الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: أَكْثَرُ الْجَهَالَاتِ إِنَّمَا رَسَخَتْ فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ بِتَعَصُّبِ جَمَاعَةٍ مِنْ (جُهَّالِ)(1) أَهْلِ الْحَقِّ، أَظْهَرُوا الْحَقَّ فِي معرض التحدي (والإدلاء)(2) وَنَظَرُوا إِلَى ضُعَفَاءِ الْخُصُومِ بِعَيْنِ التَّحْقِيرِ وَالِازْدِرَاءِ، فَثَارَتْ/ مِنْ بَوَاطِنِهِمْ دَوَاعِي الْمُعَانَدَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَرَسَخَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الِاعْتِقَادَاتُ الْبَاطِلَةُ، وَتَعَذَّرَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُتَلَطِّفِينَ مَحْوُهَا/ مَعَ ظُهُورِ فَسَادِهَا، حَتَّى انْتَهَى التَّعَصُّبُ بِطَائِفَةٍ إِلَى أَنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي نَطَقُوا بِهَا فِي الْحَالِ بَعْدَ السُّكُوتِ عَنْهَا طُولَ الْعُمُرِ قَدِيمَةٌ، وَلَوْلَا اسْتِيلَاءُ الشَّيْطَانِ بِوَاسِطَةِ الْعِنَادِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْأَهْوَاءِ، لَمَا وُجِدَ مِثْلُ هذا الاعتقاد (مستقراً)(3) فِي قَلْبِ مَجْنُونٍ فَضْلًا عَنْ قَلْبِ عَاقِلٍ.
هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ، فَالْوَاجِبُ تَسْكِينُ الثَّائِرَةِ مَا قدر على ذلك، والله أعلم.
/
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَتَعَيَّنُونَ فَلَهُمْ خَوَاصُّ وَعَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَلَامَاتٌ إِجْمَالِيَّةٌ، وَعَلَامَاتٌ تَفْصِيلِيَّةٌ.
فَأَمَّا العلامات/ الإجمالية فثلاثة (4):
أحدها: الْفُرْقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (5)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (6)، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْجِدَالُ وَالْخُصُومَاتُ/ فِي الدِّينِ (7).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (8)، وفي
(1) في (ط) و (خ): "جهل".
(2)
في (ط): "والإدلال".
(3)
في (ط) و (خ): "مستفزا".
(4)
انظر ما ذكره أيضاً في: الموافقات (4 104).
(5)
سورة آل عمران: الآية (105).
(6)
سورة المائدة: الآية (64).
(7)
تقدم تخريجه (2/).
(8)
سورة آل عمران: الآية (103).
الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ/ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعاً ولا تفرقوا
…
(الْحَدِيثِ)(1) " (2).
وَهَذَا التَّفْرِيقُ ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يُصَيِّرُ الْفِرْقَةَ الْوَاحِدَةَ فِرَقًا وَالشِّيعَةَ (الْوَاحِدَةَ)(3) شِيَعًا.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: صَارُوا فِرَقًا لِاتِّبَاعِ أهوائهم، وبمفارقة الدين/ تشتتت أَهْوَاؤُهُمْ فَافْتَرَقُوا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} ـ ثُمَّ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ ـ: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (4)، وَهُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الضَّلَالَاتِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ وَلَا رَسُولُهُ.
قَالَ: وَوَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَعْدِهِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ وَلَمْ (يَتَفَرَّقُوا)(5) وَلَا صَارُوا شِيَعًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا أُذِنَ لَهُمْ مِنِ (اجْتِهَادِ الرَّأْيِ)(6)، وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا/ فِيهِ نَصًّا (وَاخْتَلَفَتْ)(7) فِي ذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ فَصَارُوا مَحْمُودِينَ، لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فِيمَا أُمِرُوا بِهِ كَاخْتِلَافِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأُمِّ/ وَقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَخِلَافِهِمْ فِي الْفَرِيضَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَخِلَافِهِمْ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ، وفي البيوع وغير ذلك، (مما)(8) اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا مَعَ هَذَا أَهْلَ مَوَدَّةٍ وتناصح، وأخوة الإسلام فيما بينهم
(1) في (ط) و (خ): "وصدق الحديث".
(2)
أخرجه مسلم (1715)، ومالك في الموطأ (1796)، وأحمد (2 367)، والبخاري في الأدب المفرد (442)، وابن حبان (3388)، والبيهقي في السنن الكبرى (16433).
(3)
في (غ) و (ر): "المنفردة".
(4)
سورة الأنعام: الآية (159).
(5)
في (غ) و (ر): "يفترقوا".
(6)
في (ط) و (خ) و (ت): "اجتهاد إلى الرأي".
(7)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "واختلف".
(8)
في (ط): "فما".
قَائِمَةٌ، فَلَمَّا حَدَثَتِ الْأَهْوَاءُ الْمُرْدِيَةُ، الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَظَهَرَتِ الْعَدَاوَاتُ وَتَحَزَّبَ أَهْلُهَا فَصَارُوا شِيَعًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاهِ أَوْلِيَائِهِ.
(قَالَ)(1): (كُلُّ)(2) مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ (وَاخْتَلَفَ)(3) النَّاسُ فِيهَا وَلَمْ يُورِثْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَلَا بَغْضَاءَ وَلَا فُرْقَةً، عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ (حَدَثَتْ)(4)(وَطَرَأَتْ)(5) فَأَوْجَبَتِ الْعَدَاوَةَ (وَالْبَغْضَاءَ)(6)(وَالتَّدَابُرَ)(7) وَالْقَطِيعَةَ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ/ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّهَا الَّتِي عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ.
وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ/ وَسَلَّمَ: "يَا عَائِشَةُ، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، مَنْ هُمْ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الضَّلَالَةِ من هذه الأمة" الحديث (وقد)(8) تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ (9).
قَالَ: فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ وَدِينٍ أَنْ يَجْتَنِبَهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ
(1) في (م) و (خ) و (ت): "فقال".
(2)
في (غ) و (ر): "فكل".
(3)
في (م) و (غ) و (ر): "فاختلف".
(4)
ساقط من (غ) و (ر).
(5)
في (م) و (غ) و (ر): "طرأت".
(6)
ساقط من (غ) و (ر).
(7)
في (غ) و (ر): "والتنافر".
(8)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الذي".
(9)
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (4)، والطبراني في المعجم الصغير (560)، وأبو نعيم في الحلية (4 138)، والبيهقي في شعب الإيمان (7239 و7240)، كلهم من حديث عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إِنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (يا عائشة
…
) والحديث أعله أبو حاتم كما في العلل لابنه (2 77)، وأعله الدارقطني في العلل (2 163 برقم 191)، وضعفه الألباني في ظلال الجنة (4)، ونقل عن الهيثمي تضعيفه للحديث في المجمع (1 188)، وتضعيف ابن كثير للحديث في التفسير (2 196)، وروي بنحوه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مرفوعاً أخرجه ابن جرير في التفسير (14266)، وفيه عباد بن كثير وليث بن أبي سليم وكلاهما ضعيف، وأخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (668) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وقال: تفرد به معلل. اهـ. ومعلل هو ابن نفيل الحراني، ذكره ابن حبان في الثقات (9 201) والله أعلم.
تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (1)، فإذا اختلفوا (وتقاطعوا كان ذلك)(2) لِحَدَثٍ أَحْدَثُوهُ مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى.
//هَذَا مَا قَالَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو إِلَى الْأُلْفَةِ والتَّحاب وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ، فَكُلُّ رَأْيٍ أَدَّى إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَخَارِجٌ عَنِ الدِّينِ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ الْمُتَكَلَّمُ (عَلَيْهِ)(3)، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الفرق (المُضَمَّنَة)(4) فِي الْحَدِيثِ.
أَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ"(5)،/ وَأَيُّ فُرْقَةٍ تُوَازِي هذه (إلا)(6) الْفُرْقَةَ الَّتِي بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ؟ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي سَائِرِ مَنْ عُرِفَ مِنَ الفرق أو (من)(7) ادُّعِيَ/ ذَلِكَ (فِيهِمْ)(8)، إِلَّا أَنَّ الْفِرْقَةَ (لَا)(9) تَعْتَبِرُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ، لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بالقوة والضعف.
وحين ثبت أن مخالفة (بعض)(10) هذه الفرق (إنما هي في القواعد الكلية كانت الفرقة أقوى بخلاف ما إذا خولف)(11)(في)(12) الفروع الجزئية (دون الكلية)(13)، (فإن الفرقة لا بد)(14)(أضعف)(15)(فيجب)(16) النظر في هذا كله.
(1) سورة آل عمران: الآية (103).
(2)
في (ط): "وتعاطوا" ذلك كان. وفي (خ): "وتعاطوا كان ذلك".
(3)
في (م): "عليها".
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "المتضمنة".
(5)
تقدم تخريجه (3/ 114).
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
(7)
زيادة من (م) و (خ) و (غ) و (ر).
(8)
في (غ) و (ر): "فيه".
(9)
ساقطة من (غ) و (ر).
(10)
ما بين القوسين زيادة من (ت) و (غ) و (ر).
(11)
ما بين () زيادة من (غ) و (ر).
(12)
في (ط): "من".
(13)
ما بين القوسين زيادة من (ت).
(14)
في (م): "فإن الفرقة فلا بد". وفي (ط) و (خ): "باب الفرقة فلا بد". وفي (ت): "فالفرقة بلا بد".
(15)
ما بين القوسين ساقط من (ط) و (خ).
(16)
في (ط) و (خ): "يجب".
وَالْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} الْآيَةَ. فَبَيَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ يَتَّبِعُونَ مُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَعَلُوا مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْمُتَشَابِهَ لَا الْمُحْكَمَ. وَمَعْنَى الْمُتَشَابِهِ: مَا أُشْكِلَ معناه، ولم (يتبين)(1) مغزاه، كَانَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الْحَقِيقِيِّ (2) ـ كَالْمُجْمَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ وما يظهر (منه) (3) التَّشْبِيهِ (4) ـ أَوْ مِنَ/ الْمُتَشَابِهِ الْإِضَافِيِّ ـ وَهُوَ (مَا يَحْتَاجُ) (5) فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ ـ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ ظَاهِرَ الْمَعْنَى لِبَادِي الرَّأْيِ/ كَاسْتِشْهَادِ الْخَوَارِجِ عَلَى إِبْطَالِ/ التَّحْكِيمِ بقوله:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ} (6) فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا عَلَى التَّفْصِيلِ فَمُحْتَاجٌ إِلَى الْبَيَانِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما (7)، لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ (لِلَّهِ)(8) تَارَةً بِغَيْرِ تحكيم (وتارة بتحكيم)(9)، لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَنَا بِالتَّحْكِيمِ فَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ. (فَإِنَّهُمْ حصروا (الحكم في قسمين)(10) وَتَرَكُوا قِسْمًا ثَالِثًا) (11) وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ (عَلَيْهِ)(12) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (13) الْآيَةَ فَهَذَا قِتَالٌ مِنْ غَيْرِ سَبْيٍ، لَكِنَّ ابن عباس رضي الله عنه (نبههم)(14) على وجه أظهر وهو (أن)(15)
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "يبين".
(2)
انظر: ما ذكره الشاطبي عن المتشابه الحقيقي والإضافي في الموافقات (3 54 ـ 58).
(3)
في (ط): "من".
(4)
يظهر أن الشاطبي يرى أن نصوص الصفات من المتشابه وتقدم التعليق على هذه المسألة (3/ 118).
(5)
في (غ) و (ر): "مما احتاج".
(6)
سورة يوسف: الآية (40).
(7)
تقدم (3/ 118).
(8)
في (غ) و (ر): "إلا لله".
(9)
ما بين القوسين ساقط من (ط) و (خ). وفي (غ) و (ر): و"تارة بالتحكيم".
(10)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "التحكيم في القسمين".
(11)
في (ت): "بياض بمقدار سطر".
(12)
زيادة من (خ) و (غ) و (ر).
(13)
سورة الحجرات: الآية (9).
(14)
في (ط): "نبهم".
(15)
ساقط من (م) و (خ) و (غ) و (ر).
السباء إذا حصل فلا بد من وقوع بعض (السهمان)(1) عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمُ السَّبَايَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا كَالسَّبَايَا، فَيُخَالِفُونَ الْقُرْآنَ الَّذِي ادَّعَوُا التَّمَسُّكَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ فِي مَحْوِ الِاسْمِ مِنْ إِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ،/ اقْتَضَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِثْبَاتٌ (لِإِمَارَةِ)(2) الْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْمِ (مِنْهَا)(3) لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَمَّى.
وَأَيْضًا فَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَمَّى لَمْ يَقْتَضِ إِثْبَاتَ إِمَارَةٍ أُخْرَى. فَعَارَضَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَحْوِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (اسم)(4) الرسالة من الصحيفة، (وهي مُعَارَضَةً)(5) لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا. وَلِذَلِكَ رَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، أَوْ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ.
فَتَأَمَّلُوا وَجْهَ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَكَيْفَ/ أَدَّى (إِلَى)(6) الضَّلَالِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فإذا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الذين سمى الله، فاحذروهم"(7).
و/الخاصية الثَّالِثَةُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ قوله تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي/ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} (8)، (وَالزَّيْغُ)(9) هُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} (10) وَقَوْلُهُ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} (11).
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ مَا يَدُلُّ عَلَى هذه الخاصية ولا على التي قبلها
(1) زيادة من (غ) و (ر).
(2)
في (غ) و (ر): "إمارة".
(3)
ساقط من (غ) و (ر).
(4)
ساقط من (غ) و (ر).
(5)
في (ط) و (خ) و (ت): "وهي معارض".
(6)
ساقط من (غ) و (ر).
(7)
تقدم تخريجه (1 72).
(8)
سورة آل عمران: الآية (7).
(9)
ساقط من (غ) و (ر).
(10)
سورة القصص: الآية (50).
(11)
سورة الجاثية: الآية (23).
إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةَ رَاجِعَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهَا إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى أَمْرٌ (بَاطِنِيٌّ)(1) فَلَا يَعْرِفُهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يُغَالِطْ نَفْسَهُ، إِلَّا/ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ خَارِجِيٌّ.
وَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَصْلَ حُدُوثِ الْفِرَقِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ بِمَوَاقِعِ السُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ بقوله:"اتخذ الناس رؤساء جهالاً"(2) فكل (واحد)(3) عَالِمٌ بِنَفْسِهِ هَلْ بَلَغَ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ الْمُفْتِينَ أَمْ لَا؟ وَعَالِمٌ (إِذَا)(4) رَاجَعَ النَّظَرَ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ: هَلْ هُوَ قَائِلٌ بِعِلْمٍ وَاضِحٍ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ أَمْ هُوَ عَلَى شَكٍّ فِيهِ؟ وَالْعَالِمُ إِذَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْعُلَمَاءُ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ بَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ حَتَّى يَشْهَدَ فِيهِ غَيْرُهُ وَيَعْلَمَ (هُوَ)(5) مِنْ نَفْسِهِ مَا شَهِدَ لَهُ/ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ عَلَى شَكٍّ، فَاخْتِيَارُ الْإِقْدَامِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْإِحْجَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى. إِذْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ فِي نَفْسِهِ غَيْرَهُ ولم يفعل، (وكان)(6)(حَقِّهِ)(7) أَنْ لَا يُقَدَّمَ إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَهُ غيره، ولم يفعل (هذا)(8).
(وقد)(9) قال العقلاء: إن رَأْيُ الْمُسْتَشَارِ أَنْفَعُ لِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْهَوَى، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُسْتَشَرْ فَإِنَّهُ غَيْرُ بَرِيءٍ، ولا سيما في الدخول في المناصب العلية والرتب (الشريفة كمرتبة)(10) الْعِلْمِ.
/فَهَذَا أُنْمُوذَجٌ (يُنَبِّهُ)(11) صَاحِبَ الْهَوَى فِي هَوَاهُ وَيَضْبِطُهُ إِلَى أَصْلٍ يَعْرِفُ بِهِ، هَلْ هو في تصدره (لفتيا)(12) النَّاسِ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى، أَمْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ؟
(1) في (م) و (غ) و (ر): "باطن".
(2)
تقدم تخريجه (1/ 117).
(3)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "أحد".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
ساقط من (غ) و (ر).
(6)
في (ط): "وكل". وفي (غ) و (ر): "أو كان".
(7)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "من حقه".
(8)
ساقط من (غ) و (ر).
(9)
زيادة من (غ) و (ر).
(10)
في (ط) و (خ) و (ت): "الشرعية كرتب".
(11)
في (م): "يتيه".
(12)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "إلى فتوى".
وَأَمَّا الْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ (1) فَرَاجِعَةٌ (إِلَى)(2) الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ رَاجِعٌ إليهم، فهم يعرفونها ويعرفون أهلها (بمعرفتهم بها)(3) // فَهُمُ الْمَرْجُوعُ/ إِلَيْهِمْ فِي بَيَانِ مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِلْمُحْكَمِ فَيُقَلَّدُ فِي الدِّينِ، وَمَنْ هُوَ (متبع)(4) للمتشابه فلا يقلد أصلاً.
ولكن له (علامات)(5) ظاهرة أيضاً نبه عليها الحديث وهو الَّذِي فُسِّرَتِ الْآيَةُ بِهِ، قَالَ فِيهِ:"فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ"، خرَّجه الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ (6).
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ (7).
فَجَعَلَ مِنْ شَأْنِ الْمُتَّبِعِ لِلْمُتَشَابِهِ أَنَّهُ يُجَادِلُ فِيهِ وَيُقِيمُ النِّزَاعَ عَلَى (الْإِيمَانِ)(8)، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّائِغَ الْمُتَّبِعَ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الدَّلِيلِ لَا يَزَالُ فِي رَيْبٍ وَشَكٍّ، إِذِ الْمُتَشَابِهُ لَا يُعْطَى بَيَانًا شَافِيًا، وَلَا يَقِفُ مِنْهُ مُتَّبِعُهُ عَلَى حَقِيقَةٍ، فَاتِّبَاعُ الْهَوَى يُلْجِئُهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِهِ، وَالنَّظَرُ فيه لا يتخلص له، فهو (في)(9) شَكٍّ أَبَدًا، وَبِذَلِكَ يُفَارِقُ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ جِدَالَهُ إِنِ افْتُقِرَ إِلَيْهِ (فَهُوَ فِي مَوَاقِعِ)(10) / الْإِشْكَالِ الْعَارِضِ طَلَبًا لِإِزَالَتِهِ، فَسُرْعَانَ مَا يَزُولُ إِذَا بَيَّنَ لَهُ مَوْضِعَ النَّظَرِ.
وَأَمَّا ذُو الزَّيْغِ فَإِنَّ هَوَاهُ لَا يُخَلِّيهِ إِلَى طَرْحِ الْمُتَشَابِهِ، فَلَا يَزَالُ فِي جِدَالٍ عَلَيْهِ وطلب لتأويله.
(1) وهي اتباع المتشابهات ومرت (3/ 171).
(2)
في (غ) و (ر): "عند".
(3)
ساقط من (ط) و (خ) و (ت)، وفي (م):"بمعرفتهم".
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "المتبع".
(5)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "علامة".
(6)
هو القاضي: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي، قاضي بغداد تقدمت ترجمته.
(7)
انظر: الاعتصام ـ طبعة رشيد رضا ـ (1 54).
(8)
في (م): "الأحيان". و (غ) و (ر).
(9)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "على".
(10)
في (غ) و (ر): "ففي مواضع".
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ نَصَارَى نَجْرَانَ (1)، وَقَصْدِهِمْ أَنْ يُنَاظِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي عِيسَى بن مريم عليهما السلام، وأنه (الإله)(2)، أَوْ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِأُمُورٍ مُتَشَابِهَاتٍ من قوله:(جعلنا)(3)، وَخَلَقْنَا، وَهَذَا/ كَلَامُ جَمَاعَةٍ، وَمِنْ أَنَّهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ كَلَامُ طَائِفَةٍ أخرى (منهم)(4)، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى أَصْلِهِ وَنَشْأَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَوْنِهِ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَتَلْحَقُهُ الْآفَاتُ وَالْأَمْرَاضُ. وَالْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي السِّيَرِ (5).
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَتَوْا لِمُنَاظَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمُجَادَلَتِهِ لَا (بقصد)(6) اتِّبَاعَ الْحَقِّ. وَالْجِدَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَنْقَطِعُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا بيَّن لَهُمُ/ الْحَقَّ (وَلَمْ)(7) يَرْجِعُوا (عَنْهُ)(8) دُعُوا إِلَى أَمْرٍ آخَرَ خَافُوا مِنْهُ الْهِلْكَةَ فَكَفُّوا عَنْهُ، وَهُوَ الْمُبَاهَلَةُ (9)، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} (10)، وَشَأْنُ هَذَا الْجِدَالِ أَنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ ذِكْرِ الله وعن الصلاة، كالنرد، والشطرنج (ونحوهما)(11).
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (12) أَنَّهُ قال: جلس/ عمرو بن عبيد
(1) انظر: تفسير ابن جرير (6 467 ـ 475).
(2)
في (ط) و (خ): "الله".
(3)
في (ط) و (خ) و (غ) و (ر): "فقلنا".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
انظر: طبقات ابن سعد (1 357)، وتهذيب السير لابن هشام (1 573). وتفسير ابن جرير (6 151).
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "يقصدوا".
(7)
في (غ) و (ر): "لم".
(8)
في (غ) و (ر): "حتى".
(9)
المباهلة: هي الملاعنة، وهي أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولون: لعنة الله على الظالم منا. انظر لسان العرب، مادة: بهل.
(10)
سورة آل عمران: الآية (61).
(11)
في (ط): "وغيرهما".
(12)
هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي، تقدمت ترجمته.
وشبيب بن شيبة (1) ليلة (يتخاصمان)(2) إلى طلوع الفجر، قال:(فما صلُّوا وجعل عَمْرٌو)(3) يَقُولُ: هِيهِ أَبَا مَعْمَرٍ، هِيهِ أَبَا مَعْمَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ أَحَدًا شَأْنُهُ أَبَدًا الْجِدَالُ فِي الْمَسَائِلِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ وَلَا يَرْعَوِي، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ زَائِغُ الْقَلْبِ مُتَّبِعٌ لِلْمُتَشَابِهِ فَاحْذَرُوهُ.
/وَأَمَّا (الخاصية الأولى)(4) فَعَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْعُقَلَاءِ مِنْ (أَهْلِ)(5) الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ التَّوَاصُلَ وَالتَّقَاطُعَ/ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَبِمَعْرِفَتِهِ يُعْرَفُ أَهْلُهُ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ (حَدِيثُ)(6) الْفِرَقِ، إِذْ أَشَارَ إِلَى الِافْتِرَاقِ شِيَعًا (بِقَوْلِهِ) (7):"وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى كَذَا"، وَلَكِنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بَعْدَ (الْمُلَابَسَةِ)(8) / وَالْمُدَاخَلَةِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَلَهُ (علامات)(9) تتضمن الدلالة/ على (التفرق)(10)(أول)(11) مُفَاتَحَةُ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ إِلْقَاءُ الْمُخَالِفِ لِمَنْ لَقِيَهُ ذم (سلفه)(12) المتقدمين (الذين)(13) اشْتَهَرَ عِلْمُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ وَاقْتِدَاءُ الْخَلَفِ بِهِمْ، (وَيَخْتَصُّ)(14) بِالْمَدْحِ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ شَاذٍّ مُخَالِفٍ لَهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْعَلَامَةِ فِي الِاعْتِبَارِ تَكْفِيرُ الْخَوَارِجِ ـ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ـ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ رضي الله عنهم، فَإِنَّهُمْ ذَمُّوا مَنْ مدَحه اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاتَّفَقَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى مَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَمَدَحُوا مَنِ اتفق السلف الصالح على
(1) هو: شبيب بن شيبة أبو معمر المنقري البصري، قال عنه ابن معين: لم يكن بثقة. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. انظر: تاريخ بغداد (9 274).
(2)
في (غ) و (ر): "يتخاصمون".
(3)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فلما صلوا جعل عمرو". وفي تاريخ بغداد (9 277)(12 174): "فما صلوا ليلتئذ ركعتين. قال: وجعلوا عمرو".
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ما يرجع للأول".
(5)
زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(6)
في (غ) و (ر): "الحديث".
(7)
في (م) و (غ) و (ر): "لقوله".
(8)
في (م): "الملامسة".
(9)
في (غ) و (ر): "علامة".
(10)
في (ت): "المفارقة".
(11)
في (ط) و (خ): "أولا".
(12)
زيادة من (غ) و (ر).
(13)
في (ط): "ممن".
(14)
في (م) و (غ) و (ر): "ويختصون".
ذَمِّهِ (كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ)(1) بْنِ مُلْجِمٍ قَاتِلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وصوَّبوا قَتْلَهُ إِيَّاهُ، وَقَالُوا: إِنَّ/ فِي (شَأْنِهِ)(2) نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} (3)، وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (4)، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَكَذَبُوا ـ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ـ، وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ فِي مَدْحِهِ لِابْنِ مُلْجِمٍ:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا
…
إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ
…
أَوْفَى الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا (5)
وَكَذَبَ ـ (لَعَنَهُ اللَّهُ)(6) ـ (فَإِذَا)(7) رَأَيْتَ مَنْ يَجْرِي عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، فَهُوَ مِنَ الْفِرَقِ الْمُخَالَفَةِ، وَبِاللَّهِ التوفيق.
/ وروي عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ (8)، قَالَ: حَدَّثَنِي الْيَسَعَ (9)، قَالَ: تَكَلَّمَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (10) يَوْمًا ـ يَعْنِي الْمُعْتَزِلِيَّ ـ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ مَا كَلَامُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ـ عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ ـ/ إِلَّا خِرْقَةُ حَيْضٍ ملقاة (11).
روي أَنَّ زَعِيمًا مِنْ زُعَمَاءِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ كَانَ يُرِيدُ تَفْضِيلَ الْكَلَامِ عَلَى الْفِقْهِ، فَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ عِلْمَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، جُمْلَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ سَرَاوِيلِ امْرَأَةٍ.
هَذَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ الزَّائِغِينَ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ.
وَ (أَمَّا)(12) الْعَلَامَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ (فَقَدْ)(13) نبِّه عَلَيْهَا وَأُشِيرَ
(1) في (م): "وكعبد الله".
(2)
في (غ) و (ر): "قتله".
(3)
سورة البقرة: الآية (207).
(4)
سورة البقرة: الآية (204).
(5)
انظر: أخبار الخوارج من الكامل للمبرد (ص9).
(6)
ساقط من (غ) و (ر).
(7)
ساقط من (م) و (خ) و (ت).
(8)
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية، تقدمت ترجمته.
(9)
لم أعرف من هو؟.
(10)
هو واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، تقدمت ترجمته.
(11)
انظر: الكامل لابن عدي (5/ 103).
(12)
زيادة من (غ) و (ر).
(13)
في (ت): "قد".