إنشاء قسم، ونظيره قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما. وقد مر الكلام في تخصيص هذا القول.

الحديث الثاني والثالث عن عبد الرحمن: قوله: ((بالطواغي)) ((قض)): الطواغي جمع طاغية، وهي فاعلة من الطغيان، والمراد به الأصنام، سميت بذلك؛ لأنها سبب الطغيان فهي كالفاعلة له وقيل: الطاغية مصدر كالعافية، سميت بها الصنم مبالغة ثم جمعت علي صواع. وكانت العرب في جاهليتهم يحلفون بها وبآبائهم فنهوا عن ذلك ليكونوا علي تيقظ في محاوراتهم، حتى لا يسبق بهم لسانهم جريا علي ما تعودوه.

((مح)): قالوا: الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالي أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به. وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالي، ولا يضاهي به غيره، وقد جاء عن ابن عباس:((لأن أحلف بالله تعالي مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبره)). ويكره الحلف بغير أسماء الله تعالي وصفاته، سواء في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والأمانة والحياة والروح وغير ذلك، ومن أشدها كراهة الحلف بالأمانة.

ص: 2436

3409 -

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحيه: تعال أقامرك؛ فليتصدق)) متفق عليه.

3410 -

وعن ثابت بن الضحاك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف علي

ــ

فإن قيل: قد أقسم الله بمخلوقاته، كقوله تعالي:((والصافات، والذاريات)) فالجواب أن الله تعالي يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها علي شرفها. وأنشد في المعنى:

ويقبح من سواك الشيء عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا

فإن قيل: هذا الحديث مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أفلح وأبيه)) فجوابه أن هذه كلمة تجري علي اللسان لا يقصد بها اليمين. ((قض)): بل هو من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلي النداء.

الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((فليقل: لا إله إلا الله)) ((حس)): فيه دليل علي أنه لا كفارة علي من حلف بغير الإسلام بل يأثم به وتلزمه التوبة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جعل عقوبته في دينه، ولم يوجب في ماله شيئا. وإنما أمره بكلمة التوحيد؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود، فإذا حلف باللات والعزى، فقد ضاهي الكفار في ذلك؛ فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد.

أقول: إنما قرن القمار بذكر الأصنام؛ تأسيا بالتنزيل في قوله: {إنَّمَا الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنصَابُ والأَزْلامُ} فمن حلف بالأصنام فقد أشركها بالله في التعظيم، فوجب تداركها بكلمة التوحيد، ومن دعا إلي المقامرة فوافق أهل الجاهلية في تصدقهم بالميسر، فكفارته التصدق بقدر ما جعله خطرا، أو بما تيسر مما يصدق عليه اسم الصدقة، وفيه أن من دعا إلي اللعب فكفارته التصدق، فكيف بمن لعب؟ ((مح)): قال القاضي: فيه دلالة لمذهب الجمهور علي أن العزم علي المعصية إذا استقر في القلب، أو تكلم باللسان يكتب عليه ذنب.

الحديث الخامس عن ثابت: قوله: ((علي ملة غير الإسلام)) ((قض)): الحلف بغير الإسلام مثل أن يقول الرجل: إن فعل كذا فهو يهودي، أو برئ من الإسلام. وقوله:((فهو كما قال)) ظاهره أنه يختل بهذا الحلف إسلامه، ويصير كما قال، ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث؛ لما روى بريدة أنه صلى الله عليه وسلم قال:((من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلي الإسلام سالما))، ولعل المراد به التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديا أو بريئا من الإسلام، وكأنه قال: فهو مستحق لمثل عذاب ما قال، ونظيره قوله

ص: 2437

ملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال. وليس علي ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة)). متفق عليه.

3411 -

وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني والله إن شاء الله لا

ــ

صلى الله عليه وسلم: ((من ترك صلاة فقد كفر)) أي استوجب عقوبة من كفر، وهذا النوع من الكلام هل يسمى في عرف الشرع يمينا؟ وهل تتعلق الكفارة بالحنث فيه؟ فذهب النخعي والأوزاعي والثوري وأصحاب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق إلي أنه يمين، تجب الكفارة بالحنث فيها. وقال مالك والشافعي وأبو عبيد: إنه ليس بيمين ولا كفارة فيه، لكن القائل به أثم صدق فيه أو كذب، وهو قول أهل المدينة. ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم رتب عليه الإثم مطلقا، ولم يتعرض للكفارة.

وقوله: ((ليس علي ابن آدم نذر فيما لا يملك)) معناه أنه لو نذر بعتق عبد لا يملكه، أو ليضحي بشاة غيره أو نحو ذلك، لم يلزمه الوفاء به، وإن دخل ذلك في ملكه. وفي رواية ((ولا نذر فيما لا يملك)) أي لا صحة له ولا عبرة. وقوله:((من لعن مؤمنا فهو كقتله)) أي في التحريم أو العقاب، والضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل، أي فلعنه كقتله. وكذا الضمير في قوله:((ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله)) ووجه التشبيه هاهنا أظهر؛ لأن النسبة إلي الكفر الموجب للقتل، فالقاذف بالكفر تسبب إليه، والمتسبب إلي الشيء كفاعله. والقذف في الأصل الرمي، ثم شاع عرفا في الرمي بالزنا، ثم استعير للرمي بكل ما يعاب به ويحيق به ضر.

قوله: ((ليتكثر بها)) قيد للدعوى الكاذبة. فإن قلت: مفهومه أنه إذا لم يكن الغرض استكثار المال، لم يترتب عليه هذا الحكم. قلت: للقيد فائدة سوى المفهوم، وهي مزيد الشناعة علي الدعوى الكاذبة واستهجان الغرض فيها، يعني ارتكاب هذا الأمر العظيم لهذا الغرض الحقير غير مبارك.

الحديث السادس عن أبي موسى: قوله: ((إني والله)) الحديث أوله: قال أبو موسى: ((أتينا النبي صلى الله عليه وسلم نفر من الأشعريين)). قال المالكي: فيه شاهد علي ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل فيما لا يدل علي إحاطة. وعليه حمل الأخفش قوله تعالي: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلي يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} . وإنما قيدت ببدل الكل من الكل؛ احترازا من البعض والاشتمال؛ فإنهما جائزان بالاتفاق، وقيدت بلا يدل علي

ص: 2438

أحلف علي يمين فأرى غيرها خيرا منها؛ إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)). متفق عليه.

3412 -

وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت علي يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير)). وفي رواية: ((فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك)) ، متفق عليه.

ــ

الإحاطة؛ لأن الدال عليها جائز بالإجماع، كقوله تعالي:{تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وآخِرِنَا} وشهد بصحة ما ذهب إليه الأخفش:

وشوهاء تغدوني إلي صارخ الورى بمستليم مثل الفتيق المدخل

أقول: هو عند علماء البديع تجريد، كأنه جرد من نفسه مستليما وهو مبالغة.

قوله: ((لا أحلف علي يمين)) جواب القسم و ((إن شاء الله)) معترضة، والقسيمة خبر ((إن)) الكشاف: سمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين. ((نه)): الحلف هو اليمين، كما تقول: حلف يحلف حلقا، وأصلها العقد بالعزم والنية، فخالف بين اللفظين، أي ((حلف)) و ((علي يمين)) تأكيدا لعقده وإعلاما أن لغو اليمين لا ينعقد.

أقول: يؤيد هذا الوجه ما روى النسائي عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما علي الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته)) فإنه لا يدل إلا علي التأكيد: لأن ((أحلف عليها)) صفة مؤكدة لـ ((يمين))، نحو أمس الدابر لا يعود، أي من حلف علي حلف، كقول المتنبي:

أرق علي أرق ومثلي يأرق

والمعنى من حلف يمينا جزما لا لغوا ثم بدا له أمر آخر إمضاؤه أفضل من إبرار يمينه، فليأت ذلك الأمر وليكفر عن يمينه، فعلي هذا ((يمين)) مصدر مؤكدة لقوله:((أحلف)). ((حس)): اختلفوا في تقديم كفارة اليمين علي الحنث، فذهب أكثر الصحابة وغيرهم إلي جوازه وإليه ذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث فلا يجوز، وإنما يجوز العتق أو الإطعام أو الكسوة، كما يجوز تقديم الزكاة علي الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته.

ص: 2439

3413 -

وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من حلف علي يمين فرأي خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل)). رواه مسلم.

3414 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه)). متفق عليه.

3415 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يمينك علي ما يصدقك عليه صاحبك)). رواه مسلم.

ــ

الحديث السابع عن عبد الرحمن: قوله: ((وكلت إليها)) معناه أن الإمارة أم شاق لا يخرج عن عهدتها إلا الأفراد من الرجال، فلا تسألها عن تشرف نفس، فإنك إن سألتها تركت معها، فلا يعينك الله عليها، وإن أوتيت من غير مسألة أعانك الله عليها.

الحديث الثامن والتاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لأن يلج)) ((قض)): يقال: لججت ألج – بكسر الماضي وفتح المضارع، وبالعكس – لجا ولجاجة، يريد به أن الرجل إذا حلف علي شيء وأصر عليه لجاجا مع أهله، كان ذلك أدخل في الوزر وأفضى إلي الإثم من أن يحنث في يمينه ويكفر عنها؛ لأنه جعل الله تعالي بذلك عرضة الامتناع عن البر والمواساة مع الأهل والإصرار علي اللجاج، وقد نهي عن ذلك بقوله:{ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} الآية، و ((آثم)) اسم تفضيل أصله أن يطلق للاج الآثم فأطلقه للجاج الموجب للإثم علي سبيل الاتساع، والمراد به أنه يوجب مزيدا ثم مطلقا بالإضافة إلي ما نسب إليه؛ فإنه أمر مندوب علي ما تشهد به الأحاديث المتقدمة عليه لا إثم فيه. وقيل: معناه أنه كان يتحرج عن الحنث والتأثم فيه، ويرى ذلك، فاللجاج إثم علي زعمه وحسبانه.

أقول: قوله: والمراد به أنه يوجب مزيدا ثم مطلقا، فيه نظر؛ لأن ((من)) التفصيلية في قوله:((من أن يعطى)) تنافي الإطلاق؛ لأن آثم حينئذ تكون بمعنى اسم الفاعل وهو لا يتعدى بـ ((من)) كما في قولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، ويوسف أحسن إخوته في وجه. ولا يستبعد أن يقال: إنه من باب قولهم: الصيف أحر من الشتاء، يعني إثم اللجاج في بابه أبلغ من ثواب إعطاء الكفارة في بابه. وكذا في قوله: أصله أن يطلق للاج الآثم فأطلقه – إلي آخره، بحث؛ لأن المعنى استمراره علي عدم الحنث وإدامة الضرر علي أهله أكثر إثما من الحنث. وفائدة ذكر الأهل في هذا المقام مبالغة كما سبق في حديث ثابت بن الضحاك.

الحديث العاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((يمينك)) مبتدأ و ((علي ما يصدقك)) خبر،

ص: 2440

3416 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اليمين علي نية المستحلف)). رواه مسلم.

3417 -

وعن عائشة [رضي الله عنها] قالت: أنزلت هذه الآية: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} في قول الرجل: لا والله، وعلي الله. رواه البخاري وفي ((شرح السنة)) لفظ ((المصابيح)) وقال: رفعه بعضهم عن عائشة [رضي الله عنها].

ــ

أي واقع عليه لا تؤثر فيه التورية. ((مح)): الحديث محمول علي استحلاف القاضي أو نائبه، فإذا حلفه القاضي فحلف وورى ونوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه علي ما نوى القاضي ولا تنفعه التورية، وعليه الإجماع. وأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورى فتنفعه التورية ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه القاضي أو نائبه. وحاصله: أن الحلف علي نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجه عليها، وأما إذا حلف عند القاضي ولم يستحلفه فالاعتبار بنية الحالف، وأما إذا استحلفه القاضي بالطلاق فتنفعه التورية؛ لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، وإنما يستحلف بالله.

واعلم أن التورية وإن كانت لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق. وهذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه. ويحكى عن مالك أن ما كان من ذلك علي وجه المكر والخديعة فهو فيه حانث آثم، وما كان علي وجه العذر فلا بأس به – انتهي كلامه. وروى سويد بن حنظلة أنه قال:((خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا وائل بن حجر الحضرمي، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فخلوا سبيله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ((صدقت، المسلم أخو المسلم)).

الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن عائشة رضي الله عنها: قوله: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} الكشاف: اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره؛ ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدابة من أولاد الإبل: لغو، واللغو من اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان، وهو الذي لا عقد معه، والدليل عليه {ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} .

قوله: ((رفعه بعضهم عن عائشة)) أي رفع الحديث بعضهم إلي النبي صلى الله عليه وسلم متجاوزا عن عائشة، وذلك أن قوله:((عن عائشة قالت: أنزلت)) ظاهر في أنه موقوف عليها. فإن قلت: كيف ساغ ذكر الموقوف وهو ضعيف في صحيح البخاري؟ قلت: مثل هذا ليس بموقوف. قال ابن الصلاح: تفسير الصحابي موقوف إلا فيما يتعلق بسبب نزول آية، وما نحن فيه من هذا القبيل.

ص: 2441

الفصل الثاني

3418 -

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)). [3418]

3419 -

وعن ابن عمر [رضي الله عنهما] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)). رواه الترمذي. [3419]

3420 -

وعنه، بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بالأمانة فليس منا)). رواه أبو داود. [3420]

3421 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: إني بريء من الإسلام؛ فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلي الإسلام سالما)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [3421]

3422 -

وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في اليمين

ــ

الفصل الثاني

الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((ولا بالأنداد)) ((نه)): هي جمع ند – بالكسر – وهو مثل الشيء يضاده في أموره ويناده – أي يخالفه – ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله.

الحديث الثاني والثالث عن بريدة: قوله: ((فليس منا)) ((قض)): أي من ذوي أسوتنا بل هو من المتشبهين بغيرنا؛ فإنه من ديدن أهل الكتاب. ولعله أراد به الوعيد عليه؛ فإنه حلف بغير الله. ولا تتعلق به الكفارة وفاقا، واختلفوا فيما إذا قال: وأمانة الله، فذهب الأكثرون إلي أنه لا كفارة فيه. وقال أبو حنيفة: إنه يمين تجب الكفارة بالحنث فيه، كما لو قال: بقدرة الله وعلمه؛ لأنها من صفاته؛ إذ في أسمائه الأمين.

الحديث الرابع والخامس عن أبي سعيد: قوله: ((إذا اجتهد ((نه)): الاجتهاد بذل الوسع في

ص: 2442

قال: ((لا، والذي نفس أبي القاسم بيده)). رواه أبو داود. [3422]

3423 -

وعن أبي هريرة، قال: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلف: لا، وأستغفر الله)). رواه أبو داود وابن ماجه. [3423]

3424 -

وعن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من حلف علي يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وذكر الترمذي جماعة وقفوه علي ابن عمر. [3424]

ــ

طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد والطاقة. أقول: وإنما كان هذا القسم بليغا في بابه لما فيه من إظهار قدرة الله تعالي وتنجيز نفسه الزكية الطاهرة عن الدنس دنس الأيام وأنها غريض منقوشة عند الله تعالي، فتكون أشرف أقسم القسم.

الحديث السادس عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لا وأستغفر الله)) ((قض)): أي أستغفر الله إن كان الأمر علي خلاف ذلك، وهو وإن لم يكن يمينا لكنه شابهه من حيث أنه أكد الكلام وقرره، وأعرب عن تحرجه بالكذب فيه وتحرزه عنه؛ فلذلك سماه يمينا. أقول: والوجه أن يقال: إن الواو في قوله: ((وأستغفر الله)) للعطف وهو يقتضي معطوفا عليه محذوفا، والقرينة لفظة ((لا)) لأنها لا تخلو إما أن تكون توطئة للقسم، كما في قوله تعالي:{لا أُقْسِمُ} أو رد للكلام السابق وإنشاء قسم، وعلي كلا التقديرين: المعنى لا أقسم بالله وأستغفر الله. ويؤيده ما ذهب إليه المظهر من قوله: ((إذا حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يمين لغو كان يقول: ((وأستغفر الله)) عقيبه تداركا لما جرى علي لسانه من غير قصد، وإن كان معفوا عنه، لما نطق به القرآن، ليكون به دليلا لأمته علي الاحتراز عنه.

الحديث السابع عن ابن عمر: قوله: ((إن شاء الله)) ((حس)) العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم، وهو أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين، أو مفصولا عنها بسكتة يسيرة كالسكتة للذكر أو للعي أو للتنفس، فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتاق واختلفوا في الاستثناء إذا كان منفصلا عن اليمين، فذهب أكثرهم إلي أن لا يعمل به إن طال الفصل أو اشتغل بكلام آخر بينهما ثم استثنى. وقيل: يجوز الاستثناء ما دام الحالف في المجلس. قيل: وما لم يقمن وقيل: ما دام في ذلك الأمر، وقال: ابن عباس: له الاستثناء بعد حين، وقال مجاهد: بعد سنتين، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. أقول: والفاء في قوله: ((فقال إن شاء الله)) تشعر بالاتصال فإنها موضوع لغير التراخي، وأما إجراء ((إن شاء الله)) مجرى الاستثناء فعلي المجاز، كأنه قال: أحلف بالله تعالي ((أنى أفعل كذا، ولا يمنعني من ذلك مانع إلا مشيئة الله تعالي.

ص: 2443