الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالعدالة؛ فيجب اعتبارها فيه. قال ابن قدامة: " وإذا كانت المروءة مانعة من
الكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين " فالكذب دناءة، والمروءة تمنع منه؛ فحقَّقَت ما من أجله أشترطت العدالة، وقياسا على اشتراط الإسلام فإنه يمنع من الكذب؛ فكذا المروءة).
تعريف العدالة:
يمكننا من خلال هذه الشروط التي سبق مناقشتها أن نعرف العدالة المعتبرة في الرواية بأنها: (غلبة خير الراوي على جوره بحيث يظن صدقه)، والعدل هو الراوي الذي غلب خيره على شره حتى ظن صدقه).
وغليه الخيريه هذه نتيجة تتبع حاله ومعرفة مدى تحقق شروط العدالة والمروءة فيه، وثمرة هذه الغلبة ترجح جانب صدقه على كذبه.
وقولنا: (يظن صدقه) يشمل أن يكون مسلما حال الآداء؛ لأن المسلم لا يكذب، فدينه يمنعه من الكذب، وأن يكون عاقلا مميزا حال التحمل والآداء.
وأيضا من لا مروءة له لا تحصل الثقة بكلامه؛ لأن من لا يستقبح القبيح ولا يترفع عن الدناءات لا يستقبح الكذب.
وقد لاح لك مما سبق الشروط المعتبرة وغير المعتبرة في عدالة الراوي، وبقيت لنا مسألتان نختم بهما هذا المبحث الخاص بالعدالة:
المسألة الأولى: هل الأصل في الراوي الجهالة أم العدالة؟
المسألة الثانية: بم تثبت العدالة؟
(وأما المسألة الأولى وهي:
هل الأصل في الراوي العدالة أم الجهالة
؟
عندنا ثلاث مسائل تكلم فيها العلماء وهي هل الأصل في المسلم العدالة؟ وهل الأصل في الشاهد العدالة؟ ومسألتنا هي هل الأصل في الرواي العدالة؟ وهذه المسائل بينها عموم وخصوص وقد تتداخل، وقد اختلف العلماء فيها على قولين بالإيجاب والسلب.
وسوف نركز كلامنا في الراوي، والذي أراه راجحا هو أن الأصل في الراوي الجهالة حتى تثبت عدالته ويغلب الظن صدقه في نقل كلام النبي صلى الله عليه
وسلم على النحو سالف الذكر، والدليل على ذلك أمور منها:
أولا - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]
هذه الآية لا دلالة فيها على أحد القولين من أن الأصل في المخبر العدالة أم الجهالة، وإنما تدل بمنطوقها على التثبت والتوقف في خبر من تبين فسقه لنرى هل صدق في هذا الخبر أم لا، وتدل بمفهومها على قبول خبر من من لم يعرف بفسق، وأما من لم يتبين حاله هل هو فاسق أم عدل ماذا نفعل في خبره هل نتوقف فيه أم نقبله؟
قال الشنقيطي في "المذكرة"(ص/138): (ومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق فمن قال لا يقبل مجهول العدالة قال المدار على علم العدالة والمجهول لم تعلم عدالته فلا يقبل ومن قال يقبل قال المدار على عدم العلم بالفسق وهذا لم يعلم منه فسق فيقبل).
والقول بقبول رواية مجهول العدالة هو قول الحنفية، وقد رده الألوسي الحنفي في "روح المعاني" (13/ 298):(واستدل الحنفية بها على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته وعدم وجوب التثبت لأنها دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه وهاهنا قد انتفى الفسق ظاهرا ونحن نحكم به فلا يجب التثبت. وتعقب بأنا لا نسلم أنه هاهنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو بتزكية خبير به له).
وعليه فالأقوى أنه يلحق بالفاسق حكما ونتوقف في خبره حتى نتبين حاله؛ حماية لجناب السنة حتى لا يلحق بسنة النبي ما لم يقله، وفي ذلك من المفاسد في ناحية التعبد ما لا يخفى.
ثانيا - ما عليه الجمهور من رد رواية مجهول العين والحال، ولو كان الأصل في الراوي العدالة لما رُدَّ حديثه.
قال ابن الصلاح في "مقدمته"(ص/111): (المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا، وروايته غير مقبولة عند الجماهير). ثم قال: (المجهول العين،
وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين، ومن روى عنه عدلان وعَيَّنَاه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة).
ثالثا - في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ولو كانت كل الرواة عدول لما أوجب النبي التثبت من خبره، ولما حكم بإثم وتكذيب من يحدث بكل ما سمع.
رابعا - ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من التحري في الرواية وعدم الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين، وهذا مشهور عنهم وإليك طائفة من أقوالهم:
ساق الخطيب في "الكفاية"(ص/83): بسنده عن أبي إسحاق ، قال: كنت في المسجد الجامع مع الأسود فقال: أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب فقال:» ما كنا لندع كتاب ربنا ، وسنة نبينا لقول امرأة ، لا تدري أحفظت أم لا «ثم قال:(وهكذا اشتهر الحديث عن علي بن أبي طالب أنه قال ما: حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استحلفته ، ومعلوم أنه كان يحدثه المسلمون ويستحلفهم ، مع ظهور إسلامهم ، وأنه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره ، بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم ، مع ظهور إسلامهم وبذلهم له اليمين ، وكذلك غيره من الصحابة روي عنهم أنهم ردوا أخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الإسلام ، فلم يطعن عليهم في ذلك الفعل ، ولا خولفوا فيه ، فدل على أنه مذهب لجميعهم ، إذ لو كان فيهم من يذهب إلى خلافه لوجب بمستقر العادة نقل قوله إلينا ، ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أنه لا يكفي في عدالة الشهود على ما يقتضي الحدود إظهار الإسلام ، دون تأمل أحوال الشهود واختبارها ، وهذا يوجب اختبار حال المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحال الشهود بجميع الحقوق ، بل قد قال كثير من الناس: إنه يجب الاستظهار في البحث عن عدالة المخبر بأكثر مما يجب في عدالة الشاهد ، فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام ، يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال والله أعلم).
- روى مسلم في "مقدمة صحيحه"(1/ 13) بسنده عن مجاهد أنه قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه