الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلام الصنعاني، والقول بالتفصيل الذي اختاره هو الراجح (1).
المسألة الثالثة: هل تُعد رواية العدل تعديلاً لمن روى عنه
(2)؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلا:
عزاه النووي في التقريب إلى الأكثرين من أهل الحديث وغيرهم، وصححه السيوطي في التدريب (1/ 314)، وعزاه ابن رجب في شرح علل الترمذي للشافعية، وأحمد في رواية، وقال: [ما ذكره الترمذي رحمه الله يتضمن مسائل من علم الحديث:
إحداها: إن رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه؛ فإن كثيراً من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما، وكان شعبة يقول: ((لو لم
(1) - وانظر أيضاً في هذه المسألة: التقييد والإيضاح (1/ 142 - 143)، والرافع والتكميل (ص/ 111 - 112)، فتح المغيث (1/ 294)، والشذا الفياح (1/ 242)، وغيرهم.
(2)
- اختلفت عبارات العلماء حول صياغة هذه المسألة فبعضهم يقول: هل تعتبر رواية العدل تعديلاً لمن روى عنه، فكأنه لا يتكلم عن الضبط مطلقاً، وسار على ذلك النووي في التقريب، وتابعه السيوطي في التدريب. وأما ابن رجب فأحيانا يقول: رواية الثقة توثيق، وأحيانا يقول: تعديل. والذي أراه أن الذي يتكلم على هذه المسألة يتكلم على أصلها فقط، بمعنى: هل تنفع رواية أهل النقد والتحري هؤلاء الرواة أم لا؟ والذي ينبغي من الناحية العملية: مراعاة لفظ هذا الإمام، واصطلاحه، ثم الحكم بمقتضى ذلك من ناحية الحكم بالضبط مع العدالة أم الاكتفاء بالعدالة فقط، وأما في حالة عدم معرفة اصطلاحه فالذي ينبغي الاكتفاء بالحد الأدنى وهو العدالة فقط، بمعنى أن حديثه يصلح للاعتبار في المتابعات والشواهد فقط فلا يحكم له بصحة ولا حسن. والله الموفق.
أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير))، قال يحيى القطان:((إن لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت] إلا [عن خمسة أو نحو ذلك))].
أدلة القول الأول:
قالوا: يجوز رواية الثقة عن غير العدل، فلم تتضمن روايته عنه تعديله، وقد روينا عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحرث، وأشهد بالله أنه كان كذابا. وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن حنبل أنه رأى يحيى بن معين وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه؟ فقال: يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت.
القول الثاني: هو تعديل:
حكاه ابن رجب في شرح العلل للحنفية، ولأحمد في رواية.
أدلة القول الثاني:
قالوا: لو علم فيه جرحا لذكره، ولو لم يذكره لكان غاشا في الدين، قال الصيرفي: وهذا خطأ؛ لأن الرواية تعريف له، والعدالة بالخبرة. وأجاب الخطيب: بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه. قال السماحي في الرواة (ص/64): [وقال ابن الحاجب: ورَد بأنه قد علم أنهم يروون عمن لو سئلوا عنه لم يعدلوه، فلا تدليس].
القول الثالث: التفصيل:
إن كان العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته تعديلا، وإلا فلا. قال السيوطي في التدريب:[واختاره الأصوليون كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما].
وقال ابن رجب في شرح العلل: [والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له، ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل، وصرح بذلك طائفة من المحققين من أصحابنا وأصحاب
الشافعي.
قال أحمد - في رواية الأثرم -: ((إذا روى الحديث عبد الرحمن ابن مهدي عن رجل فهو حجة، ثم قال: كان عبد الرحمن أولاً يتساهل في الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعدها، وكان يروي عن جابر ثم تركه))، وقال في رواية أبي زرعة:((مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة))، وقال في رواية ابن هانئ:((ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة، كل من روى عنه مالك فهو ثقة))، وقال الميموني، سمعت أحمد غير مرة يقول:((كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مديني)). قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: ((لا تريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلاً أو رجلين))].
(والقول بالتفصيل هو الراجح:
قال السخاوي في فتح المغيث (1/ 315) بعد عرضه للقول الأول والثاني: [والثابت التفصيل، فإن علم أنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عن الراوي تعديلا له وإلا فلا وهذا هو الصحيح عند الأصوليين، كالسيف الآمدي، وابن الحاجب، وغيرهما، بل وذهب إليه جمع من المحدثين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم، والحاكم في مستدركه، ونحوه قول الشافعي رحمه الله فيما يتقوى به المرسل أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه انتهى. وأما رواية غير العدل فلا يكون تعديلا باتفاق].
وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (1/ 475): [والصحيح التفصيل بين أن يكون من عادته أنه لا يروي إلا عن ثقة فيكون تعديلا [له] وإلا فلا].
وقال د. عبد الرحمن الزيد في رسالته: " فوائد في مناهج المتقدمين في التعامل مع السنة تصحيحاً وتضعيفاً " حيث قال: [فالخلاصة: أن من روى عنه ولو واحد من أئمة النقل أهل النقد والتحري ممن لا يروي إلا عن الثقات ولم يُتَكلم فيه فإنه ينفعه ذلك].
فمن اشترط على نفسه عدم الرواية إلا عن الثقات أو العدول، فمن روى عنه
يكون ثقةً أو عدلاً عنده، مع ملاحظة شرطه هل هو على الإطلاق، أو في كتاب معين، وينبغي ملاحظة أن هذا التعديل أو التوثيق، كالتعديل أو التوثيق المجملين، الذين يقدم عليهما الجرح المفسر، وينبغي أيضاً لاعتبار قوله ملاحظة حاله في التزام شرطه، وأنه لم يضطرب فيه فإن ظهر أنه اضطرب فيه فلا يدل قوله على التوثيق أو التعديل.
فائدة: ذكر من كان لا يروي إلا عن الثقات:
قال السخاوي في فتح المغيث (1/ 316): [تتمة: من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد وبقي بن مخلد وحريز بن عثمان وسليمان ابن حرب وشعبة والشعبي وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ويحيى بن سعيد القطان وذلك في شعبة على المشهور فإنه كان يتعنت في الرجال ولا يروى إلا عن ثبت وإلا فقد قال عاصم بن علي سمعت شعبة يقول لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثة وفي نسخة ثلاثين وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر، وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك ولا عن من أجمع على ضعفه. وأما سفيان الثوري فكان يترخص مع سعة علمه وشدة ورعه ويروي عن الضعفاء حتى قال فيه صاحبه شعبة لا تحملوا عن الثوري إلا عن من تعرفون فإنه لا يبالي عمن حمل]
وقد طرح هذا الموضوع في ملتقى أهل الحديث، وأدلى كلٌّ بدلوه ونقلوا عن محمد خلف سلامة، في مقال له بِعنوان (الدرر المتناسقة فيمن قيل إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة)، وقد قمت بترتيب ما ذكروه على حروف المعجم مع حذف المكرر، ودمج التعليقات والإحالات مع بعض الزيادات في الإحالات، والواقع أن هذا المجهود منهم طيب، وسعي مشكور، ويا ليت هذا المجهود يكون بداية لبحث هذه المسألة نظرياً، وتطبيقياً، على نطاق أوسع، لأهميتها في علم الجرح والتعديل، وخاصة في تعديل أو توثيق المجاهيل.
وإليك مثالين لبيان أهمية هذه المسألة، فقد صحح الشيخ الألباني إسناد حديثين اعتماداً على هذه القاعدة وهما:-
1 -
قال الشيخ الألباني في هامش صحيح ابن خزيمة (4/ 207) عن أثر ابن