المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(5) باب حكم الأسراء - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٩

[الطيبي]

الفصل: ‌(5) باب حكم الأسراء

(5) باب حكم الأسراء

الفصل الأول

3960 -

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)). وفي رواية: ((يقادون إلي الجنة بالسلاسل)). رواه البخاري.

3961 -

وعن سلمة بن الأكوع، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((اطلبوه واقتلوه)) فقتلته فنفلني سلبه. متفق عليه.

ــ

باب حكم [الأسراء]

الفصل الأول

الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((عجب الله)) ((قض)) قد سبق غير مرة من أن صفات العباد إذا أطلقت علي الله تعالي أريد بها غايتها، فغاية التعجب والاستبشار بالشيء الرضي به واستعظام شأنه. والمعنى عظم الله شأن قوم يؤخذون عنوة في السلاسل، فيدخلون في الإسلام، فيصيرون من أهل الجنة ورضي عنهم، وأحلهم محل ما يتعجب [منه].

وقيل: أراد بالسلاسل ما يرادون به من قتل الأنفس وسبي الأزواج والأولاد وتخريب الديار، وسائر ما يلجئهم إلي الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة، فأقام المسبب مقام السبب. ويحتمل أن يكون المراد بها جذبات الحق التي يجذب بها خالصة عباده من الضلالة إلي الهدى، ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلي العروج بالدرجات العلي إلي جنة المأوى.

الحديث الثاني عن سلمة: قوله: ((عين)) ((قض)): العين الجاسوس سمى به؛ لأن عمله بالعين أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، كأن جميع بدنه صار عيناً. ((ثم انفتل)) أي انصرف يقال: فتلته فانفتل. ((فنفلني)) أي أعطإني نفلا، وهو ما يخص به الرجل من الغنيمة، ويزداد علي سهمه، ويريد بسلبه ما كان عليه من الثياب والسلاح، سمي به لأنه يسلب. ((حس)): فيه دليل علي أن من دخل دار الإسلام من أهل الحرب من غير أمان حل قتله، ومن تجسس للكفار من أهل الذمة كان ذلك نقضاً منه للعهد وإن فعله مسلم فلا يحل قتله بل يعزو، فإن ادعى جهالة بالحال ولم يكن متهما يتجافي عنه. هذا قول الشافعي، وفيه دليل علي أن السلب للقاتل.

ص: 2737

3962 -

وعنه، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل علي جمل أحمر، فأناخه، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة من الظهر، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله، فأثاره فاشتد به الجمل، فخرجت أشتد حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته ثم اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه، فاستقبلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس. فقال:((من قتل الرجل؟)) قالوا: ابن الأكوع فقال: ((له سلبه أجمع)) متفق عليه.

3963 -

وعن أبي سيعد الخدري، قال: لما نزلت بنو قريظة علي حكم سعد ابن معاذ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فجاء علي حمار، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ــ

الحديث الثالث عن سلمة: قوله: ((نتضحى)) ((نه)): أي نتغدى والأصل فيه أن العرب كانوا يسيرون في ظعنهم، فإذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلأ وعشب، قال قائلهم: ألا ضحوا رويداً أي ارفقوا بالإبل حتى تتضحى، أي تنال من هذا المرعى. ثم وضعت التضحية مكان الرفق لتصل الإبل إلي المنزل وقد شبعت، ثم اتسع فيه حتى قيل لكل من يأكل في وقت الضحى: هو يتضحى، أي يأكل في هذا الوقت كما يقال: يتغدى ويتعشى. وقيل: معناه نصلي الضحى.

قوله: ((ضعفة)) ((مح)): ضبطوه علي وجهين، الصحيح المشهور بفتح الضاد وإسكان العين أي حالة ضعف وهزال. والثاني بفتح العين جمع ضعيف، وفي بعض النسخ بحذف الهاء. أقول: ويؤيد الوجه الأول عطف قوله: ((ورقة)) عليه. وقوله: ((من الظهر)) صفة لها أي رقة حاصلة من قلة المركوب. والاشتداد العدو، ومنه الحديث:((لا يقطع الوادي إلا شداً)) أي عدوا. و ((اخترطت سيفي)) أي سللته من غمده وهو افتعل من الخرط، يقال: خرط العنقود واخترطه إذا وضعه في فيه ثم يأخذ حبه ويخرج عرجونه عارياً [عنه].

الحديث الرابع عن أبي سعيد: قوله: ((لما نزلت بنو قريظة)) ((قض)): إنما نزلوا بحكمه بعد ما حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين يوماً وجهدهم الحصار، وتمكن الرعب في قلوبهم؛ لأنهم كانوا حلفاء الأوس فحسبوا أنه يراقبهم ويتعصب لهم، فأبي إسلامه وقوة دينه أن يحكم فيهم بغير ما حكم الله فيهم، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شوالها حين نقضوا فيهم بغير ما حكم الله فيهم، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شوالها حين نقضوا [عهد الرسول صلوات الله عليه] ووافقوا الأحزاب، روى أنهم لما انكشفوا عن المدينة وكفي الله المؤمنين شرهم، أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في ظهر اليوم الذي تفرقوا في ليلته، فقال: أوضعتم السلاح والملائكة لم يضعوه؛ فإن الله يأمركم بالسير إلي بني قريظة فائتهم عصرهم.

ص: 2738

((قوموا إلي سيدكم)) فجاء فجلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن هؤلاء نزلوا علي حكمك)). قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبي الذرية. قال: ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك)). وفي رواية: ((بحكم الله)) متفق عليه.

3864 -

وعن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:((ماذا عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم علي شاكر، وإن كنت تريد

ــ

((مح)): فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهماتهم العظام، ولم يخالف في هذا الإجماع إلا الخوارج؛ فإنهم أنكروا علي علي رضي الله عنه التحكيم، وإذا حكم الحاكم العدل في شيء لزمه حكمه، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه بعد الحكم.

وفي قوله: ((قوموا إلي سيدكم)) إكرام أهل الفضل وتلقيهم والقيام لهم إذا أقبلوا. واحتج به الجمهور. قال القاضي عياض: ليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذاك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويتمثلون قياماً طول جلوسه. وسيجيء تمام بحثه في موضعه. وإنما فوض الحكم إلي سعد؛ لأن الأوس طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم العفو عنهم؛ لأنهم كانوا حلفاءهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:((أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟)) فرضوا به، والرواية المشهورة ((الملك)) بكسر اللام، ويؤيده الرواية الأخرى. قال القاضي: وضبطه بعضهم في صحيح البخاري بكسر اللام وفتحها، فإن صح الفتح فالمراد به جبريل عليه السلام أي الحكم الذي جاء به جبريل من الله تعالي.

الحديث الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((خيلا)) هو علي حذف المضاف أي فرسان الخيل. وفي الحديث: ((يا خيل الله اركبي)) أي يا فرسان خيل الله، وسميت الجماعة خيلا؛ لأنهم تجردوا لما لا يتم إلا بها، كما سميت الربيئة [عيناً].

قوله: ((ماذا عندك)) فيه وجهان: أن تكون ((ما)) استفهامية و ((ذا)) موصولا، و ((عندك)) صلته أي ما الذي استقر عندك من الظن فيما أفعل بك. فظن خيراً وقال: عندي يا محمد خير؛ لأنك لست ممن يظلم بل ممن يحسن وينعم، وأن تكون ((ماذا)) بمعنى أي شيء مبتدأ و ((عندك)) خبره. وقوله:((إن تقتل تقتل)) إلي آخره تفصيل لقوله: ((خير)) لأن فعل الشرط إذا كرر في الجزاء دل علي فخامة الأمر.

قوله: ((ذا دم)) ((مح)): فيه وجوه:

ص: 2739

المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان الغد، فقال له:((ما عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم علي شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد، فقال له:((ما عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم علي شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أطلقوا ثمامة)) فانطلق إلي نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا

ــ

أحدها: معناه إن تقتل تقتل صاحب دم لدمه موضع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره أي لرياسته وفضله.

وثإنيها: إن تقتل تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك.

وثالثها: ((ذا ذم)) بالذال المعجمة وتشديد الميم أي ذا ذمام وحرمة في قومه، ورواها بعضهم في سنن أبي داود. قال القاضي: وهي ضعيفة لأنها تقلب المعنى فإن احترامه يمنع القتل. قال القاضي: ويمكن تصحيحها بأن تحمل علي الوجه الأول، أي يقتل رجلا جليلا يحتفل قاتله بقتله، بخلاف ما إذا قتل حقيراً مهيناً فإنه لا فضيلة ولا يدرك به قاتله ثأره.

أقول: واختار الشيخ التوربشتي الوجه الثاني، حيث قال: المعنى إن تقتل تقتل من توجه عليه القتل بما أصاب من دم، وأراه أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله:((وإن تنعم تنعم علي شاكر)).

((شف)): في تقديم ثمامة قوله: ((إن تقتل تقتل ذا دم)) علي قسميه في اليوم الأول وتوسيطه بينهما في اليوم الثاني والثالث، ما يرشد إلي حذاقته وحدسه؛ فإنه لما رأي غضب النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول قدم فيه القتل تسلية، فلما رأي أنه لم يقتله رجا أن ينعم عليه، فقدم في اليوم الثاني والثالث قوله:((إن تنعم)).

أقول: ويمكن أن يقال: إنه لما نفي الظلم عن ساحته صلوات الله عليه، ونظر إلي استحقاقه القتل قدمه، وحين نظر إلي إحسانه ولطفه صلوات الله عليه أخر القتل. وهذا أدعى للاستعطاف والعفو كما قال عيسى عليه السلام:{إن تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وإن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} .

قوله: ((حتى كان بعد الغد)) اسم ((كان)) ضمير عائد إلي ما هو مذكور حكما، أي حتى كان ما هو عليه ثمامة بعد الغد، نحو قولهم: إذا كان غداً فأتنى، أي إذا كان ما نحن عليه غداً.

ص: 2740

محمد! والله ما كان علي وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، ووالله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم، واختصره البخاري.

ــ

قوله: ((أبغض إلي من وجهك)) وجد بالرفع علي أنه صفة وجه وهو اسم ((كان)) و ((علي وجه الأرض)) خبره، وهذا ليس بصحيح؛ لأن قوله:((أحب الوجوه)) خبر ((أصبح)) قطعاً، وقد قوبل، به؛ ولأن ((أبغض)) في القرينتين الأخيرتين وقع خبراً ((لكان))؛ ولأنه أخبر عن الوجه بالأبغضية لا أن وجها أبغض كائنا علي وجه الأرض، فإذا قلنا: بجواز وقوع الحال عن اسم ((كان)) فقوله: علي وجه الأرض)) كان صفة لقوله: ((وجه)) فقدم فصار حالا، وإذا منعناه قلنا: إنه ظرف لغو قدم للاهتمام ليؤذن في بدء الحال باهتمام العموم والشمول، كما في قوله:{والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ} .

قوله: ((فبشره)) ((مح)): بشره بما حصل له من الخير العظيم بالإسلام وأنه يهدم ما كان قبله – قوله: ((أصبوت)) وهو مهموز. ((فا)): صبأ إذا خرج من دين إلي دين، صبأ ناب البعير إذا طلع وصبأ النجم.

قوله: ((فقال: لا)) فإن قلت: كيف قال: ((لا)) وهو قد خرج من الشرك إلي التوحيد؟ قلت: هو من الأسلوب الحكيم، كأنه قال: ما خرجت من الدين لأنكم لستم علي دين، فأخرج منه بل استحدثت دين الله، وأسلمت مع رسول اله صلى الله عليه وسلم رب العالمين.

فإن قلت: ((مع)) تقتضي استحداث المصاحبة؛ لأن معنى المعية المصاحبة وهي مفاعلة، وقد قيد الفعل بها فيجب الاشتراك فيه كذا نص عليه صاحب الكشاف في الصافات. قلت: لا يبعد ذلك فلعله صلى الله عليه وسلم وافقه فيكون منه صلوات الله عليه استدامة، ومنه استحداثاً. وقوله:((ولا والله)) لا يقتضي منفياً، والواو معطوفاً عليه أي لا أوفقكم في دينكم ولا أرفق: بكم في هذه السنين المجدبة، ثم أقسم عليه بقوله:((والله لا يأتيكم من اليمامة)).

((حس)) فيه دليل علي جواز المن علي الكافر وإطلاقه بغير مال. ((مح)): فيه جواز ربط

ص: 2741

3965 – * وعن جبير بن مطعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أساري بدر:((لو كان المطعم بن عدى حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)). رواه البخاري.

3966 -

وعن أنس: أن ثمإنين رجلاً من أهل مكة هبطوا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلماً، فاستحياهم. وفي رواية: فأعتقهم، فأنزل الله تعالي {وهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} رواه مسلم.

ــ

الأسير وحبسه وإدخال الكافر المسجد. وفيه إذا أراد الكافر الإسلام يبادر به ولا يؤخره للاغتسال، ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، ومذهبنا أن اغتساله واجب، إن كان عليه جنابة في الشرك كان اغتسل منها أم لا. قال بعض أصحابنا: إن اغتسل قبل الإسلام أجزأه، وإن لم يكن عليه جنابة فالغسل مستحب. وقال أحمد وآخرون: يلزمه الغسل. وفي تكرير سؤاله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تأليف لقلبه، والملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى الذين يتبعهم علي الإسلام كثير من الخلق والله أعلم.

الحديث السادس عن جبير: قوله: ((المطعم بن عدي)): ((قض)): هو مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف ابن عم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له يد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أجاره حين رجع من الطائف وذب المشركين عنه، فأحب أنه كان حياً فكافأه عليها بذلك. ويحتمل أنه قد أراد تطييب قلب ابنه جبير وتأليفه علي الإسلام. وفيه تعريض بالتعظيم لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم وتحقير حال هؤلاء الكفرة، من حيث أنه لا يبالي بهم ويتركهم لمشرك كانت له عنده يد. و ((نتني)) جمع نتن بالتحريك بمعنى منتن كهرمي وزمني، وإنما سماهم ((نتني)) إما لرجسهم الحاصل من كفرهم علي التمثيل؛ أو لأن المشاركة إليه أبدانهم وجيفهم الملقاة في قليب بدر.

الحديث السابع عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((غرة النبي)) ((مح)): أي غفلته. و ((سلما)) ضبطوه بوجهين: أحدهما بفتح السين واللام وبإسكان اللام مع كسر السين وفتحها. قال الحميدي: معناه الصلح، قال القاضي: هكذا ضبطه الأكثرون، قال: والرواية الأولي أظهر أي أسرهم. وجزم الخطابي علي فتح السين واللام، قال: والمراد به الاستسلام والإذعان، كقوله تعالي:{وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ} أي الانقياد، وهو مصدر يقع علي الواحد والاثنين والجمع. قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقضية؛ فإنهم لم يؤخذوا صلحاً وإنما أخذوا قهراً وأسلموا

ص: 2742

3967 -

وعن قتادة، قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر علي قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته، فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، حتى قام علي شفة الركى، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان! ويا فلان بن

ــ

أنفسهم عجزاً، قال: وللوجه الآخر وجه وهو أنه لما لم يجر [معهم] قتال بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم، فرضوا بالأسر كأنهم قد صولحوا علي ذلك.

أقول: لما كان سلامة المسلمين من أولئك ومجازاتهم بالكف عنهم بعد ما أرادوا الغرة والفتك بهم من الأمور العظام، ولولا أن الله تعالي ألقى في قلوبهم الرأفة والرحمة بهم، وأن الله تعالي قهرهم وذبهم عنهم لم تحصل السلامة، أسند الفعلين إليه تعالي علي سبيل الحصر حيث قال:{وهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} أي الكف إنما صدر منه تعالي لا منكم. ونظيره قوله تعالي: {ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وإنما فصل الآية بقوله: {وكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} وعداً لهم بجزاء ما صدر منهم من العفو بعد الظفر جبراناً لما نفي عنهم بالكلية إثباتاً للكسب بعد نفي القدرة.

الحديث الثامن عن قتادة: قوله: ((من صناديد)) ((نه)): صناديد قريش أشرافهم وعظماؤهم ورؤساؤهم، الواحد صنديد، وكل عظيم غالب صنديد. و ((الطوى)) في الأصل صفة فعيل بمعنى مفعول؛ ولذلك جمعوه علي الأطواء كشريف وأشراف، وإن كان قد انتقل إلي الاسمية. وقوله:((خبيث مخبث)) أي فاسد مفسد لما يقع فيه. وفي الحديث: ((أعوذ بك من الرجس الخبيث المخبث)) الخبيث ذو الخبث في نفسه، والمخبث الذي أعوانه [خبث]. وقيل: هو الذي يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه.

((تو)): فإن قيل: كيف التوفيق بين الطوى والقليب، والقليب البئر التي لم تطو؟ قلنا: يحتمل أن الراوي رواه بالمعنى ولم يدر أن بينهما فرقاً: ويحتمل أن الصحابي حسب أن البئر كانت مطوية وكانت قليباً. ويحتمل أن بعضهم ألقى في طوى، وبعضهم في قليب.

أقول: إنهم قد يطلقون علي حقيقة مقيدة بقيد اسم الحقيقة التي هي غير مقيدة بها توسعاً في الكلام، فإن المرسن اسم لأنف فيه رسن، وقد يطلق علي أنف الإنسان، وكذا المشفر

ص: 2743

فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا؛ فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟)) فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)). وفي رواية: ((ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون)) متفق عليه. وزاد البخاري: قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً.

ــ

والجحفلة اسم لشفة البعير والفرس، وقد يراد بهما شفة الإنسان، وعليه قوله تعالي في وجه:{طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} . و ((العرصة)) كل موضع واسع لا بناء فيه، و ((شفة الركي)) أي حافة البئر، وهو جنس الركية وجمعها ركايا.

قوله: ((أيسركم أنكم)) ((مظ)): أي هل تتمنون أن تكونوا مسلمين بعد ما وصلتم إلي عذاب الله. أقول: ينبغي أن يفسر هذا بما يترتب عليه قوله: ((فإنا قد وجدنا))؛ لأنه كالتعليل له، فالمسرة هنا مستعارة لضدها من الحزن والكآبة تهكماً وسخرية، كما أن البشارة في قوله تعالي:{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} مستعارة لضدها، وكالتحية في قول الشاعر:

تحية بينهم ضرب وجيع

ومقام الشماتة والحسرة والنقمة يقتضيه؛ وينصره قول قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً؛ فالمعنى أتحزنون وتتحسرون علي ما فاتكم من طاعة الله ورسوله أم لا؟ وتذكرون قولنا لكم: إن الله سيظهر دينه علي الدين كله، وينصر أولياءه ويخذل أعداءه، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.

قوله: ((ما تكلم)) ((مظ)): ((ما)) استفهامية، ويجوز أن تكو موصولة.

أقول: علي الأول الاستفهام فيه معنى الإنكار، ومن في ((من أجساد)) زائدة؛ لأن في الاستفهام معنى النفي. وعلي الثاني ((ما)) مبتدأ و ((من)) بيان له، والخبر محذوف، أي الذين تكلمهم لا يسمعون كلامك، أو ((من)) زائدة علي مذهب الأخفش، وأجساد خبر له.

قوله: ((ما أنتم بأسمع)) ((مح)) قال المازري: قيل: إن الميت يسمع عملا بظاهر هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنه خاص في حق هؤلاء، ورد عليه القاضي وقال: يحمل سماعهم علي ما يحمل عليه سماع الموتى في أحاديث عذاب القبر وفتنته التي لا مدفع لها. وذلك بإحيائهم أو إحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون في الوقت الذي يريده الله تعالي. قال الشيخ: هذا هو المختار.

ص: 2744

3968 -

وعن مروان، والمسور بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يراد إليهم أموالهم، وسبيهم. فقال:((فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال)). قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى علي الله بما هو أهله، ثم قال:((أما بعد؛ فإن أخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد أليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون علي حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)) فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)). فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. رواه البخاري.

3969 -

وعن عمران بن حصين، قال: كان ثقيف حليفاً لبنى عقيل فأسرت

ــ

الحديث التاسع عن مروان: قوله: ((قام حين جاءه)) كذا في كتاب الحميدي وجامع الأصول وشرح السنة، وفي نسخ المصابيح:((قال حين جاءه فقال)) والفاء في ((فاختاروا)) جزاء شرط محذوف أي إذا جئتم مسلمين فاختاروا.

قوله: ((إما السبي وإما المال)) جعل المال طائفة إما علي المجاز أو علي التغليب. ((غب)): الطوف المشي حول الشيء، ومنه الطائف لمن يدور حول البيت ومنه استعير الطائف للخيال والحادثة وغيرها، والطائفة من الناس جماعة ومن الشيء القطعة منه.

قوله: ((أن يطيب ذلك)) ((ذلك)) إشارة إلي ما رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرأي وهو رد السبي. والمعنى من يطيب علي نفسه الرد حتى يعطيه الله أجره في الآجلة فليفعل، ومن لم يطب علي نفسه الرد وأراد أن يدوم علي [حظ] الآجلة فيترقب حتى نعطيه من الغنيمة فليفعل. وقوله:((حتى يرفع إلينا)) الظاهر أن ((حتى)) هذه غير ((حتى)) السابقة لأن الأولي ما بعدها للمستقبل وهي بمعنى ((كي))، وهذه ما بعدها في معنى الحال فيكون مرفوعاً، كقولهم: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه. ((مظ)): إنما استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة في رد سبيهم لأن أموالهم وسبيهم صار ملكاً للمجاهدين، ولا يجوز رد ما ملكوا إلا بإذنهم.

الحديث العاشر عن عمران: قوله: ((عقيل)) ((تو)): علي صيغة المصغر قبيلة كانوا حلفاء

ص: 2745

ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل فأوثقوه فطرحوه في الحرة، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداه: يا محمد يا محمد فيم أخذت؟ قال: ((بجريرة حلفائكم ثقيف)) فتركه ومضى، فناداه: يا محمد يا محمد فرحمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع، فقال:((ما شأنك؟)) قال: إني مسلم. فقال: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)) قال: ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. رواه مسلم.

الفصل الثاني

3970 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها علي أبي العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال:((إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها)) فقالوا: نعم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم

ــ

ثقيف. و ((الحرة)) أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. ((نه)): والجريرة الجناية والذنب. وذلك أنه كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ثقيف موادعة، فلما نقضوها ولم ينكر عليهم بنو عقيل وكانوا معهم في العهد صاروا مثلهم في نقض العهد، فأخذه بجريرتهم. وقيل: معناه أخذت لندفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين.

قوله: ((وأنت تملك)) ((خط)): يريد أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعا راغبا قبل [الأسر] *، أفلحت في الدنيا بالخلاص من الرق وفي العقبى بالنجاة من النار.

((حس)): فيه دليل علي أن الكافر إذا وقع في الأسر فادعى أنه كان قد أسلم لا يقبل قوله إلا ببينة تقوم، وإذا أسلم بعد ما وقع في الأسر حرم قتله، وجاز استرقاقه، وإذا قبل الجزية بعد الأسر هل يحرم قتله؟ فيه خلاف. وفيه دليل علي جواز الفداء بعد الإسلام الذي بعد الأسر، وعلي أنه لا يجب إطلاقه.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((رق لها)) أي تذكر غربتها ووحدتها وتذكر صلى الله عليه وسلم عهد خديجة وصحبتها؛ فإن القلادة كانت لها، فلما زوجتها من أبي العاص أدخلت القلادة مع زينب عليه. وقوله:((إن رأيتم)) المفعول الثاني ((لرأيتم)) وجواب الشرط محذوفان، أي إن

ص: 2746

أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال:((كونا ببطن يأحج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها)). رواه أحمد، وأبو داود. [3970]

3971 -

وعنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسر أهل بدر قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومن علي أبي عزة الجمحي. رواه في ((شرح السنة)) والشافعي وابن إسحاق في ((السيرة)). [3971]

3972 -

وعن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط، قال: من للصبية؟ قال: ((النار)). رواه أبو داود. [3972]

3973 -

وعن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن جبريل هبط عليه

ــ

رأيتم الإطلاق والرد حسنا فأطلقوه. ((قض)): ((أخذ عليه)) يريد به العهد بتخليته سبيلها أن يرسلها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزينب هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة، وكانت تحت أبي العاص زوجها منه قبل المبعث.

وبطن يأحج من بطون الأودية التي حول الحرم، والبطن المنخفض من الأرض.

((شف)): فيه دليل علي جواز المن علي الأسير من غير أخذ فداء، وعلي أن للإمام الأعظم أن يرسل اثنين فصاعدا من الرجال مع امرأة أجنبية في طريق عند الأمن من الفتنة.

الحديث الثاني والثالث عن ابن مسعود رضي الله عنه: قوله: ((من للصبية؟)) أي من يتصدى لكفالة أطفالي وأنت تقتل كافلهم. وقوله في جوابه: ((النار)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون النار عبارة عن الضياع يعني إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي هي. وثإنيهما: أن الجواب من الأسلوب الحكيم أي لك النار، يعني اهتم بشأن نفسك وما هيء لك من النار، ودع أمر الصبية فإن كافلهم هو الله الذي ما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها وهذا هو الوجه.

الحديث الرابع عن علي رضي الله عنه: قوله: ((قابلا مثلهم)) أي في السنة القابلة الآتية، والمراد بها السنة التي وقعت فيها غزوة أحد وإنما اختاروا ذلك رغبة منهم في إسلام أسارى بدر، وفي نيلهم درجة الشهادة في السنة القابلة في مقابلة الكفار إياهم. ورقة منهم عليهم لقرابة بينهم.

((تو)): هذا الحديث مشكل جدا لمخالفته ما يدل [عليه] ظاهر التنزيل؛ ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير

ص: 2747

فقال له: خيرهم – يعني أصحابك – في أسارى بدر: القتل والفداء علي أن يقتل منهم قابلا مثلهم)) قالوا: الفداء ويقتل منا. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [3972]

ــ

بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليهم. وقد قال الله تعالي: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ولما أظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله سبحانه: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} .

وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي رضي الله عنه فلعل عليا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها، فاشتبه الأمر فيه علي بعض الرواة.

وما جرأنا علي هذا التقدير سوى ما ذكرناه، وأن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرا يطرأ علي الإنسان. ثم إن الحديث روى عنه متصلا وروى عن غيره مرسلا، وكان ذلك مما يمنع القول بظاهره.

أقول وبالله التوفيق: لا منافاة بين الحديث والآية، وذلك أن التخيير في الحديث وارد علي سبيل الاختبار والامتحان، ولله أن يمتحن عباده بما شاء، امتحن الله تعالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} الآيتين. وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالي: {ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} امتحن الناس بالملكين وجعل المحنة في الكفر والإيمان، بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالي امتحن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين أمرين: القتل والفداء، وأنزل جبريل عليه السلام بذلك هل هم يختارون ما فيه رشا الله تعالي من قتله أعداءه. أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبوله الفدية؟ فلما اختاروا الثاني عوتبوا بقوله:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} ويعضده سبب النزول: روى مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ((ما ترون في هؤلاء الأسارى؟)) فقال أبو بكر: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة علي الكفار. فعسى أن يهديهم الله إلي الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأي أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي

ص: 2748

3974 -

وعن عطية القرظي، قال: كنت في سبي قريظة عرضنا علي النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي. رواه أبو داود، وابن ماجة، والدارمي. [3974]

3975 -

وعن علي رضي الله عنه قال: خرج عبدان إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني يوم الحديبية قبل الصلح – فكتب إليه مواليهم قالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق. فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:((ما أراكم تنتهون ما معشر قريش! حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم علي هذا)) وأبي أن يردهم وقال: ((هم عتقاء الله)) رواه أبو داود. [3975]

ــ

وصاحبك؟ فقال: ((أبكي للذي عرض علي من أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة)). وأنزل الله تعالي الآية.

وأما قوله: ((ثم إن الحديث روى عنه متصلا وروى عن غيره مرسلا، وكان ذلك مما يمنع القول بظاهره)) ففيه بحث؛ فإن المرسل إذا اعتضد بضعيف متصل يحصل فيه نوع قوة فيدخل في جنس الحسن، فكيف يقال عند ذلك؟:((وكان ذلك مما يمنع القول بظاهره)). وقول الترمذي: هذا حديث غريب لا يشعر بالطعن فيه؛ لأن الغريب قد يكون صحيحا.

الحديث الخامس عن عطية: قوله: ((ومن لم ينبت لم يقتل)) ((تو)): إنما اعتبر الإنبات في حقهم لمكان الضرورة؛ إذ لو سئلوا عن الاحتلام أو عن مبلغ سنهم؛ لم يكونوا ليحدثوا بالصدق إذا رأوا فيه الهلاك. والسن إنما تتبع علي ما وجدت في موضعها ولا تصرف عن جهتها.

الحديث السادس عن علي رضي الله عنه: قوله: ((عبدان)) بكسر العين وضمها. وبسكون الباء وبكسرها مع تشديد الدال جمع عبد، وقد روى في الحديث بالصيغتين الأوليين. وقوله:((ما أراكم تنتهون)) فيه تهديد عظيم حيث نفي العلم بانتهائهم وأراد ملزومه وهو انتهاؤهم، كقوله تعالي:{أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ} أي بما لا ثبوت له ولا علم الله متعلق به. وقوله: وقال: ((هم عتقاء الله)) عطف علي قوله: وقال ((ما أراكم)).

ص: 2749

الفصل الثالث

3976 -

عن ابن عمر، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلي بني جذيمة، فدعاهم إلي الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلي كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر

ــ

وقوله: ((وأبي أن يردهم)) من قول الراوي معترض بينهما علي سبيل التاكيد.

((تو)): وإنما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عارضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين. وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هربا من الرق لا رغبة في الإسلام، فكان حكم الشرع فيهم أنهم صاروا بخروجهم من دار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام أحرارا، وكانت معاونتهم لأوليائهم تعاونا علي العدوان.

((خط)): في إن عبدا لأهل الحرب لو دخل دار الإسلام مسلما فهو حر، ولا يجوز رده إليهم، ولو أن العبد غلب علي سيده في دار الحرب ثم خرج به إلينا مسلمين، ويد العبد ثابتة علي السيد كان السيد مملوكا والمملوك مالكا، ولو خرج إلينا وفي يده عبد له فأسلما قبل أن نقدر عليهما، فالحكم السابق مقرر علي ما كان.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((حتى إذا كان يوم)) معناه محذوف و ((كان)) تامة، أي دفع إلينا الأسير وأمرنا بحفظ إلي يوم يأمرنا بقتله، فلما وجد ذلك اليوم أمرنا بقتلهم. وكذا ((حتى)) في قوله:((حتى قدمنا)) فإن التقدير: لا يقتل رجل من أصحابي أسيره، بل يحفظه حتى يقدم إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفظنا حتى قدمنا. وقوله:((إني أبرأ إليك)) ضمن ((أبرأ)) معنى أنهي فعداه بـ ((إلي)) أي أنهي إليك براءتي وعدم رضائي من فعل خالد، نحو قولك: أحمد إليك فلانا.

((خط)): إنما نقم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد موضع العجلة، وترك التثبت في أمرهم إلي أ، يستبين المراد من قولهم: صبأنا؛ لأن الصبأ معناه الخروج من دين إلي دين؛ وكذلك كان المشركون يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم الصابئ، وذلك لمخالفته دين قومه، فقولهم: صبأنا صبأنا يحتمل أن يراد به خرجنا من ديننا إلي دين آخر غير الإسلام من يهودية أو نصرإنية أو غيرهما. فلما لم يكن هذا القول صريحا في الانتقال إلي دين الإسلام نفذ خالد فيهم القتل؛ إذ لم توجد شريطة حقن الدم بصريح الاسم. وقد يحتمل أنه ظن إنما عدلوا عن اسم الإسلام أنفة من الاستسلام والانقايد.

أقول: ولعل الاحتمال الثاني أوجه؛ لأن صبأ كلام ذو وجهين؛ فإنه إذا نظر في اللغة لم

ص: 2750